|
| الاتحاد الأوروبي لا يملك رؤية عملية لتعزيز الديمقراطية |
هل يمكن للاتحاد الأوروبي أن يسهم بدور فعال في دمقرطة الشرق الأوسط؟، وهل يمكن أن تكون له سياساته الخاصة في هذا الشأن بعيدا عن الولايات المتحدة الأمريكية؟، وكيف يتصور صناع القرار بالاتحاد الأوروبي الكيفية التي يديرون بها أجندة التغيير في الشرق الأوسط؟، وهل التصورات الذاتية لفاعلي الاتحاد الأوروبي بها قواسم مشتركة مع ممثلين قادرين على التغيير في تلك المنطقة؟.
هذه الأسئلة ليست بالجديدة في واقع الأمر؛ فالاتحاد الأوروبي يملك العديد من الوثائق الخاصة بمحاولة تعزيز الديمقراطية في المنطقة منذ تسعينات القرن الماضي، وكانت قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا تزال، بندا ثابتا في مفاوضات الشراكة مع الدول العربية كما برز في إعلان برشلونة (عملية برشلونة)، والتي تطورت لاحقا في عام 2008 لتصبح مشروع الاتحاد من أجل المتوسط.
لكن التحول الأبرز في سياسة الاتحاد نحو تعزيز الديمقراطية قد وضح جليا في عام 2004 حينما طرحت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش مبادرة الشرق الأوسط الكبير، وهي المبادرة التي قوبلت باعتراض أوروبي واضح، خاصة وأنها لم تعتمد رأي، أو تشاور، الحكومات أو المجتمعات المدنية عند وضع المبادرة، ليتغير اسمها بعد ذلك إلى مبادرة الشرق الأوسط الأوسع وشمال إفريقيا.
وفي عام 2006 أقر مجلس الاتحاد الأوروبي بالحاجة إلى إستراتيجية عامة وواضحة المعالم لتعزيز الديمقراطية، إلا أن الأمر وقف عند هذا الحد، ولم يستأنف مرة أخرى سوى خلال العام الجاري 2009 حين أثار الرئيس التشيكي، وتبعته الرئاسة السويدية الحالية بالمجلس، تلك القضية، والتي من المتوقع الحصول على بعض التوصيات بشأنها بعد الملاحظات الختامية للرؤساء وتقديم إطار عام لتعزيز/بناء الديمقراطية في الشرق الأوسط في شهر نوفمبر القادم 2009، حتى يتسنى وجود إجماع بين أعضاء المجلس الأوروبي في عام 2010.
في هذا السياق، عقد منتدى البدائل العربي بالقاهرة، بالتعاون مع جامعة برمنجهام بالمملكة المتحدة، ورشة عمل يوم 10 أكتوبر الجاري، تحت عنوان "الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط"، كجزء من مشروع بحثي لمجلس الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ببريطانيا، يعني بدراسة الإشكاليات والتناقضات في سياسة الاتحاد الأوروبي للترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط.
وقد عرضت د. ميشيل باس، مديرة البرنامج، والباحثة الأولى وزميل المجالس البحثية ببريطانيا – كلية العلوم الاجتماعية – قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة برمنجهام، الخطاب الداخلي للاتحاد الأوروبي حول ترويج الديمقراطية في الشرق الأوسط، ونوهت إلى بعض التناقضات والإشكاليات المصاحبة لهذا الخطاب الأوروبي وللمبادئ الأساسية وللكيفية والجهود التي يروج بها الاتحاد للديمقراطية.
إشكاليات وتناقضات وفرص
ووفقًا لمنهجية علمية اعتمدت على إجراء مقابلات مكثفة أجرتها د. باس مع مسئولين أوروبيين في إبريل الماضي ببروكسيل (المفوضية الأوروبية، ومجلس الاتحاد الأوروبي، والبرلمان الأوروبي، ومكتب الممثلين الدائمين للأعضاء من الدول البارزة بالاتحاد الأوروبي)، وعلى تحليل لكافة الوثائق الأوروبية الخاصة بتعزيز الديمقراطية وللدراسات الصادرة عن مراكز الفكر الأوروبية المعنية، ومع التركيز على دراسة حالتين هما: مصر وفلسطين؛ قدمت د. باس مجموعة من الاستنتاجات الأساسية حول خطاب الاتحاد الأوروبي الخاص بالترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط، يمكن إيجازها فيما يلي:ـ
أولا: المبادئ الحاكمة:
• لا يوجد في وثائق الاتحاد الأوروبي تعريف عملي للديمقراطية، إنما يمكن الاستدلال على معناها من وثائق بعض السياسات، علاوة على الخلط الملحوظ بين ميادين مختلفة للسياسات مثل: حقوق الإنسان/ التنمية/ تعزيز الديمقراطية/ الأمن/ التجارة/ الاستقرار/ الحكم الرشيد/ سيادة القانون، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
• والمبدأ الأساس للاتحاد الأوروبي يقوم -من خلال المقابلات مع الأطراف الفاعلة في الاتحاد- على الإيمان بقوة بعدم إمكانية فرض الديمقراطية على دول الشرق الأوسط من الخارج، بل إنها تنمو من داخل المجتمعات.
• أما المبادئ الأخرى التي تشكل رؤية الاتحاد بصفة عامة في مسألة الترويج للديمقراطية، فهي الإيمان بأن الديمقراطية والسوق الحر هما المسار الطبيعي الذي تسلكه أوروبا لأنه قائم بأوروبا، وبأن الديمقراطية تشكل ضمانة أساسية وفعالة للتمتع بحقوق كاملة للإنسان، وبأن ثمة رابط بين (التنمية الاقتصادية) وبين الديمقراطية (التعددية السياسية)، حيث أن الديمقراطية غاية وليست هدفا بحد ذاتها. بكلمات أخرى يؤيد الاتحاد الأوروبي الديمقراطية لأن الأطراف الفاعلة تؤمن بأنه من البديهي أن يقوم الاتحاد بتعزيز هذا النوع من نظام الحكم.
• يعتقد الأوروبيون أنه في الشرق الأوسط على وجه خاص، فإن الديمقراطية يمكن أن تساعد في جلب السلام والاستقرار. ولذا يعمل الفاعلون الأوروبيون مع الحكومات وليس مع جماعات المعارضة السياسية، وهذا بذاته موضع اتهامات للاتحاد بأنه يدعم النظام الأوتوقراطية والحكومات الاستبدادية القائمة، أي أنه يحاول لبرلة الاستبداد أكثر من تعزيز الديمقراطية، وتعتقد د. باس أن جزء كبير من ذلك صحيح، لاسيما وأن الأطراف الفاعلة بالاتحاد تميل إلى ربط تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط بنجاح عملية السلام بين العرب والإسرائيليين.
ثانيا: الإشكاليات الذاتية
وإضافة إلى الربط بين معضلة تعزيز الديمقراطية ودعم الاستقرار، ثمة مشكلات ذاتية خاصة بالاتحاد الأوروبي تؤثر على أجندة الترويج للديمقراطية، وأبرزها:
1 ـ أن قضية الدمقرطة وحقوق الإنسان ليست من أولويات السياسة الخارجية/ العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي إزاء البلدان المجاورة غير المؤهلة لعضويته، إذ دائما ما يأتي الأمن على رأس قائمة الأولويات.
2 ـ لابد من الاعتراف بوجود قيود قوية على دور الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، ليس أقلها أن المجلس الأوروبي (الهيئة العليا التي تتخذ القرارات في الاتحاد) مؤلف من 27 دولة عضو؛ الأمر الذي يؤدي إلى تفريق المقاربات، ومنها أيضا قدرات الاتحاد الفعلية مقارنة بطموحاته المعلنة بخصوص الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، فإن التوسع الذي شهده الاتحاد الأوروبي في عام 2004 قد أثر سلبا على سياساته تجاه الشرق الأوسط، وأدى إلى حدوث انقسام بداخله، وأبرز مثال على ذلك بيان الرئاسة التشيكية بعد النزاع في غزة (الحرب الإسرائيلية على غزة مطلع العام الجاري 2009)، والذي أثار غضب كثير من دول الاتحاد لأنه لم تتم مناقشته أو الموافقة عليه بالإجماع. وهنا يحتاج الاتحاد إلى تغيير نغمته تجاه إسرائيل، لكن هذا التغيير ليس بالأمر السهل خاصة مع الدعم غير المشروط التي تقدمه بعض دول الاتحاد الأوروبي لإسرائيل بغض النظر عما يحدث على الأرض.
3 ـ يسلك الاتحاد الأوروبي بخصوص المشهد في الشرق الأوسط مسلك المشاهد المتردد، فيبقى في انتظار الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأمريكية. وبالرغم من أن الاتحاد يسعى لأن يكون فاعلا بالشرق الأوسط متمايزا عن الولايات المتحدة، إلا أنه تنقصه العقيدة الذاتية المستقلة بتلك المنطقة.
4 ـ يعتمد الاتحاد الأوربي على الفعل/رد الفعل المؤقت للتفاعل مع المواقف المستجدة، ويعود ذلك لغياب رؤية أوروبية وإستراتيجية طويلة أمد للاتحاد في الشرق الأوسط.
5 ـ تعتمد الأولوية السياسية على من يتولى رئاسة الاتحاد كل ستة أشهر، وهذا يسهم في غياب إستراتيجية كبرى ومتواصلة فيما يخص تعزيز الديمقراطية.
6 ـ إن عدم وجود تعريف عملي للديمقراطية لدى الاتحاد الأوروبي، والخلط بينها وبين الميادين الأخرى، قد جعل الاتحاد يهتم بتعزيز التحرر Liberalization في الشرق الأوسط أكثر من اهتمامه بالديمقراطية. وهنا فإن لدى الاتحاد الأوروبي صكوك متنوعة وسارية لتعزيز التحرر السياسي في الشرق الأوسط.
ثالثا: إشكاليات في مجال الممارسة
وفي مجال الممارسة، ثمة تناقضات وإشكاليات واضحة للاتحاد الأوروبي ودوره في الترويج للديمقراطية بالشرق الأوسط، ومنها:ـ
1 ـ من الجلي وجود مشكلة ما إذا ما تم التقليل من شأن الديمقراطية في الشرق الأوسط إلى مجرد الاهتمام بالانتخابات الدورية، كما هو واضح في الحالة الفلسطينية.
2 ـ لا يتسم الاتحاد الأوروبي بالاتساق في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، فبرغم ردود الفعل القوية البادية في التصريحات بخصوص حالات انتهاك حقوق الإنسان، إلا أن هذا لا يتم بطريقة متسقة.
3 ـ إن ضغط الاتحاد الأوروبي في قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، ورغبته المعلنة في مساعدة أنظمة الحكم في المنطقة على دفع عملية التحرر السياسي، لم يتم ترجمته على أرض الواقع بوضع برامج مساعدة لتوجيه الإصلاح.
4 ـ ووفقا للنقطة السابقة، فإذا ما حدثت عملية دمقرطة في الشرق الأوسط المعاصر، ونالت قدرا من الأصالة والشرعية، سيكون إشراك أطراف فاعلة من الخارج مسألة مثيرة للمشاكل؛ إذ أقر كافة الأطراف الفاعلة بالاتحاد الأوروبي على السواء (أعضاء البرلمان الأوربي، ومسئولو المجلس، وممثلو المفوضية) بمحدودية ما يمكن للاتحاد فعله. ومن ثم فإن دور الاتحاد في دمقرطة الشرق الأوسط محدود/ ولا يمكن أن يكون إلا كذلك.
5 ـ استفاد الاتحاد الأوروبي من التجربة الفلسطينية (انتخابات 2006) في عدة دروس، ويبدو حاليا وجود قدر ما من التفهم، خاصة إذا ما تمت المصالحة بين حركتي فتح وحماس، بحيث سيتسم الاتحاد بمرونة أكبر وقابلية أكبر للتكيف، ونفعية أكبر كذلك خلال الفترة المقبلة.
ومن الدروس التي تؤكدها الحالة الفلسطينية ما يلي:
ـ لا يتسم تركيز الاتحاد الأوروبي على المجتمع المدني بوصفه من محركات الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط، بأصالة تكفي لإلحاقه بمشروع لتسييد الديمقراطية؛ إذ غالبا ما تعتبر الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني جزء من النخبة في تلك المجتمعات، فتبقى بعيدة ومنفصلة عن الفئات المهمشة.
ـ الديمقراطية في دول العالم الثالث قد تكون مختلفة كثيرا عن الديمقراطية في أوروبا.
ـ اعتراف المؤسسات الأوروبية بأن هناك خطأ حدث بشأن عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات الفلسطينية، فالبعض يقول: "لقد فشلنا.. لقد راهنا بكل أوراقنا على محمود عباس، لكنه ليس بالشخص الذي يتمتع بالشعبية".
ـ هناك إدراك يتبلور في الأوساط الأوروبية مفاده أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه تطويق حماس إلى الأبد، وأن عليه التحدث مع الحركة آجلا أم عاجلا. وفي هذا الإطار كان هناك العديد من الاتصالات غير الرسمية مع حماس، والتي تدل على تحول الاتحاد نحو مزيد من البرجماتية والمرونة، وإدراكه لأهمية المصالحة الفلسطينية.
رابعا: شروط وضع أجندة فاعلة:
ولا تمنع كافة الإشكاليات السابقة من أن الاتحاد الأوروبي يمكنه القيام بدور أكثر فاعلية لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط، وذلك أخذا في الاعتبار ما يلي:ـ
1 ـ يمكن اعتبار اتفاقيات التجارة والتعاون مدخلا لتمكين الاتحاد من بدء حوار رسمي مع حكومات منطقة الشرق الأوسط بخصوص الديمقراطية، على أن يتواصل هذا الحوار بطريقة متسقة.
2 ـ لا يمكن لليورو الإتيان بالشجاعة أو بحب الحرية والعدالة التي يحتاجها الأفراد في الشرق الأوسط لجعل الانتقال اللازم في بلدانهم ممكنا، وهنا لابد على الاتحاد الأوروبي إعادة التفكير في برامج المساعدات المالية للشرق الأوسط.
3 ـ لا تحتاج حركات الديمقراطية في الشرق الأوسط للمساعدات الأجنبية، بل للدعم الأخلاقي من المجتمع الدولي، وإدانة أنظمة حكمهم على انتهاكات حقوق الإنسان المنهجية، ومن الضروري أن تعترف الأطراف الفاعلة في الاتحاد الأوروبي بتلك الحقائق، وتبحث عن أسئلة البدائل الأخرى.
4 ـ على الاتحاد الأوروبي أن يعرف أولوياته ومساره، فالديمقراطية ليست قمة اعتباراتنا، إذ يسبقها الأمن في معظم الحالات.
5 ـ إن إدراكات فاعلي منطقة الشرق الأوسط تستمد في جزء منها من طريقة وعملية صنع سياساتنا ومن الوسائل التي نعتمدها لتطبيق هذه السياسات، وهنا نحتاج إلى التفكير في إعداد خطط قصيرة إلى طويلة الأجل، لا إلى الارتكان لرد الفعل في المدى القصير فقط.
6 ـ ثمة ضرورة للعمل بشكل أكثر اتساقا وتناغما بين الأذرع والمؤسسات المختلفة داخل الاتحاد الأوروبي في مجال الترويج للديمقراطية.
7 ـ يعتمد تعزيز الديمقراطية/ويرتبط بشكل مباشر في الشرق الأوسط بمدى التقدم وإنجاز تسويات لعملية السلام في الشرق الأوسط.
أوروبا الآن.. أكثر يمينية من أمريكا
وتعقيبا على ما طرحته د. باس، أشار د. عمرو الشوبكي، مدير وحدة الدراسات العربية – الأوروبية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، والمستشار الرئيس لمنتدى البدائل العربي، إلى ثلاث نقاط تمثل تحديات جوهرية أمام سياسة الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، وهي:ـ
أولا: يؤثر غياب سياسة خارجية موحدة للاتحاد الأوروبي على دور الاتحاد ككل في منطقة الشرق الأوسط. وقد زادت هذه المعضلة مع دخول دول أوروبا الشرقية ذات الخبرات المختلفة للاتحاد خاصة وأنها قد دخلته لأهداف اقتصادية بالأساس، وبالتالي أصبح الاتحاد سوقا كبرى لهذه البلدان، ولم يمكن تحقيق الحلم الديجولي بوجود ثقافة أوروبية وسياسة مشتركة.
ثانيا: إن أوروبا اليوم، وبعد وصول باراك أوباما لرئاسة أمريكا، قد أصبحت أكثر يمينية مقارنة بأمريكا، أي أن أوروبا (ميركل، وساركوزي، وبرلسكوني) المحافظة تقع على يمين الإدارة الأمريكية الحالية، بحيث لم تصبح أوروبا أكثر اعتدالا كما كان ساعة التحالف الفرانكو – ألماني ضد أمريكا – بريطانيا.
ثالثا: إن أكبر إشكالية تواجه سياسة أوروبا فيما يتعلق بالترويج للديمقراطية تتمثل في إشكالية الحوار مع الإسلاميين، ويبدو الاتحاد الأوروبي حائر فيما يجب أن يفعل، هل يحاور حماس مثلا أم لا؟ وإذا حاور هل غرض الحوار التطوير أم الإدماج السياسي؟.. إن موقف أوروبا ضبابي عند هذه المساحة على المستوى النظري والعملي أيضا.
ويخلص الشوبكي إلى أن تدخل الاتحاد الأوروبي وفق فكرة القيم الإنسانية يعد مقبولا لأنه لا يمكن فرض الديمقراطية عبر سياسة الإملاءات، ويجب على الاتحاد الأوروبي أن يتدخل في حالات حقوق الإنسان لغرض إنساني لا سياسي أو أمني.
أوروبا.. خبرة كولونيالية ومدخل أمني
أما ضياء رشوان، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، فقد ركز في مداخلته وتعقيبه على د. باس، على التناقضات الأوروبية المختلفة، والنابعة بالأساس من تأثير الخلفية التاريخية على غياب ثقة العالم العربي في أوروبا، ومن أن الاتحاد الأوروبي حين يتحدث عن الترويج للديمقراطية، فإنه يطرحه لغرض الاستخدام الوظيفي لا الإنساني.
ويرى رشوان أن اهتمام أوروبا بالديمقراطية في الشرق الأوسط هو اهتمام حديث نابع من قضايا ذات طابع سياسي ارتبطت بالاستقرار في المنطقة، ولذا كان المدخل هو المنظور الأمني لا الإنساني، وجل هذا الاهتمام قد بدأ بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وخاصة حينما طرح بوش مشروع الشرق الأوسط الكبير بغرض مكافحة الإرهاب.
ويتساءل رشوان، هل لدى العالم العربي ثقة في دعوات الاتحاد الأوروبي للتحرر السياسي؟.. ويجيب بأننا لدينا خبرتان تاريخيتان لا تفضيان للثقة على مستوى النخب والشعوب العربية، أولاهما الخبرة الكولونيالية، فالاستعمار لم يستعمر فقط، بل دمر البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كانت موجودة بالفعل. ونتذكر هنا أن دخول بونابرت لمصر كان بهدف دعم نموذج الحرية والمساواة، لكن النتائج كانت مغايرة تماما.
أما الخبرة الثانية، فهي مساندة أوروبا لقيام إسرائيل بالقوة المسلحة حتى حل الأمريكيون محل الأوروبيين في دعم هذه الدولة.
ويثير رشوان قضية جوهرية تتعلق بوجود أو عدم وجود خطط أوروبية لتعزيز الديمقراطية فعلا، حيث يرى أن لدى أوروبا قليل من الثقة بأن الديمقراطية ستؤدي إلى المزيد من التعاون بين العالم العربي والاتحاد الأوروبي، بمعنى أن فوائد الديمقراطية للاتحاد ضعيفة.
ويعزي ذلك إلى الارتباط بين قضية "الإرهاب" والتحرر السياسي والدمقرطة، وهنا نحن نتحدث عن سياسات كبرى تبنتها إدارة أمريكا السابقة التي حاربت سبع سنوات، ونتحدث كذلك عن دول أوروبية وقفت بجوارها أبرزها بريطانيا. ومما لا شك فيه أن تلك خبرة ثالثة حديثة تضيف كثيرا للقدر القائم من عدم الثفة العربية في أوروبا.
ومتفقا مع الشوبكي، يرى رشوان أنه لا يوجد أمامنا شيء اسمه (أوروبا الموحدة)، إنها في الخيال فقط لا في الواقع، حيث لا سياسة خارجية موحدة حتى تجاه القضية المركزية في الشرق الأوسط، وهذا ينطبق على الدول الرئيسية بالاتحاد لا الصغيرة فقط، بل إنه يجب أن نتساءل: هل تعزيز الديمقراطية من قضايا السياسة الخارجية الأوروبية؟ وما مدى درجة الاستقلالية التي يتمتع بها الاتحاد عن واشنطن فيما يتعلق بموضوع الدمقرطة؟.
ويشير رشوان إلى بعض التناقضات الأوروبية التي لا تسمح للاتحاد الأوروبي بممارسة دور فاعل للترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان بمنطقة الشرق الأوسط، ومنها:
أولا: لا تعرف أوروبا نموذجا واحدا للديمقراطية، لا تاريخيا ولا واقعيا، وحين نتحدث هنا عن أجندة للديمقراطية، فإننا نتحدث عن زاوية محددة هي أي نموذج للعلمانية يمكن أن يطبق، أهو النموذج البريطاني أم الفرنسي أم الإيطالي أم نماذج أوروبا الشرقية المتمايزة تماما عن تجارب أوروبا الغربية؟.
وهنا نتساءل: أي نموذج يتصوره الاتحاد الأوروبي للدمقرطة، وما هي الحدود الفاصلة بين الدين والدولة؟ بل يمكن أن نتساءل عن مسألة تتعلق بنفاق أوروبي واضح في هذه النقطة، حيث تم إدماج دول أوروبا الشرقية، وتم التعامل مع حكومات ونظم حكم وأشخاص لبسوا رداء الشيوعية والاشتراكية من قبل، أي أن المسألة هنا تتعلق بالهوية الأوروبية بوجه عام، والدينية منها بوجه خاص.
ثانيا: وعلى عكس هذا النموذج الأوروبي الشرقي الذي حظي بدعم مالي سخي، نجد الاتحاد الأوروبي من الداخل لا يعرف كيف يتعامل مع 250 مليون مسلم يقطنون دول الاتحاد؛ فلدى دوله سياسات مختلفة للدمج أو الإقصاء على السواء، أي أن أوروبا "الموحدة" لا تدري كيف تتعامل مع مسلميها، فكيف يمنها أن تخرج بسياسة موحدة تجاه منطقة كاملة.
ثالثا: يرتبط بما سبق، كيف يمكن لأوروبا أن تتعامل مع العالم العربي في حال وصول الإسلاميين للسلطة؟ وأين يضع الأوروبيون الفاعل الرئيس (الإسلاميون) في أجندة التعاطي مع ملفات المنقطة، ومنها ترويج الديمقراطية؟.
الملاحظ هنا أن أوروبا تضع اشتراطات عامة للتعامل مع الإسلاميين لكن لا توجد ردود أفعال حول قوة بعينها، ولم تذكر أوروبا أن ثمة نموذج إسلامي محدد بالمنطقة صالح للحكم. وأما عن مسألة الحوار مع الإسلاميين، فلا زلنا أمام نماذج أوروبية مختلفة للتردد، وهي تخوض هذا السجال بقدر كبير من الضبابية.. هناك دول تريد الحوار من أجل الحوار، ودول يشكل العداء وجهة نظرها نحو كل الإسلاميين، ودول تريد الحوار لغرض الإدماج السياسي المشروط، أي أنه لا يوجد تصور واحد للتعامل مع الإسلاميين.
رابعا: ثمة مشكلة إجرائية تتعلق بالحديث عن دعم أوروبا للتحرر السياسي في العالم العربي، وهنا نجد الحديث الأوروبي مطلقًا في حديثه عن العالم العربي، إذ يتحدث عن العالم العربي وكأنه سلة واحدة. مع أن هذا العالم هو دول متباينة في كل شيء، ولا يتساوى الوضع في دولة مثل مصر مع السعودية أو قطر مقارنة بالمغرب. بكلمات أخرى لم يضع الاتحاد، بل لم يحاول صناعة، تنميطاً للدول العربية يميز بين الحالات المختلفة، فنحن نتحدث عن مقولات كبيرة تعميمية أمام حالات تبدو متشابهة، لكنها أصلا غير متشابهة على الإطلاق.
خامسا: يرتكز التدخل الأوروبي فعلياً على الإشراف على أو الرقابة على الانتخابات، وهنا فإن الاتحاد قد يسهل مهمة الأنظمة الحاكمة التي تقوم بعمليات تزوير كبيرة لتحظى نتيجة الانتخابات بشرعية دولية، علما بأن أي مراقب دولي في دولة مثل مصر لا يمكنه أن يمارس رقابة جادة ولا يمكنه الوصول لصناديق الاقتراع في القرى البعيدة ولا يمكنه متابعة سير الحملات الانتخابية منذ البداية.
سادسا: يربط الاتحاد الأوروبي بين السلام والاستقرار وبين الديمقراطية، فالاستقرار هدف للديمقراطية، ومع ملاحظة أن الأنظمة القائمة توفر هذا الاستقرار، فإن الإجابة عن سؤال الدممقرطة يأتي مباشراً من أمريكا وأوروبا، وهي أن فكرة الديمقراطية تنبع من الداخل؛ فإذا كان الأمر كذلك، فما هو هدف الديمقراطية إذن لدى أوروبا؟!
*موجز لورشة عمل عقدها منتدى البدائل العربي للدراسات، وجامعة برمنجهام بالمملكة المتحدة، تحت عنوان: "الاتحاد الأوروبي وتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط"، يوم 10 أكتوبر 2009. ومنتدى البدائل العربي مؤسسة بحثية، مقرها القاهرة، تعني بطرح رؤى بديلة فيما يخص عملية التغيير والإصلاح في المنطقة العربية، ودعم التوجه الحقوقي في مختلف قطاعات المجتمع المدني.
|