|
| آسيا الوسطى.. ساحة مهمة لمصالح روسيا |
في أعقاب الحرب بين روسيا وجورجيا في عام 2008، حدد الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف مبادئ السياسة الخارجية لبلاده، مشيرا إلى ما اعتبره مناطق "مصالح مميزة" لروسيا، والتزام الحكومة الروسية بالدفاع عن مواطنيها في الخارج. وهذا التصريح جاء بعد أقل من شهر على أحداث الحرب مع جورجيا حول إقليم أوسيتيا الجنوبية (حيث تم إمداد غالبية السكان بجوازات سفر روسية)، وبدا كأن موسكو تحاول استرداد الميراث السوفيتي فيما يتعلق بدوائر النفوذ الجيوبوليتيكي، كما بدا أن موسكو مستعدة للتدخل بالقوة في البلدان التي توجد بها أقليات عرقية روسية.
وفي العام التالي، سيطرت على العالم أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، وجاءت واشنطن بإدارة جديدة؛ الأمر الذي أدى لتقلص التوترات بين روسيا والولايات المتحدة بشأن القضايا الخلافية بينهما مثل: الدعم الأمريكي للرئيس الجورجي ساكاشفيلي، وتحركات روسيا في أبخاريا وأوسيتيا الجنوبية، وعضوية الناتو، وخطط تركيب شبكة الصورايخ الباليستية الأمريكية في كل من جمهورية التشيك وبولندا.
وفي يوليو 2009، قام الرئيس الأمريكي باراك أوباما بزيارة موسكو لبحث سبل الوصول لمعاهدة للحد من انتشار الأسلحة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، واستكشاف سبل التعاون المحتمل في مجال الدفاع الصاروخي. وبعد القمة الأمريكية - الروسية في موسكو، بعث عدد من قادة دول أوروبا الوسطى والشرقية رسالة مفتوحة لإدارة أوباما تطلب فيها مواجهة تحركات موسكو للدفاع عن دائرة نفوذها حول حدودها، وقد قام نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن بزيارة كييف وتبليسي لطمأنة جيران روسيا.
وكرد فعل حاول الكرملين تليين حدة خطابه القاسي الذي ساد خلال حرب 2008، إذ قال ميدفيديف إن "كل البلدان لها مصالح، ومن الطبيعي لروسيا اعتبار الجمهوريات السوفيتية السابقة منطقة إستراتيجية لمصالحها، كما يحق لهذه الدول النظر لروسيا على نحو مماثل"، كما شدد على أن مصالح روسيا في العالم من المستحيل أن تنحصر في هذه المنطقة، لاسيما وأن جانباً كبيراً من الاستثمارات المهمة والأسواق والتقنيات الحيوية توجد خارجها. وفي هذا السياق يبدو أن الحديث عن مناطق لـ "المصالح المميزة" لروسيا أمرا طبيعيا. وقبيل نهاية عام 2008 أدلى وزير الخارجية سيرجي لافروف بتصريحات قوية جداً حول "العلاقات الفريدة" التي تربط روسيا وبلدان كومنولث الدول المستقلة، كما أشار إلى "الوحدة الحضارية" بين هذه البلدان.
وهنا يثور السؤال عن أوجه الاختلاف بين مناطق المصالح المعلن عنها من قبل القيادة الروسية الحالية، والمفهوم التقليدي لدائرة النفوذ الذي يدينه الرأي العامِ العالمي؟ وما هي دوافع موسكو وأهدافها؟؛ فمنذ قرارها التخلي عن فكرة الاندماج مع العالم الغربي، تطرح روسيا نفسها كقوة عظمى ذات مكانة عالمية، وهي تطمح حاليا في أَن تصبح قوة عالمية على قدم المساواة مع الفاعلين الأساسين في النظام العالمي خلال القرن الحادي والعشرين. ومن هذا المنظور فإن المناطق التي كانت تشكل حدود الإمبراطورية الروسية السابقة تعتبر مركزا لقوة روسيا وسندا لحمايتها من الانتهاكات غير المرغوب فيها من قبل القوى العظمى الأخرى.
في هذا الإطار، يسعى هذا المقال للتعرف على سياسات روسيا كقوة عظمى في بداية القرن الحادي والعشرين وكيف تختلف عن سياستها التقليدية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وهل هناك اختلاف بين مناطق ''المصالح المميزة'' التي يشار إليها حاليا بدلا من ''دوائر النفوذ" بمعناها التقليدي؟ ومن منظور عكسي ما هي مصالح الجمهوريات السوفيتية السابقة؟ وأخيراً، ما دلالات ذلك بالنسبة لعلاقات روسيا بمراكز القوى الأخرى، مثل الصين، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وبالقوى الإقليمية الفاعلة.
التدهور الجيوبولوتيكي اللافت
لا يجب النظر لروسيا المعاصرة كدولة حصلت على استقلالها من الاتحاد السوفيتي في عام 1991، ولكن بالأحرى كدولة اختارت تذويب إمبراطوريتها التاريخية واتجهت للبحث عن دور جديد منذ ذلك الحين، فعلى مر القرنين التاسع عشر والعشرين، تنافست روسيا بشكل مرير مع القوى العظمى الأخرى للسيطرة على الأراضي الواقعة بينهم مثل فنلندا، ودول البلطيق، وبولندا، ودول البلقان، والقوقاز وآسيا الوسطى، ومنغوليا ومنشوريا. لذا كان مفهوم دوائر النفوذ بالنسبة لروسيا مفيدا جدا بالنسبة لها، فهذه الدوائر شكلت الخطوط الفاصلة بينها وبين القوى الإمبريالية الأخرى المنافسة لها، كما شكلت حزاما واقيا لها وقاعدة انطلاق للتقدم في مسعاها المستمر للحصول على المزيد من القوة والنفوذ.
وفي عصر الإمبراطورية السوفيتية، شمل النفوذ عدة دوائر، ضمت الدائرة الحدودية الأمامية فيما عرف باسم "البلدان ذات التوجه الاشتراكي" تحت قيادة أنظمة ماركسية لينينية (وكانت تلك غير مستقرة في أغلب الأحيان) في آسيا وإفريقيا. أما الدائرة الأضيق فشملت دول حلف وارسو وأوروبا الشرقية، فضلا عن اللجنة الاقتصادية لمجلس المساعدة الاقتصادية المتبادلة (كوميكون COMECON) التي ضمت كذلك كلا من كوبا، ومنغوليا، وفيتنام، وقد تم دمج بعض هذه الدول كجمهوريات في الاتحاد السوفيتي السابق.
وفي ذلك الوقت استندت سيادة موسكو السياسية إلى هيمنتها الأيديولوجية، ودعم ذلك انضباط أعضاء الكتلة الشرقية والتواجد العسكري، وزادت مصداقيتها عبر استخدام القوة العسكرية بشكل دوري. واقتصادياً كان المجال السوفيتي نظاما مغلقا يقوم على التخصيص المركزي للموارد.
وقد كان خروج روسيا عن هذه الإمبراطورية سريعاً لكن هادئاً أيضاً، وهو ما يرجع أساسا للانشقاق في صفوف النخبة الروسية. وبنهاية ثمانينات القرن الماضي أصبح "مجال" النفوذ الروسي ضيقاً، ولم يكن مفيدا لموسكو التي كانت تقوم بتصفية حربها الباردة مع الغرب ومع الصين توسيع مناطق النفوذ. وخلال فترة التسعينات، لم تسع موسكو لإعادة التكامل مع الجمهوريات السوفيتية السابقة، وكان عليها التخلي عن فكرة وجود جيش مشترك، وعن منطقة الروبل والفضاء الاقتصادي المشترك، وعن المواطنة المزدوجة. وكل ما تمكنت من الحفاظ عليه كان: ملكية الأسلحة النووية الإستراتيجية السوفيتية؛ ومقعد الاتحاد السوفيتي الدائم في مجلس الأمن، والملكية السوفيتية في الخارج كالسفارات، فضلا عن ديون الاتحاد السوفيتي.
وبدلاً من التنافس على دوائر النفوذ، أرادت القيادات الروسية بعد انتهاء الحرب الباردة تحقيق التكامل مع الغرب، بحيث تشارك موسكو في قيادة العالم إلى جانب أوروبا والولايات المتحدة. ومن الواضح أن موسكو توقعت أكثر من مجرد "سلام شريف" مع هؤلاء الخصوم الذين تحولوا إلى شركاء، إلا أنها، ولسوء الحظ، حصلت على أقل من ذلك بكثير؛ فما اعتبرته روسيا تنازلات اعتبره الغرب تعويضاً عن جزء بسيط من الضرر الذي سببه النظام السوفيتي، ومن ثم فهي لا تستلزم امتناناً خاصاً من قبل الدول الغربية.
وإزاء هذا الإحباط، أُثير جدل داخلي في روسيا حول التوجهات المستقبلية للسياسة الخارجية، ما بين العزلة والسعي للاندماج، واتجهت الأغلبية لاعتبار أن الدول حديثة الاستقلال في أوروبا الشرقية من الضروري أن تظل في قلب السياسة الخارجية الجديدة لروسيا. وفي عام 1993، تقدم الرئيس يلتسين الروسي (آنذاك) ووزير خارجيته أندريه كوزيروف بطلب للأمم المتحدة للاعتراف بمسئولية روسيا الخاصة عن الحفاظ على السلام في النزاعات العرقية في دول الاتحاد السوفيتي السابق، والتي تمكنت من إيقافها ثم تجميدها عبر تدخلات الجيش الروسي.
من جانب آخر أثارت مسألة توسيع حلف الناتو ليضم دولا سوفيتية سابقة مشكلة أخرى بين روسيا والغرب، إذ اتهم الروس قادة الغرب بالغدر، وذلك استناداً إلى سجلات المفاوضات بين هؤلاء القادة وجورباتشوف (آخر الرؤساء السوفيت) الذي كان قد تلقى وعوداً قاطعة من جورج بوش (الأب) وهيلموت كول ومارجريت تاتشر، بأن حلف الناتو لن يتوسع خطوة واحدة. ومن ثم يمكن القول إن دوائر النفوذ كمفهوم، كانت لا تزال موجودة في السياسة الدولية لروسيا، وحدث التغير فقط فيمن يسيطرون على تلك الدوائر.
ومن ناحية ثالثة أدى اختراق منطقة بحر قزوين من خلال شركات النفط الغربية والدعم الأمريكي الرسمي لخطوط الأنابيب المتعددة في المنطقة بهدف إنهاء احتكار روسيا لنفط قزوين إلى توسيع المفهوم الجيوبوليتيكي التقليدي ليتضمن أبعادا جيو-اقتصادية، وذلك مع وصول نفوذ الغرب إلى الحدود الجديدة لروسيا. وبحلول عام 1999، أي عندما انتزع الناتو إقليم كوسوفو من يد بلجراد، إضافة إلى توسيع الناتو ليشمل جمهورية التشيك، والمجر، وبولندا؛ تغير موقف روسيا بحيث لم تعد قوة عظمى في أوروبا للمرة الأولى منذ 250 سنة، بل كانت ببساطة الاتحاد السوفيتي السابق لا أكثر ولا أقل.
تغير توازنات القوة الإقليمية
وبسبب المشكلات الداخلية والأزمة المالية في عام 1998 والحرب التي استمرت 10 سنوات في الشيشان، وجدت موسكو نفسها عاجزة عن المنافسة فيما ادعت أنها مناطق نفوذها؛ إذ لم يكن لديها موارد لدعم الجمهوريات السوفيتية السابقة التي تشكل الاهتمام الأساسي لسياستها الخارجية. في هذه الأثناء، تمكنت هذه الدول الناشئة من إقامة علاقات مختلفة مع جيرانها وغيرها من القوى الخارجية.
ومع تولي بوتين الرئاسة، تم تبني موقفاً أكثر واقعية تجاه الدول السوفيتية السابقة مقارنة بسابقه يلتسين الذي ظل يشعر حتى آخر أيامه بالذنب لإسقاط الاتحاد السوفيتي. أما بوتين فكان يحاول إعادة بناء الإمبراطورية السوفيتية.
وفي مطلع القرن الواحد والعشرين أدت مجموعة من العوامل إلى تحسين موقع روسيا في مقابل جيرانها؛ إذ بدأت البلاد تتعافى من الأزمة الاقتصادية، وجاء لها زعيم جديد نجح في إلحاق الهزيمة بالتمرد الشيشاني، والقضاء على التوجهات الانفصالية، كما زادت الفوائض المالية لديها نتيجة الزيادة المستمرة في أسعار النفط.
وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 مباشرة، استغل بوتين قربه من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الابن) للترويج لفكرة شراكة إستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة، أي أنه في حين أراد يلتسين الاندماج في الغرب، هدف بوتين إلى التكامل معه.
لكن إدارة بوش رأت نفسها في ذروة القوة وأنها ليست بحاجة لأي اتفاقيات ملزمة مع شركاء أقل شأناً منها مثل موسكو. وسرعان ما ركزت الولايات المتحدة اهتمامها على الشرق الأوسط. وفي تحركٍ متوازٍ، بدأت روسيا الانتقال إلى سياسة لا تركز على الغرب. وبحلول عام 2003 سعت موسكو لاستبدال محاولاتها الضعيفة والغير مؤثرة في التكامل الاقتصادي مع جيرانها بمبادرات توسعية اقتصادية متينة، حيث رأت أنه يجب تأمين الجمهوريات السوفيتية السابقة كسوق لنشاط قطاع الأعمال الروسي، كما يجب عليها الحفاظ على هذه الدول من توسيع التحالفات العسكرية - السياسية مثل حلف الناتو، وكان لزاماً على موسكو أن تكون قادرة على التوسط وإدارة النزاعات بين جيرانها، وأن تمارس القيادة السياسية في إطار الكومنولث.
إلا أن جهود روسيا في التكامل وبناء التحالفات وتوسيع الحضور الروسي قوبلت بضربتين قويتين من خلال الثورتين الملونتين في جورجيا وأوكرانيا في الفترة بين 2003 و2005؛ ومن ثم شعرت موسكو (التي كانت تعتمد على النظم القائمة وخافت من أن البديل الذي سيصعد في حال سقوطها سيكون الفدائيين والمتمردين الإسلاميين) بعدم الأمن.
وفي سبتمبر 2004، وعلى إثر مذبحة تلاميذ إحدى المدارس نتيجة هجوم إرهابي على بيسلان في شمال أوسيتيا، وجه بوتين لوماً للغرب على دعمه للإرهابيين واستخدامهم لإضعاف روسيا. وفي ذلك الوقت، مُنِح عدة زعماء شيشانيون انفصاليون تتهمهم موسكو بالإرهاب حق اللجوء السياسي لبريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما من الدول الأطلسية والأوروبية المتعاطفة مع القضية الشيشانية، وهو ما اعتبرته موسكو دعما للميول الانفصالية الشيشانية على نحو يهدد بتقويض وحدة روسيا.
مناطق المصالح المميزة
تعود مناطق المصالح في السياسة الروسية الحالية إلى منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وعند المقارنة بعصر الاتحاد السوفيتي، نجد أن مناطق مصالح روسيا حاليا قد أضحت أصغر وأخف، وهي ليست مهمة كمناطق النفوذ، من ناحية أخرى لا يعتمد وجود هذه المناطق على الأيدولوجيا كما كان الحال في عهد الاتحاد السوفيتي السابق، بل على برجماتية واسعة الانتشار. وعلى خلاف "النفوذ" الذي يميل إلى أن يكون شاملا وخاصا في الوقت ذاته، تبدو "المصالح" أكثر تحديدا وتمييزا؛ فبدلاً من كامل البلدان في مناطق النفوذ، تنقسم مناطق المصالح إلى دوائر عسكرية- سياسية، ومالية- اقتصادية، وثقافية.
أولاً: القضايا العسكرية السياسية:
عسكرياً، لا تزال روسيا تظلل دول جوارها، فعلى الرغم من أن جيشها هو اليوم أضعف مما كان عليه لزمن طويل جداً، والقوات الصالحة للقتال عددها صغير جداً (في عام 1999، اشتكى بوتين أن 55.000 فرد فقط من بين جيشه المكون من مليون فرد كانوا على جهوزية للمجهود الحربي في الشيشان)، فإن جيوش دول الجيران أقل عددا وأضعف قدرة. وتعمل موسكو على إنشاء نظام أمني في المنطقة من خلال "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" CSTO لحماية روسيا من التحديات القادمة من جميع الاتجاهات، ويشمل ذلك النظام (أرمينيا، وبيلاروسيا، وبلدان آسيا الوسطى (كازاخستان، قرغيزستان، طاجيكستان، وأوزبكستان).
ويتوقع كثيرون أن تكون هذه المعاهدة غير محكمة، وهي تسمح بالتشاور السياسي وقدر ما من التنسيق بين المؤسسات الدفاعية والأمنية للدول الأعضاء، وتستغل روسيا هذا التحالف الأمني لتحقيق نوع من التضامن الدبلوماسي بين الأعضاء، أي حلفائها الاسميين؛ فمثلا تصدر الدول الأعضاء في هذا التحالف بيانات مشتركة خلال اجتماعات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وتحاول روسيا (دون نجاح يذكر)، إقامة علاقات رسمية بين الناتو ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي SCTO، وهو ما سيعد اعترافا بهيمنة روسيا عسكريا وسياسيا على المنطقة. ومن دلالات عدم نجاح روسيا في هذا الصدد ما حدث عند اعتراف روسيا بأبخازيا وجنوب أوسيتيا اللتين انفصلتا عن جورجيا، إذ وقفت موسكو وحيدة ولم تشاركها في هذا الاعتراف أي من الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي SCTO، إذ كانت هذه الدول تبعث برسالة إلى موسكو، وبقية العالم مفادها بأنها ليست عملاء لروسيا وإنما دول مستقلة ذات سيادة.
ويمكن القول إن المصالح العسكرية لروسيا في هذه المنطقة ذات طابع سلبي بالأساس، وهو منع هذه الدول من دخول حلف الناتو أَو من استضافة قواعد عسكرية أمريكية جديدة؛ إذ يمكن الجزم بأن السبب وراء الحرب على جورجيا كان رغبة تبليسي في الانضمام للناتو. كما تحاول روسيا وقف انتشار الديمقراطية في كومنولث الدول المستقلة باعتبارها مركزا استبداديا عالميا يعتبر حالة وسط بين الكومنترن والحلف المقدس، إلا أن الحقيقة أكثر تعقيدا مما يبدو؛ فما تخشاه روسيا ليس الديمقراطية وإنما الجهود الأمريكية لنشرها.
ثانيا: العناصر الاقتصادية والمالية
مهما كانت المشكلات التي يواجهها الاقتصاد الروسي، تعد روسيا مركز نفوذ اقتصادي مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة. وحتى أزمة 2008 المالية، كان الاقتصاد الروسي يوفر عملاً لحوالي 12 مليون شخص من دول الكومنولث، كما تحتل مصادر الطاقة أهمية خاصة فيما يتعلق بمصالح روسيا الاقتصادية في المنطقة، وهي تهدف إلى تأمين عبور الغاز الروسي عبر أراضي تلك الدول، فضلا عن ضمان الحصول على مصادر الطاقة لديهم.
وبالطبع لا تقتصر مصالح روسيا في المنطقة على الطاقة. إن الفشل في الوصول لفضاء اقتصادي موحد عقب الثورة البرتقالية لم يدفع روسيا للتخلي عن السعي للتكامل الاقتصادي الإقليمي، وهي تركز جهودها الآن على إنشاء اللجنة الاقتصادية الأورو-آسيوية (EurAsEC)، التي تشمل أرمينيا وبيلاروسيا، وكازاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، كما تهدف موسكو أساسا إلى تكوين اتحاد جمركي مع بيلاروسيا وكازاخستان. ومنذ العام 2007، تحاول القيادة الروسية الترويج لفكرة اعتماد الروبل الروسي كعملة حفظ الاحتياطات المالية في المنطقة.
من الواضح أن موسكو اعتبرت أن الأزمة الاقتصادية الحالية تعد الوقت المناسب لتوسيع نفوذها في الجمهوريات السوفيتية السابقة؛ ففضلا عن بيلاروسيا التي كانت تتلقى 2 مليار دولار من موسكو، قررت روسيا إعطاء 500 مليون دولار لأرمينيا، ووعدت بتقديم حزمة تقدر بنحو 2 مليار دولار إلى قرغيزستان، و300 مليون دولار إلى منغوليا. أما أكبر القروض فكانت من نصيب أوكرانيا ويقدر بـ 5 مليار دولار. وفي إطار اللجنة الاقتصادية الأورو-آسيوية EurAsEC، أنشأت روسيا صندوق دعم بمبلغ 10 مليار دولار، تتكفل روسيا بـ 75% منه، في حين تسهم كازاخستان بـ 15%.
ثالثا: المجال الجغرافي الثقافي
على الرغم من ارتفاع منزلة اللغات الوطنية في الدول حديثة الاستقلال، فضلا عن انتشار اللغة الإنجليزية فيها، لا تزال اللغة الروسية ذات سطوة في الدول السوفيتية السابقة؛ فعاصمة لاتفيا تنطق بالروسية وكذلك كييف في أوكرانيا، واللغة الروسية هي اللغة الثانية بين النخب في دول جنوب القوقاز وآسيا الوسطى.
وعلى الرغم من الجهود الرسمية في هذه الدول للحد من الإذاعات الناطقة بالروسية، لا تزال القنوات الروسية متاحة عبر الأقمار الصناعية وتتمتع الأعمال الفنية التلفزيونية والسينمائية الروسية بشعبية عالية، كما تسيطر الموسيقى الشعبية الروسية على البرامج الإذاعية في العديد من هذه البلدان السوفيتية السابقة.
ومن المفيد لروسيا حقيقةً أن اللغة والثقافة الروسيتين ليستا مستوردتين في تلك الدول، بل إنهما مدعومتان من قبل الأقليات الروسية الكبيرة في غالبية دول المنطقة. ورغم ذلك، فإن محاولات موسكو استخدام تلك الأقليات لخدمة أهداف سياستها الخارجية لا تزال فاشلة إلى حد كبير. ففي لاتفيا على سبيل المثال ينصب جل تركيز الأقلية الروسية على التكامل مع السكان المحليين، بل ومع الإطار الأوروبي الأوسع بعد انضمام لاتفيا للاتحاد الأوروبي في 2004. أما الروس في أوكرانيا وكازاخستان، فهم قد يشعرون بالانتماء لروسيا ثقافياً، لكنهم يَقبلون المعيشة في هذه الدول كأقليات دون أن يشعروا بالاشتياق إلى "إعادة الاتحاد" مع روسيا.
ماذا الذي يحمله المستقبل لروسيا؟
شهد العقدان الأخيران تحول الفضاء السوفيتي السابق إلى منطقة تريد كل دولها الحصول على هوية جديدة وعلى نمط جديد من العلاقات مع الآخرين. وتظل المصالح الروسية موجودة في كافة أنحاء المنطقة، ولكن نفوذ موسكو لم يعد سائداً، حيث يُعتبر "وجود منطقة نفوذ روسي" أمرا غير واقعي، يعتبره البعض حلماً، فيما يعتبره آخرون كابوساً.
ومن غير المحتمل كذلك أن تكلل جهود روسيا التكاملية بالنجاح؛ فأقصى ما يمكن أن تصل إليه اللجنة الاقتصادية الأورو-آسيوية EurAsEC هو أن تصبح مجرد منطقة تجارة حرة بين دولها، ومن غير المحتمل أَن يتم دمج السياسات الأمنية والخارجية لدولها، ومن غير المتوقع إمكانية جمع الموارد اللازمة لها.
وبالطبع لا ترغب أي من الدول السوفيتية السابقة في العودة للانضواء تحت العلم الروسي، ومع الاعتراف بالتوترات الانفصالية في المناطق الحدودية بين روسيا وجيرانها؛ فإن أي تحركات مريبة بالقرب من هذه المناطق يعيد للأذهان ذكريات مرعبة للجميع. هذه الدول الجديدة تناضل من أجل تحديد توجهاتها الجيوبوليتكية، فجورجيا واضحة في إعلان ولائها إلى الغرب، ولا يوجد ما يشير إلى إمكانية إيقاف أوكرانيا عن الانضمام التدريجي للاتحاد الأوروبي.
ومن المتوقع أن تمتد حدود أوروبا خلال الثلث الأول للقرن الحادي والعشرين شرقاً لتصل إلى الحدود الغربية لروسيا. إن الدولة الوحيدة التي لا تتبنى موقفاً واضحاً في هذا الصدد هي بيلاروسيا، لكن من المتوقع في النهاية أن تميل نخبتها وشعبها نحو الاتحاد الأوربي. أما كازاخستان فستتجه على الأغلب للتكامل الاقتصادي مع روسيا، وإن حاولت توسيع هامش المناورة من خلال إقامة علاقات مع الصين، وأوروبا والولايات المتحدة وآخرون. أما بلدان آسيا الوسطى فسيكون لكل منها طريقه الخاص عبر موازنة علاقاته بدول الجوار من ناحية والقوى العالمية من ناحية أخرى.
أخيراً، يمكن القول إنه مع تخلص روسيا من أعبائها الإمبراطورية، ربما تصبح قادرة على التركيز على ذاتها واحتياجاتها وأولوياتها. ومن المتوقع أن تطرح نفسها كقوة إقليمية ذات قدرات عالمية في منطقة المحيط الهادي-أوروبا، ومن المتوقع كذلك أن تكرس موسكو وقتا أكبر لسيبيريا التي تعد جوهرة التاج الروسي منذ القرن السابع عشر، فضلا عن أن التغير المناخي يفرض عليها إعطاء المزيد من الاهتمام بالقطب الشمالي وأقصى الشمال الروسي الذين بدأت تظهر أهميتهما كمصدر لطاقة البلاد الأساسية، ومن ناحية أخرى فإن صعود الصين شرقاً يضع أمام روسيا تحدي البحث عن طرق فعالة لتطوير الأقاليم الشرقية وضمها إلى السوق الروسية وإلى منطقة المحيط الهادي.
إن التأكيد على منطقة المحيط الهادي، بدلا من آسيا، سيتيح لروسيا إقامة علاقات جوار مباشرة مع الصين. وعلى روسيا تقوية روابطها مع دول الحزام الباسيفيكي (من الولايات المتحدة إلى اليابان إلى استراليا إلى جنوب شرق آسيا)، فضلا عن استغلال هذه الروابط للإبقاء على حضورها الخاص في تلك المنطقة.
إن روسيا التي اعتادت على طرح نفسها كدولة أوروبية (لكن غير غربية) يمكنها الآن أن تطرح نفسها كدولة غربية وإن كانت غير أوروبية، ويتمثل التحدي الرئيسي أمام روسيا في أنه سيكون عليها التحرك بشكل مستقل إستراتيجياً كدولة صغيرة نسيباً في مواجهة فواعل أكبر حجما هم: الصين، وأوروبا، والولايات المتحدة... وإذا ما نجحت في ذلك ستكون قد تفوقت على نفسها، أما إذا فشلت فسوف تتحول إلى منطقة واسعة للمصالح المتنافسة!!.
كبير باحثين بمعهد كارنيجي للسلام الدولي بواشنطن، ومدير الأبحاث بمعهد كارنيجي لدراسات موسكو.
*موجز لدراسة نشرت بدورية "واشنطن كوارتيرلي"، التي يصدرها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، تحت عنوان "روسيا.. مناطق للمصالح وليس النفوذ"، عدد أكتوبر 2009.
|