English

 

الاثنين. سبتمبر. 7, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » ليبيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

القذافي.. البدوقراطية والنفط والمصالح الغربية *

رشيد خشانة

القذافي
القذافي

بعد أن كسب دعم العواصم الرئيسية في الغرب لتأمين استمراره في الحكم، أرجأ قائد ليبيا الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي كان قد أعلن عنها، أو كلف ابنه سيف الإسلام بتقمص الأدوار الطيبة فيها، هكذا انطوت صفحة توزيع ثروة النفط على الشعب، والإصلاح الدستوري. أكثر من ذلك، أرجيء إلى أجل غير مسمى موضوع... التوريث.

حرص الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي (67 سنة) على غلق ملف الإصلاحات السياسية، وطي موضوع خلافته قبل انطلاق الاحتفالات بالذكرى الأربعين للانقلاب الذي نفذه الضباط الأحرار في الأول من سبتمبر 1969، وأطاحوا خلاله بالملك إدريس السنوسي. وبعد فترة طويلة من إعلان "سلطة الشعب" في 16 أبريل 1973 بدل نظام الحزب الواحد، انطلق جدل للمرة الأولى في داخل ليبيا في شأن ضرورة وضع دستور للبلاد. وكان سيف الإسلام، النجل الثاني للعقيد القذافي، أحد المساهمين الأساسيين في هذا الجدل، إن لم يكن قطب الرحى في تلك الحركة، ما يعني أن والده لم يكن بعيدًا عن القبول بدستور ضمن حدود محسوبة. وكان سيف الإسلام قد شدد على أن معركة الدستور هي معركته، ومعركة كل الليبيين، قائلاً "نحن نحتاج إلى دستور وإلى مرجعية أو قوانين.. ولا بد للدولة أن تقوم بإعادة النظر في كل هياكلها الإدارية والتنظيمية؛ لكن هذا موضوع لا بد من إقحام الخمسة ملايين ونصف المليون ليبي فيه، هذه ليست معركتي الشخصية كسيف الإسلام، هذه معركة الشعب الليبي كله"(1).

وكان مفترضًا أن يمهد الدستور لإجراء أول انتخابات عامة قبل الأول من سبتمبر 2009. لكن بعد أقل من شهر على تأكيده في تصريحه هذا، أن مسألة سن دستور في ليبيا أمرٌ لا رجعة عنه، تبددت الآمال التي علقها الليبيون على تلك الحركة، إذ حل ميقات تكريس الفكرة، وهو آخر فبراير الماضي، ليتضح أن المشروع قد طوي مثلما طويت، في الفترة نفسها، وعود والده بتوزيع الثروة النفطية على الليبيين. وسرعان ما بات سيف الإسلام، الذي رأت فيه العواصم الغربية خليفة مقبولاً لوالده، يقضي وقته متنقلاً بين النمسا وسويسرا وليبيا وكرواتيا، وقال إنه يعمل على تأسيس مركز للأبحاث في الخارج. هكذا اختفى من المسرح السياسي، ولم يعد إلى الواجهة إلا بعد إطلاق عبد الباسط المقرحي المتهم الرئيسي في قضية "لوكيربي"، وهي الخطوة التي لعب فيها دورًا مركزيا وحرص على كشفه فورا بطريقة بعيدة عن الكياسة أزجت الحكومات المعنية. وقد أثبتت تلك التطورات أن القذافي الأب ممسك بجميع خيوط القرار، وأنه لن يتنازل عن الحكم لأحد؛ لأنه يدرك أن القبضة الأمنية إذا ما ارتخت قليلاً فتلك بداية نهاية النظام برمته.

وانتكست في الفترة نفسها الآمال التي علقت على توسعة مساحة حرية التعبير، والتي كانت قد غذتها مطبوعات "مؤسسة الغد" التي يملكها سيف الإسلام، وإطلاق القناة الفضائية "الليبية" وكذلك السماح للمؤسسة نفسها بتوزيع الصحافة الدولية في الأكشاك بعد غياب دامع ربع قرن.  حيث قاد معمر القذافي بنفسه في وقت سابق من العام الجاري عملية مفاجئة أعادت وسائل الإعلام المتحررة من قبضة "اللجان الشعبية" إلى بيت الطاعة، معلنًا أنه أمم قناة "الليبية" وصحيفتي أويا" و"قورينا".

وفي السياق نفسه اكتشف خصوم الحكم أن الانفتاح الظاهري الذي أبداه تجاه المعارضين في الداخل والخارج كان مجرد لعبة، ربما كان أبرز ما فيها هو الحوار مع السجناء الإسلاميين، والذي أسفر عن إطلاق عناصر كثيرة منهم بموجب عفو غير معلن، لكن لقاء التخلي عن العمل السياسي. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى تجربة الأكاديمي عاشور الشامسي الذي تحاور مع سيف الإسلام منذ سنة 2004، وعاد إلى ليبيا مثلما فعل آخرون؛ غير أن السلطات ما لبثت أن أغلقت موقعه الإلكتروني، لا بل وبثت وثائق وشواهد تفيد حصوله على تمويل من الخارج، بغية اتهام هذا المعارض بأنه "عميل" وتشويه صورته لدى الرأي العام، بينما يتعلق الأمر بدعم بسيط تلقاه للمساعدة على طبع كتاب.

ومن الأمثلة المعروفة أيضًا ملاحقة الأكاديمي والمحامي المعروف جمعة عتيقة الذي اعتقل ثم أطلق سبيله على رغم أنه كان الساعد الأيمن لسيف الإسلام.

ثلاثة أعمدة للنظام القائم

بهذا المعنى كرس القذافي، الذي لا يحتل رسميًا أي منصب في الدولة، سيطرته المطلقة على الأجهزة، استمرارًا لهيمنته على الحياة السياسية التي دامت منذ العقود الأربعة الماضية، وخاصة بعد إبعاد رفاقه في مجلس قيادة الثورة، وأبرزهم الرائد عبد السلام جلود، وبعد تصفية البعض الآخر. وكان النظام الجديد الذي أرساه على أنقاض السنوسية، وهي طريقة صوفية عسكرية، قد اتسم بازدواجية فريدة تجمع بين حاكمية جيدة على الورق تتيح للشعب إدارة شئونه بنفسه، أي تكريس الديمقراطية المباشرة، ونظام فعلي يقوم على الحكم المطلق، حيث يمسك بالنفوذ الحقيقي قائد الثورة والجيش والقبائل المسلحة.

من هذه الزاوية يمكن القول إن نظامًا سياسيًا من نوع خاص قد ترسخ في ليبيا، وكان لافتًا للاهتمام في نظريته التي وزعت الأدوار بين ثلاثة مراكز:

- المؤسسات الإدارية: وهي بأيدي "اللجان الشعبية" ولا تعين ولا تنتخب، وإنما يتم اختيارها بواسطة التصعيد (2) ويرأسها أمين، أي رئيس وزراء، ويشمل هذا الركن البلديات أيضًا، إذ لا وجود لرئيس بلدية. على رأس هذا الهرم، يوجد مؤتمر الشعب العام (البرلمان) الذي كان يترأسه في أحيان كثيرة القذافي نفسه حتى عقد الثمانينيات، ثم صار آخرون يتولون المنصب.

- اللجان الثورية: التي لا يعرف أحد كيف يتم "تصعيدها" ولا كيف ينتقى أعضاؤها، وهي تحكم لكنها لا تسير عجلة الدولة بالمعنى الإداري، ولا تتفق أحيانًا مع "اللجان الشعبية" ولا حتى مع "القائد" فتضطره إلى التراجع عن بعض أفكاره.

- لجان المراقبة: التي تشكلت في الفترة الأخيرة بسبب عدم التفاهم بين اللجان الشعبية والثورية، وهي أيضًا جهاز لا يعرف أحد كيف يتشكل.

يبدو من خلال هذه البنية المركزية أن النظام الجماهيري قد بقي صوريًا وافتراضيًا، بل أخذ شكل نظام استبدادي يختفي وراء مظهر جذاب ومرح أحيانًا sympathique على رأي الباحث في "المركز القومي للبحث العلمي" CNRS في فرنسا توفيق المنستيري (3).

وقد شدد المستيري الذي تابع الظاهرة الليبية طيلة عقودها الأربعة على البنية القبلية للحكم، لافتًا الانتباه إلى أن جماعة القذافي، لم يختاروا رئيس دولة، بل قائدًا، وهذه العبارة تترجم خطأ في الغرب بـ Le Guide  بينما الأصح هو Leader. ولاحظ أن القذافي يتمسك بتلك الهوية القبلية ويرفض النمط الاجتماعي الحضري معاودًا إنتاج الزعامة القبلية، ما يجعلنا إزاء نظام بدويقراطي إن صحت الترجمة من Bedouinocratie، ولسنا بصدد نظام ثيوقراطي أو أوتوقراطي أو أي نموذج من النماذج المعروفة في العلم السياسي الكلاسيكي فالدولة هنا مغيبة le non Etat مثلما لاحظ المنستيري.

التحكم بورقة النفط

وقد تم العمل بهذه البنية في المجال الاقتصادي أيضًا (4)، فالطريقة الفعالة التي استخدمها الحكم لضمان ولاء القبائل هي إيجاد وفاق مع رؤسائها للمحافظة على الوحدة أو الترابط، مع توزيع الدخل عليها بشكل واسع. ففي بداية الثمانينيات، لم يكن هناك ليبي معوزًا أو فقيرًا، إذ صدر قرار بإعطاء منحة مقدارها 60 دينارًا لكل مواطن ليس له دخل، مع تأمين الكهرباء والماء والرعاية الصحية مجانًا. نلاحظ اليوم أن أعدادًا كبير من الليبيين يعالجون في الخارج، وتتكفل التأمينات الاجتماعية بنفقات علاجهم وإقامتهم وإقامة مرافقيهم، غير أن القطاعات الاقتصادية الرئيسية (الاتصالات، الاستيراد، الاستثمار الخارجي..) ممسوكة من أبناء القذافي، فيما احتفظ الأب بملف النفط الذي يعتبر مجالاً محرمًا على الغير.

وهذا مظهر من مظاهر الطابع الأوليجاركي العائلي للدولة، وهي خاصية الأنظمة الشرقية عمومًا، فهو يبدأ بدائرة الأبناء ثم الأسرة ثم الأقرباء، فالقبيلة وهكذا.. مثلما يقول المنستيري.

ولهذا السبب ضحك العارفون بالشأن الليبي عندما سمعوا القذافي يعلن أن عوائد النفط ستوزع على المواطنين، فيما طالب مقربون منه بإحالة الملف إلى خزائن مؤتمر الشعب العام (البرلمان) ثم بعد أيام قليلة، تذرع رأس الحكم بأن مؤتمر الشعب العام (الذي يأتمر بإشارة من بنانه) لم يوافق على توزيع الثروة على الشعب.

ويرجح أن يبصر قطاع النفط والغاز تحولاً كبير في الفترة المقبلة بعد تزايد العروض لاستكشاف حقول جديدة واستثمارها، أو تجديد العقود الخاصة بحقول قديمة كان الحصار الذي تعرض له البلد (1992ـ 1999) قد عطل استغلال مخزونها. وما تسابق رؤساء الدول والملوك لحضور الاحتفالات الضخمة التي أقيمت في مناسبة الذكرى الأربعين لوصول القذافي إلى الحكم سوى الوجه الناعم من المعركة الدائرة للفوز بصفقات نفطية وتجارية وعسكرية ضخمة.

وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن إنتاج البلد من النفط قد ارتفع من 1.3 مليون برميل في اليوم سنة 2003 (أي لدى تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة) إلى 1.8 مليون برميل في اليوم حاليًا، على رغم قرار منظمة البلدان المصدرة للنفط خفض الإنتاج للإبقاء على سعر النفط في مستوى معقول. ويتوقع المحللون مع توالي الاكتشافات الجديدة أن يرتفع حجم الإنتاج الليبي إلى ما لا يقل عن 3 ملايين برميل في اليوم مع حلول سنة 2013.

كذلك تطورت إيرادات البلد من صادرات النفط في أعقاب التوقيع على أربع اتفاقات مع مجموعات دولية، مما أتاح زيادة الإيرادات، التي لم تكن تتجاوز 3 بلايين دولار إلى 5.4 بليون دولار. وفي مقدمة تلك الاتفاقات صفقة حصلت بموجبها المجموعة الإيطالية "إيني" على تمديد لـ 25 عامًا إضافيًا لعقود استثمار حقول نفط وغاز ليبية، واستطاعت مؤسسة النفط الحكومية زيادة حصتها من الإيرادات بموجب الاتفاقات الجديدة، وهذا هو أحد الأسباب التي تفسر العلاقة الحميمة بين القذافي ورئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلوسكوني.

ومن المتوقع أيضًا أن تزيد صادرات ليبيا من مشتقات النفط بعدما اتفقت مؤسسة النفط الليبية مع مجموعة "شل" على تحديث مصفاة في ضواحي مدينة سيرت، بما يرفع حجم إنتاج المصفاة إلى 120 برميل في اليوم، وقد قدرت كلفة الصفقة بـ 643 مليون دولار. كذلك توصل الليبيون إلى اتفاق مع مجموعة إماراتية لتحديث مصفاة النفط في رأس الأنوف باستثمارات النفط الجديدة؛ إذ أعلنت أخيرًا مؤسسة النفط أن القطاع العام الليبي قد اكتشف ثلاثة حقول نفطية جديدة في منطقتي سيرت (شمال وجدامس جنوب)، فيما اكتشفت مجموعات أجنبية سبعة حقول أخرى، بينها ستة اكتشفتها شركات ألمانية وكندية.

ومن المؤشرات التي تحمل دلالات عن مستقبل العلاقات بين ليبيا والدول الكبرى التطورات المتسارعة في العلاقات مع الولايات المتحدة، والتي تتأسس على المصالح النفطية. ومن علاماتها الأخيرة الزيارة التي أداها وفد من أعضاء مجلس الشيوخ برئاسة السيناتور جون ماكين المرشح الجمهوري السابق للرئاسة الأمريكية، إضافة إلى جوزيف ليبرمان من الحزب الديمقراطي وسوزان كولينز وليندسي جراهام من الحزب الجمهوري.، وقد اجتمع العقيد القذافي معهم للبحث في إمكانات التعاون في مجالي الطاقة والتكنولوجيا (5) أي منح صفقات جديدة لمجموعات أمريكية (6).

ولا يقتصر انفتاح الاقتصاد الليبي السريع على المجموعات الأجنبية المختلفة على قطاع الطاقة، وإنما يشمل أيضًا قطاعات إستراتيجية أخرى بينها الاتصالات، إذ قررت أخيرًا هيئة الاتصالات الليبية المملوكة للدولة والتي يرأسها النجل الأكبر للرئيس الليبي محمد القذافي، عرض ترخيص مزدوج لاتصالات الهاتف الأرضي والمحمول على القطاع الخاص المحلي والأجنبي في أول خطوة نحو تخصيص قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية. وتعتمد هيئة الاتصالات الليبية حاليًا على مشغلين لإدارة شبكات الهاتف النقال، هما "ليبيانا" و"المدار"، وقد قدرت إحصاءات رسمية عدد زبائن شركة "ليبيانا" بـ 5.89 مليون مشترك حاليًا، بزيادة 20 في المائة قياسًا على 2007، فيما لم يتجاوز مشتركو المدار 1.2 مليون نهاية العام الماضي، علمًا أن عدد سكان ليبيا وصل إلى ستة ملايين (7).

الوجه والقناع

ما هي آفاق تطور النظام السياسي في ليبيا في الفترة المقبلة بعد طي العقود الأربعة الماضية؟

لا مؤشرات تدل على تغيير جوهري بعدما انهارت آمال الإصلاحيين بسن دستور ووضع أنظمة واضحة للدولة، والظاهر أن اللعبة التي استهوت القذافي وتتمثل في امتصاصه للمطالب الإصلاحية كلما شعر بارتفاع منسوب الضغط (على محدوديته بسبب تدمير ما تبقى من المجتمع الدني)، فيسارع هو إلى مسك الثور من قرنيه وطرح شعار المرحلة، أسوة بدعوته مرارًا إلى مكافحة الفساد الذي ينخر في النظام الإداري والبيروقراطي في البلد، بل هو يصل إلى حد اتهام الحكومات المتعاقبة الإخفاق في كل المجالات من التعليم إلى الاقتصاد، مؤكدًا أنه لا يمكن القضاء على الرشوة والفساد طالما أن الدولة هي التي تملك البترول وتتعاقد على تنفيذ المشاريع وتدير القطاعات الخدمية والإنتاجية (8).

ولاحظ في هذا السياق أن الإدارة أخفقت كما أخفق اقتصاد الدولة وأن هذا يكفي، مقترحًا حلاً يتمثل بأن يأخذ الليبيون أموال النفط مباشرة ويقرروا ما سيفعلونه بهذه الأموال، وحمل في الإطار نفسه على البيروقراطية الحكومية قائلاً إن نظام مجلس الوزراء بأكمله لا بد أن يتم تفكيكه لتخليص الليبيين من الفساد وسوء الإدارة.

يميل "القائد" أحيانًا أخرى إلى وضع نجله سيف الإسلام في الواجهة، ويكلفه بإجراء اتصالات بالمعارضين لإقناعهم بالعودة لكن كثيرًا منهم قد سجنوا واضطهدوا بعد عودتهم، ومنهم الراحل فتحي الجهمي الذي توفي في ظروف مأساوية. كذلك كان الرد قاسيًا على محاولة القيام باعتصام صغير، أسفر عن إحالة معارضين إلى القضاء بينهم إدريس بوفايد الذي قضت المحكمة بسجنه 25 عامًا، والمهدي حميد والصادق صالح حميد وفرج حميد وعلى حميد (من أسرة واحدة) الذين قررت المحكمة سجنهم خمسة عشر عامًا وجمال الحاجي (12 عامًا) وأحمد يوسف العبيدي وعلاء الدرسي وفريد الزوي وبشير الحارس والصادق قشوط (ستة أعوام)، فيما أفرجت عن عادل حميد في 10 يونيو الماضي، بعد أسبوعين من إطلاق جمعة بوفايد شقيق إدريس (9).

وقد شكلت تلك "الخضة" اختبارًا دوليا لنوايا الحكم بشأن انتهاج سياسة انفتاحية، كما كانت مسبارًا للمعارضة لقياس مدى قسوة الأجهزة في الرد على أي مبادرة تقدم عليها في الشارع كما أكدت من جهة ثالثة طوباوية الدعوات الصادرة من بعض الوسطاء لـ "الصفح وفك الاشتباك بين الدولة ومعارضيها". وعلى هذا الأساس فالأرجح أن لا شيء سيتغير في بنية النظام ولا في أسلوب إدارة الصراع مع المعارضين، خاصة في ظل التواطؤ الصامت للشركاء الغربيين الذين دسوا ملف حقوق الإنسان في الأدراج، والمحاباة التي بات يحظى بها القذافي لدى العواصم المؤثرة.

وقد أعطى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي درسًا تطبيقيًا في هذه الرياضة من خلال موقفه الأخير من ضغوط بكين لرفع يد فرنسا عن لمف حقوق الإنسان، مفضلاً بشكل حاسم الصفقات على قيم الجمهورية الفرنسية.

أما محاولات الإصلاح التي كلف سيف الإسلام بتقمصها لقطع الطريق أمام بروز أي زعامةمعارضة، فهي ورقة قد انتهت صلاحيتها مع نهاية مسار التقارب مع العواصم الغربية الرئيسية التي كان سيف الإسلام محاورها المفضل، وهو أمر كان متوقعًا طالما أصبح الحوار مباشرًا مع "قائدة الثورة" ويمكن القول إن اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي أوباما والقذافي على هامش مشاركة الأخير في المداولات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة بوصفه الناطق باسم إفريقيا مثلما كان يحلم دائمًا، سيكون تجسيدًا رمزيًا لتلك النقلة.


كاتب تونسي.

(1) صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 3 فبراير 2009.

(2) التصعيد ابتكار ليبي لتعيين حكومة ينتخب (يصعد) فيه كل مؤتمر شعبي أمينًا عن موضوع معين ثم يصعد (يختار) مؤتمر الشعب العام بضعًا منهم، ثم يتم تصعيد أمين اللجنة الشعبية العامة بين هؤلاء، راجع مثلاً:
 http://www.libya- alhora.com/forum/ showthread php?t=1424

(3) من حديث مطول أدلى به توفيق المنستيري لموقع سويس أنفو في الذكرى الأربعين لثورة الفاتح من سبتمبر بتاريخ 25 أغسطس 2009.

(4) Francois Burgat: les choix de kadhafi in l'etat du maghreb – Ed CERES- Tunis 1991 pp. 391 – 393

(5) العرب (لندن) بتاريخ 24 أغسطس 200.

(6) لمزيد من التفاصيل عن العلاقات الأمريكية الليبية يمكن مراجعة كتاب
Ronald Bruce st john Libya and the United states: Two centuries of Strife 2002

(7) الحياة بتاريخ 3 مارس 2009.

(8) العرب 16 فبراير 2009.

(9) راجع: مرقب حقوق الإنسان http://www.hrw.org/ar/news/2008/06/11-0

*نقلا عن النسخة العربية من صحيفة لوموند ديبلوماتيك، عدد سبتمبر 2009.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات