English

 

السبت. أكتوبر. 31, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

عشية الانتخابات العراقية.. انشقاقات وتحالفات

رجائي فايد

Image
نوري المالكي
للسياسي الأمريكي المخضرم هنري كيسنجر كلمة مأثورة تلخص الموقف الأمريكي من مجريات العملية السياسية في العراق، تقول الكلمة: (إذا أسفرت العملية السياسية في العراق عن صعود ديني شيعي، فإن من صالح الولايات المتحدة تقسيم العراق إلى كيانات حتى لا يشكل هذا الصعود امتدادا لإيران غرب الخليج).

وفي الانتخابات السابقة (2005) حدث هذا الصعود عندما حقق الائتلاف العراقي نجاحا ملحوظا، ولم يكن أمام الولايات المتحدة الأمريكية حينئذ من سبيل سوى أن تتقبل الأمر على مضض، لأنها إن لم تتقبله، فإن ذلك معناه سقوط خطابها الإعلامي الخاص بإقامتها لنظام ديمقراطي في العراق بدلاً للنظام الدكتاتوري السابق.

وكانت أمريكا مطمئنة إلى أن تواجد قواتها بالعراق كفيل بالحد من توجه الحكومة العراقية نحو إيران، وأن خيوط اللعبة السياسية ما زالت في يدها، لكنه ومع الانسحاب الأمريكي المتوقع من العراق (سيكون من وجهة نظرنا انسحابا شبه كامل حيث ستبقى بعض القوات الأمريكية في قواعد عسكرية، فضلا عن وجود قوات أخرى تحت مسميات معينة مثل التدريب وخلافه) ستصبح اليد الأمريكية حينئذ أقل مقدرة في السيطرة على مقاليد الأمور في العراق، لذلك فإن أمريكا ستكون حريصة كل الحرص على أن تسفر الانتخابات القادمة عن نتائج تصب في مصالحها الإستراتيجية، من خلال أغلبية موالية لها وليست موالية لإيران، لأنها لم تقم بما قامت به حتى يقدم العراق في نهاية الأمر هدية مجانية لإيران.

ومن نافلة القول التأكيد على خصوصية العراق المتعدد الأعراق والثقافات والمحاط بدول إقليمية متعارضة المصالح والمرتبطة بشكل أو بآخر بتيارات سياسية وعرقية ومذهبية في الداخل العراقي؛ وهو ما يعطي بعدا آخر يضاف إلى البعد الأمريكي في مسيرة هذه الانتخابات، كما أن كل طرف عراقي حريص كل الحرص على أن تسفر تلك الانتخابات عن نتائج لصالحه، أو عند الحد الأدنى عن أقل خسائر ممكنة، وهذا ما يفسر تعرقل إصدار قانون الانتخابات حتى الآن على الرغم من أن الموعد المقرر لإجراء الانتخابات هو 16 يناير 2010.

ضبابية المشهد السياسي

ويبدو مشهد التحالفات حتى اليوم ضبابيا بعض الشيء، داخل العديد من التيارات السياسية التي حدث ببعضها انشقاقات، وحدث ببعضها الآخر تشكيل تحالفات جديدة، ويمكن رصد ما حدث حتى الآن فيما يلي:ـ

* التيار الشيعي: بعد أن كان متماسكا في الانتخابات السابقة تحت اسم الائتلاف العراقي، وتمكن من تحقيق فوز ملحوظ فيها، نجد أنه قد حدث فيه مؤخراً انشقاق كبير بتشكيل الائتلاف العراقي الموحد، بزعامة الراحل عبد العزيز الحكيم الذي تولى من بعده نجله عمار الحكيم راية الزعامة، هذا الائتلاف استطاع وبسرعة أن يضم في جنباته أهم التيارات الشيعية، كان آخرها تيار "وائل عبد اللطيف"، والذي تولى وزارة العدل في حكومة إياد علاوي.

وقد رفض رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي الانضمام إلى هذا التحالف، مفضلاً دخول الانتخابات بتحالفه المعروف بدولة سيادة القانون، والذي حقق نجاحا ملحوظا في الانتخابات المحلية السابقة (يناير 2009). ولقد أصابته نتائج تلك الانتخابات بقدر ليس ضئيل من الزهو؛ فاعتبر نفسه أنه الرجل الأقوى في العراق، بل وقدم نفسه للأمريكيين على أنه الأقرب إليهم بعد أن حد من نفوذ التيار الصدري في الشارع العراقي، وقلل من العنف، بل ودخل في مواجهة حادة مع سوريا التي خصها بالاسم بعد التفجير الدامي لوزارة الخارجية العراقية ومطالبته بتدويل المسألة وتقديم المتورطين إلى محاكمة دولية، إلا أن الفساد المستشري في وزارته، والذي أصبح حديث الشارع العراقي، والعنف الذي عاد يطل بوجهه من جديد والذي تمثل في تفجيري وزارة الخارجية ووزارة العدل، يجعل من حديث المالكي حول سيادة القانون والأمن الذي حققه في العراق أمراً مشكوكاً فيه، وبالتالي يصعب على المالكي أن يحقق ما سبق له أن حققه في الانتخابات المحلية السابقة.

وأدى موقف المالكي الرافض للانضمام إلى الائتلاف العراقي إلى انشقاق شيعي، وهذا الانشقاق سيؤدى إلى تفتيت الأصوات الشيعية، وربما يؤدى إلى يأس الناخب الشيعي من العملية السياسية وهو يرى هذا الانقسام؛ فيعزف عن المشاركة معيدا تاريخه السابق في الابتعاد عن العملية السياسية في فترات تاريخية سابقة. كما لا يجب أن ننسى أن وفاة عبد العزيز الحكيم وتولى نجله عمار الحكيم القيادة هو أمر بالغ التأثير على لحمة الائتلاف الشيعى، فالحكيم (الأب) كان شخصية متمرسة ذات تاريخ ولها مكانتها في قلوب الشيعة، في حين أن عمار ما زال يافعا لم يتمرس على العمل السياسي بعد، فضلاً عن أنه لا يمتلك حتى الآن نفس مكانة والده في القلوب والمقدرة على القيادة.

* التحالف الكردستاني: في كافة الانتخابات السابقة كان هذا التحالف يدخل فيها موحدا، بل إن التيارات الكردستانية التي لم تدخل معه تلك الانتخابات مثل الحزب الإسلامي الكردستاني لم تكن على البعد منه، إلا أن التيار الكردستاني حدث فيه هو الآخر انشقاق كبير، وظهر ذلك واضحاً في الانتخابات البرلمانية الكردستانية؛ فقد انشق نيشروان مصطفى أمين عن الاتحاد الوطني الكردستاني (بزعامة جلال طالباني). ونيشروان هو أحد القادة التاريخيين في الحركة الكردية وثالث ثلاثة اشتركوا في تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني.

لقد شكل نيشروان في الانتخابات البرلمانية الكردستانية ما سمي بـ "جبهة التغيير"، حيث دخلت الجبهة تلك الانتخابات وحققت نجاحاً ملحوظاً إذ حصلت على ما يقرب من 40% من المقاعد البرلمانية رغم حداثة عهدها، ولقد رفض نيشروان مشاركة جبهته في حكومة ائتلافية كردستانية وفضل أن يعمل في مقعد المعارضة كحكومة ظل وفق الأعراف الديمقراطية، ولذلك لن يكون التحالف الكردستاني متماسكا كما كان في الماضي، ولم يحدد الحزبان الكرديان الكبيران (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) موقفهما حتى الآن من التحالف مع أي طرف.

* التيار العلماني: في مقدمة هذا التيار نجد إياد علاوي وصالح المطلك وعدنان الدليمي، الأول: شيعي علماني، والآخران عربيان سنيان. وربما يقف صالح المطلك على مقربة من حزب البعث العربي الاشتراكي من حيث الفكر والتوجه وربما أيضا ينطبق الأمر ذاته على إياد علاوى على أساس أنه بعثي قديم انشق في السابق على قياداته لكنه لم ينخلع عن أفكار الحزب.. هؤلاء جميعا، وعلى المقربة منهم آخرون، لم يحددوا موقفهم حتى الآن، وإن كانوا على وجه اليقين لن يدخلوا ضمن التحالف الذي يقوده الحكيم، للاختلاف في المواقف والتوجهات الأساسية. (أُعلن اليوم 31 أكتوبر 2009 عن اندماج حركة الوفاق الوطني العراقي بزعامة إياد علاوي مع جبهة الحوار برئاسة صالح المطلك في حركة سياسية واحدة هدفها تحمل اسم "الحركة الوطنية العراقية"، بهدف "إيجاد بيئة سياسية وطنية تحاول القضاء على التوجهات الطائفية في العراق").

* ويتبقى التيار الإسلامي السني المتمثل في الحزب الإسلامي، والذي يترأسه طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الحالي، ومعه إياد السامرائي رئيس البرلمان الحالي، ومحمود المشهداني رئيس البرلمان السابق، وعلى القرب منهم مجالس الصحوات والعشائر، وكلها لم تحدد مواقفها بعد، وإن كانت ستدخل تلك الانتخابات منفردة أو يحدث فيما بينها قدر من التحالفات.

أمريكا وإيران.. تنافس في ذروته

تلك هي الصورة العامة للمشهد السياسي العراقي عشية الانتخابات، ونعود للتأكيد على أن التيارات السياسية العراقية ومعظمها يرتكز على أساس طائفي لا تمتلك قرارها بالكامل وإنما يتفاعل في صنع قرارها الخارج مع الداخل.

بالنسبة للخارج، نستطيع أن نرصد لاعبين رئيسيين، وإلى جوارهما آخرون أقل تأثيرا، اللاعب الأول هو الولايات المتحدة الأمريكية، واللاعب الثاني هو إيران، والأجندة السياسية لهما متناقضتان تماما سواء كان ذلك على المستوى الإقليمي أو الدولي، وينعكس هذا التناقض بطبيعة الحال على موقفهما من أحداث العراق، فالحدث الذي يصب في مصلحة طرف يتناقض تماما مع مصلحة الطرف الآخر.

أما باقي اللاعبين فهم التيار العربي، وبالذات المملكة العربية السعودية وسوريا والأردن، ثم تركيا وأجندتها السياسية المعروفة بالنسبة للشمال العراقي والتركمان وحزب العمال الكردستاني، بل ودورها الإقليمي المتعاظم.

وفيما يخص الولايات المتحدة، فإنها بالدرجة الأولى تسعى لأن تسفر الانتخابات القادمة عن نظام موال لها، وليس على وفاق مع إيران، أو عند الحد الأدنى ليس مواليا لإيران؛ وبالتالي فإنها ستسعى بكل السبل لتكوين ائتلاف قوي يضم التيار العلماني والقوى السنية والأكراد، وربما تيار نوري المالكي، في محاولة لسد الطريق أمام ائتلاف الحكيم أو على الأقل حرمانه من الفوز بأغلبية كبيرة لا تمكنه من الانفراد بالحكم.

إيران ستسعى إلى العكس تماما، ستحاول تدعيم التيار الشيعي والتقليل من آثار الانشقاق الذي لحقه، لذلك من الممكن أن نفهم في هذا الإطار الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي إلى بغداد واجتماعه برئيس الوزراء نوري المالكي في محاولة لدفعه إلى الانخراط في الائتلاف العراقي بزعامة الحكيم، وبالتالي رأب التصدع الشيعي.

أما تركيا فإنها ستسعى إلى إظهار نفسها على أنها غير بعيدة عن التأثير على مجريات الأحداث في العراق، كما ستسعى إلى ضمان المحافظة على مصالحها داخل العراق والتنسيق في ذلك مع قوى إقليمية كبرى بالمنطقة، ومن هنا كانت زيارة رئيس الوزراء طيب أردوغان الأخيرة إلى إيران.

وبالنسبة الأطراف العربية، السعودية والأردن وسوريا، فإنهم يؤيدون التيارات التي تسعى للحفاظ على وجه العراق العربي، إلا أن حركتهم محدودة داخل العراق ومقيدة بالاتهامات التي تواجههم من داخل العراق وخارجه حول قضايا الإرهاب والعنف داخل العراق.

ويبقى سؤال: ماذا لو أسفرت الانتخابات عن فوز كبير للتيار الشيعي وبما يتناقض مع مصالح الأجندة الأمريكية؟، ماذا يمكن أن تفعله الولايات المتحدة حينئذ، وقد ذكرنا أنها لم تقم بما قامت به من أجل أن تقدم العراق هدية لخصمها اللدود إيران؟.. نعتقد أن الولايات المتحدة حينئذ ستخلق المبررات كي تظل قواتها بالعراق، ومن ضمن تلك المبررات الوضع الأمني بالعراق والعنف الذي ربما يتفاقم حينئذ.


  كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات