English

 

الاثنين. أكتوبر. 12, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » جمهوريات آسيا الوسطى

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

عسكرة بحر قزوين (1-3) *

مارلين لايرل وسباستيان بيروز

إعداد - محمد عبد الله يونس

Image
بحر قزوين
تحولت منطقة بحر قزوين في الآونة الأخيرة إلى ساحة للتجاذبات والصراعات، وتضاعفت وتيرة التنافس الإقليمي والدولي على الموارد الطبيعية ومصادر الطاقة، خاصة بين الدول المطلة على بحر قزوين (روسيا وإيران وأذربيجان وكازخستان وتركمنستان)، بشكل جعل من سباق التسلح أحد الخصائص الهيكلية لعلاقات هذه الدول ببعضها البعض. ومنذ بداية العام 2006 دخل الصراع بين هذه الدول مرحلة جديدة، حيث شهدت الموازنات العسكرية لغالبية دول تلك المنطقة زيادة كبيرة تجاوزت 50% في 2006/2007 بالمقارنة بموازنات السنوات السابقة.

طالع أيضا:
بحر قزوين.. معلومات أساسية

ولا يمكن إرجاع سباق التسلح في تلك المنطقة إلى التنافس بين القوى الكبرى فقط، فالخلافات المحتدمة بين دول منطقة بحر قزوين تلعب دورا كبيرا في إذكاء سباق التسلح، لاسيما في ظل اتسام هذه الخلافات بقدر كبير من التعقيد والتشابك؛ فهناك خلافات قانونية حول تحديد نطاق اختصاص كل دولة على مياهها الإقليمية في بحر قزوين، وخلافات اقتصادية حول استغلال الثروات الطبيعية في أعماق بحر قزوين، وخلافات جيوسياسية تتعلق بتوازن القوى والتحالفات بين دول المنطقة والقوى الدولية الكبرى، ناهيك عن افتقاد التوافق أو الترتيبات الجماعية حول التصدي للتهديدات الإرهابية وعمليات تهريب المخدرات والصيد الجائر لأسماك الحفش التي يستخرج منها الكافيار بما يهدد بانقراضها.

وللتعامل مع القضايا الخلافية سالفة الذكر، بدأت الدول الساحلية الخمس المطلة على بحر قزوين في التراجع عن مواقفها السابقة التي تمسكت بها في تسعينات القرن العشرين والمتعلقة بعدم السماح بنشوب سباق للتسلح في بحر قزوين. وارتبط هذا التراجع بتغيرات عديدة في المحيط الدولي، أهمها الاهتمام الكبير الذي أولته الولايات المتحدة لمنطقة بحر قزوين بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، انطلاقا من أهميتها الحيوية للمصالح الإستراتيجية الأمريكية، والعروض التي ساقتها واشنطن لبدء برامج مساعدات عسكرية لكل من أذربيجان وكازخستان وتركمنستان، مما أثار مخاوف روسيا وإيران ودول أخرى لها مصالح إستراتيجية في منطقة بحر قزوين مثل الصين، علاوة على تمدد نفوذ حلف الناتو والمساعي الحثيثة لأذربيجان وكازخستان وتركمانستان لبناء أساطيل حربية متقدمة بمساعدة الولايات المتحدة ودول الحلف.

الصراع نمط ثابت للعلاقات

اجتمعت عدة خصائص طبيعية وجغرافية لتجعل من بحر قزوين منطقة هشة وبؤرة للتوتر الإقليمي والصراع، فهو بحر مغلق ضحل تتعرض مياهه لمصادر تلوث متعددة بترولية وكيميائية وصناعية، خاصة وأنه مصب لنهر الفولجا الذي تتركز على ضفتيه مراكز الصناعات الثقيلة في روسيا، فضلاً عن تعرض بعض ثرواته الطبيعية للنضوب مثل الكافيار.

ورغم هذا التوتر، تظل مسارات التعاون الثنائي مطروحة خلال اجتماعات قادة الدول المطلة على بحر قزوين، فخلال الفترة بين عامي 2007 و2008 طرحت إيران مشروعا لربط شبكات السكك الحديدية الخاصة بدول المنطقة، كما أبدت كازخستان رغبتها في استضافة مركز لتوزيع المنتجات الهيدروكربونية وتنظيم حركة التجارة بين دول البلطيق وإيران، والتي تمر عبر بحر قزوين. وفي عام 2008 وقع حاكم إقليم أستراخان الروسي مع تركمنستان اتفاقيات تتعلق بالتعاون في مجلات النقل والطاقة والصيد وصناعة السفن والتشييد.

وفي السياق ذاته يمثل طرح كازخستان لمشروع قناة أوراسيا البحرية لربط البحر الأسود ببحر قزوين أحد أهم مجالات التعاون الاقتصادي المستقبلي، حيث يمكن أن تكون هذه القناة ممرا بحريا مباشرا لكازخستان وأذربيجان وتركمنستان للوصول للمياه الدولية، وتعمل بكفاءة أكبر من القناة الواصلة بين نهري الفولجا والدون، والتي أنشأتها روسيا في خمسينات القرن العشرين، ومنعت الدول الثلاث سالفة الذكر من الملاحة فيها عقب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

لكن لا يمكن، بأي حال، التنبؤ باحتمالات تنفيذ هذا المشروع، نظرا لتكلفته التي تتجاوز حوالي 6 مليار دولار، فضلاً عن معارضة روسيا لتدويل الممرات البحرية التي تمر عبر أراضيها، ما يعني ضمناً فرض قيود علي حركة التجارة من وإلى الدول الأخرى المطلة على بحر قزوين. ومن ثم ينظر البعض للمشروع باعتباره مجرد إعلان للنوايا الحسنة.

وعلى الرغم من وجود أوجه للتعاون بين دول بحر قزوين، تظل الخلافات هي النمط الغالب للتفاعلات الإقليمية في تلك المنطقة، وتبرز على قائمة الخلافات بين دول المنطقة إشكاليات التلوث البيئي وانقراض الكائنات الطبيعية، حيث انخفض عدد أسماك الحفش بنسبة 90% خلال العشرين عاماً الماضية.

وبرغم توقيع دول المنطقة، في عام 2003، لاتفاقية حماية البيئة في بحر قزوين، والتي تتضمن تحديد نسب سنوية لصيد الأسماك في البحر، فإن التزام الدول بالاتفاقية عادة ما يكون موضع تساؤل، وهو ما اتضح في فشل روسيا في الحصول على دعم دول بحر قزوين لاقتراحها بالامتناع عن صيد أسماك الفحش لمدة 5 سنوات، لما يمثله هذا الاقتراح من تهديد لمصدر دخل عشرات آلاف الأفراد من الصيادين. بل لقد دعت كل من كازاخستان وأذربيجان وتركمنستان روسيا إلى تعديل حصص الصيد، التي وضعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وأعطت لروسيا نصيب الأسد (45 % من أسماك الكافيار)، مقابل 27% لإيران و28 % للدول الثلاث الأخرى مجتمعة.

1- الصراع على النفط

اتخذت الخلافات بين دول منطقة بحر قزوين منحاً جديداً مع توالي الاكتشافات البترولية في المنطقة، فالتقديرات الخاصة باحتياطيات البترول على مستوى العالم تضع بحر قزوين في المرتبة الثانية بعد منطقة الخليج العربي، وذلك بالتساوي مع بحر الشمال. وتبلغ احتياطيات البترول في المنطقة، طبقا لتلك التقديرات، حوالي 2- 6 % من إجمالي الاحتياطيات العالمية، في حين تقدر احتياطيات الغاز بما يتراوح بين 6 و 10 % من إجمالي احتياطات الغاز العالمية.

وبحلول عام 2013، ومع تقدم عمليات استخراج البترول بالمنطقة، يتوقع أن تسيطر كازاخستان علي 55% من الإنتاج الإجمالي للبترول في بحر قزوين في مقابل 32% لأذربيجان وحوالي 6.5 لكل من روسيا وتركمنستان.

ونتيجة لهذه الاكتشافات، بدأ الخلاف يحتدم بين الدول المطلة على بحر قزوين حول الوضع القانوني لبحر قزوين: هل يعتبر بحر أم بحيرة؟ وهل يتم تقسيم مياهه لنطاقات بين الدول المطلة عليه أم يتم اعتبارها مياه إقليمية مشتركة يتم استغلال ثرواتها بشكل جماعي؟. وبالرغم من غياب التوافق حول تلك التساؤلات، فإن عمليات اكتشاف البترول والغاز لم تتوقف في ظل ضغوط الشركات الدولية للاستثمار في عمليات استخراج النفط.

وتتمثل الإشكالية الأساسية التي تعترض استغلال الثروات النفطية في بحر قزوين في عدم وجود إطار قانوني متفق عليه حول تقاسم المياه الإقليمية في المنطقة، فقبيل انهيار الاتحاد السوفيتي كان الوضع القانوني لبحر قزوين خاضع للاتفاقات التي وقعها الاتحاد السوفيتي مع إيران في عامي 1921 و1940.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، ثارت الخلافات بين الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي من جانب وروسيا، وبين روسيا وإيران من جانب آخر. وفي بداية تسعينات القرن العشرين، ادعت روسيا أن اتفاقاتها سالفة الذكر مع إيران (إبان الحقبة السوفيتية) تجعل بحر قزوين منطقة مشتركة بين الدول المطلة عليه، ومن ثم فإن استغلال الثروات الطبيعية يتم بصورة جماعية وتُقسم العوائد بالتساوي على الدول الخمس، وذلك رغبة من جانب موسكو في مشاركة الدول المستقلة في ثرواتها النفطية.

غير أن الدول الثلاث دعت لتقسيم بحر قزوين إلي نطاقات وطنية بحيث تقوم كل دولة باستغلال مياهها الإقليمية بصورة مستقلة، وهو اقتراح كانت تعارضه روسيا حتى عام 1998، عندما اكتشفت احتياطات نفطية جديدة قبالة شواطئها.

ومع انحسار الخلافات حول مبدأ تقسيم مياه بحر قزوين ظهرت خلافات جديدة حول ترسيم الحدود وتحديد المياه الإقليمية الخاصة بكل دولة، فبينما أيدت روسيا، بدعم من كازخستان، اقتصار التقسيم على أعماق بحر قزوين، اقترحت كل من أذربيجان وتركمنستان وإيران تقسيم كامل لمياه بحر قزوين؛ السطحية والأعماق. ومن ثم وقفت دول الساحل الشمالي لبحر قزوين (روسيا وكازاخستان) في مواجهة دول الساحل الجنوبي التي اختلفت فيما بينها على كيفية ترسيم الحدود البحرية وتقسيم المياه.

لكن هذا الاصطفاف سرعان ما تفكك، ففي عام 2003، اتجهت أذربيجان لتبني وجهة النظر الروسية حول اقتصار التقسيم على أعماق بحر قزوين بشكل أضعف من موقف إيران وتركمنستان. كما لم تتوصل كل من إيران وتركمانستان، في إطار الاتفاقية التي وقعها الطرفان حول القطاع الجنوبي من بحر قزوين، إلى موقف موحد حول معيار لترسيم الحدود بين الدول المطلة على بحر قزوين.

ولذلك يمكن القول إن الرؤية الروسية هي الأقرب للتوافق بين الدول الخمس لاسيما في ظل تطلع هذه الدول لاستئناف عمليات استكشاف الثروات النفطية، وإمكانية التوافق بين روسيا وطهران حول تسوية معينة للأوضاع مقابل دعم روسيا للبرنامج النووي الإيراني. وفي حال قبول طهران بالرؤية الروسية فإن مساحة المنطقة التي تسيطر عليها من بحر قزوين سوف تتقلص من 20% من إجمالي مساحة بحر قزوين إلي 13% فقط.

2- معضلة ترسيم الحدود

من الطبيعي في ضوء الخلافات سالفة الذكر ألا تتمكن الدول المطلة على بحر قزوين من ترسيم الحدود فيما بينها، باستثناء روسيا وكازاخستان اللتان تمكنتا من ترسيم حدودهما المشتركة في بحر قزوين بشكل كامل. فهناك خلافات بين كل من إيران وأذربيجان حول ثلاث مناطق في بحر قزوين هي "ألوف" و"شارج" و"اراز". وبالرغم من الاحتجاجات الإيرانية المتكررة، تقوم شركة "سوكار" النفطية الأذربيجانية والشركة البريطانية للبترول باستخراج النفط من موقع يبعد حوالي 50 كم عن الحدود التي تم الاتفاق عليها بين إيران والاتحاد السوفيتي السابق. وفي عام 2001، قامت سفينة حربية إيرانية مدعومة جواً بالتصدي لسفن استكشافية أذربيجانية تعمل لصالح شركة البترول البريطانية، ومنعتها من الوصول لمنطقة ألوف المتنازع عليها بين الدولتين مما أثار مخاوف حينها من نشوب مواجهة عسكرية بين الدولتين.

ولا تقتصر تلك الاضطرابات الحدودية علي إيران وأذربيجان، بل تشمل أيضا علاقات إيران بتركمنستان لاسيما بعد إعلان "عشق آباد"، في العام 2008، عزمها التعاقد مع شركات نفطية روسية مثل "لوك أويل" و "تي ان كي" و "سويوزنفتزج" لاستخراج النفط من المناطق الحدودية مع طهران.

أما الخلافات بين تركمانستان وأذربيجان فتتركز حول مناطق مثل "أذري" و"شيراج" و"كياباز". ومنذ عام 1997، بدأت تركمنستان المطالبة بما أسمته حقها في نصيب عادل من أرباح استغلال "شركة أذربيجان الدولية للتشغيل" للنفط في المواقع سالفة الذكر. بيد أن النزاع بدأ يخبو مع وصول الرئيس "جورباندجلي بردي محمدوف لسدة" الحكم في تركمنستان عام 2006، حيث قام بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع "باكو" بعد زيارته الرسمية لها في مايو 2008. كما سمح بمشاركة بلاده في الهيئة الوزارية لبحر قزوين، ما يعني ضمناً رغبة عشق أباد في العودة لطاولة المفاوضات لبحث الاستغلال المشترك للمناطق المتنازع عليها.

وعلى الرغم من إخفاق قمة دول بحر قزوين، في عام 2008، في التوصل إلى توافق حول إطار قانوني لتسوية الخلافات سالفة الذكر، فقد شهدت القمة عودة العلاقات التركمانية الأذربيجانية، علاوة على ما يمثله انتظام انعقاد القمة من رغبة لدى الدول الخمس في إضفاء طابع مؤسسي على علاقاتهم المشتركة وبحث مجالات التعاون فيما بينهم، أسوة بمنظمة البحر الأسود للتعاون الاقتصادي، وبحيث تظل الخلافات موضع مباحثات دائمة للتوصل لتسوية تحقق مصالح كافة الأطراف.


باحثان مرموقان بمركز آسيا الوسطى والقوقاز وبرنامج دراسات طريق الحرير.

*الجزء الأول من دراسة تحت عنوان (عسكرة بحر قزوين: "الألعاب الكبرى" و "الألعاب الصغرى" بين أساطيل بحر قزوين)، نشرت بدورية "الصين وأوراسيا"، الصادرة عن مركز آسيا الوسطى والقوقاز وبرنامج دراسات طريق الحريرThe Central Asia-Caucasus Institute and the Silk Road Studies Program ، عدد مايو/ يونيو 2009. ويتبع مركز آسيا الوسطى والقوقاز كل من جامعة "جونز هوبكنز" الأمريكية، ومعهد "الأمن والسياسات الإنمائية" بالعاصمة السويدية أستوكهولم.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات