|
| لا أعتبر قصيدة النثر "رجسا" |
يرى الأستاذ الدكتور محمد عبد المطلب، أستاذ النقد الأدبي والبلاغة العربية بكلية الآداب جامعة عين شمس ورئيس قسم اللغة العربية السابق بها، أننا نعيش في دول تعمل على هدم اللغة العربية من خلال سياساتها المختلفة لصالح اللغة العامية.
عبد المطلب الذي أنتج ما يقرب من ثلاثين كتابا في النقد الأدبي والبلاغة، وحاصل على العديد من الجوائز المصرية والعربية والعالمية وكان آخرها جائزة رجاء النقاش التي يرعاها اتحاد الكتاب المصري ودار الشروق في مصر، يجيب على الأسئلة بصراحته المعتادة دون أن يضع أي حساب لاعتبارات شخصية، فهو مثلا يرى أن الجوائز التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة تذهب لمن يخترق السقف الثقافي والديني، وأن الترجمة في عالمنا العربي أصبحت خديعة.
وهو في هذا الحديث الصريح والعميق يجيب على ما نطرحه عليه من الأسئلة التي تخص الشأن الأدبي والثقافي العربي، ومن خلال ذلك نقف على خلاصة تجربته النقدية وتقييمه للحالة الإبداعية والحركة النقدية في العالم العربي، وفيما يلي نص الحوار:
البلاغة صالحة
* في ظل طوفان المذاهب والنظريات النقدية والإبداعية، هل ما زال النقد القديم قادرا على تقديم شيء ذي بال؟
- لقد شغلني هذا الأمر، فتعاملت مع الشعر الحديث من منطلقات بلاغية، وكتبت كتابًا مهمًّا بعنوان: بناء الأسلوب في شعر الحداثة "التكوين البديعي"، ثم أعدت التجربة مرة أخرى في كتاب: "قراءات أسلوبية"، وهكذا استمرت علاقتي بالشعر من منطلق بلاغي، لكي أثبت أن البلاغة ما زالت صالحة.
لكن مع طوفان النقد الحديث كالبنيوية والتفكيكية وغيرها، أخذت أتابع هذه المنجزات لكي أرى ما يمكن أن يتوافق مع البلاغة العربية أو لا يتوافق معها، فقدمت كتابًا مهمًا هو: "البلاغة والأسلوبية" وكتابًا آخر اسمه "العلامة والعلامية"، ثم ثالثًا وهو: "قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني"، وهذه الكتب أثبت فيها إلى حد كبير أن أكثر منطلقات النقد الحديث يمكن أن يكون لها شبيه في النقد العربي القديم، والبلاغة العربية القديمة، وأن الاختلاف قد يكون في المصطلح لا أكثر ولا أقل.
* يبدو أن الأسلوبية لها أهمية خاصة لديكم، هل ذلك نابع من كونها تتماس مع الأدوات النقدية التراثية؟
- الأسلوبية من المناهج النقدية التي لها بصمتها في حقل الدراسات اللغوية والنقدية، وهي لها اتجاهات ثلاثة: ربط الأسلوب بالمنتج تارة، وربط الأسلوب بالمتلقي تارة، وربط الأسلوب بالخواص اللغوية تارة أخرى.
وهذا ما هو موجود في التراث، ربما البنيوية هي التي لم نجد لها نظيرًا، ولكن حتى البنيوية فإن الاتجاه الإحصائي فيها موجود في التراث العربي، وأمثلته متعددة، مما يدل على أن هناك توافقًا بين التراث والمناهج الحديثة، ليس هو بالضبط، ولكن هناك توافقا، وأنا أردت أن آخذ من التراث ما هو صالح وما يوافق ما هو صالح، وأوفق بينهما لأقدم أدوات نقدية للتعامل مع النص الأدبي.
ليست رجسا
* لكم مجهود كبير في رصد ظاهرة ما يسمى بقصيدة النثر، فما الدافع إلى ذلك؟
- كاد مجهودي أن يكون محصورا في دراسة الشعر الخليلي والتفعيلي، إلى أن بدأ الشعر يخطو خطوة كبيرة فيما يسمى بقصيدة النثر، ووجدت أن الهجوم ضدها كاسح، فتقدمت من منطلق منهجي، واقتحمت عالم هذا النوع الإبداعي، فنحن عندنا في الفقه الإسلامي فقه خاص بالذكر وفقه خاص بالأنثى، والفقهاء وجدوا أن هناك جنسًا ثالثًا وهو الخنثى، وهو الذي يجمع بين صفات الذكورة وصفات الأنوثة، ولو أنهم كانوا غير نابهين لاستبعدوا هذا الجنس لشذوذه عن الطبيعة، لكنهم اعتبروه نمطًا بشريًّا موجودًا فدرسوه ووضعوا له الفقه الذي يناسبه.
ومن هذا المنطلق، فإن هناك شعرًا وهناك نثر، وهناك قصيدة نثر تجمع بين الجنسين: الشعر والنثر، ولم أعتبرها رجسا كما صنع غيري من النقاد، إنما تقدمت لدراسة هذه الظاهرة، وكان كتابي: "النص المُشْكِل" مخصصًا لذلك.
وتابعت دراستي لهذا النوع في كتابيّ: "مناورات الشعرية"، و"هكذا تكلم النص"، وآخر كتاب لي صدر في هذا الشأن عن المجلس الأعلى للثقافة بعنوان: "شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة".
* ذاك عن الشعر وتنويعاته، فماذا عن النثر، خصوصا الرواية والقصة، أين هما من رحلتكم النقدية؟
- ذكرتني بحادث طريف يخص هذا الشأن، فقد كنت في مؤتمر بالأردن، وقام أحد الحاضرين وقال لي يا دكتور: أنت نصف ناقد! قلت له لماذا يا بني؟ فقال: أنت تدرس الشعر، ولم تقترب من النثر، فهل الأدب شعر فقط أم شعر ونثر؟ إننا لم نر لك إنتاجا نقديا يخص النثر، إذن فأنت نصف ناقد.
الحقيقة أن هذا الكلام حفزني أن أقترب من النثر، ومنذ سبع سنوات تقريبًا تعاملت مع النثر الروائي والقصصي، وقدمت كتابين أراهما مهمين أولهما: "بلاغة السرد"، ودرست فيه مجموعة من الروايات المصرية والعربية، وثانيهما: "النقد الثقافي" وهو يتناول التقاليد الثقافية، أي ربط النص بالثقافة التي أنتجته، ومثال ذلك قول الشاعر القديم: "فلان كثير الرماد"، في البلاغة: "كثير الرماد" أي كريم، والنقد الثقافي ينسب مثل هذه الصورة إلى الثقافة فيطلق عليها أنها صورة ثقافية وليست صورة جمالية؛ فالصورة تنقل واقعًا اجتماعيا في بيئة كان الطبخ فيها بالحطب، فكثرة الطبخ تنتج عنها كثرة الرماد، مما يدل على كثرة الضيوف، وكثرة الضيوف تعني الكرم، فكأن الصورة تقدم بنية ثقافية.
وفي النقد الثقافي قدمت كذلك كتاب: "بلاغة السرد النسوي" وأخذت أقرأ السرديات النسوية لأربطها بأنساق الثقافة، ورأيت أن السرد النسوي له عدة مسارات: يكون نسويا بالنسبة للمصدر القائل، أي تنتجه أنثى، أو بالنسبة للموضوع أي إنه يخص الأنثى على الرغم من أن كاتبه قد يكون رجلا، أو بالنسبة للمتلقي.. من هنا فقد أكملت الجانب الذي كان ينقصني وهو دراسة النثر.
الشعر فن الخاصة
* الملاحظ أن هناك انصرافا عن الشعر، وأن أنماط الإبداع الأخرى عموما والمرئية خصوصا لها سيطرة واضحة، فما تفسيركم لذلك؟
- لقد ناقشت قضية قلة الإقبال على الشعر، وبينت خطأ الفهم الشائع الذي يذهب إلى أن الشعر فن شعبي، والحقيقة أن الشعر منذ القدم فن الخاصة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "الشعر كلام من كلام العرب جزل تتكلم به في نواديها وتسل به الضغائن بينها"، إنه يقول: "نواديها"، فكأن الرسول يقول إن الشعر له مكانه الخاص، وظل هذا في قصور الخلفاء والأمراء ومجالس العلماء، ولا ينفي هذا أن هناك استثناءات "لعامية الشعر" [أي أن يكون سيارًا بين العامة] مثل: "نقائض جرير والفرزدق"، فكان العامة ينتظرون أشعارهما، وكذلك شوقي وحافظ، فيما عدا ذلك تقريبا ظل الشعر فن الخاصة حتى يومنا هذا، لكنه بدأ يقل مريدوه الآن؛ لأن الشعر فن اللغة، وإذا ضعفت اللغة فلن تجد من يستقبل الشعر، فمثلا عندما يقول المتنبي:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا... وحسب الأماني أن يكن أمانيا
فهذا معنى يمكن لأي شخص أن يقوله، لكن كيف عبر عن هذا المعنى، إنه يقول كفى بك، وليس بي، وكأنه لا يدري بنفسه من شدة الألم.
فالجماليات هنا في اللغة، فإذا لم أمتلك مقدرة على فهم اللغة، فكيف أفهم الشعر؟!
ونحن والحمد لله في دولة تعمل بجد ونشاط على هدم اللغة العربية، حتى أن هناك فضائيات بعينها لا تتعامل إلا بالعامية، وصحفًا بكل أسف تكتب بالعامية، وجريدة قومية كبرى رئيس تحريرها يكتب مقاله بالعامية، إنه لشيء مؤسف، وهذا مخالف للسائد في العالم كله؛ حيث غالبًا ما تكون هناك لغتان: لغة كتابة، ولغة خطاب، وليست العربية بدعًا في هذا.
* بوصفكم ناقدا أنفقت سنوات وسنوات في البحث النقدي ما تقييمكم للحياة الأدبية والحركة النقدية؟
- الحياة الأدبية فيها إيجابيات كثيرة وسلبياتها كثيرة كذلك، فيها الضعيف وفيها القوي، فالشعراء الجاهليون مثلا -في إحدى دراساتي وجدت أن عددهم يربو على الـ 500 شاعر- ماذا بقي منهم؟ لم يبق إلا 15 أو 20 شاعرًا.
وفي رأيي أن الوضع الأدبي عموما أكثر حياة، ويكفي أن كل الأشكال الإبداعية الأدبية تتعايش: القصيدة العمودية موجودة، والقصيدة التفعيلية موجودة، وقصيدة النثر موجودة، والرواية التقليدية موجودة، والرواية الحديثة موجودة.
خديعة الترجمة
* إذن من أين تأتي السلبيات ما دام أن الحياة الأدبية حية وتتعايش فيها جميع أنواع الإبداع وأجناسه؟
- السلبيات تأتي من ناحية أن المفروض في النقد الأدبي أن يكون تابعًا للإبداع، فالناقد ينتظر أن يتم إنتاج إبداع ثم يناقشه، لكن ما يحدث خلاف ذلك، فبعض المبدعين لا يهتم بهم النقاد، فظنوا أنهم لكي يلتفت إليهم هؤلاء النقاد فلابد من مجاراتهم في توجهاتهم النقدية، فأخذوا يكتبون نصوصًا تساير ما برز في اهتمامات هؤلاء النقاد، وعلى هذا انعكست القضية، فبدلا من أن يكون النقد تابعًا للإبداع، أصبح الإبداع تابعًا للنقد، فظهر ما يمكن تسميته بـ "تصنيع العمل الأدبي".
فمثلا إذا نجحت رواية من الروايات نجد أن مجموعة من المبدعين يدورون في فلك هذه الرواية على سبيل المجاراة التي قد تحقق النجاح.
وظهرت المشكلة كذلك من ناحية بعض النقاد الجدد الذين بهرهم علم السرد، فحفظوا تقنيات هذا العلم، ويطبقونه على النصوص تطبيقًا آليًّا، فعلم السرد يقول له: يوجد: استباق، استرجاع، مشهد، موقف، راوٍ، داخلي وخارجي، حوار حر مباشر... إلخ.
أنا أحصيت تقنيات هذا العلم فوجدتها تربو على الخمسين تقنية، فإذا طبقتها على النص لم يعد هناك نص، وللأسف فالجيل الجديد من النقاد استسهل هذه العملية، فحفظ هذه الأدوات وبدأ يطبقها على النصوص، ونتيجة لذلك أصبحت النصوص كلها كأنها نص واحد على يد هؤلاء النقاد، فهي إذن ظاهرة مؤسفة.
ظاهرة أخرى هي الترجمة، فكثير من الأدباء والأديبات تغريهم مسألة الترجمة، والترجمة لها شرط أساسي -لكي يتم تبني أعمال معينة من قبل هيئات أجنبية ترعاها- وهذا الشرط يتمثل في أن يكون مضمون الأعمال المرشحة للترجمة ومغزاها يدعو إلى اختراق السقف الثقافي والديني، وإذا نظرنا إلى كثير من الأعمال المترجمة فسنجد فيها هذا الأمر، باستثناء أعمال نجيب محفوظ.
وقد كنت في فرنسا، في السوربون، وتكلمت إحدى السيدات عن النصوص التي تُرجِمَتْ لها إلى الفرنسية، فسألتهم في الجامعة عن هذا الأمر، فدلوني أن ترجمة مثل هذه الأعمال ربما لا تتعدى 5 نسخ توضع في المكتبة لتكون متاحة للطلاب، إنها إذن ليست ترجمة متاحة في سوق النشر، بل ترجمة خاصة، إذن لدينا خديعة اسمها خديعة الترجمة.
* يبدو أن هناك قدرا كبيرا من الادعاء في حياتنا الثقافية، وكذلك قدر كبير من توجيه الثقافة لخدمة أغراض ما!
- لا شك، ومن مظاهر ذلك مثلا أن جوائز الجامعة الأمريكية في أكثرها لا تذهب إلا لمن اخترق السقف الثقافي أو الديني، وهذا الأمر دفع بعض الأدباء إلى صناعة نصوص تتفق مع هذا التوجه.
انحياز عقائدي
* وماذا عن حركة النقد في الوطن العربي؟ ومن في رأيكم من النقاد يمتلكون الأدوات النقدية المتميزة؟
- هناك نقاد عديدون أثروا الحركة النقدية بالكثير من الإنتاج المتميز، أذكر منهم: جابر عصفور، وصلاح فضل، ويوسف نوفل في مصر، وعبد الله الغذامي في السعودية، وعبد السلام المسدي في تونس، وعبد الملك مرتاض في الجزائر، وعبد النبي سطيف في سوريا، وعلوي الهاشمي في البحرين، بالإضافة إلى كثيرين لا تسعفني الذاكرة بهم.
فالحركة النقدية جيدة، ولا تخلو مع الإجادة من السلبيات، فأنا أعلم بعض النقاد يتبنون أدباء، أو بالأحرى أديبات بأعينهن ويفسحون لهن الطريق وهن لا يصلحن أن يكن أديبات.
ومن السلبيات كذلك الانحياز للانتماء العقائدي على حساب المنهج العلمي، فاليسار له مبدعوه الذين يساعدهم، واليمين له مبدعوه الذين يساندهم أيضا، وهكذا.
باحث مصري في الدراسات الأدبية
|