|
| إسرائيل تهود القدس بيد من حديد والعرب يتفرجون |
لا يمكن أن يكون التصعيد الإسرائيلي الأخير في القدس، وتحديدا في المسجد الأقصى، أمرا عفويا، ولا يمكن أن ننظر إلى حصار المسجد الأقصي وغلقه ومنع الصلاة في مناطق معينة منه وإدخال المستوطنين عنوة فيه بغرض "فرض السيطرة الإسرائيلية" عليه وجعل مصيره في يد "الاحتلال" لا "إدارة الأوقاف" التي تتولى هذا الأمر منذ 1967، سوى أنه "سياسة متعمدة" تهدف لتغيير واقع "الأقصي"، قلب القدس ومؤشر هويتها.
ولا يمكن أن ننظر لما يجري للأقصى –بجانب الأنفاق والحفريات وتهويد أسواره– بمعزل عما يجري للمدينة المقدسة ككل من تسارع لسياسة التهويد وطرد سكان الأحياء التاريخية (الفلسطينيون) تدريجيا من منازلهم، بل والاستيلاء –بقانون جديد- على منازل اللاجئين (الغائبين)، إلا على أنه سياسة فرض الأمر الواقع اليهودية.
والحقيقة أننا لو نظرنا لما يجري بمنظار إستراتيجي أعمق سنرى أن ما يحدث هو باختصار خطة صهيونية لحسم مصير الأقصي والقدس، وجعل هذا "أولوية" لدى المجتمع الصهيوني، أو أنه محاولة إسرائيلية لحرق أوراق التفاوض العربية مستقبلاً بفرض واقع يهودي على كل القدس بما فيها قضية اللاجئين والمسجد الأقصى نفسه بحيث لا يبقى شيء متماسك للتفاوض حوله وتضيع أهم ورقة تفاوض عربية!، ولا ننسى هنا أن الهدف الإسرائيلي الحالي هو "إسرائيل يهودية"، ومن باب أولى بالتالي الوصول لتهويد الأقصى –أو جبل الهيكل- وإخفاء أي معالم أو هوية إسلامية تعرقل يهودية هذه الدولة!.
خطة صهيونية علنية
وقبل أن نشرح طبيعة الخطة الصهيونية التي تنفذها حكومة نتنياهو على عجل، وبمباركة كل الشعب الذي اختارها في انتخابات الكنيست، نشير إلى أن الخطة لم تعد سرية، ووصل الأمرحد تحدي العرب والمسلمين بإعلان وإظهار هذا الهدف، ومع هذا لم يقابله العرب سوى بالصمت والعجز، بل وإعفاء إسرائيل من الإدانة التي أتاحها تقرير "جولدستون" ورفع الحرج عنها بسحب السلطة الفلسطينية للتقرير الذي كان يمثل فرصة عربية للضغط على مجرمي الحرب الصهاينة لوقف التهويد!.
وتظهر دلائل عدم سرية الخطة فيما قاله "سيلفان شالوم" نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي يوم 6 أكتوبر الجاري من أن "المعركة بدأت لفرض السيادة الإسرائيلية على القدس وبشكل خاص جبل الهيكل"، وهي التسمية التي يطلقها الإسرائيليون على موقع المسجد الاقصى.
ومن هذا الخطط المعلنة في الحكومة والكنيست معا للتخلص أيضاً من القيادات الإسلامية التي ترابط في الأقصى وحوله وتقود الجماهير لمنع تهويده والسيطرة على أجزاء منه بغرض فتح أجزاء منه –منعوا المسلمين من الصلاة فيها واعتقلوهم (!)- للصلاة لليهود، وهذا سر اعتقالهم الشيخان رائد صلاح وكمال الخطيب ومحاصرة المرابطين داخل المسجد والتحريض على "حظر" الحركة الاسلامية داخل إسرائيل واعتبارها غير شرعية وطرد قادتها إلى غزة.
ومقابل هذا يتم تشجيع جماعات يهودية متطرفة على تصعيد دعواتها لمؤيديها وعموم المجتمع الصهيوني لاقتحام المسجد الأقصى بشكل جماعي وإقامة طقوس تلمودية داخل المسجد الأقصى تتعلق ببناء "الهيكل المزعوم"، ونشر آلاف الجنود لحمايتهم ومنع المسلمين من الصلاة في المسجد أوقات دخول هؤلاء المستوطنين للمسجد.
تهويد "العاصمة الموحدة"
ولأن الهدف الإسرائيلي ظل دوما الترويج لحلم القدس كعاصمة موحدة لدولة "إسرائيل"، ولأن هوية هذه الدولة حصل الإسرائيليون على صك أمريكي بالاعتراف بها –كان آخره من أوباما– كدولة يهودية؛ فقد وضعت حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف في أولوياتها التهويد الكلي للمدينة والتركيز على البلدة القديمة العربية استعدادا للترتيبات النهائية لمسار التسوية وسحب هذه الورقة التي عرقلت مفاوضات سابقة من أيدي العرب والفلسطينيين.
والملاحظ أن هدف "حسم مصير القدس" جري تسريعه على كل المستويات خصوصا حسم الهوية الدينية والثقافية للمدينة، وحسم الهوية السكانية للمدينة على النحو التالي:ـ
** جغرافيا: بالاستيلاء على مزيد من الأرض وبناء مستوطنات عليها، ويظهر هذا في توسيع الكتل الاستيطانية المحيطة بالقدس، إلى جانب زيادة مساحة ورقعة المستوطنات في محافظات الضفة الغربية (التي بلغت 440 موقعا استعماريا) بنسبة قدرها 42% على حساب أراضي الضفة الغربية، وقد نجحت هذه الخطط في إيجاد 69 مستوطنة في القدس اليوم بمساحتها الجديدة داخل الجدار-والبالغة بشطريها 289 كم2- تُسيطر على مساحة تُقدّر بـ163 كلم2، ويسكنها حوالي 270 ألف مستوطن.
** ديموغرافيا: بتسريع خطط طرد الفلسطينيين من المدينة القديمة والتضييق على بناء العرب مقابل تقديم الامتيازات لليهود للبناء في القدس والمستوطنات بهدف خلق أغلبية يهودية في المدينة، وقد كشف تقرير أصدرته "وحدة البحث والتوثيق في مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية" عن أن الجمعيات الخيرية الأمريكية هي أبرز ممول للاستيطان والاستيلاء على عقارات المقدسيين وطردهم منها، وأن 28 منظمة وجمعية أمريكية قدمت 33.4 مليون دولار كهبات لا تشملها الضرائب للمستوطنات بين عامي 2004 و2007 لتسهيل الاستيلاء على الأرض العربية وآخرها أكثر من 70 عقارا في البلدة القديمة من القدس ونحو 40 عقارا آخر في سلوان، وهو ما رفع أعداد الإسرائيليين لأكثر من 500 ألف يهودي في مستعمرات الضفة نصفهم تقريبا في مستعمرات القدس.
** ثقافيا: بالسعي إلى خلق مدينة يهودية مقدسة موازية للبلدة القديمة بمقدساتها الإسلامية والمسيحية، ومشتركة معها في المركز ذاته وهو المسجد الأقصى، ويطلق الاحتلال على هذا المشروع اسم "القدس أولاً" أو "مشروع تطوير الحوض المقدس"، وتوجيه خطط السياحة نحو ما يسمى الآثار اليهودية وتجاهل الإسلامية والمسيحية والترويج لهذا في العالم.
** قانونيا: باستصدار قوانين جديدة للبناء أخطرها اتخاذ الحكومة "الإسرائيلية" قراراً يقضي بتطبيق (قانون أملاك الغائبين) في القدس الشرقية، والذي يعني حرمان فلسطينيو الضفة الغربية وغزة واللاجئين خارج فلسطين من ممتلكاتهم فيما يسمي (أرض إسرائيل) حسب نص القانون لتصبح ضمن أملاك الدولة الصهيونية، وحسب القانون أيضاً لا يحق للمتضرر التوجه للقضاء أو حتى المطالبة بتعويضه عن أرضه التي صودرت منه عنوةً!
** دوليا: بحشد كل أدوات الضغط الصهيونية على إدارة أوباما كي تتنازل عن شروط وقف البناء في المستوطنات، بل وتعترف بإسرائيل كـ "دولة يهودية"، ما يفتح المجال لطرد فلسطيني الأرض المحتلة والتنكيل بهم كما يجري حاليا.
عقبات تهويد القدس
لا شك أن خطط التهويد الصهيونية نجحت إلى حد بعيد من النواحي الجغرافية وبخاصة فيما يتعلق بتهويد المدن وأسماء الشوارع وتخطيط القرى وتقترب شيئا فشيئا من المدينة القديمة وأسوار الأقصى، وأن هناك أمان كثيرة في نجاح مشروع التهويد في حسم هوية المدينة.
ولكن العقبة التي تواجه هذا المشروع وتحدد مصير القدس والأقصى هي جهود فلسطيني القدس والحركة الإسلامية المتعاظمة لعرقلة خطط التهويد المتسارعة عبر إطلاق نفير الرباط والحشد داخل الأقصى، بخلاف خطط إعمار الأقصى وتجديده وإبراز الهوية الإسلامية للمدينة.
أيضا ما تزال القبة الذهبية والمسجد الفسيح الذي يغطي جبلاً كاملاً من جبال القدس تعرقل الخطط الصهيونية للصلاة في "جبل الهيكل" –أرض الأقصى حاليا– باستثناء المكان ذاته الذي انتزعه اليهود وصلّوا فيه قبل عام 1948، وهذا ما يفسر سر الحملة الإسرائيلية المكثفة خلال أكتوبر 2009 لفرض السيطرة الإسرائيلية على الأقصى، والتي تجلت في عدة خطوات لم يكن آخرها حصار المرابطين داخل الأقصى وغلق أبوابه واعتقال المدافعين عنه.
وقبل هذا سعى الاحتلال –بحسب الشيخ رائد صلاح- للتصرف بأمور المسجد الأقصى اليومية كأنه صاحب السيادة الوحيدة في المسجد ولا يعترف بهيئة أوقاف أو سيادة أو إرادة ويمنع شيوخها والحراس من الدخول إلا بعد تسليم بطاقات هويتهم.. وكلها خطوات تؤكد السعي للسيطرة على الأقصى لاحقا وتقسيم المسجد بين المسلمين واليهود.
ولذا لن يكون مستبعدا في ظل هذه الخطط والتصعيد الإعلامي ضد الحركة الإسلامية التي نشطت منذ ثمانينات القرن الماضي أن يجري حظر نشاط الحركة وعدم الاعتراف بها لشل أنشطتها التي تدعم هوية الأقصى الإسلامية وتثبيت هوية المدينة المقدسة الإسلامية، ومن ثم تسهيل اعتقال قادتها ومنع أي نشاط لها.
السيناريوهات المتوقعة
يبدو من سير الخطط الصهيونية وخطط القيادات الفلسطينية المقدسية المعاكسة أن ثمة ثلاثة سيناريوهات يمكن توقع نجاح إحداها فيما يخص مستقبل القدس والمسجد الأقصى وفقا للظروف الداخلية والدولية، تتمثل في:ـ
أولا: نجاح خطط تسريع التهويد الصهيونية وفرض الهوية اليهودية والوجود الصهيوني حتى على المسجد الأقصى نفسه خصوصا لو استمر الصمت والعجز العربي والإسلامي والتواطؤ الأمريكي الأوروبي.
ثانيا: صعوبة تنفيذ المخطط الصهيوني كاملا بسبب المقاومة الفلسطينية الداخلية الشرسة وبسبب الظروف الطبيعية المعاكسة مثل صعوبة التغلب على المشكلة الديموغرافية وتزايد عدد السكان العرب على الإسرائيليين (35% من سكان القدس فلسطينيون برغم خطط التفريغ والإقصاء الصهيونية)، ومن ثم العودة لخيار تقسيم القدس بين إسرائيل والفلسطينيين.
ثالثا: فشل خطط التهويد الصهيونية وتمكن المقدسيين من حسم هوية المدينة لصالحهم، والإبقاء على الأقصى في أيدي المسلمين، ومنع التحكم الصهيوني فيه بما يمنع اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.
ومن الواضح أن السيناريو الثاني هو الأقرب للتحقق، لأنه من الصعب إفشال الخطط الصهيونية كلياً في ظل استمرار الاحتلال والاعتقالات والتضييق على خطط تثبيت الهوية الإسلامية للمدينة من جهة، وبسبب العجز والصمت العربي والإسلامي والدولي على ما يجري وعدم التدخل لإنقاذ المدينة من مخطط التهويد، ومن الصعب أيضا أن ينجح الاحتلال في التغلب على المشكلة الديموغرافية وطرد كل فلسطيني 48 المليون ونصف، في ظل حقائق طبيعية تؤكد أن نسبة الفلسطينيين في المدينة الآن 35%، ومن المتوقع أن تصل سنة 2020 إلى 40%، وأن يزيد عدد السكان العرب على الإسرائيليين عموما في الدولة العبرية عام 2025!.
ويؤيد تقرير صدر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات يوم 19 أغسطس الماضي، تحت عنوان حول "مستقبل القدس في ظل إجراءات التهويد"، هذا الطرح الخاص بصعوبة التهويد الكامل وأيضا صعوبة الحفاظ على هوية المدينة العربية كاملة، ومن ثم اللجوء للحلول الوسط، وإن كان التقرير لم يستبعد السيناريو الأول (نجاح التهويد) خصوصا في ظل "الخرس" الرسمي العربي والتواطؤ الدولي برغم دخول خطط السيطرة على المسجد نفسه مراحلها الأخيرة!
ولكن حتى هذا السيناريو الثاني –لو تحقق- سيكون لصالح الدولة العبرية لأنها ستتمكن بفعل خطط التهويد المتسارعة النشطة الحالية على الأقل من تعطيل وتهميش أهم أوراق التفاوض العربية مستقبلا وهي "القدس" و"اللاجئين"!!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|