|
| جمال مبارك |
عندما اقترح مؤتمر الحزب الوطني السادس في مصر شعار (من أجلك.. أنت)، المفترض أنه موجه للمواطن المصري بسبب تركيز المؤتمر على القضايا الداخلية، سخر معارضون من الشعار وألمحوا إلى أن المقصود بـ "أنت" هو جمال مبارك، وسيناريو التوريث الانتخابي.
ويبدو أن جانبا مما ألمحت إليه المعارضة والصحف المستقلة كان هو النتيجة الفعلية للمؤتمر، فأحد أبرز الأهداف التي ركز عليها مؤتمر الحزب الوطني تمثل في إعطاء "جرعة دعائية" جديدة لنجل الرئيس المصري بانتظار تحريك ملف التوريث الانتخابي سواء في انتخابات 2011 أو ما بعدها، وهو هدف نجح فيه المؤتمر بجدارة.
وقد اهتم المؤتمر بقضايا المواطن المصري البسيط وأفرط في التركيز على القضايا الداخلية، مهملا قضايا خارجية حيوية مثل أزمة حوض النيل ومخاطر تفتت السودان وأثره على مصر، وقضايا فلسطين وغيرها. وتولى جمال مبارك نجل الرئيس المصري- الذي أدار أيضا غالبية الجلسات حتى أن بعض الأعضاء كانوا ينادونه بلقب "يا ريس"- مناقشة هذه السياسات الداخلية، واقترح الحلول الخاصة بمشكلات الفقراء ومحدودي الدخل وأرباب المعاشات. وحتى الجلسات التي غاب عنها مبارك الابن، حاول أنصاره – وعلى رأسهم أحمد عز– استحضار لمساته فيها!.
بل إن الرئيس المصري حسني مبارك (رئيس الحزب)، الذي حضر افتتاح وختام المؤتمر فقط، حرص على امتداح نجله جمال وجهوده وقدم دعما غير مباشر له، عندما أشاد- في خطابه أمام المؤتمر- بـ "شباب الحزب الذين يتبنون الفكر الجديد"، مؤكدا أنهم "يمتلكون رؤية واضحة للمستقبل، ويقترحون أفكارا جديدة لمواجهة التحديات".
وظهر جمال مبارك- الذي تحدث باقتدار هذه المرة وظهر بصورة أكثر نضجا وتماسكا سياسيا– كمن يدير الحزب والدولة وهو يتحدث عن برامج الإنعاش الاقتصادي وبرامج رعاية محدودي الدخل ورفع الضمان الاجتماعي ورعاية الفلاح.
وكان جمال مبارك محور المؤتمر: فهو المتحدث باسم المؤتمر ومقدم المشاريع، والمحاور للإعلاميين، والمدير لجلسات المؤتمر فيما يخص المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والزراعة وغيره. إلى جانب مشاركته في الـ 11 لجنة التي ناقشت كل الموضوعات، ما أظهر بوضوح أن المؤتمر استهدف تلميع صورته.
ولم تكن استفادة نجل الرئيس المصري من فرصة انعقاد مؤتمر الحزب الوطني قاصرة فقط على طرح نفسه كمدافع عن الفقراء، وإنما اشتبك– على غير المعتاد – مع المعارضة وانتقد تشكيكها في انجازات الحكومة، وتحدث بثقة عن بقاء الحزب الوطني في السلطة للسنوات الخمس المقبلة، في إشارة للانتخابات التشريعية في عام 2010، والرئيسية في عام 2011، مبديا عدم اكتراثه بما يتردد عن ترشيحات من جانب المعارضة لشخصيات شهيرة لرئاسة مصر.
ولم يتهرب مبارك الابن من الرد على الأسئلة السياسية المحرجة. فعلى سبيل المثال، وردا على تساؤلات خاصة بمرشح الحزب للانتخابات الرئاسية القادمة، قال جمال إنه "من السابق لأوانه الحديث عن ذلك"، وعلق على اقتراح الكاتب المصري الكبير حسنين هيكل الخاص بتشكيل "مجلس أمناء دستوري" يدير البلاد كمرحلة انتقالية، بالقول "إن البلاد تعيش حرية ومن حق أي شخص أن يقول ما يراه".
وبالتوازي قام أنصاره في الحزب – خاصة أحمد عز وعبد الرحيم الغول وآخرين – بالحديث عن إنجازات جمال مبارك، ووصفوه بأنه "مفجر ثورة التطوير والتحديث والاقتصاد" في الحزب.
تمهيد للتوريث الانتخابي
برغم تأكيد جمال مبارك على أن الحزب غير ملزم بالإعلان عن مرشحه للرئاسة قبل عامين من الانتخابات- ما أثار التكهنات حول احتمالات إعادة ترشيح مبارك (الأب) مرة سادسة لحين نضج "الابن" واكتسابه خبرات سياسية، خاصة أن مبارك تعهد، في فبراير من العام 2007، بالاستمرار "في تحمل المسئولية ما دام في الصدر قلب ينبض"- فقد لفتت تصريحات مسئولين كبار في الحزب الوطني عن الخلافة السياسية الأنظار، خاصة عندما تحدث رئيس الوزراء أحمد نظيف قبل المؤتمر بيومين عن أن جمال "مرشح ممكن للحزب" لتولي الرئاسة.
أيضا عززت تصريحات علي الدين هلال، أمين الإعلام بالحزب، عن أن الرئيس المقبل لن يكون عسكريا، من فرص جمال مبارك. ففي ندوة عقدت بمجلة روز اليوسف ونشرها موقع الحزب الوطني الالكتروني، أشار هلال إلى أن مصدر الشرعية في النظام السياسي المصري سيتغير في المستقبل، قائلا "كان لدينا ثلاثة رؤساء من المؤسسة العسكرية.. كانوا أبطالاً خاضوا معارك حربية وهذا أعطاهم شرعية.. الرئيس القادم لن يكون كذلك". بل واعتبر هلال ما أن يُعلن من أسماء مرشحين مستقلين عبر الصحف والمعارضة "يفتقر إلي الأدب واللياقة.. ونوعاً من التنطع السياسي" بحسب قوله.
وسبقت هذه التصريحات، تلميحات من قبل الرئيس مبارك نفسه في أغسطس 2009، على هامش زيارته الأخيرة لأمريكا، عندما أشار إلى أنه لا يشترط أن يكون رئيس مصر المقبل ذي خلفية عسكرية، وهو ما اعتبره مراقبون تمهيدا لتولي نجله (المدني) رئاسة مصر، برغم نفي مبارك الأب أن يكون تناقش مع ابنه في خلافته سياسيا، ووصفه، أي مبارك، ما يثار حول هذا الأمر بأنه مجرد "دعاية".
ففي حديث لقناة "بي بي إس" الأمريكية في 18 أغسطس 2009، قال مبارك- ردا على سؤال عن احتمالية ألا يكون الرئيس المقبل ذي خلفية عسكرية- "هذا الأمر ربما.. يمكن أن يتغير بعد ذلك، هذا ربما يتغير، لا أحد يعرف من سينجح، فنحن لدينا انتخابات، وعندما يأتي الوقت للانتخابات، سيصوت الناس".
وقد حرص الرئيس مبارك ونجله وقادة الحزب خلال المؤتمر السادس، على التأكيد على أن الرئيس المقبل سيأتي عبر صناديق الانتخابات وفقا ما أقرته المادة 77 من الدستور، التي تعترض عليها المعارضة وتقول إنها تضع شروطا تعجيزية ولا تناسب إلا مرشح الحزب الوطني، المرجح أن يكون نجل الرئيس مبارك.
هجوم على المعارضة
وكان من المفلت أن الهجوم الذي أطلقه جمال مبارك ورموز الحزب على المعارضة يستهدف بالدرجة الأولى جماعة الإخوان المسلمين، جماعة المعارضة الرئيسية في مصر، نظرا لسيطرتها على 20% من مقاعد البرلمان من جهة، وضعف وهشاشة أحزاب المعارضة الأخرى الـ24 من جهة أخرى.
وظهر هذا الهجوم بوضوح عندما شدد جمال مبارك على أن أداء الحزب الوطني في الانتخابات المقبلة سيكون مختلفا ويحقق نتائج أفضل من نتائج انتخابات 2005، ما عزز من مخاوف المعارضة من حدوث عمليات تزوير على نطلق واسع لإبعاد الإخوان بعدما جرى تعديل الدستور بما يضمن منع الإشراف القضائي. وذلك برغم تعهد الرئيس مبارك في خطابه أمام المؤتمر بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتأكيد قادة الحزب أن مراقبة الانتخابات ستكون للمجتمع المدني.
وشن قياديون في الحزب الوطني– في كلماتهم خلال المؤتمر- هجوما شرسا ضد جماعة الإخوان المسلمين، وكان أكثرهم حدة أحمد عز، أمين التنظيم، الذي تحدث بلغة ساخرة للغاية قائلا إن "التيارات المتطرفة لا تمارس التسامح السياسي، بل ترفع الأحذية تحت قبة البرلمان، ولا تمارس السياسة بصورة أكثر وداً، بل تشكل ميليشيات من طلبة الجامعات، ولا تمارس السياسة بإيجابية، بل تنسحب من جلسات البرلمان أو تعتصم خارج أسواره". وأكد عز أن "الديمقراطية لن تأتى من مكتب الإرشاد.. ومن يخالفها (أي جماعة الإخوان المسلمين) لن يصبح معارضاً سياسياً بل معارضاً دينياً لمن يحكم بأمر الله.. ومن القادر على معارضة الحاكم بأمر الله".
رجال الأعمال.. باقون
وبرغم ما قيل عن أن استقالة وزير النقل لطفي منصور تمثل "ضربة" لتيار رجال الأعمال في الحزب الوطني، فقد اعتبر مراقبون قيادة جمال مبارك وأحمد عز للمؤتمر والظهور بمظهر القيادات الأولى – متقدمين على عديد من قيادات الحرس القديم– بمثابة استمرار لزخم تيار رجال الأعمال في الحزب وليس العكس، مشيرين إلى أن استقالة وزير النقل جرى استثمارها من خلال التركيز على مناقب الوزير المستقيل وشجاعته وما قدمه في مجال النقل في مصر.
وجدير بالذكر أن المجلس الأعلى للسياسات يضم نحو ١٣٠ عضوا، (أصبحوا ١٢٩ لوفاة عضو، وينتظر المجلس قرار "النقض" في الحكم بإعدام أحد الأعضاء- رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى-، وبعدها قد يصبح العدد ١٢٨)، منهم ٤٢ من رجال المال والاقتصاد والبنوك، بنسبة تتعدى الـ٣٠%.
ومن بين رجال الأعمال أعضاء المجلس، هناك 18 تتعدى ثروة الواحد منهم الملياري جنيه، وعضوان تتراوح ثرواتهما بين المليار ونصف المليار جنيه، بالإضافة إلى 3 أعضاء تقل ثروات الواحد فيهم عن نصف الـمليار جنيه، حسب الأرقام المتداولة عن شركاتهم في البورصة المصرية.
وفي حين يرى أعضاء في الحزب الحاكم– مثل الدكتور عبد المنعم سعيد عضو المجلس الأعلى ورئيس مجلس إدارة الأهرام- أن غلبة رجال المال والبنوك والاقتصاد على أعضاء المجلس يرجع لتركيز الحزب على القضايا الاقتصادية، يرى مثقفون ومعارضون أن رجل الأعمال في الحزب يبقى هدفه في النهاية هو تسيير مصالحه ومصالح شركاته والاستفادة من تزاوج السلطة والثروة، وليس رعاية مصالح الفقراء.
وأخيرا يمكن القول إن النتائج النهائية لمؤتمر الحزب الوطني تظهر بوضوح محاولة الحزب زيادة شعبيته بين المصريين وتلميع صورة جمال مبارك، الذي ظهر بمظهر من يدير كل شيء، خاصة وهو يتحدث عن سياسات وإنجازات الحزب الماضية وخططه المستقبلية، بجانب محاولته كسب ود الفقراء والتأكيد على أنه يعمل لصالح المصريين وليس لصالح كبار رجال الأعمال كما تزعم المعارضة.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|