English

 

السبت. أكتوبر. 24, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » شؤون عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

المحيط الهندي.. مسرح الصراع الدولي في القرن الـ21 *

روبرت كابلان

إعداد - مروة نظير

Image
الصين والهند.. صراع مشتعل ساحته المحيط الهندي
تعد قراءة الخرائط خطوة شديدة الأهمية عند تحليل السياسات العالمية، فخلال القرن العشرين كان فهم خريطة أوروبا أمرا ضروريا لفهم السياسات العالمية. وبالرغم من أن التقدم التقني والتكامل الاقتصادي قد ساهما في نمو توجه عالمي في التفكير يقلل من أهمية الجغرافيا، لا تزال بعض المناطق الجغرافية تفوق في أهميتها مناطق جغرافية أخرى. ومن أمثلة ذلك العراق وباكستان، فالسياسة- في هذين البلدين- لا تزال تخضع للاعتبارات الجغرافية.

وبسبب موقعها الجغرافي، تبدي الولايات المتحدة اهتماما خاصا بمنطقة المحيطين الأطلسي والهادي. وقد ساهمت الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة في بلورة هذا التوجه. لكن هذا الاهتمام لم يكن قاصرا على الولايات المتحدة، فكل من ألمانيا النازية، واليابان الإمبراطورية، والإتحاد السوفيتي، والصين الشيوعية قد صبوا جل اهتمامهم على أحد أو كلا هذين المحيطين.

وكما ثبت من نشاط القراصنة المتزايد على السواحل الصومالية، يشكل المحيط الهندي (الذي يعد ثالث أكبر كتلة مائية في العالم) أحد أهم تحديات القرن الحادي والعشرين. وتضم "منطقة المحيط الهندي الكبرى" القوس الإسلامي الممتد من الصحراء الأفريقية إلى الأرخبيل الإندونيسي. ويعود ذلك إلى اعتبارات تاريخية ترجع إلى هجرة العديدين من العرب والفرس في العصور الوسطى إلى الصين، وقيامهم بنشر الإسلام من خلال التجارة البحرية.

وفي الوقت الراهن تشمل الروافد الغربية للمحيط الهندي عددا من الدول الإسلامية هي: الصومال، اليمن، إيران، وباكستان، كما يعيش مئات الملايين من المسلمين على الحواف الشرقية للمحيط الهندي في الهند وبنجلادش وماليزيا وإندونيسيا.

ويحيط بالمحيط الهندي خليجان هائلان، هما بحر العرب وخليج البنغال، ويقعان بالقرب من باكستان وميانمار وهما أقل بلدين استقرارا في العالم. ومن شأن انهيار الدولة أَو تغير النظام السياسي في باكستان أن يلقي بظلاله على دول الجوار عبر تشجيع الانفصاليين البلوش والسند الذين يسعون لإقامة علاقات وثيقة مع الهند وإيران. وبالمثل فإن انهيار الحكومة العسكرية في ميانمار (حيث تشتد المنافسة على الطاقة والمصادر الطبيعية بين الصين والهند) يهدد اقتصادات الدول القريبة منها، كما سيتطلب تدخلا إنسانيا هائلا عبر البحر. وفي المقابل فإن وصول نظام أكثر ليبرالية إلى الحكم في ميانمار سيؤدي إلى تقويض موقع الصين المهيمن، ويدعم نفوذ الهند، ويسرع التكامل الاقتصادي الإقليمي.

بعبارة أخرى، يعتبر المحيط الهندي أكبر من مجرد قطعة جغرافية، فهو بمثابة "فكرة"، حيث تتعانق فيه مركزية الإسلام مع سياسة الطاقة العالمية، وصعود الهند والصين، بما يكشف عن عالم متعدد الأقطاب. ورغم أن النمو الاقتصادي المثير للهند والصين يظهر الآن بشكل واضح إلا أن التداعيات العسكرية المترتبة على ذلك لم تظهر بنفس الوضوح بعد.

إن طموحات كل من الهند والصين في التحول لدول عظمى، بالإضافة إلى مساعيهما لتأمين الطاقة، قد أرغمت البلدين على "إعادة توجيه اهتمامهما من الأرض إلى البحر". ويعكس التركيز على القوة البحرية مقدار ما تشعر به كل من الهند والصين من ثقة بالنفس. ولذا يمكن القول إن خريطة المحيط الهندي تكشف مخططات سياسة القوة في القرن الحادي والعشرين.

وبناء على ذلك، لا تزال هذه المنطقة بحاجة لتدخل الولايات المتحدة لكي تحافظ على السلام والاستقرار، من خلال دورها في منع الإرهابيين والقراصنة والمهربين؛ وتوفير الإغاثة الإنسانية؛ بالإضافة إلى إدارة المنافسة بين الهند والصين.

ولن يكون التدخل الأمريكي في هذه المنطقة مشابها للتدخل في العراق وأفغانستان، حيث كان على القوات الأمريكية التورط في صراعات عسكرية ونزاعات طائفية، لكن سيتعين على واشنطن لعب دور الموازن "الذي يظهر في الأفق عند الحاجة".

ولأن الهند والصين تعززان من قوتهما البحرية، فإن إدارة صعودهما السلمي يقع على عاتق البحرية الأمريكية. ورغم أنه من المتوقع أن تكون هناك توترات بين القوات البحرية للدول الثلاث، لاسيما مع تقلص فجوات القوة فيما بينها، فإن الولايات المتحدة ستظل القوة العظمى الوحيدة، من خارج منطقة المحيط الهندي، التي تتمتع بحضور رئيسي هناك، وتعد تلك ميزة تمكنها من التفاوض مع الهند والصين في فنائهما الخلفي.

التنافس البحري بين الهند والصين

تمكنت بلدان المحيط الهندي من التواصل فيما بينها قبل عصر قوة البخار بفضل الرياح الموسمية، إذ نشأت تجارة التوابل والأحجار الكريمة والمنسوجات خلال العصور الوسطى. وعبر التاريخ حظيت الطرق البحرية بأهمية أكبر من الطرق البرية. وحتى في الوقت الحاضر، في عصر المعلومات، لا تزال 90 % من التجارة العالمية و65 % من تجارة النفط تنتقل عبر البحار، بل إن العولمة أصبحت ممكنة بسبب الشحن الرخيص والسهل للحاويات عبر البحار.

وفي هذا الإطار يمر بالمحيط الهندي نحو نصف عدد الحاويات في العالم، وحوالي 70% من المنتجات النفطية، وذلك في طريقها من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادي عبر طرق الملاحة البحرية الرئيسية للنفط في العالم: خليجي عدن وعمان، بالإضافة إلى بعض المحطات التجارية الرئيسية مثل مضايق باب المندب هرمز (تمر خلاله 40% من تجاره النفط الخام)، وملقا، (تمر خلاله 40% مِن التجارة العالمية).

ومن المتوقع أن تزداد أهمية المحيط الهندي في المستقبل، حيث تشير التقديرات إلى أن الطلب العالمي على الطاقة  سيزداد بنسبة 45% بين عامي 2006 و2030، وسيأتي حوالي نصف النمو في الطلب على الطاقة من قبل الهند والصين.

فقد تضاعف طلب الصين على النفط الخام بين عامي 1995 -2005، ومن المتوقع أن يتضاعف مرة أخرى في السنوات الـ15 القادمة. وبحلول عام 2020، يتوقع أن تصل ورادات الصين من النفط إلى 7.3 مليون برميل يوميا (أي ما يعادل نصف ناتج السعودية)، مما يعني زيادة معدلات المرور في المحيط الهندي، حيث تمر أكثر من 85 % من النفط والمنتجات النفطية المتجهة إلى الصين من المحيط الهندي وتعبر مضيق ملقا.

أما الهند- التي ستصبح رابع أكبر مستهلك للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة، والصين، واليابان- فتعتمد على النفط لتغطية حوالي 33% من احتياجاتها من الطاقة، وهي تستورد 65% من النفط الذي تستهلكه. ومن المتوقع أن تأتي 90% من وارداتها النفطية من الخليج العربي. كما يُتوقع أن تنمو ورادات الهند من الفحم القادم من موزمبيق، فضلا عن الفحم الذي تستورده من بلدان المحيط الهندي الأخرى، مثل جنوب أفريقيا، وإندونيسيا، وأستراليا. وفي المستقبل ستحمل السفن المتجهة إلى الهند كميات كبيرة جداً من الغاز الطبيعي المُسال عبر البحار من جنوب أفريقيا، كما ستستمر الهند باستيراد الغاز المسال من كل من قطر، ماليزيا، وإندونيسيا.

1- التحركات الهندية

ونتيجة للتقديرات التي تشير إلى أن ساحل المحيط الهندي (بما في ذلك شواطئ شرق أفريقيا) سيتحول إلى شبكة عالمية لتجارة الطاقة، تسعى الهند لزيادة نفوذها في المنطقة الواقعة بين هضبة إيران إلى خليج تايلاند. إن تجارة الهند مع دول الخليج العربية وإيران (التي طالما تمتعت الهند بروابط اقتصادية وثقافية وثيقة معها) في ازدهار، حيث يعمل حوالي 3.5 مليون هندي في دول مجلس التعاون الخليجي الست، وهم يرسلون حوالي 4 مليارات دولار في صورة حوالات مالية للهند سنوياً. ومن المتوقع أن يواصل اقتصاد الهند نموه، ومعه تجارتها مع إيران، والعراق حال تعافيه.

ومن المتوقع كذلك أن تصبح إيران (مثل أفغانستان) قاعدة خلفية إستراتيجية للهند في مواجهة باكستان، بل إن إيران على وشك أن تصبح شريكا مهما للهند في مجال الطاقة. ففي عام  2005 وقع الطرفان صفقة بمليارات الدولارات، بموجبها تزود إيران الهند بـ7.5 مليون طن من الغاز المسال سنوياً لمدة 25 سنة تبدأ في 2009. كما أن هناك حديث عن إنشاء خط لأنابيب الغاز من إيران إلى الهند يمر عبر باكستان. ويتوقع المراقبون أن يؤدي مثل هذا المشروع إلى ربط الشرق الأوسط بجنوب آسيا، فضلا عن زيادة الاستقرار في العلاقات الهندية الباكستانية على المدى الطويل. وفي مؤشر آخر على نمو العلاقات الهندية الإيرانية، تقوم الهند بمساعدة إيران في تطوير ميناء "شاه باهار" على خليج عُمان، الذي سيخدم كقاعدة للبحرية الإيرانية.

ومن جهة أخرى لا تزال الهند تعزز من روابطها العسكرية والاقتصادية مع ميانمار. وعلى الرغم من ديمقراطيتها، لا تملك الهند ترف رفض إقامة علاقات مع حكومة ميانمار العسكرية لأن مينامار غنية بالموارد الطبيعية (نفط، غاز طبيعي، فحم، خارصين، نحاس، يورانيوم، خشب، فضلا عن القوة المائية)، وهي موارد يستثمر فيها الصينيون بكثافة.

وتأمل الهند أن تتمكن من التواصل مع إيران وباكستان وميانمار عبر شبكة من خطوط أنابيب الطاقة والطرق التي تمتد من الشرق للغرب.

بالمنطق ذاته تعمل الهند على توسيع قواتها البحرية، إذ تعد البحرية الهندية- ذات السفن الحربية الـ155- من أكبر القوات البحرية في العالم. ومن المتوقع أن تتم إضافة ثلاث غواصات عاملة بالطاقة النووية وثلاث حاملاتَ طائرات إلى ترسانتها بحلول 2015.

وكان الحافز الرئيسي الذي دفع الهند لزيادة قوتها البحرية هو عدم قدرتها على إجلاء مواطنيها من العراق والكويت أثناء حرب الخليج الثانية (1990-1991)، فضلا عن "معضلة هرمز" التي تعانيها الهند بسبب اعتمادها على الواردات التي تمر عبر هذا المضيق، الذي يقع بالقرب من شاطئ ماكران الباكستاني الذي يقوم الصينيون بمساعدة الباكستانيين على تطويره.

2- التحركات الصينية

تصطدم الهند، أثناء توسعها شرقا وغربا، بالصين، التي تعاني هي الأخرى من "معضلة ملقا"؛ ومن ثم تأمل الحكومة الصينية أَن تصبح قادرة على تجاوز ذلك المضيق ولو جزئيا من خلال نقل النفط ومنتجات الطاقة الأخرى عن طريق البر وخطوط الأنابيب من موانئ على شاطئ المحيط الهندي إلى قلب الصين.

وتعتبر رغبة بكين في إعادة توجيه قواتها البحرية بعيداً عن مضيق تايوان ونحو المحيط الهندي أحد الأسباب التي دفعتها لتعزيز التكامل مع تايوان.

ومن ناحية أخرى تبنت الحكومة الصينية إستراتيجية تسمى "سلسلة اللآلئ" string of pearls للتعامل مع المحيط الهندي. وبموجب هذه الإستراتيجية، شرعت بكين في العديد من الخطوات أهمها:

- إنشاء سلسلة من الموانئ في البلدان الصديقة على طول الساحل الشمالي للمحيط؛

- بناء قاعدة بحرية وموقع تنصت كبير في "جوادار" بباكستان تراقب من خلاله مرور السفن عبر مضيق هرمز؛

- إنشاء ميناء في مدينة "باسني" على بعد 75 ميل شرق جوادار؛

- بناء محطة وقود على الساحل الجنوبي لسريلانكا؛ فضلا عن حاوية بحرية وتجارية في تشيتاجونج ببنجلادش؛

- وتتولى بكين أيضا تشغيل آليات للمراقبة في جزر خليج البنغال.

وفي ميانمار- التي تحصل حكومتها العسكرية على مليارات الدولارات من بكين في شكل مساعدات عسكرية- يسعى الصينيون إلى بناء وتطوير قواعد تجارية وبحرية وتعبيد الطرق والممرات المائية، علاوة على إنشاء خطوط أنابيب بغرض ربط خليجَ البنغال إلى بإقليم لينان الصيني.

كما تسعى الحكومة الصينية لشق قناة عبر برزخ "كرا" في تايلاند لربط المحيط الهندي بسواحل الصين على ذلك المحيط. ومن المتوقع أن يؤدي هذا المشروع إلى الإخلال بتوازن القوى في آسيا لصالح  الصين، عبر إمداد أسطولها التجاري والعسكري المتنامي بقدرة على المرور تمتد بطول الطريق من شرق أفريقيا إلى اليابان وشبه الجزيرة الكورية.

ولا شك أن هذه النشاطات الصينية تستفز الحكومة الهندية- التي تخشى أن تطوقها الصين ما لم تقم هي بتوسيع دائرة نفوذها. كما أن تداخل المصالح التجارية والسياسية بين البلدين يزيد من حدة المنافسة بينهما في البحر أكثر من البر. ففي عام 1993، أعلن أحد القادة العسكريين الصينيين في 1993 أنه "لم يعد مقبولا أن يكون المحيط الهندي خاضع للهند وحدها".

وكرد فعل على بناء الصين لقاعدة بحرية في "جوادار" قامت الهند ببناء قاعدة خاصة بها في كاروار. ويخشى بعض العسكريين الصينيين من أن الجزر الـ244 التي تشكل أرخبيل نيكوبار الهندي يمكن استخدامها لإغلاق المدخل الغربي لمضيقِ ملقا، الذي تعتمد عليه الصين بشكل كبير.

وفي ظل المنافسة بين الهند والصين، من المتوقع أن يكون المحيط الهندي مسرحا للنزاعات العالمية في القرن الحادي والعشرين. فالحدود القديمة لخريطة الحرب الباردة تنهار بسرعة، وتتجه آسيا- التي تمتد من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادي- إلى أن تصبح وحدة أكثر تكاملا، بل يمكن القول إن منطقة جنوب آسيا أضحت، منذ العصور الوسطى، إقليما لا يمكن فصله عن الشرق الأوسطِ الإسلامي.

أمريكا وتحديات جيوبوليتيكية ثلاث

تواجه الولايات المتحدة، في الوقت الحالي، ثلاثة تحديات جيوبوليتيكية في آسيا، تتمثل في: الكابوس الإستراتيجي للشرق الأوسط الكبير، الصراع من أجل بسط النفوذ على الجزء الجنوبي من دول الإتحاد السوفيتي السابقِ، والحضور المتزايد للهند والصين في المحيط الهندي.

ويبدو أن التحدي المرتبط بالهند والصين هو الأقل وطأة؛ فالصين ليست عدوا للولايات المتحدة (مثل إيران) لكنها منافس شرعي لها. أما الهند فهي حليف ناشئ، كما أن صعود البحرية الهندية- لتصبح ثالث أكبر قوة بحرية في العالم بعد الولايات المتحدة والصين- من شأنه أن يعمل كموازن للتوسع العسكري الصيني.

وفي هذا الإطار، ستتمثل مهمة القوة البحرية الأمريكية في تدعيم القوة البحرية لحلفائها (الهند في المحيط الهندي واليابان في المحيط الهادي الغربي)، وذلك بهدف الحد من توسع الصين. وفي نفس الوقت يجب على واشنطن أن تستغل كل فرصة لضم البحرية الصينية إلى التحالفات الدولية؛ إذ أن التوصل إلى تفاهم بحري صيني- أمريكي يعد أمرا مهما لتحقيق الاستقرار في السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين.

ولإدارة المحيط الهندي بشكل عملي، يجب على المخططين العسكريين الأمريكيين استغلال التهديدات التي تواجهها، مثل الإرهاب والقرصنة والتهريب، لحشد دعم الهند والصين وغيرهما من الدول للقيام بدوريات بحرية مشتركة. ويجب أن يكون هدف الولايات المتحدة هو صياغة نظام بحري عالمي بإمكانه الحد من أخطار النزاعات بين الدول، مع التقليل من أعباء المراقبة التي تقوم بها البحرية الأمريكية.

وسوف تزداد أهمية الإشراف الوقائي للقوة البحرية الأمريكية باعتبارها القوة البحرية الوحيدة التي لا تملك طموحات إقليمية في الأراضي الآسيوية، ما يمكنها من التعاون مستقبلا مع بعض البلدان الآسيوية مثل الهند والصين، على نحو يفوق تعاون تلك الدول مع بعضها البعض.

وقد ألمحت واشنطن، في أكتوبر2007، إلى رغبتها في أن يكون لها حضور رئيسي في المحيطين الهندي والهادي، وهو ما يعد تغيرا بالغ الأهمية في الإستراتيجية البحرية الأمريكية. وربما يكمن السبب وراء ذلك في نتائج بعض دراسات البحرية الأمريكية التي ترى أن المحيط الهندي (والمياه المجاورة له) سيكون المسرح الرئيسي للنزاعات العالمية بحلول 2025.

ومع ذلك فإن التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في أعالي البحار، في ازدياد. كما أنه من غير الواضح، حتى الآن، إلى متى ستدوم هيمنة البحرية الأمريكية. ففي نهاية الحرب الباردة، كان لدى البحرية الأمريكية 600 سفينة حربية؛ انخفض عددها الآن إلى 279 سفينة. وقد يزداد هذا العدد إلى 313 في السنوات القادمة بإضافة "سفن مقاتلة ساحلية جديدة"، لكنه من الممكن أيضا أن ينخفض إلى 200 بسبب زيادة التكاليف بنسبة 34%، فضلا عن انخفاض سرعة بناء السفن. وبانخفاض عدد هذه السفن تزيد المخاطر المرتبطة بكل قرار يمكن اتخاذه، وهو ما يؤثر على فاعلية أداء الولايات المتحدة بصفة عامة.

وفي لحظة ما من العقد القادم، ستتفوق البحرية الصينية على نظيرتها الأمريكية من حيث عدد السفن الحربية، إذ تزيد سرعة إنتاج وامتلاك الصين لغواصات بنحو خمس مرات عن واشنطن، فضلا عما تمتلكه بكين من الألغام البحرية والصواريخ الباليستية التي يكمن أن تصيب أهدافا متحركة في البحر، والتقنية التي تمنع التقاط الإشارات بواسطة الأقمار الصناعية الخاصة بتحديد المواقع التي تعتمد عليها البحرية الأمريكية. كما تسعى الصين للحصول على حاملة طائرات، وذلك بهدف منع البحرية الأمريكية من الإطباق على الأراضي الآسيوية، متى أرادت ذلك.

ومع تزايد توسع المصالح الاقتصادية للصين بشكل كبير، يصبح من الطبيعي أن تزيد الصين من قدراتها العسكرية، خاصة البحرية، لحراسة هذه المصالح. فقد فعلت المملكة المتحدة ذلك في القرن التاسع عشر، وكذلك فعلت الولايات المتحدة عندما ظهرت كقوة عظمى بين الحرب الأهلية الأمريكية والحرب العالمية الأولى.

وقد ظهر مسعى الصين لإثبات حضورها في المحيط الهندي بوضوح في عام 2005، في الاحتفالات التي أقامتها لإعادة إحياء رؤية "زينج هي"، المستكشف والأميرال الصيني الذي جاب البحار بين الصين وإندونيسيا وسريلانكا والخليج العربي والقرن الأفريقي في أوائل القرن الخامس عشر، وهي احتفالات تعكس قناعة الصين بأَن هذه البحار كانت دائماً جزءا من منطقة نفوذها.

وكما كان الحال في نهاية القرن التاسع عشر- عندما بدأت البحرية الملكية البريطانية في خفض وجودها في جميع أنحاء العالم من خلال الاستفادة من تزايد القوة البحرية لحلفائها (اليابان والولايات المتحدة)- شرعت الولايات المتحدة، مع بداية القرن الحادي والعشرين، في خفض "أنيق" لوجودها العسكري من خلال الاستفادة من القوة البحرية المتنامية للحلفاء، مثل الهند واليابان، وذلك لتحقيق التوازن في مقابل الصين.

وفي هذا السياق، ترغب الهند، لأكثر من سبب، في مساعدة واشنطن في موازنة قوة الصين. ولأن نيودلهي تنظر إلى صعود الصين بوصفه مصدرا للتهديد، فقد قامت بتوسيع وجود بحريتها من أقصى الغرب حيث قناة موزمبيق إلى أقصى الشرق حيث بحر جنوب الصين. كما اتجهت إلى إنشاء مواقع انطلاق بحرية ومحطات تنصت تابعة لها في جزر مدغشقر وموريشيوس وسيشيل بهدف مواجهة التعاون العسكري الصيني النشط مع هذه الدول. ومع تشكل التحالف الصيني-الباكستاني بدأ التنافس الهندي-الصيني يأخذ شكل "مباراة بحرية كبرى".

وعلى الرغم من سعيها لزيادة التعاون مع الصين، تقوم الولايات المتحدة بتشجيع الهند على موازنة قوة الصين. فخلال الحرب الباردة، كان المحيطان الهادي والهندي بحيرتين أمريكيتين بمعنى الكلمة، إلا أن مثل هذه الهيمنة لن تدوم. ومن ثم يجب على واشنطن استبدال نفوذها بترتيب ما يضمن توازن القوى لصالحها في هذين المحيطين.

ولتحقيق ذلك يجب أن تعتمد البحرية الأمريكية على بناء التحالفات كما يجب أن تتعاون مع أي قوات بحرية توافق على القيام بدوريات في البحار وتتشارك معها المعلومات. ومن التجارب الموجودة بالفعل في هذا السياق: قوة العمل المشتركة (القوة- 150)، وهي قوة بحرية مقرها في جيبوتي تضم 15 سفينة من الولايات المتحدة وأربعة بلدان أوروبية بالإضافة إلى كندا وباكستان. وتقوم هذه القوة بدوريات ضد القرصنة في خليج عدن، حيث هاجم القراصنة أكثر من 100 سفينة في 2008.

ويمكن تطبيق النموذج ذاته في مضيق ملقا وغيره من المياه المحيطة بالأرخبيل الإندونيسي. فبمساعدة البحرية الأمريكية، تمكنت القوات البحرية وخفر السواحل في كل من ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا من تكوين قوة مشتركة للحد من القرصنة في تلك المنطقة. ويمكن، من خلال قيام الولايات المتحدة بدور الوسيط، تكوين تحالفات تجمع بلدانا متنافسة مثل الهند وباكستان أَو الهند والصين، فلن يكون من الصعب على حكومات تلك الدول إقناع شعوبها بالمشاركة في قوة عمل تهدف لمواجهة تهديدات عالمية لا خلاف عليها. وتعد القرصنة، في هذا الإطار، هدفا يمكن أن يوحد الدول المتنافسة على طول الشريط الساحلي للمحيط الهندي.

ونتيجة لضعف الحكومات وترهل البنى التحتية في بعض دول منطقة المحيط الهندي، يجب على الولايات المتحدة والدول الأخرى تغيير طريقة عمل جيوشها، بشكل يمكنها من التعامل مع أزمات غير مألوفة مثل القرصنة والهجمات الإرهابية والنزاعات العرقية والأعاصير والفيضانات. وعلى الرغم من أن القوات الأمريكية (لاسيما البحرية) تتجه لتقليل تواجدها في هذه المنطقة، إلا أن الجيش الأمريكي لا يزال أقوى الجيوش النظامية على وجه الأرض، ومن ثم يتوقع الكثيرون منه قيادة جهود التصدي لمثل هذه الحالات الطارئة.

ومن الأفضل بالنسبة للولايات المتحدة الاعتماد على عدد من التحالفات الإقليمية والإيديولوجية في مختلف أجزاء المحيط الهندي. وقد بدأت مثل هذه الجهود بالفعل، فقد اتحدت القوات البحرية لكل من تايلاند وسنغافورة وإندونيسيا لردع القرصنة في مضيقِ ملقا؛ كما أجرت الولايات المتحدة والهند وسنغافورة وأستراليا تدريبات مشتركة على ساحل الهند الجنوبي الغربي، فيما اعتبر تدريبا تحذيريا للصين.

ويرى البعض أن النموذج الأمثل في هذا السياق هو إقامة شبكة من القواعد البحرية على شواطئ تلك الدول، على أن تتولى الولايات المتحدة تزويدها بالإمدادات اللازمة، ما يمكن الفرقاطات والمدمرات من مختلف الدول من التحرك بسرعة في هذه البحار الممتدة من شرق أفريقيا إلى الأرخبيل الإندونيسي.

وأخيرا يمكن القول إن منطقة المحيط الهندي، كصورة مصغرة من العالم، تشهد نمو ظاهرتين متقابلتين، الأولى تمسك دول المنطقة الشديد بمسألة السيادة (خاصة في ظل تزايد النمو الاقتصادي والعسكري لهذه الدول). والثانية، تزايد الاعتماد المتبادل (بسبب خطوط الأنابيب التي تمتد عبر البر والبحر في مختلف هذه الدول). وللمرة الأولى منذ الغزو البرتغالي للمنطقة في أوائل القرن السادس عشر، تنحسر قوة الغرب في تلك المنطقة، وإن كان ذلك يتم بشكل نسبي وعلى استحياء. ومن المنتظر أن تدخل الهند والصين في منافسة ستكون ساحتها المحيط الهندي، على الرغم من مصالحهما الاقتصادية المشتركة. وعلى الولايات المتحدة، في هذه الأثناء العمل على تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة.


مفكر أمريكي بارز، زميل أول بمركز "الأمن الأمريكي الجديد" (مقره العاصمة الأمريكية واشنطن)، كما يعمل أستاذا زائرا متخصصا في شئون الأمن القومي بالأكاديمية البحرية الأمريكية.

*موجز دراسة نشرت في مجلة فورين أفيرز، تحت عنوان (المرحلة المركزية للقرن الحادي والعشرين.. ألعاب وتوازنات القوى في المحيط الهندي)، عدد مارس/ إبريل 2009.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات