English

 

الخميس. نوفمبر. 5, 2009

حواء و آدم » بين الناس

 
   
روابط من إسلام أون لاين

قصص واقعية من غزة

أحمد أبو سلامة.. العائد من الجنة!

صهباء بندق

قصة أحمد شاهدة على جرائم الاحتلال في غزة
قصة أحمد شاهدة على جرائم الاحتلال في غزة

جنازة الشهيد أحمد نعيم أبو سلامة لن ينساها أي شخص شهدها.. فخلف تلك الجنازة تختبئ قصة مأساوية، ربما كانت أغرب قصة في دراما غزة القاسية، ورغم ذلك لم تتصدر عناوين الصحف؛ فالموت المأساوي حدث شائع ويبدو عاديا جدا في بلد اسمه غزة، لكن يد الله حولت المأساة انتصارا.. إنها قصة محزنة ولكنها في الوقت ذاته تحمل في طياتها نسيم الأمل وعبق الانتصار على المستحيل.

يوم أمطرت السماء دما

طالع أيضاً:
في غزة.. جنازات بلا موتى وموتى أحياء!
قلب محترق في غزة : أين ابني؟
شهد غزة.. منع الاحتلال دفنها فنهشتها الكلاب
على جسد إبراهيم.. إسرائيل تتعلم القنص!
في يوم السبت الموافق 13/ 3/ 2008 وفي الساعة 22:00 تحديدا تحول جبل الكاشف شمال جباليا إلى مسرح لجريمة جديدة من جرائم الاحتلال الإسرائيلي بعد أن استهدفت طائرات الموت مجموعة من الفتيان فحصدت الصورايخ أرواحهم البريئة في أقل من ثانية.

لثلاثة أيام بقيت أشلاء الشهداء مبعثرة في كل اتجاه وعلى مساحة واسعة، إذ لم يتمكن أحد من الوصول إليها بسبب كثافة النيران الصهيونية، وبعد 3 أيام من انسحاب القوات المعادية وانتهاء الاجتياح وصلت سيارات الإسعاف، وأمضى المسعفون والأطباء ساعات في جمع الأشلاء وهم يبكون من فرط تأثرهم.

كان الأب نعيم أبو سلامة قد تأكد من نبأ إصابة ابنه أحمد الشهير بـ"ميشو" في هذا القصف؛ فقد أكد له صديق ابنه الذي أصيب بنفس الصاروخ الصهيوني أن الصاروخ قد أصاب ابنه أحمد إصابة مباشرة.

ذهب الأب المكلوم ليبحث عن جثة أحمد في الأماكن التي توغل فيها الجيش، ولكنه لم يستطع أن يعثر عليه حيا أو ميتا، فأبلغ السلطات المحلية ومكاتب الصليب الأحمر عن اختفائه، وقام بالاتصال بمنظمة الصليب الأحمر الدولي لتقوم بالاتصال بالكيان الصهيوني ومعرفة إذا ما كان أحمد قد اعتقل خلال عملية الاجتياح الأخيرة، ولكن كل تلك المحاولات ذهبت أدراج الرياح ولم يظهر أي أمل في الأفق.

جنازة القمر!

بعد محاولات مضنية من البحث والتفتيش المستمر في ثلاجات الموتى فقد "نعيم أبو سلامة" الأمل في وجود ابنه على قيد الحياة؛ ورغم أنه لا يوجد شيء يدلل على أن تلك الأشلاء المبهمة التي عثر عليها في مستشفى "كمال عدوان" هي كل ما بقي من ولده - وكانت معالم الجثة قد تشوهت أكثر خلال تواجدها في الثلاجة- لم يبق أمامه إلا الإعلان عن أنه تم التعرف على جثة الشهيد، وقام بترتيب مراسم الدفن، وكانت جنازة أحمد مهيبة ومؤثرة للغاية تليق بأحمد الذي انضم إلى كوكبة الشهداء، وأصبح أحد أقمار الذهب التي تبرق في سماء غزة!!

تفجرت الدموع إذ انطلقت الجنازة؛ كان النعش يحوي جثة ممزقة لفتى لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وأمضى المشيعون الذين وصلوا بجثمانه الطاهر إلى المقابر ساعات وهم يبكون وينتحبون، فالفتى كان يتمتع بشعبية واسعة.. كان شجاعا ومرحا يمتلئ نشاطا وحيوية.. إضافة لهدوئه واتزانه وبره بوالديه وتمسكه بدينه.

وفتح بيت العزاء لمدة ثلاثة أيام، واستخرج الوالد شهادة الوفاة لأحمد.. وتقبلت الأسرة تعازي الأهل والجيران لفقدانه، ومع كل ذلك لم يصدق قلب الأم أبدا أن الشهيد الذي دفن هو صغيرها الحبيب ميشو!

سجين الشرنقة البيضاء

بعد مرور حوالي أسبوعين من جنازة الشهيد كان حمودة بعلوشة (صديق أحمد) في طريقه لزيارة صديقه الوحيد الذي بقي على قيد الحياة بعد القصف، كان الجريح يرقد في غرفة العناية الفائقة في مجمع الشفاء الطبي منذ 13 يوما وقد اختفى رأسه تماما تحت لفافات الشاش الأبيض.

ولكن في هذا اليوم كان الأطباء قد رفعوا الشاش الأبيض والضمادات عن رأس صديقه الجريح محمد حجازي، وما إن وقعت عينا حمودة على الجريح حتى صرخ بأعلى صوته: هذا أحمد أبو سلامة.. هذا أحمد أبو سلامة.

أصيب حمودة بحالة من الهستيريا، فقام الطاقم الطبي في غرفة العناية المركزة بإخراجه من الغرفة وسط صيحات حمودة الهستيرية ودموعه الحائرة.

ولعل التقارب الكبير بين أحمد أبو سلامة ومحمد حجازي في العمر وحجم الجسم، بخلاف الشاش الأبيض الذي كان يحجب الرأس والوجه المتورم؛ كان من العوامل الرئيسية في صعوبة التعرف عليه والتفرقة بينهما.

اجتماع الشمل

أحمد على قيد الحياة بعد شهادة وفاته الرسمية

رفض والد أحمد الإصغاء إلى حمودة صديق ولده وقال إنها مجرد أكاذيب، ولكن شيئا ما دفعه إلى التوجه إلى مقر المشفى، وما إن اقترب من سرير الجريح المسمى "محمد حجازي" حتى أيقن أنه ابنه، وأخذ في الصراخ باسم التدليل الذي ينادي به ولده في البيت: ميشو.. ميشو!!

أصاب عائلة محمد حجازي الذهول وتساءلت: أين ابنها إذن؟! ونشب الصراع بين عائلة أحمد وبين العائلة التي كان أحمد في رعايتها منذ 13 يوما باعتباره ابنها، والتي أمضت الأيام والليالي بين اليأس والرجاء تنتظر سلامته وتتضرع إلى الله تعالى أن ينقذه.

وإنهاء للنزاع قرر الأطباء أن تنتظر العائلتان إلى أن يستعيد المصاب وعيه ويتعرف على ذويه؛ وعندها فقط يمكن التمييز بين محمد حجازي وأحمد أبو سلامة.

إنه طفلي..!!

داخل غرفة العناية المركزة اقتربت الأم كريمة أبو سلامة من الجريح الممدد على فراشه بين الموت والحياة، وما إن التقطت عيناها التائهتان صورته حتى تعرفت على شعره البني.. لم تصدق عينيها.. إنه ميشو الذي ودعته شهيدا إثر القصف الصهيوني لجباليا، ودفنته أشلاء ممزقة وشيعت جنازته قبل 13 يوما، وفتحت أبواب بيتها الحزين لاستقبال العزاء فيه، واستخرج والده شهادة وفاته.. ولكنها صدقت أخيرا صوت قلبها، وصدق الجميع قلب الأم الثكلى!!

أكدت الدموع التي انهمرت من عيون ميشو صوت قلبها، فما إن تعرف الابن التائه على صورة أمه حتى انتفض جسده الهزيل وبدأ يبكي, ولم يستطع الحديث بسبب وجود أنبوب في حلقه, وأكدت الأم للأطباء وهي تغالب دهشتها وذهولها أنه ابنها، وشرعت تريهم علامات مميزة في جسد ابنها؛ فهناك شامة كبيرة وسط بطنه، كما أن لديه آثار غرز لجرح في رأسه أصيب به في حادث سير قبل عدة أعوام.. تحفظ جيدا كل سنتيمتر في جسم ولدها وتعرف تاريخ كل جرح أصابه.

لكن فرحة العثور على أحمد حيا لم تكتمل؛ لأن الإصابة أدت إلى حدوث شلل طولي في الجهة اليمنى، كما أنه فقد النطق بسبب شظايا الصاروخ التي أصابت رأسه وأتلفت جزءًا كبيرا من خلايا الدماغ, وأثرت على نشاطه الحركي بشكل ملحوظ.

وأمام هذه الإصابات الخطيرة تقرر سفر أحمد لاستكمال العلاج في مصر..


كاتبة وطبيبة مهتمة بالشأن الاجتماعي.

الآن يمكنك الانضمام إلى جروب مجلة "حواء وآدم" الإلكترونية على الفيس بوك، للتعرف على آخر الموضوعات الاجتماعية التي

تهم الشباب وأفراد الأسرة

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم