|
الآن وبعد مرور نحو عام بالتمام والكمال على اندلاع الأزمة المالية التي طحنت العالم، يتوقع آلان جرينسبان محافظ البنك المركزي الأمريكي السابق أن العالم سيشهد أزمة مالية جديدة؛ وكأن قائمة بسقوط وإفلاس وتأميم أكثر من 92 بنكا في عام 2009، مقابل 25 عام 2008 في أمريكا وحدها (منشأ الأزمة)، ليست بكافية حتى يبشر العالم بأخرى.
يقول جرينسبان: "الأزمة ستقع مجددا، ولكنها ستكون مختلفة"، وهو "كان يتوقع هذه الأزمة بعد فترة طويلة من الازدهار".
جرينسبان أشار إلى أن "الاقتصاد العالمي سيتخطى الأزمة على الرغم من كل الصعوبات"، وأرجع ذلك إلى "مصدر أو سبب وحيد وهو ميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن فترات الازدهار التي يمر بها الاقتصاد ستستمر".
وكما هو متوقع فلا سبيل لمعرفة الآثار الحقيقة للأزمة سواء في العالم العربي أو دول العالم الثالث حيث لا شفافية ولا أرقام متاحة وإن أتيحت فهي مغايرة للحقيقة.
أما في الدول الكبرى والتي تتمتع بأنظمة ديمقراطية منتخبة، فيتوقع خبراء مصرف كوميرتس (بنك ألماني) أن تكلف الأزمة المالية الراهنة الاقتصاد العالمي أكثر من 10 تريليونات دولار حتى نهاية العام الحالي.
وذكر المصرف أن المؤسسات المالية في العالم تكبدت نحو تريليون و600 مليار دولار من هذه الخسائر عبر شطب أصول بنكية وإفلاس كثير من البنوك جراء الأزمة، أما خسائر قطاع العقارات في الولايات المتحدة وبريطانيا فبلغت نحو 4 تريليونات و650 مليار دولار.
كما تسببت الأزمة الاقتصادية الحادة التي نتجت عن الأزمة المالية بخسائر تقدر بنحو 4تريليونات و200 مليار دولار خلال عام 2009. وتشير حسابات "بنك كوميرتس" إلى أن نصيب كل شخص من سكان العالم من هذه الخسائر يبلغ أكثر من 1500 دولار.
هذا بالطبع أدى إلى زيادة طوابير البطالة بعدة مئات الآلاف إذ لم يتوقف أثر الأزمة السلبي عند المصارف وأسواق المال، بل تعدى لينال من حياة الناس ووظائفهم، ليفقد كثيرون مصادر دخلهم.
الأزمة والناس
لم يكن فقراء العالم يعيشون بمنأى عن تلك الأزمة، ولكن الواقع أنهم لأشد تضررا، فليست أموالهم أو استثماراتهم هي التي تواجه الخطر بل حياتهم وحياة أطفالهم؛ فقد تفشى الفقر والجوع على نحو بشع.
فمع فقدان العاملين في البلدان المتقدمة وظائفهم وانخفاض دخولهم في أحيان أخرى فإنهم يرسلون أموالاً أقل إلى أوطانهم مما أدى إلى انخفاض حاد في التحويلات المالية التي تمثل ما يعادل 6% من إجمالي الناتج الاقتصادي للبلدان منخفضة الدخل، وانخفضت نسبة التحويلات من 5 إلى 8 % خلال عام 2009 حسب تقديرات البنك الدولي. وفي كينيا انخفضت بالفعل نسبة التحويلات بنحو 15% خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام مقارنة بنفس الفترة من عام 2008.
والنتيجة هي وقوع حوالي 53 مليون شخص آخرين هذا العام في شرك الفقر، حيث يعيشون على أقل من 1.25 دولار في اليوم.
وكانت توقعات صندوق النقد الدولي أن تنخفض المساعدات الأجنبية التي تقدم لأفقر 71 بلدا بنحو 25% هذا العام بعد أن بلغت أقصاها عام 2008 حيث وصلت إلى 120 مليار دولار أمريكي.
عن الجوع يمكنك أن تقرر أن عدد الجوعى تخطى لأول مرة في تاريخ البشرية ما يزيد على مليار شخص، وهذا يعني أن واحدا من بين كل سبعة أشخاص ينضم لصفوف الجوعى يوميًّا دون أن يعرف متى أو كيف سيحصل على الوجبة التالية، في هذا العام زاد عدد الجوعى بنحو 100 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي وأصبح العديد منهم يتناولون أطعمة أقل من حيث الكمية والجودة.
حالة طارئة في عملية التنمية
تقول جوي فومافي، نائب رئيس البنك الدولي لشئون التنمية البشرية: "في إفريقيا، حيث معظم الناس يعملون أعمالا حرة، تظهر البطالة على وجه سيدة تزرع الخضروات لبيعها في السوق حيث تجد أن الناس لم يعودوا يشترونها".
وتضيف قائلة: "هذه السيدة مضطرة إلى القيام باختيارات صعبة، إما سحب أطفالها من المدرسة، أو انتظار اشتداد المرض على أحد أطفالها قبل أن تذهب به إلى العيادة، أو إطعام أسرتها طعاما ضعيف النوعية لا يتضمن ما تحتاجه من لحوم أو خضر".
وتذهب التقديرات إلى أن ما بين 200 ألف و400 ألف رضيع آخر سيموتون سنويا في أنحاء العالم في الفترة بين عامي 2009 و2015 نتيجة لهذه الأزمة. وإن لم يُتخذ إجراء الآن، فقد يتراوح مجموع الوفيات الإضافية للرُضّع من 1.4 مليون إلى 2.8 مليون وفاة بحلول عام 2015.
وفي حين تواجه الأسر المختلفة مشقة في التوفيق بين احتياجات متزايدة ودخول متناقصة، تؤثر الأزمة المالية أيضا على قدرة حكومات البلدان المنخفضة الدخل على الوفاء بالاحتياجات العامة في المجالات الحرجة.
وفي تقرير آخر بعنوان تفادي أزمة إنسانية، يحذر البنك الدولي من أن 23 بلدا، تضم 60% من المصابين بالإيدز ممن يُعالجون بالعقاقير المضادة للفيروسات الرجعية، ستشهد توقف هذا العلاج وكذلك برامج المكافحة بنهاية عام 2009 بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية.
وفي بلدان مثل إثيوبيا، يعتمد 50% من موازنة الرعاية الصحية الحكومية على المعونات من البلدان الغنية.
فلاش باك
سنة بالتمام مرت على عشرة أيام تمثل الشرارة الأولى لانهيار دعائم المالية الأمريكية حين أدت أزمة القروض العقارية إلى انهيار مصرفي مالي بتتابع تأثير الدومينو، ولجوء إدارة الرئيس السابق بوش بشكل طارئ إلى عمليات تأميم فعلية.
الخبراء يرون أنه لم يكن هناك دافع محدد بل موجة ذعر كبيرة، فقد أبدت المالية الأمريكية في السنوات الأخيرة قبل اندلاع الأزمة إقبالا هائلا على القروض العقارية المعدومة، نظرا إلى ما يمكن أن تنطوي عليه من عائد كبير، وهو ما أدى إلى انهيار القطاع المالي في أعقاب انهيار القطاع العقاري.
في السابع من سبتمبر 2008 وُضعت شركتا فريدي ماك وفاني ماي، تحت إشراف الدولة التي ضخت فيهما 200 مليار دولار من الأموال العامة، ولم تكن هذه سوى البداية، والشركتان كانتا تؤمنان القسم الأكبر من إعادة تمويل مؤسسات تمنح قروضا عقارية.
ثم في غضون ثلاثة أيام أعلنت ليمان براذرز إفلاسها وسيطرت الحكومة الأمريكية على مجموعة إيه آي جي عملاق التأمين واشترى "بنك أوف أميركا" مصرف ميريل لينش أحد أبرز مؤسسات وول ستريت في صفقة فاوضت عليها واشنطن ومولتها.
وبعد بضعة أيام أخرى تخلى بنكان آخران وهما جولدمان ساكس ومورجان ستانلي عن وضعهما وتحولا إلى مجرد شركة قابضة مصرفية ووضعا نفسيهما تحت إشراف السلطات المالية من أجل الحصول على تمويل عام.
وأعاد بنك جي بي مورجان شراء مصرف واشنطن ميوتشوال أكبر مصرف ودائع يسجل إفلاسا في تاريخ الولايات المتحدة.
وبعدما كان مصرف سيتي جروب مهيمنا في الأوساط المصرفية العالمية منذ عقد، بات نفسه معزولا ومحاصرا في مأزق بسبب توظيفه مئات مليارات الدولارات في استثمارات محفوفة بالمخاطر سقطت قيمتها بشكل مفاجئ، وحسم مصير سيتي جروب خلال الأشهر التالية فخضع لعمليات إعادة رسملة متتالية نفذتها الدولة التي تولت أيضا ضمان أصوله الهالكة البالغة قيمتها 300 مليار دولار لقاء إمساكها بـ63% من رأسماله ما منحها السيطرة عليه.
برنانكيه.. حلاّل العقد
وبعد سنة على إفلاس ليمان براذرز، بدأت تلوح بوادر انتعاش اقتصادي سيسمح بطي صفحة سوداء لأسوأ أزمة اقتصادية شهدها العالم منذ الكساد العظيم عام 1929.
ولا ريب أن اللاعب الأبرز في هذه الأزمة كان الرئيس الحالي للبنك المركزي الأمريكي بن برنانكيه الذي حرص على تجنب تكرار الكارثة الاقتصادية في القرن الماضي، فهو الخبير المحنك المدرك لتفاصيلها وتطوراتها، وهذا ما حمل الرئيس باراك أوباما على تعيين برنانكيه في ولاية ثانية على رأس الاحتياطي الفيدرالي تقديرا لأدائه.
فإن ضخ السيولة بطريقة استثنائية سواء في أمريكا أو من قبل المصارف المركزية الأخرى -هي والإجراءات الطارئة الأخرى- أعاد تدريجيا الثقة في النظام المصرفي وساعد على حلحلة القروض، وخلق نوع من الحراك والنشاط الاقتصادي.
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|