|
تتصدر أخبار لقاح الإنفلونزا الجديدة صدر الصحف العربية والغربية، فمنها ما يناشد باستيراده على وجه العجلة، ويخوف من عدم كفاية الكمية المستوردة منه، ومنها ما يخوف من استخدامه، ويشكك في مدى كفاية البحوث التي أجريت عليه.
وتعتمد الهيئات التي تعطي تصاريح استخدام اللقاحات على محدد واحد؛ وهو نسبة الأجسام المضادة التي تنتج في جسم الإنسان بعد أيام من تعاطي اللقاح، ويبدو هذا المعيار مقبولا وقابلا للقياس في فترة وجيزة، ولكن ما الذي يضمن لنا أن وجود هذه الأجسام المضادة ستحمي من هذا المرض بعينه؟
اعلم أن المنطق الطبي يعتبرها حقيقة غير قابلة للنقاش.. ولكن أعتقد أن الجميع يوافقني على أن المعيار المثالي هو في قدرة اللقاح على منع حدوث المرض، فهل تم قياس قدرة لقاح الإنفلونزا الجديدة (H1N1) على منع حدوث المرض؟ بالطبع لا.
ولكن هناك بعض الدراسات المتناثرة عن قدرة لقاح الإنفلونزا الموسمية في الحماية من مرض الإنفلونزا، وهي لقاحات تؤكد الشركات المصنعة لها على فاعليتها من خلال دراسات لقياس مستوى الأجسام المضادة في جسم من تناول اللقاح، ومن هذه الدراسات المراجعة المنهجية (Systematic review) الموجودة على أحد أهم مصادر الطب القائم على الدليل (Cochrane Reviews) عن فاعلية ومأمونية لقاحات الإنفلونزا الموسمية على البالغين الأصحاء، ولقد خلصت هذه الدراسة إلى أن لقاحات الإنفلونزا الموسمية تحمي في أحسن الظروف (عند تطابق الفيروس الموجود في اللقاح مع الفيروس المنتشر) بنسبة لا تتعدى 80%، وقد تصل إلى 30 – 50% فقط لو لم يتطابق فيروس اللقاح مع الفيروس الساري.
وأوضحت هذه الدراسة أيضا أن اللقاح ليس له تأثير على شدة المرض ومضاعفاته.
وبالنسبة للمراجعة المنهجية لفاعلية ومأمونية هذه اللقاحات على الأطفال وجد أنه لا يوجد أي دور لهذه اللقاحات في الأطفال أقل من عامين، أما في الأطفال أكبر من عامين فقد وجد أن اللقاحات الحية الموهنة (Attenuated) تحمي بنسبة تتراوح بين 33 إلى 82%، بينما تحمي اللقاحات المعطلة (Inactivated) بنسبة تتراوح بين 36 إلى 59%، ولا توجد دراسات كافية تمكن من الحكم على مأمونية هذه اللقاحات على الأطفال .
وما يمكن أن نستخلصه من عدد كبير من الدراسات مجتمعة أنه لا يوجد حتى الآن دلائل قوية ترجح فاعلية لقاحات الإنفلونزا الموسمية في الحماية من المرض أو مضاعفاته، وكذلك لا توجد دلائل قوية على مأمونية هذه اللقاحات على المدى الطويل وخصوصا على الأطفال.
والتساؤل الذي يطرح نفسه الآن هو: إذا كانت المراجعات المنهجية لم تتمكن من إثبات فاعلية لقاحات الإنفلونزا الموسمية في أرض الواقع.. برغم أن المجتمع الطبي العالمي لا يشكك في فعاليتها، وبرغم أنها استخدمت لسنوات طويلة، فكيف يكون الحال مع فيروس الإنفلونزا الجديدة (H1N1)؟.
مأمونية اللقاح
أوضحنا مسبقا أن لقاح الإنفلونزا الجديدة صرح باستخدامه في ظروف طارئة؛ وذلك بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية تفشي الجائحة من الدرجة السادسة، وفي نشرات كل اللقاحات المتوفرة إجماع على ما يلي:
- أن اللقاح بكل أشكاله وأنواعه ممنوع للأطفال أقل من 6 شهور.
- أن اللقاح لم يجرب التجريب الكافي لاختبار فعاليته ومأمونيته وبالذات على الأطفال أكبر من 6 أشهر، وعلى النساء الحوامل والمرضعات.
- التجريب المحدود الذي تم أظهر أن للقاحات آثار جانبية متكررة وغير خطيرة.
- الأشخاص الذين يعانون من حساسية لأي من مكونات اللقاح يمكن أن يصابوا بتفاعلات مناعية قد تكون قاتلة مثل صدمة فرط الحساسية (Anaphylactic shock).
- يمكن أن يؤدي اللقاح في نسبة ضئيلة من البشر (حسب توقعات صناع اللقاح) إلى خلل في الجهاز المناعي؛ مما يؤدي لالتهابات في الأوعية الدموية، أو في الجهاز العصبي المركزي، أو في الأعصاب الطرفية، أو شلل حاد يعرف بمتلازمة جيليان باري، وكما ذكرنا مسبقا فإن أول علاقة بين لقاح الإنفلونزا ومتلازمة جيليان باري ظهرت أثناء حملة التطعيم ضد إنفلونزا الخنازير في سنة 1976.
ماذا يحوي اللقاح؟
بالإضافة إلى كل ما سبق يحتوي اللقاح على مادتين مثيرتين للجدل:
أولا: "الثيميروزال" (Thimerosal) وهي مادة حافظة لمنع نمو الميكروبات بعد فتح العبوة.
وهذه المادة مشكوك فيها، وما زال المجتمع الطبي يختبرها للتأكد من كونها آمنة وبالذات على الأطفال، وحسب ما ذكرته هيئة الغذاء والدواء الأمريكية فإن الثيميروزال هو مشتق عضوي من مشتقات الزئبق ويستخدم منذ عام 1930.
وفي السنوات الأخيرة، وبعد زيادة الوعي بأن مشتقات الزئبق يمكن أن تكون سامة للجهاز العصبي حتى لو تم تعاطيها بجرعات ضئيلة، تباحثت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية مع الشركات المنتجة للقاحات لإزالة الثيميروزال من كل اللقاحات، واللقاح الوحيد المحتوي على هذه المادة حتى الآن هو لقاح الإنفلونزا.
والثيميروزال كما ذكرت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية يتحول إلى إيثيل الزئبق (وليس ميثيل الزئبق)، وسمّية ميثيل الزئبق على الأطفال والرضع والحوامل مؤكدة من خلال العديد من الحوادث التاريخية والأبحاث العلمية، وتميل الأبحاث العلمية لاعتبار أي جرعات من ميثيل الزئبق ضارة على الجهاز العصبي، ولكن الأمر لم يرق لليقين في حالة إيثيل الزئبق، ولكن لعدم توافر دراسات مقارنة للتعرف على الفروق بين إيثيل وميثيل الزئبق فإن منظمة الغذاء والدواء الأمريكية اعتبرت المادتين متماثلتين، وعقد المجتمع الطبي العديد من الأبحاث والدراسات والمؤتمرات بهدف التعرف على الآثار الجانبية لاستخدام الثيميروزال، وخصوصا علاقته بمرض التوحد وغيرها من أمراض التركيز عند الأطفال، والدراسات حتى الآن لم تثبت وجود علاقة سببية مؤكدة بين الثميروزال بالجرعات التي يستخدم بها في اللقاحات وبين مرض التوحد، مع اعتبار أنه من الحكمة تجنب هذه المادة في لقاحات الأطفال .
ثانيا: مادة "السيكوالين" وهي من المواد المنشطة للمناعة موجودة في اللقاحات المنتجة من شركات نوفارتس وجلاكسوسميث، وكما ذكرنا مسبقا أن هذه المادة سيئة السمعة وقد ارتبطت في العديد من الدراسات بمتلازمة حرب الخليج بعد تطعيم الجنود إجباريا بلقاح الجمرة الخبيثة.
وفي هذه الدراسات وجد الباحثون مضادات السيكوالين في الجنود الذين يعانون من متلازمة حرب الخليج، سواء الذين نقلوا منهم إلى جبهات القتال، أو الذين تم تطعيمهم ولم ينقلوا إلى جبهات القتال (وهذا ينفي أن يكون السبب في هذه المتلازمة راجعا لتعرض الجنود في جبهة القتال لأسلحة كيميائية أو إشعاعية أو بيولوجية) .
ووجدت أيضا مضادات السيكوالين في بعض الجنود الذين تم تطعيمهم بلقاح الجمرة الخبيثة بعد ذلك في سنة 1997، وعانوا من نفس أعراض المتلازمة، وبإجراء الفحوصات على عينة عشوائية من الجنود الذين تم تطعيمهم وجدت الأجسام المضادة للسيكوالين في حوالي 32% من العينة، ورجح الباحثون أنه تمت إضافة السيكوالين على بعض عبوات اللقاح فقط ، وبرغم تجاهل وزارة الدفاع الأمريكية لهذه النتائج في البداية، وتشكيكها لمصداقية الباحثين بعد ذلك ، إلا أن هيئة الغذاء والدواء الأمريكية حظرت استخدام مادة السيكوالين في اللقاحات المستخدم في أمريكا، وإن كان من المتوقع في ظل ظروف الجائحة أن يتم تخطي هذا الحظر كما ذكرنا مسبقا .
أستاذة علم الأمراض بكلية طب القصر العيني،ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني التالي: Sahar_mt2001@yahoo.com
|