|
| روسيا فشلت في بناء نظام للأمن الجماعي في بحر قزوين |
تناول الجزء الأول من هذه الدراسة طبيعة العلاقات بين الدول الخمسة المطلة على بحر قزوين (روسيا وإيران وأذربيجان وكازخستان وتركمنستان)، والتي غلب عليها النمط الصراعي، بسبب الخلافات العميقة بين هذه الدول على الوضع القانوني للبحر وترسيم الحدود، وبسبب شدة التنافس بين الدول الكبرى في هذه المنطقة.
وتطرق الجزء الثاني إلى سباق التسلح البحري بين دول بحر قزوين، والقدرات والإمكانات التي يتمتع بها كل أسطول بحري من أساطيل تلك الدول. ويستعرض هذا الجزء تنافس القوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة وروسيا، حول منطقة بحر قزوين، والدور الذي يلعبه حلف الناتو في تلك المنطقة.
ولا يمكن النظر إلى السباق العسكري بين دول بحر قزوين على أنه فقط انعكاس للخلافات المحتدمة بين تلك الدول، فهو يستهدف في الوقت ذاته التحسب لشن هجمات إرهابية على حقول النفط في المنطقة أو على الناقلات النفطية المارة عبر بحر قزوين، فضلاً عن التصدي لعمليات التهريب بشتى أنواعها والصيد الجائر للأسماك.
كما يرتبط سباق التسلح بالتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا، وبالمعارضة الروسية للسياسة الأحادية التي انتهجتها واشنطن بعد عام 2001، وقيام الأخيرة بتعزيز التعاون العسكري مع الدول الثلاث المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق (أذربيجان وكازخستان وتركمنستان)، والمطلة على بحر قزوين، والذي يشمل تقديم مساعدات عسكرية لتلك الدول.
بحر قزوين.. مجال حيوي للناتو
ينظر حلف الناتو إلى بحر قزوين باعتباره مجالا حيويا لنشاطه، وذلك لعدة أسباب أهمها ما يلي:
أولاً: كون روسيا وإيران جزءا من تلك المنطقة، يجعلها عرضة لعدم الاستقرار في الأجل الطويل،
ثانياً: تأمين الشركات النفطية الأمريكية والبريطانية التي تعمل في استخراج النفط في أذربيجان وكازخستان، علاوة على أن مواجهة الدول الثلاث سالفة الذكر لمحاولات كل من موسكو وطهران مد نفوذهما الإقليمي، يتطلب انخراطها في تحالف دولي يمكنه التصدي عسكرياً لدولتين بحجم روسيا وإيران، على الأقل على المستوى العسكري.
ثالثاً: الحفاظ على أمن شرق تركيا والتصدي للتهديدات المتعلقة بتدفق إمدادات الطاقة من منطقة بحر قزوين إلى القوقاز والبحر الأسود، والذي يتطلب مستوى معقولا من التواجد العسكري لحلف الناتو.
ونتيجة للأسباب السابقة، سعى حلف الناتو إلى التقارب مع دول بحر قزوين، وتعزيز تواجده العسكري في تلك المنطقة من خلال برنامج "الشراكة من أجل السلام" الذي أطلقه الحلف بهدف "توثيق علاقاته في المجال الدفاعي". كما أعلن الحلف في عام 1996 عن رغبته في مد مظلته العسكرية لحماية الاحتياطات النفطية في منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين، من خلال نشر قواعد عسكرية في تلك المنطقة.
وفي السياق ذاته قامت الولايات المتحدة بمد المسئولية العسكرية لقواتها لتشمل منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين. وتجدر الإشارة إلى أن السفن الحربية الأمريكية لا تملك صلاحية التواجد في بحر قزوين لأن ذلك الاختصاص يظل مجالاً محجوزاً للدول المطلة على البحر.
ولمواجهة الإجراءات التي اتخذها الناتو، بدأت روسيا منذ عام 2002 في تعزيز تواجدها العسكري في بحر قزوين عبر تنفيذ مناورات لمكافحة الإرهاب وعمليات الصيد غير المشروعة، وهو ما اعتبرته الدول الأخرى، وخاصة إيران، تهديداً لمصالحها واستعراضاً من جانب موسكو لتفوقها البحري.
ولذا اتجهت دول بحر قزوين المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، وخاصة أذربيجان، إلى توثيق علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة بداية من عام 2003، لاسيما من خلال برنامج "حماية بحر قزوين" الذي أطلقته الولايات المتحدة بهدف تدريب قوات الدول سالفة الذكر للتصدي للتهديدات الإرهابية لإمدادات الطاقة. ويخضع البرنامج لإشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا، وتبلغ الموازنة المعتمدة له حوالي 130 مليون دولار، يتم إنفاقها على مدار العشر سنوات المقبلة، ويستهدف البرنامج تدريب قوات كل من أذربيجان وكازخستان.
الاختراق الأمريكي لبحر قزوين
تعد أذربيجان الحليف الأقرب للولايات المتحدة في منطقة بحر قزوين، وهو ما يتضح من خلال عدة مؤشرات منها:
- الدعوة التي وجهتها واشنطن لأذربيجان لاستضافة مقر مركز "حماية بحر قزوين".
- الزيادة التي شهدتها المساعدات العسكرية الأمريكية لأذربيجان؛ وحصول الأخيرة على معدات عسكرية أمريكية متقدمة، فعلى سبيل المثال حصلت باكو في عامي 2005 و2006، على 8 زوارق مراقبة، وذلك في إطار اتفاقية أمريكية أذربيجانية للتعاون العسكري.
- قيام الولايات المتحدة بتدريب عناصر من القوات البحرية الأذربيجانية في المعاهد العسكرية الأمريكية والتركية، وإرسال خبراء عسكريين من حلف الناتو لتدريب تلك القوات على تقنيات لليزر تستخدم في الرصد والمراقبة. كما استثمرت الولايات المتحدة نحو 30 مليون دولار في تحديث البنية التحتية للقوات الأذربيجانية مثل نظم الرادار والسفن الحربية.
- قبول مشاركة وحدات من الجيش الأذربيجاني بصفة مراقب في المناورات العسكرية التي أجراها حلف الناتو منذ بداية التسعينات حتى عام 2003، علاوة على تنظيم مناورات مشتركة بين الدولتين بصفة منتظمة تحت مسمى "جوبلات" GOPLAT، تركز على عمليات تأمين الشواطئ وحقول النفط التي تشارك في إدارتها الشركات الغربية، وهي المناورات التي أثارت مخاوف طهران، ودفعتها لتوجيه انتقادات حادة لتلك المناورات.
وبجانب أذربيجان، تأتي كازاخستان في المرتبة الثانية بين حلفاء واشنطن في منطقة بحر قزوين. ومع ذلك فإن العلاقات الأمريكية- الكازاخية تتسم بقدر كبير من التعقيد نتيجة لحرص "أستانا" على الحفاظ على علاقاتها مع موسكو. ولذا جاءت بداية التعاون بين الجانبين متأخرة نسبياً، وتحديدا في عام 1996، عندما وقع الطرفان عقودا رسمية في مجالات الصيانة والتدريب، حصلت كازخستان بموجبها على 5 زوارق بخارية للمراقبة البحرية.
ومنذ ذلك الحين، بدأت الولايات المتحدة في تقديم الدعم المالي والتقني لـ"أستانا"، فقد تلقت الأخيرة حوالي 2.7 مليون دولار عام 2002 لشراء معدات عسكرية، كما شرعت الولايات المتحدة في عام 2004 في تنفيذ برنامج لتطوير القوات البحرية الكازاخية من خلال تدريب تلك القوات في الأكاديميات العسكرية التابعة للدول الأعضاء في حلف الناتو، وخاصة تركيا واليونان وإيطاليا وإسبانيا، علاوة على تيسير حصول "أستانا" على أنظمة رادار متطورة وسفن حربية حديثة لمراقبة سطح وأعماق بحر قزوين. كما حصلت كازاخستان بموجب هذا البرنامج على عدد إضافي من الزوارق السريعة في عام 2006.
وبصفة عامة، يظل البعد المتعلق بتجارة السلاح أحد أهم دوافع واشنطن لتدعيم علاقاتها مع الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي والمطلة على بحر قزوين، فحينما لم تتمكن الولايات المتحدة من الفوز بمناقصة عقدتها كازاخستان للحصول على سفن حربية ضخمة يتراوح وزنها بين 500 و1000 طن، وهي الصفقة التي فازت بها شركة "روسوبورون" الروسية، بدأت وزارة الدفاع الأمريكية في مراجعة قدرة شركات السلاح الأمريكية على إمداد كازخستان بالتكنولوجيا العسكرية التي تلاءم احتياجاتها.
وبالمقارنة بأذربيجان وكازخستان، فإن العلاقات الأمريكية التركمانية تتسم بالمحدودية نظرا للسياسة الانعزالية لعشق أباد. فرغم تزويد وزارة الدفاع الأمريكية تركمنستان بعدد من الزوارق البخارية عقب إعلان الأخيرة عن نيتها تدشين قوات بحرية مستقلة، وتلقي عشق آباد في عام 2004، نحو 700 ألف دولار مساعدات عسكرية من واشنطن؛ فإن التزام الرئيس التركماني بحياد دولته قد أعاق تطوير علاقات التعاون العسكري مع الولايات المتحدة.
وفضلت عشق أباد الاعتماد على بناء علاقات الشراكة مع أوكرانيا للحصول على التكنولوجيا العسكرية المتطورة مقابل الإمدادات النفطية، وهو ما تجسد في توقيع اتفاقية للشراكة في مجال التكنولوجيا العسكرية بين الدولتين في عام 1996، بعد تدهور علاقاتهما مع موسكو. وفي إطار هذا التعاون عقد الرئيس التركماني السابق "نيازوف" صفقة مع "كييف"، في عام 2001، تحصل بموجبها عشق أباد على 10 زوارق أوكرانية من طراز "كالكان-أم" و20 سفينة يزيد وزنها على 40 طن، وأنظمة رادار متطورة تغطي مساحة تقدر بحوالي 600 كم. وفي عام 2005، لجأت تركمنستان لكييف لصيانة طائراتها من طراز "سو- 25".
وبجانب أوكرانيا، عملت عشق أباد على تعزيز تعاونها مع جورجيا، خاصة على المستوي العسكري. وفي هذا الإطار أرسلت تركمانستان نحو 40 طائرة حربية و5 طائرات هليكوبتر لتبليسي لإجراء عمليات الصيانة.
إخفاق روسي جديد
ويمكن القول إن تغيراً جوهرياً قد طرأ على توجهات تركمنستان بعد عودة الدفء لعلاقاتها مع موسكو، بداية من عام 2003. ومن ثم بدأت عشق أباد في عقد صفقات تسلح مع شركة "روسوبورون" الروسية للحصول على المعدات اللازمة لقواتها البحرية، بالإضافة إلى زيادة اعتمادها على التكنولوجيا الصينية في مقابل تراجع وارداتها التسلحية من أوكرانيا.
وتنظر روسيا إلى التواجد العسكري الأمريكي في منطقة بحر قزوين ومحاولات حلف الناتو مد مظلته الدفاعية لتشمل الحقول النفطية بها، بوصفهما تهديدا كبيرا واختراقا لمجالها الحيوي ومنطقة نفوذها التقليدية؛ الأمر الذي دفعها إلى اتخاذ إجراءات مضادة، من أهمها الدعوة في عام 2002 إلى تدشين نظام للأمن الجماعي في منطقة بحر قزوين، يتم بموجبه تشكيل أسطول بحري مشترك بين الدول المطلة على بحر قزوين بهدف مواجهة التهديدات المشتركة مثل الإرهاب وعمليات التهريب، وهو ما أعاد طرحه وزير الخارجية الروسي آنذاك، سيرجي لافروف، خلال زيارته لتركمنستان.
ولم تتمكن موسكو إلى الآن من تنفيذ ذلك المشروع لافتقادها للوسائل التي تمكنها من ممارسة ضغوط جادة على كل من أذربيجان وكازخستان وتركمنستان، فعلى الرغم من عضوية أذربيجان في مجلس الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي وحرصها على تجنب الصدام المباشر مع موسكو، فإنها تفضل الشراكة مع الدول الأعضاء في حلف الناتو، وبالتالي لم تقبل بالمشروع الروسي.
وينطبق نفس الأمر على تركمنستان، فرغما عن مصالحها المشتركة مع موسكو- خاصة بعد عودة العلاقات لطبيعتها بين الجانبين في عام 2003- وعضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون، فإن عشق أباد حريصة على استمرار سياسة الحياد التي اتبعتها منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي.
أما كازاخستان، فقد أبدت تأييداً حذراً للمشروع الروسي، واشترطت ألا تكون القوات البحرية المشتركة بديلاً عن الأساطيل الوطنية الخاصة بكل دولة.
ويكمن السبب وراء عدم تحمس الدول الثلاث للمقترح الروسي في إدراك هذه الدول لاختلال التوازن العسكري بين قواتها البحرية ونظيرتها الروسية، ولذا فإن تشكيل قوات بحرية مشتركة من شأنه أن يكرس السيطرة الروسية على بحر قزوين. كما أن عدم وجود إطار مؤسسي يجمع بين كافة الدول المطلة على بحر قزوين يعرقل من إمكانية تطبيق المقترح الروسي؛ فإيران وتركمنستان غير أعضاء في مجلس الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، كما أن إيران وأذربيجان لا تتمتعان بالعضوية الدائمة في منظمة شنغهاي للتعاون، ومن شأن امتداد عضوية تلك المنظمة لتشمل كافة الدول المطلة على بحر قزوين، أن يفتح الباب أمام اختراق المنظومة الأمنية سالفة الذكر من جانب دول كبرى لها مصالح إستراتيجية في المنطقة، وتحديدا الصين العضو في منظمة شنغهاي، الأمر الذي قد يؤدي إلى سيطرة الصراعات المصلحية بين الدول الكبرى على المنطقة وتزكية عوامل عدم الاستقرار بها.
وعلى الرغم من إعلان إيران تأييدها للمشروع الروسي في مناسبات عديدة، فإنها اشترطت اقتصار المنظومة الأمنية على الدول المطلة على بحر قزوين، واستبعاد جميع الدول الغربية، خاصة الدول الأعضاء في حلف الناتو. جدير بالذكر أن حلف الناتو قد قام بإنشاء محطات رادار على بعد عشرات الأميال فقط من إيران، كما عمل على تدعيم القواعد العسكرية التابعة له في أذربيجان.
وحتى لو وافقت روسيا على الشروط الإيرانية، فإن التنفيذ الفعلي للمشروع يظل غير ممكن من الناحية العملية لأن إيران لن تسمح بتكوين منظومة تعاون عسكري تسيطر عليها روسيا أو تسمح لقوات من أذربيجان بالمرور في المناطق البحرية المتنازع عليها بين الدولتين. كما أن التوصل لتسوية قانونية بين الدول المطلة على بحر قزوين لا يصب في مصلحة طهران لاعتمادها على ورقة بحر قزوين في الحصول على دعم روسيا في المجالات العسكرية وفي برنامجها النووي. بالإضافة إلى أن التهديدات العسكرية في بحر قزوين لا تشغل القادة الإيرانيين بالمقارنة بالأوضاع العسكرية في منطقة الخليج العربي، خاصة بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق، وتوالي التهديدات بشن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية.
باحثان مرموقان بمركز آسيا الوسطى والقوقاز وبرنامج دراسات طريق الحرير.
* الجزء الثالث من دراسة تحت عنوان (عسكرة بحر قزوين: "الألعاب الكبرى" و"الألعاب الصغرى" بين أساطيل بحر قزوين)، نشرت بدورية "الصين وأوراسيا"، الصادرة عن مركز آسيا الوسطى والقوقاز وبرنامج دراسات طريق الحريرThe Central Asia-Caucasus Institute and the Silk Road Studies Program
، عدد مايو/ يونيو 2009. ومركز آسيا الوسطى والقوقاز
عبارة عن مركز بحثي يتبع كل من جامعة "جونز هوبكنز" الأمريكية، ومعهد "الأمن والسياسات الإنمائية" بالعاصمة السويدية أستوكهولم.
|