English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 8, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

العنف ينتشر جنوبا.. فماذا لو انقسم السودان؟!

محمد جمال عرفة

Image
سلفاكير
على غير المتوقع، وبعدما ساد جنوب السودان السلام والاستقرار والهدوء منذ توقيع اتفاقية نيفاشا 2005 التي أوقف الحرب بين الشمال والجنوب، بدأ الجنوب يشهد منذ بداية العام الجاري أعمال عنف قبلية غير معتادة بين القبائل الجنوبية حصدت -وفق تقدير "ديفيد جريسلي" منسق مهمة الأمم المتحدة في جنوب السودان- ما لا يقل عن 1200 ضحية حتى الأول من سبتمبر الجاري، وارتفع العدد إلى حوالي 1250 حتى كتابة هذه السطور.

ولئن كانت هناك تقارير تشير إلى أن عدد الضحايا أقل من الرقم السابق بسبب صعوبة إحصاء أعداد القتلى بدقة، لكن الخطورة أن هذه الحرب القبلية الأهلية لم تتوقف فقط على القتل، وإنما أسفرت أيضاً عن تشريد 250 ألف شخص منذ بداية هذا العام، وحرق منازل ونهب متاجر وأضرار في المنشآت العامة.

وتثير هذه الاشتباكات والهجمات التي لم تتوقف شهرا واحدا، وبدأت تأخذ طابع الانتقام القبلي، إشكالات عديدة لهذا الإقليم الجنوبي الذي لا يزال يبحث عن التنمية وإقامة هياكل دولته تحسباً لاحتمال تصويت غالبية السكان لصالح الانفصال عن الشمال بدولة مستقلة في استفتاء 2011 المقبل، أبرزها قدرة حكومة إقليم الجنوب على حفظ السلم بين هذه القبائل المتناحرة، فضلا عن احتمالات تأثير هذه المصادمات على اختيارات أهل الجنوب في الاستفتاء المقبل، وعلى إمكانية إجراء الانتخابات ذاتها في هذه الأجواء المضطربة.

والحقيقة أنه برغم اتهامات الجنوبيين المتكررة لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال بالمسئولية عن تأجيج هذه الحرب الأهلية في الجنوب ومد عناصر جنوبية موالية للخرطوم بالسلاح بهدف تعكير أجواء الهدوء في الجنوب وخلق أجواء من الفوضى تدفع الجنوبيين لنبذ الحركة الشعبية الجنوبية المهيمنة هناك ورفض استفتاء انفصال الجنوب، فلا يمكن إنكار أن هناك سلبيات عديدة في الجنوب تتحمل وزراها الحركة الشعبية أيضا.

من ذلك قضايا الفساد التي لوحق بها العديد من أعضاء حكومة جنوب السودان دون أن تجري تحقيقات أو ينشر أي شيء عن إجراءات مضادة لما قيل عن هذا الفساد وقصر الأمر على رفض الحركة الشعبية لهذه الاتهامات. ومن ذلك أيضاً اتهامات قبلية جنوبية لحكومة الحركة الشعبية بمحاباة قبيلة (الدينكا) على حساب قبائل أخرى خصوصا (النوير) أو (الشلك) التي ينتمي لها لام أكول وزير خارجية السودان السابق الذي استقال من الحركة الشعبية وشكل حزبا جنوبيا آخر، ولكنه منع من ممارسة نشاطه في الجنوب.

والحقيقة أن أسباب العنف في الجنوب قديمة وتتعلق بالفقر أساسا، فالعنف يجري بين القبائل على خلفية سرقات الماشية بين القبائل وبعضها البعض، أي أنها أسباب محلية، وهو ما حدث بالفعل مؤخرا في ولايات (جونجلي وأعالي النيل، والبحيرات والاستوائية) لأسباب محلية خاصة بالماشية والأبقار والمياه والزراعة، ولكن تدخل أفراد من الجيش الشعبي لنصرة قبيلة على أخرى هو ما يزيد من إلقاء البنزين على النار المشتعلة.

دور الخرطوم.. خلاف بين الجنوبيين

وبرغم وجاهة اتهامات الحركة الشعبية للخرطوم بأنها لعبت دورا في تأجيج هذه الخلافات القبلية الجنوبية ومدت قبائل متمردة بالسلاح بهدف عرقلة انفصال الجنوب "لإثبات أن الحركة الشعبية لن تستطيع حكم الجنوب إذا انفصل"، حسبما قال باقان أموم أمين عام الحركة، أو للاستفادة من ثروته النفطية والمعدنية وكي لا يكون نموذجا تطالب به حركات تمرد أخرى في الشرق والغرب؛ فقد اقتصر الأمر على الاتهامات دون تقديم أدلة ملموسة.

فالعديد من قادة الحركة الجنوبية، وآخرهم "فرمينا مكويت منار" ممثل حكومة جنوب السودان بمصر، اتهموا جهات شمالية بـ "زرع الفتنة القبلية في الجنوب ودعم بعض القبائل بالأسلحة التي تم صنعها حديثاً في الخرطوم لإظهار حكومة جنوب السودان بالضعف وعدم القدرة على إدارة الحكم في جنوب السودان".

كذلك تتهم الحركة الشعبية –التي أغلب قادتها من قبيلة الدينكا- الخرطوم بدعم سياسيين وقبليين من قبيلة (النوير) ضد حكومة الجنوب لأن هذه القبيلة تقطن الأراضي الغنية بالنفط وحقولها، ولأن قوة النوير تعد القوة الضاربة التي كانت تقلق الخرطوم المتعطشة إلى البترول المكتشف في الجنوب بإنتاجية كبيرة.

لكن قادة جنوبيين آخرين منشقين عن الحركة مثل لام أكول يلقون باللائمة على حكومة جنوب السودان، ويقولون إنها فشلت في إدارة الأمور بشكل جيد، ويتهمونها بمحاباة قبيلة الدنيكا كبرى القبائل التي ينتمي لها أفراد الجيش الشعبي الجنوبي على حساب قبائل صغيرة مثل "الشلك"، ويصل الأمر –بحسب أكول– إلى "الإرهاب الفكري الذي تمارسه حكومة الجنوب في جوبا، وبعد ذلك كله يتهمون (أي قادة الحركة الشعبية) المؤتمر الوطني بالصراعات التي تحدث في الجنوب رغم أنهم سبب أساسي فيها!".

وما يزيد من معاناة السكان الجنوبيين، وقد يدفعهم للتصويت برفض الانفصال نكاية في الحركة الشعبية الجنوبية المتهمة بنصرة قبائل ينتمي لها أغلب قادتها، أن أكثر الولايات التي تضررت من أحداث العنف هي ولايات فقيرة تضم قبائل صغيرة مثل ولاية جونجلي التي تعاني من انعدام البنية الأساسية وكثيرا ما يعزلها الفيضان؛ فهذه الولاية وحدها سقط فيها في شهر أغسطس الماضي 200 شخص ، برغم أنه يعمل فيها شركة النفط الفرنسية العملاقة "توتال" في منطقة امتياز ضخمة لم يتم التنقيب في معظمها بعد.

ماذا لو وقع الانفصال؟

وبصرف النظر عن التوقعات بأن تؤثر هذه الحروب الأهلية الجنوبية على مستقبل الاستفتاء المزمع عقده في الجنوب لتقرير المصير بالانفصال أو البقاء ضمن السودان الموحد، واحتمالات تفضيل الجنوبيين للوحدة على أجواء الفوضى والعنف في الجنوب المنفصل، يبرز السؤال: وماذا سيكون الوضع لو وقع الانفصال بالفعل؟..

هل الجنوب مهيأ بالفعل للاستقرار في ظل دولة انفصالية؟ وهل لدى هذه الدولة الجديدة المقدرة على النجاح والتصرف كدولة مستقرة مسئولة في المنطقة؟..

واقع الأمر أن هناك مخاوف حقيقية لدى الخرطوم ودول الجوار والولايات المتحدة وحلفاؤها أيضا من أن ينتهي الأمر بدولة مستقلة في الجنوب لأن تصبح نموذجاً لما يسمى "الدول الفاشلة" الغير قادرة على إدارة شئونها أو العاجزة، ما سوف يجعلها عبئاً على الدول المجاورة ويؤثر على الاستقرار في منطقة الجنوب الإفريقي ككل، ومن ثم يضر مصالح الدول الإفريقية ومصالح الدول الغربية الموجودة في هذه المنطقة أيضاً.

بعبارة أخرى هناك من يرى من الخبراء والسياسيين أن هذه الدولة الجنوبية قد تتحول إلى "إسرائيل جديدة" تظل تعتمد على الغرب في دعم اقتصادها ومدها بالموارد المختلفة وإثقال كاهلها المثقل أصلا منذ الأزمة المالية العالمية، فضلا عن احتمال إثارتها لأزمات في الوسط الإفريقي المحيط بها نتيجة حروبها الأهلية الداخلية وموجات الهجرة أو انتقال شرارة العنف خارج الإقليم الجنوبي.

وما يزيد من هذه المخاوف واقع الأمر نفسه في هذه الدولة الجنوبية المرتقبة، فوزراء حكومة الجنوب يقيمون فعلياً في منازل بشمال السودان أو في فنادق دول الجوار الإفريقي في كينيا وأوغندا لا في داخل الإقليم الجنوبي، ولا توجد بنى تحتية فعلية أقيمت برغم المبالغ الضخمة التي حصلت عليها حكومة الجنوب من نصيبها من عائدات النفط، وهناك اتهامات بوجود خلل في أوجه الإنفاق بصورة غير اقتصادية وإنفاق مبالغ كبيرة على التسليح وتدريب الجيش الشعبي الذي يتدخل في المعارك القبيلة ويؤججها، في حين أن المفترض أن تقوم الشرطة بها الدور... وكل هذه مؤشرات حقيقية لغياب مؤسسات الدولة.

هناك إذن مشكلات هيكلية حقيقية تواجه دولة جنوب السودان لو قدر لها أن تنفصل، ولا علاقة لذلك بالعنف الدائر في الإقليم، وإن كان هذا العنف يضخم من هذه المشاكل؛ فليست هناك بنى أساسية أُقيمت، ولا حكومة حقيقية تبسط سيطرتها على كامل الإقليم المترامي الأطراف، وإنما ميلشيات للجيش الشعبي غير مدربة وغير مؤهلة كجيش احترافي، بعضها يتحرك بدون أوامر قيادته، وهذه أمور تعترف بها الحركة، وتسعى الولايات المتحدة لتدريب هذا الجيش كي يصبح جيشا حقيقيا منضبطا.

ويمكن القول إنه ما لم إحداث اختراق حقيقي لهذه المشكلات من قبل حكومة الجنوب والحركة الشعبية وخاصة في ملفات الفساد والبعد عن القبلية والطائفية في التعامل مع أهل الجنوب خلال العامين المتبقيين على استفتاء تقرير المصير؛ فلن يختار غالبية أهل الجنوب البسطاء من القبائل أو العامة خيار الانفصال، بل وقد لا يجري الاستفتاء أصلا لأن معدات الأمم المتحدة وأفرادها المشرفين على الاستفتاء لن يكونوا بأمان!.

ولعل هذا هو ما حدا بالنائب الثاني للرئيس السوداني، علي عثمان محمد طه، إلى التأكيد على التزام حكومة الخرطوم بحق تقرير المصير للجنوب، وتأكيده مع هذا أن السودانيين سيختارون الوحدة لأن "ما وصله الرحمن لن يقطعه الشيطان"!!


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات