|
| ميشيل باس |
يرى البعض أن الاتحاد الأوروبي في اهتمامه بمنطقة الشرق الأوسط يركز على الانتخابات وحقوق الإنسان بشكل يفوق تركيزه على دعم الديمقراطية، بينما يشكك آخرون في نوايا الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد، ورغم أهمية هذا الجدل، إلا أنه لا يلتفت بما يكفي من الانتباه لرؤى الأطراف المستهدفة من السياسات الأوروبية، أي أبناء منطقة الشرق الأوسط إزاء هذه السياسات.
لذا تهدف هذه الورقة إلى سد الفجوة في هذا الصدد عبر إلقاء الضوء على بعض الرؤى من مصر وفلسطين، وتستند إلى 20 مقابلة أجريت في فلسطين في سبتمبر 2007، و20 مقابلة أخرى أجريت في مصر في مارس 2008 مع أكاديميين، وممثلين عن المنظمات غير الحكومية، ومدونين، وبرلمانيين، ونشطاء حزبيين، وصحفيين، فضلا عن ممثلين من الهيئات القضائية من البلدين.
(1) مقدمة
لا يعتمد نهج الاتحاد الأوروبي في دعم الديمقراطية على التحرك العسكري وإنما على محاولة نشر القيم الأوروبية عبر التفاعل مع الفاعلين الآخرين، بعبارة أخرى يعتمد الاتحاد على نهج الشراكة، وهو ما يعد رسالة مباشرة للدول المستهدفة من قبل الاتحاد الأوروبي بأنه يختلف عن الولايات المتحدة فيما يتعلق بسبل الترويج للإصلاح السياسي في المنطقة.
ولكن من المعروف في أوساط الأكاديميين والصحفيين والدبلوماسيين أن هناك عدة قيود على أداء الاتحاد الأوروبي في هذا السياق لعل من أبرزها:
• الاختلاف بين دول الاتحاد الأوروبي -فيما يخص العلاقة- مع دول الشرق الأوسط.
• فشل الاتحاد الأوروبي في التعاطي مع المسببات السياسية الحقيقية للصراع في المنطقة.
• انتظار الاتحاد الأوروبي دائما للضوء الأخضر من قبل الولايات المتحدة قبيل قيامه بأي تحرك في المنطقة، الأمر الذي يجعل الاتحاد غالبا يبدو فاعلا ضعيفا، على الرغم من نفوذه السياسي والاقتصادي القوي في المنطقة.
وتعد مسألة بناء الديمقراطية في الشرق الأوسط هي المجال الأمثل الذي يظهر من خلاله تأثير هذه القيود على أداء الاتحاد الأوروبي لاسيما في الحالتين الفلسطينية والمصرية، ففي فلسطين، وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان قد أرسل بعثة لمراقبة الانتخابات التي أجريت في عام 2006، وهي البعثة التي أعلنت أن هذه الانتخابات حرة ونزيهة وشفافة؛ قام الاتحاد بعد ذلك بتجميد مساعداته المباشرة للفلسطينيين تحت الضغط الأمريكي، كما وضع الاتحاد حركة حماس على قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة، بل إن الاتحاد الأوروبي -وفي ظل عضويته في اللجنة الرباعية- قام ليس فقط بعزل حماس، وإنما بتخصيص أموال لتطوير القطاع الأمني الذي تستخدمه حركة فتح للانقضاض على حماس في الضفة الغربية.
أما في حالة مصر، فإن النجاح غير المسبوق الذي حققته جماعة الإخوان المسلمين المعارضة المحظورة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في عام 2005، قد أدى إلى تبني الاتحاد الأوروبي لخيار عدم مواجهة نظام مبارك، الأمر الذي يعني أن الاتحاد الأوروبي قد اختار دعم الشمولية في مواجهة الديمقراطية.
(2) علاقات الاتحاد الأوروبي مع مصر وفلسطين في إطار بناء الديمقراطية
تلتزم المفوضية الأوروبية بتطوير وتطبيق برامج خاصة بالديمقراطية في سياق العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي مع مختلف مناطق العالم، ومنذ توجه مؤسسات الاتحاد نحو تبني اللامركزية كنظام للعمل في عام 2000 أصبح لمكاتب المؤسسات الأوروبية دور متزايد على أرض الواقع في مجال دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط.
وتركز جهود الاتحاد الأوروبي حتى الآن على حقوق الإنسان والانتخابات، ويعتمد الاتحاد في ذلك على دعامتين: الأولى: هي تعليم حقوق الإنسان، أما الثانية: فهي بناء المؤسسات، وفي الحالة الفلسطينية يمتد الدعم الأوروبي لمجالات أخرى، كالمساعدات القانونية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، ودعم المؤسسات الدولية العاملة في مجال مراقبة حقوق الأطفال.
تجدر الإشارة إلى أن التعاون مع المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني يكتسب أهمية خاصة في نهج الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد، إذ تعد هذه المنظمات هي الشريك الذي يتولى تطبيق المشروعات الأوروبية، ومن الأمثلة الجديرة بالذكر في هذا السياق المنظمات العربية العاملة في إطار "المبادرة الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان EIDHR"، ويمكن القول إن الاتحاد الأوروبي يهدف إلى تنمية مجتمع مدني تعددي في دول الجوار المحيطة به، ويرتبط بذلك الأهداف الأخرى المعلنة للاتحاد من قبيل دعم مبادئ الحرية، والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان وحكم القانون.
وتتجاوز علاقات الاتحاد الأوروبي مع مصر وفلسطين حدود العلاقات الثنائية لتشمل العلاقات الإقليمية والمتعددة، فالاتحاد له علاقات دبلوماسية مع مصر منذ عام 1966، كما وقع الطرفان اتفاقية تعاون في عام 1977، واتفاقية شراكة في عام 2001 دخلت حيز النفاذ في عام 2004، وتعتبر الآن اتفاقية ملزمة قانونا للطرفين.
ومن الناحية النظرية لا يهدف الاتحاد فقط إلى دعم مصر ماليا، وإنما يسعى أيضا لدعم الإصلاحات السياسية الداخلية في البلاد، وتأتي على قمة الأجندة الأوروبية في هذا السياق عدة قضايا هي: الإصلاح الديمقراطي، والتحديث الاقتصادي، والإصلاح الاجتماعي، والهجرة.
وقد أصبح لعلاقات الاتحاد بفلسطين أساسها القانوني في عام 1997 مع اتفاقية الشراكة الأوروبية-متوسطية المرحلية، وقد اتخذت علاقات الاتحاد الأوروبي بكل من مصر وفلسطين شكلا أكثر مؤسسية مع انطلاق الشراكة الأوروبية-متوسطية في عام 1995، وسياسة الجوار الأوروبي التي أطلقت في العام 2003.
وفيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط، يلعب الاتحاد الأوروبي نظريا دورا من خلال عضويته في اللجنة الرباعية، وهو يسعى بشكل خاص لتقديم الدعم للفلسطينيين للاستمرار في الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يقومون بها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المفوضية الأوروبية هي أكبر جهة تقدم الدعم المالي للفلسطينيين.
(3) رؤى فاعلين رئيسيين من مصر وفلسطين
يرى البعض أن موقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية بعد انتخاب حماس يجعله يبدو أخرقا في قراراته، لدرجة أنه يبعث برسائل متناقضة لشعوب منطقة الشرق الأوسط، ويرى كثيرون في الأراضي الفلسطينية أن الاتحاد يمول الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتكرس هذه الرؤى وجهة النظر التي تعتبر أن الاتحاد يخضع للأهواء الأمريكية.
وقد عبر المبحوثون عن قدر هائل من الغضب تجاه الاتحاد الأوروبي على نحو يجعل من أية جهود يبذلها الاتحاد من أجل دعم الديمقراطية تبدو صعبة إن لم تكن مستحيلة، ما لم يتعامل الاتحاد مع النزاع في المنطقة بشكل أكثر جدية وفي ذلك جذوره التاريخية، والأجندة الحقيقية للقوة المحتلة.
بكلمات أخرى يجب على الاتحاد أن يستخدم نفوذه الاقتصادي للضغط على إسرائيل حين تقوم بانتهاك المعايير الدولية بدلا من الاستمرار في تحسين العلاقات معها، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي هو الممول الأكبر للفلسطينيين، وفي الوقت ذاته هو أكبر سوق للصادرات الإسرائيلية، وإذا كان هناك من دروس مستفادة من الأحداث الأخيرة في غزة؛ فأهمها أنه على الاتحاد الأوروبي اللجوء لإجراءات أكثر شدة فيما يخص تقديم مساعدات على المدى الطويل للفلسطينيين، فضلا عن تجميد اتفاقيات الشراكة والتعاون المعمول بها والمقترحة مع إسرائيل لحين حدوث تحسن حقيقي على أرض الواقع؛ فلا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يحاول بناء الديمقراطية في فلسطين في حين يستمر في إمداد إسرائيل بأسلحة تستخدم على نحو يخالف مبادئ الاتحاد ذاته.
أضحت الجماعات الإسلامية، وفيها الإخوان المسلمون ومنهم حماس، تتمتع بشعبية كبيرة في مصر وفلسطين، وقد أعرب الإسلاميون الذين تم إجراء مقابلات معهم لإعداد هذه الورقة عن قناعتهم بأن الديمقراطية هي عملية برامج سياسية تهدف لتوفير الاحتياجات الأساسية للشعوب كالعمل والتعليم والصحة، الأمر الذي يعني أن الاتحاد يجب أن يركز على هذه الاحتياجات الأساسية إذا كان جادا في شأن بناء الديمقراطية في الشرق الأوسط، وفي فلسطين على وجه الخصوص يتطلب الأمر إنهاء الاحتلال، وفي مصر يتطلب ذلك إنهاء الشمولية.
وفي كل من البلدين، يرى المبحوثون أن الديمقراطية وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، ففي فلسطين تعد وسيلة للقضاء على الممارسات الفاسدة والاحتلال، أما في مصر فوسيلة للقضاء على الشمولية، الناس في البلدين يذهبون للاقتراع لأنهم يتوقعون أن يسفر ذلك عن التغيير والإصلاح، وبالتالي يمكن القول إنه وفق المعايير الغربية للفكر الديمقراطي فإن الإسلام السياسي يفتقر للتركيز على الأبعاد الليبرالية للحكم.
ولذا فإن قيام الاتحاد الأوروبي بدعم نموذج ديمقراطي يقوم على مشاركة القوى العلمانية والليبرالية دون غيرها، فإنه يسهم بذلك في تعميق الهوة بين الحكام والمحكومين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهذا أيضا ما دفع الإسلاميين الذين تم إجراء المقابلات معهم لإعداد هذه الورقة إلى القول بأن: "الاتحاد يهدف فقط لحماية قيمة الليبرالية، وليس لحث المناطق الأخرى في العالم على تطوير نماذج خاصة بها للتحول نحو الديمقراطية".
وأكد المبحوثون من مصر وفلسطين على أن تدخل الاتحاد الأوروبي لدعم الديمقراطية لا يتعرض لجوهر المشكلة، أي تلبية الاحتياجات والحقوق الأساسية للشعوب في المنطقة، إذ يتركز جل اهتمام الاتحاد على حقوق الإنسان، ومن ثم يتم تخصيص الجانب الأكبر من التمويل لمنظمات حقوق الإنسان، وعلى الرغم من أن هذه الجهود جعلت مجتمعات المنطقة أكثر حساسية إزاء حماية حقوق الإنسان، وهو ما أثر بشكل غير مباشر على الأنظمة الحاكمة في المنطقة إلا أن ذلك لا يزال غير كاف.
وتتأثر إستراتيجية الاتحاد في هذا السياق بغياب ثقة شعوب المنطقة حول نوايا الفاعلين الخارجيين المعنيين بالمنطقة بصفة عامة، خاصة أن الحرب الأمريكية ضد الإرهاب صارت شعارا تبنته جميع القوى الفاعلة الأخرى خارج المنطقة.
وهناك اتفاق بين الفلسطينيين على أنه ما لم يقم الاتحاد الأوروبي بممارسة ضغوط قوية على إسرائيل لكي تخفف من القيود التي تفرضها على حرية حركة الفلسطينيين وتفكك ما يسمى بالجدار العازل وتجمد الأنشطة الاستيطانية؛ فإن كل جهود الاتحاد تحت شعار "بناء الديمقراطية" ستكون بلا جدوى؛ أي إنه ببساطة لا يمكن للاتحاد القيام بدور مؤثر في فلسطين ما لم يمارس ضغوطا على إسرائيل للالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. أما في مصر فدوره مرتهن بالضغط على نظام مبارك حينما يرتكب انتهاكات لحقوق الإنسان.
وخلال المقابلات كذلك ظهرت رؤى تعتبر أن تركيز الاتحاد الأوروبي على حقوق الإنسان لا يتم ترجمته في صورة برامج تفاعلية تساعد الاتحاد على فهم الواقع العملي لحقوق الإنسان في المنطقة.
وفي هذا السياق يتفق المبحوثون على أن قناعة الاتحاد الأوروبي بأن التنمية الاقتصادية ستؤدي إلى إصلاح سياسي هي قناعة في غير محلها، فكلاهما يجب أن يتم بشكل متواز، لاسيما أن النظم الحاكمة في هذين البلدين (خاصة مصر) أضحت تتجه بالبلاد إلى أن تصبح دولا فاشلة لاسيما مع فشلها في توفير الخبز لمواطنيها.
ومن ثم فما يحتاجه الاتحاد الأوروبي للتعامل مع المنطقة هو رسم مجموعة من الخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، تضع في اعتبارها أن التغيير السياسي يتطلب وقتا وصبرا، فضلا عن الحاجة إلى رفع وعي شعوب المنطقة عبر برامج تعليمية ممتدة.
(4) استخلاصات ختامية وتوصيات
يوضح تحليل المقابلات التي تم إجراؤها بهدف إعداد هذه الورقة أن الاتحاد الأوروبي يسعى لدعم الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، من خلال عدد من الاقترابات، أهمها:-
(1) اقتراب المشروطية: حيث يحاول الاتحاد الأوروبي دعم الديمقراطية من خلال استخدام نفوذه الاقتصادي في الضغط على الأطراف المعنية.
(2) اقتراب التعليم: وذلك عبر تطوير مؤسسات المجتمع المدني في دول المنطقة للقيام بدور فعال في هذا الصدد.
وقد توصل التقرير إلى أن سياسة الاتحاد في المنطقة تعتريها عدة مثالب؛ وذلك إلى جانب القيود الداخلية والمؤسسية سالفة الذكر داخل الاتحاد ذاته، ويمكن إجمال هذه المثالب فيما يلي:-
• فشل الاتحاد (وفق وجهات نظر أبناء منطقة الشرق الأوسط المستهدفة من قبل الاتحاد ذاته) في فهم المسببات السياسية الحقيقة للأزمات في المنطقة.
• تضييق الاتحاد لنطاق جهوده في المنطقة لتدور بشكل أساسي حول حقوق الإنسان والانتخابات، متجاهلة بذلك التعاطي مع الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية التي تفتقر إليها شعوب المنطقة، ومن ثم فالاتحاد لا يركز على الاحتياجات الحقيقية لمواطني المنطقة ومطالبهم بالحريات الحقيقية التي يحتاجونها.
• عدم تجانس أو توافق خطاب دول الاتحاد الأوروبي حول حالات انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها المنطقة.
• تضييق الاتحاد الأوروبي لنطاق الفاعلين والقوى الذين اختار العمل معهم كشركاء لتنفيذ خططه ومشروعاته في المنطقة.
• نقص معرفة الاتحاد الأوروبي بمنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، على نحو دفع أبناء المنطقة إلى التشكيك في نوايا الاتحاد بشأن الاهتمام ببناء ودعم الديمقراطية في المنطقة (كما ظهر من آراء المبحوثين).
وبناء على ذلك يمكن الخروج بمجموعة من التوصيات، أو ما يمكن اعتباره مجموعة من الوصفات السياسية، على الاتحاد الأوروبي وضعها في الاعتبار عند رسم سياسته إزاء منطقة الشرق الأوسط، منها:-
أولا: يجب على الاتحاد الأوروبي الابتعاد عن أية محاولة لفرض نماذج الديمقراطية الليبرالية على دول المنطقة، ويتوافق ذلك مع الدعوات التي يتم توجيهها للفاعلين الخارجيين المعنيين بمنطقة الشرق الأوسط بضرورة تعلم طرق مبتكرة للنظر في الممارسات والإجراءات المرتبطة بالديمقراطية في المنطقة، كبديل للتركيز على محاولة فرض المعايير الغربية (العالمية) للديمقراطية.
معنى ذلك أنه على الاتحاد أن يقضي وقتا طويلا لفهم مجريات الأمور في المنطقة بشكل واضح لاسيما فيما يتعلق بالقيود المفروضة على الحريات الأساسية لمواطني الدول الشرق أوسطية، وهذا ما يتطلب اتخاذ خطوات شجاعة لإقامة علاقات وثيقة مع مختلف الفاعلين في هذه الدول، سواء كانوا أنظمة حاكمة أم مؤسسات غير حكومية، وفي ذلك القوى والجماعات الإسلامية التي أضحت تتمتع بشعبية متزايدة في دول المنطقة خاصة مصر وفلسطين.
ثانيا: لابد للاتحاد الأوروبي من تحديد الهدف الرئيسي وراء اهتمامه ببناء الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وهنا تشير العديد من التحليلات إلى الشعور بالذنب الذي يحكم توجهات الاتحاد إزاء منطقة الشرق الأوسط بسبب العبء التاريخي الذي تتحمله دوله (وعلى وجه الخصوص بريطانيا وفرنسا)؛ بسبب دورها كقوى مستعمرة لدول المنطقة، بكل ما يحمله ذلك من استغلال لموارد المنطقة، فضلا عن الدور الذي لعبته دول الاتحاد في إقامة دولة إسرائيل على حساب الدول العربية، بحيث يكون على الاتحاد الأوروبي أن يقوم بالتركيز في جهوده على مسببات غياب الديمقراطية في هذه البلدان وليس فقط على معالجة عوارض أو أعراض ذلك الغياب.
أي إنه على الاتحاد الأوروبي أن يعمل على إعادة بناء جسور الثقة مع دول منطقة الشرق الأوسط التي يفتقر الاتحاد إلى المصداقية في أعين شعوبها، وفي هذا السياق لابد أن يكون مطروحا على مخططي سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه المنطقة، أن يقوم الاتحاد بالتراجع أو الابتعاد عن الاهتمام ببناء ودعم الديمقراطية وفق الرؤى الأوروبية، ومن ثم السماح للقوى والفاعلين المحليين في المنطقة بتحديد أجندة أولويات خاصة بهم وفق رؤاهم واحتياجاتهم، ثم تنصب جهود الاتحاد الأوروبي بعد ذلك على دعم المبادرات المحلية التي تقدمها هذه القوى.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المبحوثين الذين اعتمدت هذه الورقة على قراءة وتحليل رؤاهم قد أكدوا مرارا أنهم يفضلون أن يتم التعاون بينهم وبين الاتحاد الأوروبي على أساس تعاوني تفاعلي.
ثالثا: على الاتحاد الأوروبي إعادة النظر في سياساته وأولوياته وإستراتيجياته في التعامل مع المناطق الأخرى من العالم وفيها الشرق الأوسط؛ فلفترة طويلة من الزمان ساد الاعتقاد بأن الاتحاد الأوروبي فاعلا قيميا وأحد قوى الخير التي تحاول فرض (ترويج) قيمها في مناطق أخرى في العالم، وقد تغيرت هذه الرؤية في ضوء الأحداث الأخيرة في فلسطين ومصر، فضلا عن الحروب الدائرة في أفغانستان والعراق، بحيث ظهرت العديد من علامات الاستفهام حول إذا ما كان الاتحاد الأوروبي معني فعلا بدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط، أو إذا ما كانت أولوياته هي الوساطة الدبلوماسية وبناء التحالفات بما يتناسب مع مصالح دول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كما يبدو أن الاتحاد معني بشكل أساسي بحماية قيمه الليبرالية أكثر من الاهتمام بزرع هذه القيم في المناطق الأخرى من العالم.
وللتغلب على ذلك، على الاتحاد أن يفكر في الوقت الحالي بطريقة عكسية، بمعنى أنه إذا كان يرغب في بناء ودعم الديمقراطية في دول المنطقة؛ فعليه أن يتبنى ممارسات ديمقراطية في العلاقات الثنائية مع هذه الدول، مع التركيز بشكل خاص على المعوقات الرئيسية التي تواجه الديمقراطية في دول المنطقة لاسيما الحكم الشمولي.
ففي الحالة المصرية مثلا، على الاتحاد الأوروبي استخدام نفوذه في الضغط على الحكومة المصرية بغرض التخفيف من رقابتها على وسائل الإعلام (كحجب بعض مواقع الإنترنت أو وقف تدفق المعلومات خصوصا للصحفيين)، وانطلاقا من أن التعليم هو أساس التنمية، وأنه يرفع من قدرة المواطنين في أي دولة، ويمكنهم من المطالبة بحقوقهم، يجب على الاتحاد زيادة الإنفاق على برامج محو الأمية، وتشجيع وزارة التربية والتعليم على تحسين النظام التعليمي، بحيث يشجع التفكير النقدي والإبداعي، وحل المشكلات وتشجيع الحوار بين الدارس والمعلم، إضافة إلى استخدام التكنولوجية الحديثة.
كما يجب على الاتحاد الأوروبي تشجيع الدولة المصرية على تبني إصلاحات في نظام العمل وفي ذلك رفع مستويات رواتب العاملين في القطاع العام بما يكفي للوفاء بالاحتياجات الأساسية.
وفي الإطار ذاته، يجب على الاتحاد توجيه تمويله للمؤسسات الحكومية وغير الحكومية العاملة في مجالات تحسين الخدمات الصحية والتعليمية والإسكان، وذلك إلى جانب البرامج العاملة في مجال دعم الشفافية في الانتخابات، وحرية التعبير، والمشاركة السياسية؛ أي يجب على الاتحاد الأوروبي إعادة النظر في سياسته التمويلية، بحيث يوجهها إلى الوفاء بالاحتياجات الأساسية لشعوب المنطقة، وذلك كما تحددها الدراسات والأبحاث التي تجريها المنظمات والمؤسسات المحلية في هذه الدول، وليس وفق أجندة أولويات الاتحاد الأوروبي.
رابعا: ضرورة قيام الاتحاد الأوروبي بتحديد أولوياته تجاه المنطقة، وتحديد إذا كان الهدف الأول للاتحاد هو بناء ودعم الديمقراطية في الشرق الأوسط أم بناء التحالفات.
وكما سبقت الإشارة يتوقف ذلك على مصالح الدول الأعضاء في الاتحاد، ومن ثم فهذا البعد يتعلق بضرورة إجراء مفاوضات على أعلى مستوى بين الحكومات الأوروبية.
ويجب أن يكون تحرك الاتحاد في التعامل مع كل دولة من دول المنطقة مبنيا على واقع التطورات السياسية في هذه الدولة. ففي فلسطين مثلا، على الاتحاد الأوروبي أن يعمل كوسيط بهدف تحقيق المصالحة بين فتح وحماس كخطوة أولى لدعم الديمقراطية، مع الوضع في الاعتبار أن الفلسطينيين من جميع التوجهات يقبلون الديمقراطية كمبادئ، إلا أنهم يرفضون ممارسات تقاسم السلطة.
كما يجب أن يكون للاتحاد صوت واحد كفاعل واحد في النظام السياسي الدولي ككل، وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، إذ تعكس الدبلوماسية المكوكية -التي تبناها الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" خلال أزمة غزة في ديسمبر 2008- حاجة الاتحاد الأوروبي إلى رئيس قوي يفرض على العالم احترام الاتحاد الأوروبي كفاعل دولي.
وأخيرا: يجب على الاتحاد أن يكون حازما في الضغط على حكومات المنطقة عند ارتكابها انتهاكات لمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية؛ فالأفعال دائما يجب أن تكون أعلى صوتا من الكلمات.
الباحثة الأولى وزميل المجالس البحثية ببريطانيا – كلية العلوم الاجتماعية – قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة برمنجهام، خبيرة في العلاقات الأورو – شرق أوسطية والأورو – متوسطية،
عضو في المجلس التحريري لدورية "السياسات المتوسطية"، وعضو مؤسس ومحاضر بالجمعية البريطانية للدراسات الدولية- مجموعة الدراسات الدولية- المتوسطية، والمجموعة البحثية حول الاتحاد الأوروبي وجهود نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. وهي مديرة المشروع البحثي الخاص بسياسة الاتحاد الأوروبي للترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط، والذي ستقدم توصياته إلى المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد الأوروبي.
*موجز لورقة عمل أعدتها د. ميشيل باس تحت عنوان (رؤى من مصر وفلسطين حول دور الاتحاد الأوروبي وأثره في بناء الديمقراطية في الشرق الأوسط)، وتم تقديمها إلى مجلس الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ببريطانيا، كجزء من مشروع بحثي يعني بدراسة الإشكاليات والتناقضات في سياسة الاتحاد الأوروبي للترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط.
|