|
| هل يشعل تغير المناخ الصراعات في المشرق العربي؟ |
تعاني الدول المتقدمة والنامية على حد سواء من مشكلة التغير المناخي الناتجة عن الارتفاع الهائل في حجم الانبعاثات الدفيئة، ما يستدعي حشد الطاقات البشرية والخبرات الدولية لمواجهة الآثار السلبية الناتجة عن التغيرات المناخية، والمتمثلة في: ارتفاع درجات الحرارة، والنقص الحاد في مصادر المياه العذبة، وتراجع المحاصيل الزراعية، وانتشار ظاهرة التصحر وتراجع خصوبة التربة، وارتفاع مستوى سطح البحر، فضلا عن تآكل الشواطئ وارتفاع حجم الكوارث البيئية من فيضانات وعواصف وغيرها من الظواهر الأخرى.
وفي هذا الإطار تنبع أهمية الدراسة الصادرة عن "المعهد الدولي للتنمية المستدامة" تحت عنوان "ارتفاع درجات الحرارة وتصاعد التوترات.. تغير المناخ وخطر الصراع العنيف في الشرق الأوسط". ورغم التحفظات التي يمكن إيرادها على بعض أجزاء الدراسة، خاصة المتعلقة منها بدعوة الدول العربية إلى التعاون مع إسرائيل للتغلب على أخطار التغير المناخي، والتي تتجاهل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على المياه العربية من ناحية، والدلالات السياسية أو التوظيف السياسي لمثل هذا التعاون من قبل إسرائيل باعتباره نوعا من أنواع التطبيع من ناحية أخرى، رغم هذا التحفظ تظل الدراسة جديرة بالتناول سواء لأهمية وخطورة القضايا المطروحة فيها، أو بهدف التعرف على التوجهات والرؤى الغربية في مثل هذه القضايا.
التغيرات المناخية المتوقعة في المشرق العربي
تعتبر منطقة المشرق العربي، والتي تضم كلاً من سوريا والأردن ولبنان والسلطة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل، من أكثر مناطق العالم تأثراً بظاهرة التغير المناخي، فقد شهدت تلك المنطقة العديد من الصراعات والتوترات والحروب، فضلا عن الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية لمدة تزيد عن ستين عاماً، لم تشهد خلالها المنطقة فترات تدعو للتفاؤل بشأن التوصل للسلام الشامل والتعاون المشترك سوى خلال عامي 1993، مع توقيع اتفاقيات أوسلو للسلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، و1994 مع توقيع اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل.
وتشير الأبحاث العلمية الحديثة إلى أن منطقة المشرق العربي من أكثر مناطق العالم تعرضاً للآثار السلبية الناتجة عن التغير المناخي، حيث تعد من أكثر مناطق العالم معاناة من ندرة، وتعرضا للتصحر وتآكل الشواطئ وغيرها من الظواهر السلبية الأخرى.
كما أكدت الدراسات الحديثة أيضا على أن الآثار السلبية لظاهرة التغير المناخي في تلك المنطقة لا تقتصر على التأثيرات الديموجرافية والاقتصادية، وإنما أصبحت مصدراً جديداً للتهديدات والتوترات السياسية بما تثيره من قضايا متعلقة بموارد المياه والأمن الغذائي وانتشار الأمراض والتوزيع السكاني والحدود الساحلية.
ومن المتوقع أن يعمق التغير المناخي من مجموعة المشكلات المتعلقة بنقص الموارد الطبيعية التي تعانى منها المنطقة، خاصة وأنها تعاني بالفعل من ندرة شديدة في المياه العذبة تتزامن مع زيادة كبيرة في الطلب على المياه بمعدلات تفوق المعروض منها. ومع الارتفاع المتوالي في درجات الحرارة، الذي يشهده العالم، يتوقع أن تنخفض معدلات سقوط الأمطار وترتفع معدلات الجفاف والتصحر.
وتعتبر معدلات سقوط الأمطار في المنطقة من أقل المعدلات العالمية، فهي لا تتجاوز المليمترات بين شهري أكتوبر وإبريل من كل عام، في حين إنه من النادر أن تسقط الأمطار في فصل الصيف، الذي يشهد ارتفاعا كبيرا في درجات الحرارة، تزيد عن 37 درجة مئوية في أغلب دول المنطقة.
ومع التغير المناخي المتوقع مستقبلاً، فإن المنطقة قد تشهد ارتفاعا كبيراً في درجات الحرارة بمعدلات تتراوح بين 2.5 – 3.7 درجة مئوية في فصل الصيف، وبين 2 – 3.1 درجة مئوية في فصل الشتاء وذلك بحلول عام 2070. كما قد تشهد المنطقة ارتفاعاً كبيراً في مستويات سطح البحر بمعدل يتراوح بين 0.1 – 0.3 مترا بحلول عام 2050، وقد يصل الارتفاع إلى واحد متر مع نهاية القرن الحالي، وهو ما قد يؤدى إلى ارتفاع كبير في معدلات تآكل الشواطئ وتسرب المياه المالحة إلى الأعماق واختلاطها بالمياه الجوفية العذبة.
هذه التغيرات المناخية قد تخلق مجموعة من النتائج الديموجرافية والاقتصادية، حيث أن الارتفاع في درجات الحرارة وما ينتج عنه من الانخفاض في معدلات الأمطار، من شأنه التقليل من تدفق الأنهار والجداول.
فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تنخفض تدفقات نهر الفرات بمعدل يصل إلى 30% عن المعدلات الحالية، وكذلك نهر الأردن بنسبة 80% بنهاية القرن الحالي. وتشير الإحصاءات الإسرائيلية إلى أن معدلات المياه الحالية ستنخفض بنسبة 60% بنهاية القرن الحالي.
كما أن الانخفاض في معدلات الأمطار سيؤثر بالسلب على حجم المياه الإجمالية في المنطقة بما في ذلك مخزون المياه الجوفية، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات التصحر وزيادة تدهور التربة وانخفاض الإنتاجية الزراعية، بجانب انهيار قطاع الزراعة الذي تعتمد عليه العديد من دول المنطقة.
ومن جهة أخرى، ستؤثر ظاهرة الارتفاع في منسوب سطح البحر على البنية التحتية، كما ستؤدي إلى تآكل الشواطئ وتسرب المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية مما يجعلها غير صالحة للاستخدام البشرى. فعلى سبيل المثال، يعتمد نحو 1.5 مليون فلسطيني في قطاع غزة على المياه الجوفية، وهم مهددون بفقدان هذا المصدر نتيجة لانخفاض منسوب المياه الجوفية من جانب وارتفاع نسبة ملوحة المياه الناتج عن تسرب مياه البحر من جانب آخر.
ومع الارتفاع الكبير في عدد سكان المنطقة، والذي من المتوقع أن يرتفع من 42 مليون نسمة في عام 2008 إلى نحو 71 مليون نسمة بحلول عام 2050، فإنه من المحتمل أن يزداد الطلب على المياه والغذاء والعمالة في ظل التغيرات المناخية التي ستؤدى إلى نقص كبير في المياه وتدهور نوعيتها، إضافة إلى تدهور المحاصيل الزراعية.
وتشير التقديرات إلى أن جميع دول المنطقة ستصل إلى ما دون عتبة الحد الأدنى المقبول لندرة المياه، وهو 1000 متر مكعب سنويا لكل شخص، في المستقبل القريب، حيث أنه من المتوقع أن يصل متوسط نصيب الفرد من المياه في إسرائيل إلى أقل من 265 متر مكعب سنوياً، والأردن إلى 165 متر مكعب سنوياً، والسلطة الفلسطينية إلى 90 متر مكعب سنوياً، باستثناء كل من لبنان التي قد يصل متوسط نصيب الفرد فيها إلى 1220 متر مكعب سنوياً، وسوريا إلى 1541 متر مكعب سنوياً.
وتعتبر مشكلة ندرة المياه من أكثر الظواهر السلبية المتعلقة بالتغيرات المناخية في منطقة المشرق العربي تعقيداً، وذلك لارتباطها بعاملين أساسيين:
الأول: أن النسبة الأكبر من روافد الأنهار والجداول نابعة من خارج حدود الدول التي تصب فيها تلك الأنهار، فعلى سبيل المثال تقع روافد نهر الأردن، وهو مصدر المياه الأساسي لكلاً من إسرائيل والأردن والأراضي الفلسطينية، في كلاً من سوريا ولبنان. كما يعتمد الأردن على طبقة المياه الجوفية الموجودة في كل من حوض الأزرق المشترك مع سوريا، ومنطقة الديسي المشتركة مع السعودية.
وبالمثل فإن 80% من المياه العذبة التي تعتمد عليها سوريا تأتي من خارج حدودها، وخاصة من تركيا. كما تشترك إسرائيل تشترك مع السلطة الفلسطينية في ثلاثة أحواض للمياه الجوفية؛ هي مناطق: الجبل الغربي – الجبال الشرقية – والأحواض الشمالية الشرقية.
أما العامل الثاني فيتعلق بأن المنطقة لا تعانى فقط من ندرة المياه، بل أيضاً من ندرة في موارد الطاقة الأحفورية (النفط والغاز الطبيعي والفحم)، وهو ما يحد من قدرة دولها على تأمين المزيد من موارد المياه في ظل ارتفاع تكلفة تكنولوجيا تحلية مياه البحر.
ميراث من الصراع
أنتجت الصراعات والتوترات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة لنحو ما يزيد عن ستين عاماً مجموعة من الآثار السلبية المدمرة التي تقف عقبة دون تنمية البنية التحتية، كما يشكل الصراع بين دول المنطقة عائقا كبيراً يحول دون تنمية الاستثمارات المشتركة بين تلك الدول، المتعلقة بتمهيد الطرق وإقامة شبكات الكهرباء المشتركة، علاوة على محطات لتأمين المياه.
وعلى سبيل المثال، تسببت الحرب الأهلية اللبنانية، التي اندلعت أكثر من مرة، في العديد من الآثار السلبية، أهمها: انهيار الاقتصاد اللبناني وارتفاع معدلات البطالة بشكل حاد، وانخفاض في قيمة الليرة اللبنانية بشكل كبير، علاوة على ارتفاع عجز الموازنة وإغلاق للمطار والموانئ البحرية وتوقف حركة التجارة بين لبنان وسوريا، والتدهور الشديد في البنية التحتية اللبنانية.
كذلك أدت الضربة الإسرائيلية لجنوب لبنان عام 2006 إلى تدمير نحو 30 ألف وحدة سكنية لبنانية، وتلويث الخط الساحلي بنحو 15 ألف طن من النفط، إلى جانب إلقاء نحو 100 ألف قنبلة عنقودية لم تنفجر حتى وقتنا الراهن في جنوب لبنان، ما يهدد حركة التنقل والتنمية في الجنوب اللبناني.
ولا يختلف الحال كثيرا بالنسبة للسلطة الفلسطينية، فوصول الفلسطينيين إلى مصادر المياه يعتبر من أهم قضايا الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فقد أشار تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2008، إلى أن إمكانية حصول الإسرائيليين على المياه تزيد بأربعة أضعاف عن إمكانية حصول الفلسطينيين عليها. وعن طريق سيطرتها على مصادر المياه بعد عام 1967، لا تسمح إسرائيل للفلسطينيين بالحصول على ما يلزمهم من مياه عذبة، وذلك عن طريق الحد من عدد الآبار التي يمكن للفلسطينيين حفرها.
وخلال الفترة بين عامي 1967 – 1994، لم تصدر إسرائيل سوى 28 تصريحاً بالحفر لآبار جديدة تحل محل الآبار القديمة. وفى نفس الوقت تقوم إسرائيل يومياً باقتلاع الآلاف من أشجار الزيتون كجزء من منظومة دفاعية إسرائيلية، وكنوع من العقاب الجماعي للفلسطينيين. كما تقوم بفرض قيود على التنقل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فعلى سبيل المثال، حالت قيود التنقل بين غزة والضفة الغربية، خلال موسم الحصاد لعام 2006-2007، دون نقل نحو 7 آلاف طن من الزيتون تتعدى قيمتها نحو 28 مليون دولار، ناهيك عن القيود التي تفرضها إسرائيل على تنقلات العمالة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبصفة عامة، تسبب الصراع الطويل الذي شهدته المنطقة في فقدان الثقة بين دولها، ومن ثم حال دوم إقامة تعاون مشترك بهدف التكيف مع الآثار السلبية الناتجة عن التغير المناخي، في ظل عدم رغبة الحكومات في التقارب والتعاون الذي بدونه لا يمكن تعظيم المزايا النسبية وتحقيق الكفاءة الاقتصادية في استخدام الموارد النادرة.
ومثال ذلك، يرفض لبنان بيع المياه الزائدة عن حاجته إلى إسرائيل في ظل غياب الثقة في التعاون بين الدولتين، وبدورها ترفض إسرائيل بيع التكنولوجيات المتقدمة المستخدمة في تحلية مياه البحر لدول المنطقة. وبالنسبة للسلطة الفلسطينية تظل مسألة التغيرات المناخية خارج دائرة الاهتمام في ظل الصراع الدائر بين فتح وحماس.
التهديدات المتعلقة بالتغيرات المناخية
يمكن القول إن التغيرات المناخية، وما قد ينتج عنها من تهديدات، قد تدفع دول المنطقة إما إلى نحو مزيد من التعاون لمواجهة الأخطار المشتركة، وذلك بالرغم من الخلافات السياسية والإيديولوجية القائمة بينهم، أو أن تكون هذه التغيرات المناخية مصدراً جديداً للتنافس والصراع في ظل محدودية الموارد الطبيعية في المنطقة، ما قد يدفع العديد من دول المنطقة إلى محاولة السيطرة على هذه الموارد بجميع الطرق المشروعة وغير المشروعة.
ومن جهة أخرى تطرح التغيرات المناخية مجموعة من التهديدات الجديدة والمستحدثة لأمن المنطقة، يتمثل أهمها في:
1- زيادة حدة الصراع حول موارد المياه المحدودة:
وهو ما قد يشكل خطراً على اتفاقيات السلام بين دول المنطقة. فقد أصبحت المياه ملفا رئيسيا ضمن مفاوضات السلام في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تتضمن معاهدة السلام الإسرائيلية- الأردنية اتفاقا فرعيا يقضى بأن تقوم إسرائيل بنقل نحو 50 مليون متر مكعب من مياه بحر الجليل إلى الأردن خلال فصل الصيف. وفى المقابل يقوم الأردن بنقل كمية مماثلة من المياه خلال فصل الشتاء إلى إسرائيل.
كما اتفق الطرفان على إنشاء لجنة مشتركة للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إلا أنه مع تعرضها لأسوأ موجة جفاف، خلال عام 1999 (في مؤشر على الأزمات المستقبلية)، تنصلت إسرائيل من الجدول الزمني الخاص بتسليم المياه، ما أغضب الملك الأردني وأدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة في شوارع عمان، وهو ما مثل تهديداً حقيقياً لاتفاق السلام بين الدولتين.
ونظرا للتغيرات المناخية المتوقعة وزيادة ندرة المياه في المنطقة، من المتوقع أن تزداد وتيرة الصراع في ظل عدم وجود اتفاقيات خاصة باقتسام المياه بين سوريا وإسرائيل ولبنان، بل حتى الاتفاقيات الموجودة ، مثل اتفاقيات تقاسم المياه بين تركيا وسوريا والعراق، هي موضع خلاف منذ فترة طويلة.
2- زيادة مشكلات الأمن الغذائي:
فارتفاع درجات الحرارة بمعدلات تتراوح بين 2 – 3 درجات وانخفاض معدلات الأمطار وزيادة معدلات الجفاف، كلها أمور قد تتسبب في انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة تتراوح بين 25 – 35%، ما قد يسبب تهديداً كبيراً للأمن الغذائي في المنطقة، ويشكل في الوقت نفسه نواة للتصعيد السياسي.
وعلى سبيل المثال، تسببت موجة الجفاف التي تعرضت لها سوريا، في عام 2007، في انخفاض إنتاجية القمح بنسبة 50%، والشعير بمقدار الثلث مقارنة بالسنوات السابقة. وفى ديسمبر 2008، تسببت موجة الجفاف التي تعرضت لها الأردن في إلحاق أضرار بالغة بمحاصيل الفاكهة والخضروات والقمح والشعير، وأدت إلى انخفاض محصول الزيتون من 40 ألف طن عام 2007 إلى 17 ألف طن عام 2008، كما انخفضت أعداد الماشية بنحو 600 ألف رأس.
وبشكل عام قد تصبح قضية الأمن الغذائي- والأضرار التي ستلحق به نتيجة التغيرات المناخية، خاصة مع تزامنها مع الارتفاع المتوالي في أسعار الغذاء- أكثر تسييساً من ذي قبل. فقد تلجأ إسرائيل إلى الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية، أو إعادة احتلال الضفة الغربية، أو الاستمرار في احتلال الجولان، بسبب المخاوف من قضية الأمن الغذائي وانخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية الإسرائيلية.
3- إعاقة النمو الاقتصادي وزيادة معدلات الفقر:
فانخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية وعدم وفرة المياه وارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة معدلات التصحر، أمور قد تترك آثاراً سلبية كبيرةً على معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة، وتؤدي إلى ارتفاع في معدلات الفقر، خاصة وأن القطاع الزراعي يلعب دورا كبيرا في كل من الأردن ولبنان وسوريا، حيث يساهم بنحو 23% من الناتج القومي الإجمالي السوري، ويستحوذ على 30% من القوى العاملة السورية، وعلى نحو 14.1% من القوى العاملة في الأراضي الفلسطينية.
وقد خلصت دراسة، أجرتها الحكومة البريطانية، عام 2006، بشأن التقديرات الخاصة بالتكلفة الاقتصادية للتغيرات المناخية وآثارها على المستوى العالمي، إلى أن التكلفة الاقتصادية لهذه التغيرات يمكن أن تتراوح بين 5 – 20% من الناتج الإجمالي العالمي.
وأشارت الدراسة إلى أن منطقة المشرق العربي قد تتأثر من عدة جوانب، أهمها:
- أن التغير المناخي يمكن أن يؤثر بالسلب على إنتاجية القطاع الزراعي من خلال ارتفاع معدلات التصحر وانخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية، وكذلك فرص العمل في المناطق الريفية، علاوة على زيادة العبء المالي الحكومي الناتج عن تدخل الحكومة لدعم هذا القطاع.
- قد تتسبب التغيرات المناخية في إنهاء بعض الأنشطة الاقتصادية، مثل تصدير المحاصيل كثيفة المياه. فعلى سبيل المثال، قررت سوريا، في عام 2008، عدم التوسع في زراعة القطن المخصص للتصدير وتقليص حجم الإنتاج بشكل يلبي الاستهلاك المحلى فقط، وذلك بسبب موجة الجفاف التي ضربت البلاد.
- يمكن للتغيرات المناخية أن تضرب قطاع السياحة, وخاصة السياحة الموسمية المرتبطة بالظواهر الطبيعية. فالبحر الميت عرضه للتبخر والجفاف بمعدل يصل إلى متر سنويا، نتيجة للإفراط في سحب المياه من الأنهار والجداول التي تغذيه. كذلك فإن سياحة التزلج في لبنان قد تنتهي بسبب الارتفاع في درجات الحرارة.
- من المتوقع أن يرفع التغيرات المناخية من أسعار المواد الغذائية (تشير التقديرات إلى أن هذا الارتفاع قد يصل إلى ثلاثة أضعاف الأسعار الحالية بحلول عام 2080)، ما يؤدى إلى ارتفاع معدلات الفقر في المنطقة.
4- زعزعة الاستقرار الاجتماعي وزيادة الهجرة القسرية:
فزيادة ندرة المياه وانتشار ظاهرة التصحر، وغيرهما من الآثار السلبية للتغيرات المناخية، من شأنه أن يقوض سبل المعيشة ويحد من فرص العمل في الريف، ومن ثم يسرع من معدلات الهجرة من الريف إلى الحضر، ما قد يؤدى إلى تضخم المدن الكبرى وارتفاع معدل سكانها بسرعة كبيرة. فعلى سبيل المثال موجة الجفاف التي ضربت سوريا عام 2007 في صعوبات كبيرة في المناطق الريفية، خاصة في المنطقة الشمالية الشرقية، ما تسبب في هجرة سكان نحو 160 قرية إلى المناطق الحضرية.
ومن جهة أخرى، يتوقع أن يرتفع عدد سكان مدينة عمان من نحو 2.5 مليون نسمة إلى 6.4 مليون نسمة بحلول عام 2025، هذا إلى جانب ما يرتبط بهذه الظاهرة من مشكلات متعلقة بتوفير الخدمات الصحية والبنية التحتية وخدمات التعليم.
5- زيادة عسكرة الموارد الطبيعية:
مع تسارع وتيرة التغيرات المناخية، من المرجح أن يتقلص حجم الموارد الطبيعية وخاصة الموارد التي تتسم بالطابع الإستراتيجي مثل المياه، ومن ثم قد تصبح تلك الموارد مصدراً كبيراً للتوترات السياسية، وذريعة لتعزيز القوى العسكرية من خلال عدة جوانب.
فمن ناحية قد تنشب الصراعات حول مصادر المياه الحدودية، مثل الصراع الأردني – السوري حول تقاسم مياه نهر اليرموك. ومن ناحية أخرى يمكن استغلال نقص الموارد الاقتصادية الناتج عن التغيرات المناخية من قبل الساسة الانتهازيين أو من قبل الجماعات المسلحة كذريعة لتبرير سلوكهم العدواني والتحول نحو مزيداً من العسكرة. كذلك يمكن أن يؤدي هذا النقص في الموارد إلى قيام دول المنطقة بضربات وقائية للاستيلاء على الموارد النادرة، وهو أمر يمكن حدوثه من قبل المستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية، أو بين كل من تركيا وسوريا والعراق حول تقسيم نهر الفرات.
6- تنامي مشاعر الاستياء داخل الدول العربية تجاه الغرب وإسرائيل:
فأغلب الانبعاثات البيئية الضارة ناتجة عن معدلات الاستهلاك الهائلة للطاقة من قبل الدول الصناعية الكبرى، بما فيها إسرائيل، في حين أن أغلب الآثار الضارة لهذه الظاهرة تنعكس على الدول النامية والفقيرة التي لم تتسبب في هذه الظاهرة.
وتشير دراسات دولية إلى أن حجم الانبعاثات الضارة الناتجة من منطقة المشرق العربي لا يمثل سوى أقل من 1% من إجمالي الانبعاثات العالمية، وهو ما لا يتناسب مع متوسط نصيب الفرد في المنطقة من هذه الانبعاثات. فعلى سبيل المثال، تستحوذ إسرائيل على النسبة العظمى من هذه الانبعاثات بمتوسط يصل إلى 11.8 طن متري للفرد سنويا، وهو معدل يتجاوز المعدل الأوروبي البالغ 10.05 طن متري سنوياً. كما يبلغ متوسط نصيب الفرد في لبنان حوالي 5.2 طن متري سنويا، وفى الأردن حوالي 4.9 طن متري، وفى سوريا 4 طن متري، وفى الأراضي الفلسطينية 0.2 طن متري.
ويعزز هذا الوضع من عدم ثقة دول المنطقة في الغرب وفى إسرائيل، خاصة وأن إسرائيل لا تلعب دوراً نشيطاً في المفاوضات والمعاهدات البيئية الدولية الرامية لتقليل حجم الانبعاثات البيئية الضارة.
إستراتيجيات لمنع نشوب الصراعات المتعلقة بتغير المناخ
ينصب الاهتمام الأساسي لدول المشرق العربي على المخاطر الأمنية المباشرة الناتجة عن التوترات السياسية والعسكرية والحروب الأهلية ومشكلات الاحتلال، ولا تحظى التهديدات الأمنية المحتملة الناتجة عن التغير المناخي باهتمام كبير، بالرغم مما تثيره من تحديات مستقبلية كبيرة ترتبط بندرة المياه أو انخفاض معدلات النمو الاقتصادي مع زيادة عدد السكان وتكدس المدن، أو غيرها من التحديات الأخرى.
ويتوقف مدى قوة التهديدات المتعلقة بالتغيرات المناخية بحجم الاهتمام السياسي بهذه التهديدات والإجراءات المتبعة للتقليل من آثارها. وبالرغم من أن ظاهرة التغير المناخي ظاهرة عالمية، تشكل تهديدا للأمن العالمي بأسره ومن ثم لا تستطيع دولة واحدة مواجهته منفردة، فإن هناك مجموعة من الإستراتيجيات المقترحة يمكن لدول منطقة المشرق العربي أن تقلل من خلالها من آثار هذه الظاهرة.
وتتمثل أهم هذه الإستراتيجيات في:
1- تعزيز ثقافة الحفظ
تقوم هذه الإستراتيجية على مبدأ تعزيز الكفاءة الاقتصادية في استخدام الموارد الاقتصادية وموارد الطاقة غير المتجددة. فعلى سبيل المثال، تقوم إسرائيل بدعم القطاع الزراعي والمزارعين ودعم أسعار المياه وتقديمها بأرخص الأسعار- بالرغم من أنها تعانى من نقص كبير في موارد المياه- وهو ما أدى إلى تحول القطاع الزراعي الإسرائيلي من قطاع مخصص للإنتاج المحلى إلى قطاع قائم على تصدير الخضر والفاكهة. وقد بلغت نسبة الصادرات الزراعية حوالي ثلث الإنتاج الزراعي. لكن، وبالرغم من امتلاك إسرائيل لأحدث تكنولوجيات المياه، إلا أن القطاع المنزلي الإسرائيلي لا زال متخلفاً عن الكفاءة الاقتصادية في استخدام المياه.
ويمكن القول إن رفع مستوى الوعي بشأن مخاطر التغير المناخي وآثاره من شأنه أن يساعد في تشجيع ثقافة الكفاءة الاقتصادية في استخدام الموارد النادرة في المنطقة، مع ضرورة نشر هذه الثقافة في مراحل التعليم المختلفة وخاصة المرحلة الابتدائية. وعلى الحكومات والسلطات في المنطقة إتباع الإجراءات الآتية:
- الاهتمام برفع مستوى الوعي الجماهيري بشأن مخاطر التغير المناخي وآثاره وضرورة الحفاظ على الموارد النادرة وزيادة كفاءة استخدامها وخاصة الموارد المائية.
- زيادة معدلات الاستثمار في البنية التحتية لزيادة كفاءة استخدام الموارد المائية وتطوير آليات جديدة لحماية تلك الموارد من التلوث الزراعي والصناعي.
- إعادة تقييم الدعم الحكومي للأنشطة الزراعية "كثيفة الاستخدام للمياه" بطريقة تسمح بالاستخدام الأمثل لها، وتحديد أسعار مناسبة لتشجيع المحافظة على موارد المياه النادرة.
- زيادة الدعم الحكومي للمشروعات القائمة على مصادر الطاقة المتجددة مثل مشروعات تحلية مياه البحر والألواح الشمسية.
2- التكيف مع آثار تغير المناخ:
وهي إستراتيجية قائمة على ضرورة التكيف مع التغيرات المناخية المتوقعة من خلال مجموعة من البرامج والمشروعات الجديدة القائمة على الأوضاع البيئية الجديدة مثل: برامج لتحسين إدارة المياه – برامج للتنمية الزراعية مثل نشر سياسة الري التكميلي – برامج للوقاية من الكوارث والفيضانات– برامج لنشر المحاصيل الزراعية المقاومة للجفاف. كما يجب على الحكومات والسلطات إتباع الإجراءات الآتية:
- وضع أفضل الإستراتيجيات والبرامج للتكيف مع التغيرات البيئية المستقبلية.
- دعم برامج التكيف في المناطق الريفية بما في ذلك الاعتماد على زراعة المحاصيل المقاومة للجفاف.
- الاهتمام بتخطيط البنية الأساسية في المناطق الحضرية بما يتناسب مع التغيرات المناخية المستقبلية (مثل مشروعات الصرف الصحي – شبكات المياه – الإسكان – أنظمة النقل وغيرها).
- رفع مستويات الوعي حول التغيرات المناخية وتطوير طرق مبتكرة لزيادة كفاءة استخدام المياه.
- إنشاء مركز إقليمي للتكيف مع التغيرات المناخية يكون هدفه الأساسي تطوير ونشر طرق جديدة للتعامل مع الجفاف والتصحر وتعظيم الكفاءة الاقتصادية في استخدام المياه والطاقة.
- دعم البرامج والمشروعات المشتركة مع الدول المجاورة بهدف تعزيز الكفاءة الاقتصادية في استخدام الموارد الاقتصادية المشتركة، وبناء السلام بين الدول.
3- تجنب تغير المناخ الخطير:
تقوم هذه الإستراتيجية على ضرورة تجنب الأخطار البيئية الناتجة عن الارتفاع في درجات الحرارة وظاهرة الاحتباس الحراري، من خلال العمل على تقليل حجم الانبعاثات الدفيئة باعتبارها وسيلة لمكافحة آثار التغير البيئي.
وعلى إسرائيل بوصفها أكثر دول المنطقة إطلاقاً للانبعاثات الضارة أن تأخذ المبادرة في تقليل حجم هذه الانبعاثات، وسيكون ذلك بمثابة دليل قوي على نواياها التعاونية مع دول المنطقة. كما ينبغي على دول المنطقة ضرورة الاهتمام بتنمية موارد الطاقة المتجددة والاستفادة من مزاياها الاقتصادية المتعددة، من قبيل تقليل حجم الانبعاثات الضارة الناتجة عن ارتفاع معدلات استهلاك الوقود الأحفوري. وعلى المجتمع الدولي العمل على:
- التوصل إلى اتفاقية عالمية بشأن التزامات بيئية أكثر صرامة، وذلك للحد من انبعاثات الغازات الضارة، خاصة مع قرب انعقاد مؤتمر كوبنهاجن متعدد الأطراف في شهر ديسمبر من العام الحالي 2009، مع ضرورة التوصل إلى الاتفاق على تقليل نسب الانبعاثات الضارة المسموح بها للدول الصناعية الكبرى.
- تمكين السلطة الفلسطينية من المشاركة في المناقشات والمؤتمرات الدولية المتعلقة بالتغيرات المناخية، ومنها مؤتمر كوبنهاجن القادم.
- تطوير السياسات الوطنية والإستراتيجيات التي تشجع على استخدام وتطوير مصادر الطاقة المتجددة ونشر التكنولوجيا الحديثة المتعلقة بها.
- زيادة الجهود الدولية والمؤتمرات المتعلقة بالتغيرات المناخية للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.
4- تمكين التعاون الإقليمي:
تقوم هذه الإستراتيجية على تكريس مبدأ التعاون الإقليمي والمشاركة الدولية، انطلاقا من أن التحدي المتمثل في التغيرات المناخية، أمر يصعب على أي دولة منفردة التصدي له، وأن إستراتيجيات التعاون المشترك هي أفضل الطرق للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، مع ضرورة تطوير إستراتيجيات شاملة لإدارة الموارد المشتركة والتحكم في الهجرة الدولية القسرية.
ويمكن التوصل لهذه الإستراتيجيات المشتركة بالتعاون مع الهيئات والمؤسسات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية أو الشراكة الأورومتوسطية أو سياسة الحوار الأوروبي وغيرها من المنظمات والتجمعات الإقليمية والدولية الأخرى.
وفي هذا الإطار، يجب على الحكومات والسلطات الوطنية إتباع الإجراءات الآتية:
- وضع سيناريوهات إقليمية تتضمن العمل الجماعي المشترك مع دول الجوار لتحقيق الفوائد الاقتصادية في قضايا المياه والطاقة.
- إنشاء ودعم الآليات التقنية لتبادل المعلومات ونشرها بما يخدم صالح دول المنطقة ويحقق أقصى كفاءة في إدارة الموارد الاقتصادية المشتركة.
- يمكن للمجتمع الدولي أن يقيم منتدى دولي للمنظمات غير الحكومية يهدف إلى توفير وتبادل المعلومات حول التغيرات المناخية وتأثيراتها، إلى جانب تشجيعه للمنظمات والتجمعات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية والشراكة الأورومتوسطية وسياسة الحوار الأوروبي، على تعزيز جهودها للتصدي لنشوب الصراعات وبناء آليات للسلام في المنطقة، وضمان وجود أرضية مشتركة للتعاون الإقليمي ضد تأثيرات التغيرات المناخية.
اولى براون مدير المعهد الدولي للتنمية المستدامة في جنيف، واليك كروفورد باحث بلجنة التجارة والبيئة والأمن في المعهد.
*موجز لدراسة تحت عنوان "ارتفاع درجات الحرارة وتصاعد التوترات.. تغير المناخ وخطر الصراع العنيف في الشرق الأوسط"، صادرة عن المعهد الدولي للتنمية المستدامة، 2009. ويصف المعهد نفسه بأنه "معهد مستقل للبحوث حول سياسات البيئة والتنمية.. مقره في كندا وله مكاتب في نيويورك وجنيف".
|