English

 

الاثنين. أكتوبر. 12, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الرياض ودمشق.. تقارب لا يلغي سياسة المحاور الإقليمية

أمجد أحمد جبريل

Image
الرياض ودمشق.. هل يفكان شفرة الخلافات بينهما؟
حملت الزيارة التي قام بها العاهل السعودي الملك عبد الله إلى دمشق يومي 7 و8 أكتوبر الجاري مؤشرات عديدة على تعزيز مساعي تهدئة الخلافات العربية-العربية، أقله على مستوى الخطاب السياسي؛ فالعلاقات السعودية – السورية تشهد منذ مارس الماضي تطوراً ملحوظاً ربما ينقلها من خانة العلاقة الثنائية المحدودة إلى أفق عودة الحوار حول القضايا الإقليمية العالقة، بما يتعدى ملف تشكيل الحكومة اللبنانية المتعثر منذ الانتخابات النيابية في يونيو الماضي، رغم أهمية هذا الملف لدمشق والرياض.

سياق دولي لا يعارض التقارب

وقد أعطى السياق المحيط بالزيارة أهمية استثنائية خصوصاً في ظل عدة متغيرات برزت أخيراً. فعلى الصعيد الدولي تتوالى مؤشرات انفتاح إدارة أوباما على سوريا حيث زار فيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري واشنطن مطلع أكتوبر 2009 للبحث في رفع العقوبات المفروضة على بلاده بموجب قانون "محاسبة سوريا" الذي سنًه الكونجرس الأمريكي قبل عدة سنوات. وكان جايمس ستاينبرغ نائب وزيرة الخارجية الأمريكية أشار في جلسة استماع أمام الكونجرس إلى أن التقارب العربي-العربي "الذي يتضح في حل الأزمة اللبنانية هو مؤشر نجاح في احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة".

ويبدو أن الرياض تلعب دوراً مسانداً للجهود الأمريكية والأوروبية لإبعاد سوريا عن إيران، من خلال حوافز اقتصادية يجري تقديمها لدمشق. وفي هذا السياق سيقر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بالإجماع توقيع اتفاق الشراكة مع سورية في اجتماعهم القادم في بروكسيل يومي 26 و27 الشهر الجاري، بعد نجاحهم في إقناع هولندا بالعدول عن موقفها الرافض لهذه الخطوة.

بعبارة أخرى، فإن عدة أطراف تساوم سوريا الآن بأسلوب الجزرة هذه المرة، الذي يتناغم مع الأجواء التي خلقتها إدارة أوباما، وإن كان هذا لا يعني عدم العودة إلى التلويح باستخدام أسلوب العصا إذا اقتضى الأمر ذلك.

وبالطبع فإن أكثر الأطراف العربية قدرة على تحفيز سوريا بأسلوب الجزرة هي السعودية. ولا تخلو زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز لسوريا من بعد اقتصادي لا سيما أن الطرفين يتوقعان أن ترتفع قيمة التبادل التجاري بينهما في الفترة القادمة، علماً أنه يبلغ حالياً حوالي ملياري دولار سنوياً. وقد شهدت الزيارة التوقيع على اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب الضريبي على الدخل ورأس المال بين البلدين، فضلاً عن مناقشة المسئولين في الجانبين آليات الحفاظ على حقوق العمالة وتبادل الخبرات حول التخفيف من مشكلة البطالة.

دور تركي محفز

أما في السياق الإقليمي، فتبدو الأمور أكثر تشابكاً من السياق الدولي، رغم أن جملة من المتغيرات الإقليمية تبدو للوهلة الأولى في صالح سوريا حيث تتعاظم الفرصة أمامها بسبب نجاحها في تطوير علاقاتها مع تركيا على نحو تداخل فيه السياسي بالاقتصادي بالعسكري.

لقد انتقلت علاقة أنقرة-دمشق من ساحة الخلافات إلى سياسة توثيق الروابط المشتركة، لاسيما بعد إجراء مناورات عسكرية بين الدولتين بالتوازي مع حصول شيء من التباعد بين تركيا وإسرائيل جراء التداعيات المستمرة لحرب غزة، وآخرها مطالبة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان (قبيل تأجيل مناقشة تقرير جولدستون في مجلس حقوق الإنسان) بمحاسبة إسرائيل على ما فعلته في غزة.

ولتركيا دور في التقريب بين الرياض ودمشق، وهناك من ينسب إلى الأتراك قيامهم أيضاً بجهود لتحسين العلاقات السورية - الأمريكية؛ حيث تقوم أنقرة بنقل الرسائل بين سوريا والولايات المتحدة. ويشير البعض هنا إلى أن بروز الدور التركي يرجع جزئياً إلى تغير المقاربة أو الرؤية الأمريكية للتوازنات الكونية والإقليمية، وذلك مع قدوم إدارة أوباما، الذي يعتمد تركيا حليفاًً إستراتيجياً حتى إشعار آخر.

وربما تكون زيارة أوباما إلى تركيا في إبريل 2009 قد دشنت فصلاً جديداً من فصول الأدوار الإقليمية في المنطقة؛ فقد كانت تركيا أول بلد إسلامي يزوره، ومثلت الزيارة اعترافاً أمريكياً بأهمية تركيا الجغرافية والسياسية، وأعطت واشنطن لأنقرة الضوء الأخضر كي تشارك بفعالية أكبر في توازنات السياسة الدولية كشريك مميز للولايات المتحدة الأمريكية في قوس جغرافي كبير ممتد من حدود روسيا الجنوبية مروراً بالقوقاز وإيران والعراق وسوريا.

ولعل هذا يفسر المحاولات التي بذلها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو للتوسط في الأزمة السورية-العراقية بعد تفجيرات الأربعاء الدامي التي وقعت في بغداد 19/8/2009، وهو ما حاوله دون نجاح أيضاً منوشهر متكي وزير خارجية إيران وإن بدوافع مختلفة عن الدوافع التركية. ويبدو أن هناك ميلاً إقليمياً عاماً لتجاوز مطالب حكومة المالكي بتشكيل محكمة دولية للكشف عن مدبري هذه التفجيرات.

جملة القول في مسألة السياق الدولي والإقليمي للتقارب السعودي-السوري أن أسباب التوتر النابعة من سياسة المحافظين الجدد بتقسيم المنطقة إلى معتدلين ومتطرفين، قد انخفضت إلى حد ما، فضلاً عن نجاح تركيا في ممارسة دور توازني كابح للتصعيد الإقليمي وبراعتها في إيجاد أسس معقولة للتقارب مع الطرف العربي دون التخلي كلية عن علاقاتها مع إسرائيل.
 
لكن أنقرة أمامها في الشهور المقبلة (بعد نجاحها في توقيع اتفاق مع أرمينيا لتصفية الخلاف بينهما) تحديان حقيقيان، يتعلق أولهما بصياغة موقف متوازن من احتمالات عودة الدول الغربية للتصعيد ضد إيران لعرقلة برنامجها النووي، فضلاً عن مراجعة أسس العلاقات التركية-الإسرائيلية، خصوصاً في الجانب العسكري. وثمة مؤشرات إيجابية تفيد بأن أنقرة ستنجح في ذلك بعد إلغائها مؤخراً مشاركة المقاتلات الإسرائيلية في مناورات "نسر الأناضول"، لأن تلك المقاتلات لعبت دوراً محورياً في الحرب على غزة.

دوافع مختلفة للتقارب

ومن خلال متابعة خطوات هذا التقارب الآخذة في التبلور منذ دعوة العاهل السعودي إلى المصالحة العربية في القمة الاقتصادية العربية في الكويت يومي 19 و20 يناير 2009، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات:ـ

1 ـ المسار المتدرج بل البطيء في حدوث التقارب، الأمر الذي يعكس الرغبة في انتظار اتضاح الصورة بشأن تأثير سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة على التوازنات الدولية والإقليمية، ومدى الفرص التي ستتيحها لكل من دمشق والرياض. بعبارة أخرى يمكن الحديث عن دافع خارجي للتقارب السعودي-السوري أكثر من كونه خيارا إستراتيجيا لدى الطرفين بإحياء المستوى السابق من علاقتهما أيام الرئيس حافظ الأسد.

2 ـ ينصح كثير من المحللين السعوديين دمشق صراحة بالكف عن الاعتماد على إيران، والعودة إلى نهج التوازن في التحالفات السورية بما يحفظ للسوريين علاقة وثيقة بالعالم العربي، والسعودية ومصر تحديداً؛ الأمر الذي يعني أن العلاقة مع طهران لاتزال تمثل عنصر اختلاف بين الرؤية السورية والرؤى العربية الأخرى.

3 ـ اعتماد السعودية منطقاً مبادراً إلى حد ما، لكن ليس بهدف إحياء التفاهمات العربية، وإنما لتضييق هامش المناورة أمام إيران وتقليص تأثيرها وتوظيفاتها المختلفة للقضايا العربية بهدف كسب النفوذ الإقليمي وجعل برنامجها النووي أمراً واقعاً؛ إذ ترى الرياض أن طهران تستغل حالة الانقسام العربي وتعدد الولاءات وتنازعها لدى القوى السياسية الداخلية في لبنان والعراق وفلسطين واليمن.

4 ـ ثمة جدل يدور حول درجة ابتعاد الرؤية السعودية أو اقترابها من الموقف الأمريكي من إيران وسوريا وسياساتهما الإقليمية. وهنا يطرح السؤال: "إلى أي مدى تتقاطع الرؤيتان السعودية والأمريكية في ضرورة إبعاد سوريا عن إيران؟".

لقد رحبت إدارة أوباما بزيارة الملك عبد الله إلى دمشق، وقالت إنها "تدل على حجم الاستثمار والجهد السعودي في قضايا المنطقة، وخصوصاً على صعيد عملية السلام". كما أن فيليب كراولي، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون العامة، أكد على أهمية زيارة الملك عبد الله لدمشق، وأن المبادرة العربية للسلام تتقاطع مع سعي الإدارة الأمريكية نحو السلام الشامل على مختلف المسارات، وأشار إلى دور السعودية الإقليمي وأهمية جهودها الدبلوماسية في تحسين الوضع الإقليمي.

5 ـ تشير التحليلات السعودية إلى خشية سوريا من احتمال العودة إلى تكبيلها ثانية بالمحكمة الدولية الجديدة، التي طالبت حكومة المالكي بتشكيلها للكشف عن مدبري تفجيرات بغداد. وهذا الأمر أقنع دمشق بتسريع التقارب مع الرياض لاستعادة عمقها العربي، ومنع الحكومة العراقية من كسب أي دعم عربي لمطلبها هذا، والذي يأتي بحسب رؤية سوريا ضمن أهداف انتخابية ومزايدات تحاول إظهار المالكي بصورة المدافع المخلص عن أمن المواطن العراقي وحياته المستباحة.

وفي هذا السياق يبدو أن هناك جديداً طرأ على الموقف السعودي في النظر إلى خلافها مع سوريا بعد انطلاق عمل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري. ويبدو أن دمشق باتت أكثر اطمئناناً بعد أن ظهرت بعض الإشارات التي تؤكد أن المحكمة لن يتم تسييسها ولن توجه ضد أنظمة بعينها حتى لو كان هناك أفراد متورطون بشكل ما في الحادث من هذا البلد أو ذاك، هذا فضلاً عن تراجع الرغبة الدولية في عزل سوريا وخنقها، والتي كان يقودها الرئيسان السابقان جورج بوش وجاك شيراك. كما ظهرت مؤشرات للانفتاح الغربي على دمشق مثل: مشروع الرئيس ساركوزي للاتحاد من أجل المتوسط، وتعيين سفير أمريكي بدمشق، وزيارة جورج ميتشيل لها في يونيو الماضي، وغير ذلك.

6 ـ تحاول الرياض إرساء آلية تنسيق وتشاور مع دمشق لحلحلة القضايا العربية المتأزمة، وتبدو البداية الطبيعية من إنهاء أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية.

ولا شك أن زيارة الملك عبد الله لدمشق ما كانت لتحدث لولا عاملان أساسيان؛ أولهما الأسلوب السوري الهادئ في التعامل مع الانتخابات اللبنانية الأخيرة، إذ ركزت سوريا على إدارة المسألة عبر حلفائها في لبنان دون أن تورط نفسها في تصريحات إعلامية ملتهبة تستفز القوى المعارضة لها، بما يعني أن دمشق ربما تسعى لرسم صورة جديدة لنفسها في أعين اللبنانيين.

ويتعلق العامل الثاني بمبادرة الرئيس الأسد بزيارة السعودية لحضور افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في 23 سبتمبر الماضي، ولقائهما الذي تمحور حول توفير الشروط الداعمة للإسراع في تشكيل حكومة وفاق وطني في لبنان.

ورغم أن تشكيل الحكومة لا زال يعاني من بعض العقبات نتيجة الخلافات بين المعارضة والموالاة على الحصص والحقائب، إلا أن نواب قوى 14 آذار دعوا للإفادة من التقارب السعودي-السوري، كما أعرب حزب الله عن ترحيبه بقمة الرياض - دمشق ووصف نتائجها بالإيجابية لجهة الدفع بنهج التقارب العربي- العربي قدماً نحو آفاق جديدة للعمل المشترك، بما يخدم قضايا العرب والمسلمين، ويؤثر إيجاباً على لبنان.
 
وإجمالاً يمكن التفاؤل بقرب الإعلان عن ميلاد الحكومة اللبنانية، بالنظر إلى تحديد رئيس مجلس النواب نبيه بري موعد 20 أكتوبر الجاري لعقد جلسة لمجلس النواب، في دلالة على ضرورة تأليف الحكومة قبل ذلك التاريخ.

مستقبل سياسة المحاور الإقليمية

على أهمية التقارب السعودي- السوري، إلا أنه يبقى محدود الأفق كونه يأتي انعكاساً أو محصلة لمتغيرات خارجية نابعة من البيئتين الإقليمية والدولية، وهذا معناه غياب الدافع الداخلي أو العربي؛ فليس ثمة رؤية رسمية عربية مشتركة للتحديات الإستراتيجية المتصاعدة، وعلى رأسها أزمة ضعف الدولة الوطنية العربية ومخاطرها المستقبلية في العراق والسودان واليمن ولبنان، وليس هناك اتفاق على مصادر تهديد الأمن العربي، ولا على كيفية التعامل مع الإشكاليات التي تثيرها السياسة الإيرانية، ناهيك عن اعتماد إستراتيجية عربية - إسلامية لردع الكيان الإسرائيلي عن عدوانه المتصاعد.

صحيح أن الرياض ودمشق تنتقلان من القطيعة إلى تهدئة الخلافات وتغليب لغة الحوار، إلا أن هذا لا يكشف عن توجه إستراتيجي، وإنما يعكس إدراكاً (لم يترجم إلى سلوك وسياسات بعد) بخطورة المضي في سياسة المحاور العربية إلى نهايتها، وهذا أمر يشكل بداية متواضعة، لكن كثيرين يأملون أن يتطور هذا التقارب مستقبلاً إلى رؤية إستراتيجية تعقبها سياسات عملية تدرأ الأخطار المتزايدة، وتعمل على حل الخلافات العربية من جذورها وليس الاكتفاء بتهدئتها.

وبإيجاز يمكن القول إن الخلافات العربية ستستمر وقتاً طويلاً في ظل سياسات النظم العربية القائمة حالياً، ومعها ستبقى سياسة "المحاور الإقليمية" التي قد تخف حدتها، دون أن تنتفي أسباب الحاجة إليها، كونها الانعكاس الطبيعي لغياب قدر معقول من الثقة والتعاون بين الأنظمة العربية، الأمر الذي يستثمره كل راغب في تخريب العلاقات العربية - العربية، التي لن تنصلح دون إصلاح شامل للداخل العربي.


كاتب وإعلامي فلسطيني

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات