|
| أوباما |
عديدة هي الشواهد التي تؤكد فشل إستراتيجية الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أفغانستان على مدار الأشهر الخمسة الماضية؛ فمن تزايد هجمات طالبان وديمومة سيطرتها على مناطق نفوذها المألوفة وارتفاع عدد قتلى القوات الدولية خاصة الأمريكية، إلى عدم حدوث تقدم سياسي أو اقتصادي ملحوظ، وصولا إلى اختلاف الرؤى الأوروبية بشأن إستراتيجية حلف الناتو في أفغانستان ورفض هذه الدول مطالب أمريكا بإرسال مزيد من القوات.
وفي ظل التحديات الداخلية الكبرى التي يواجهها الرئيس الأمريكي، مثل قضية التأمين الصحي التي أثرت مؤخرا على شعبيته، بدأ أوباما يواجه كذلك معارضة شديدة حتى من داخل حزبه الديمقراطي لإستراتيجيته في أفغانستان، لاسيما وأنه وضع الحرب في أفغانستان على أولويات أجندته السياسية والعسكرية.
وقامت إستراتيجية أوباما الجديدة في أفغانستان، والتي أعلن عنها في أواخر مارس الماضي، على عدد من الخطوات السياسية والعسكرية واللوجستية والاقتصادية، إلى جانب دعم الحلفاء الإقليميين والدوليين، وذلك من أجل تحقيق الانتصار على القاعدة في أفغانستان. لكن بقي عماد خطة أوباما عسكرياً بحتاً حيث ارتكزت جهوده على تقليل الوجود العسكري الأمريكي بالعراق مقابل زيادته في أفغانستان.
فيتو شعبي وديمقراطي
وبالرغم من تعزيز القوات الأمريكية بحوالي 21 ألف جندي إضافي في الأشهر الخمسة الماضية، ووصول الحجم الكلي للقوات الأمريكية بعد هذه الزيادة إلى 62 ألف جندي؛ فإنه لم يحدث أي تحسن ولو نسبي في الأوضاع الأمنية في أفغانستان، بل على العكس ازدادت معدلات هجمات طالبان، بحيث أن الزيادة في عدد القوات أصبح يوازيها زيادة في عدد القتلى من الجنود.
وتشير الإحصاءات الأمريكية إلى أن عام 2009 هو الأكثر دموية في كل أفغانستان والعراق بالنسبة للقوات الأمريكية والأجنبية، إذ قتل حوالي 300 جندي حتى الآن، بينما كان عدد القتلى 249 في عام 2008. وبلغ مجموع قتلى الجنود الأمريكيين في هذه السنة وحدها 117 جنديا، وهو الرقم الأكبر لعدد القتلى الأمريكيين في عام واحد منذ بداية الحرب في أفغانستان 2001 والعراق 2003.
ومن ناحية أخرى، لم يؤد اختيار الجنرال ستانلي ماكريستال، الذي تولى قيادة القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو في يونيو الماضي، إلى تغير ملحوظ في البيئة الأمنية أو الحد من استهداف المدنيين الأفغان، والتي كان آخرها الغارات الوحشية التي أودت بحياة أكثر من 90 مواطن أفغاني في إقليم قندور.
ولا تتمثل خطورة مثل هذه الغارات في الخوف الأمريكي أو الغربي على المدنيين الأفغان بقدر ما ترتبط بتداعيات مثل الأحداث على مجمل الأوضاع العامة واكتساب طالبان أرضية شعبية جديدة، حيث تقول أصوات داخل الحزب الديمقراطي إن مثل هذه الغارات تقلل من ثقة المواطن الأفغاني في القوات الدولية، وخاصة الأمريكية، ولذا فإن طلب قوات إضافية قد ينظر إليه داخل البلد على أنه تكريس للاحتلال لا محاولة للانتصار على حركة طالبان.
ومع تزايد أعداد قتلى الجنود الأمريكيين، أخذ الرأي العام الأمريكي يتجه شيئا فشيئا إلى معارضة الحرب في أفغانستان؛ فقد أظهر استطلاع حديث للرأي أجرته شبكة سي إن إن خلال شهر أغسطس إلى أن نحو 60% من الأمريكيين يعارضون هذه الحرب، وذلك مقابل 54% في شهر يوليو، و48% في مايو، و46% في إبريل؛ ما يعني زيادة نسبتها 14% للمعارضين للحرب منذ بدء أوباما تطبيق خطته الجديدة.
ورأى 62% من المستطلع آراؤهم أن بلادهم ليست بصدد تحقيق انتصار سريع في أفغانستان، فيما يعتقد نحو 40% أن بلادهم لن تربح الحرب أبداً، فيما كانت هذه النسب تبلغ 64% و35% على التوالي خلال شهر فبراير الماضي.
وفي استطلاع آخر أجرته صحيفة الواشنطن بوست وشبكة إيه بي سي الإخبارية ونشر يوم 20 أغسطس الماضي، رفض حوالي 50% من الأمريكيين إرسال مزيد من القوات الأمريكية إلى أفغانستان لقتال حركة طالبان.
وامتد هذا التذمر الأمريكي العام من سوء الأداء في أفغانستان إلى العديد من النواب الديمقراطيين، وكان آخر نقد مباشر لإدارة أوباما قد جاء على لسان السيناتور الديمقراطي كارل ليفين، رئيس لجنة الخدمات العسكرية بمجلس الشيوخ الأمريكي، والذي ذكر أنه "ينبغي على الولايات المتحدة البحث عن إستراتيجية بديلة في حربها في أفغانستان، ترتكز على بناء القوات الأمنية الأفغانية أكثر من الاعتماد على زيادة عدد القوات الأمريكية". وحذر ليفين من أن "أي طلب من البيت الأبيض باعتماد المزيد من القوات سيواجه من بعض الأعضاء الديمقراطيين بالرفض".
وأشار ليفين إلى أن "هناك العديد من الوسائل لتعزيز أعداد وقدرات القوات الأمنية والجيش الأفغاني قبل التفكير في زيادة عدد القوات الأمريكية التي قتل منها 51 جندياً في شهر أغسطس الماضي، الشهر الأكثر دموية بالنسبة للقوات الأمريكية في أفغانستان منذ عام 2001".
ومتفقاً مع ليفين، ذكر السيناتور الديمقراطي جاك ريد، عضو اللجنة ذاتها، أن "على إدارة أوباما أن تسلك اقترابا متعدد الأوجه في أفغانستان كي تكسب الحرب هناك، ويقوم على ثلاثة أمور، هي: بناء الجيش الأفغاني، وإرسال مزيد من المدنيين الأمريكيين لتقديم المساعدات الاقتصادية والسياسية، والوصول إلى المناطق التي يؤيد فيها المواطنون الأفغانيون حركة طالبان كي يمكنهم التواصل مع الحكومة في كابل".
وتأتي تصريحات كل من ليفين وريد عشية عودة الكرنجرس للعمل بعد إجازة شهر أغسطس السنوية، حيث من المتوقع أن يناقش الكونجرس طلبا من الرئيس أوباما بزيادة عدد القوات العاملة في أفغانستان، وذلك بعد أن تلقى أوباما تقريرا سريا منذ أيام قليلة من الجنرال ماكريستال، حول تقييم ومراجعة الإستراتيجية الأمريكية الجديدة.
كما سيناقش الكونجرس طلب أوباما تخصيص مبلغ 68 بليون دولار في ميزانية العام المقبل 2010 للحرب في أفغانستان، علاوة على طلب السفير الأمريكي في أفغانستان "كارل إيكنبيري" اعتماد مبلغ 2.5 بليون دولار أخرى كنفقات غير عسكرية، وهو ما قد يلقى معارضة من الكونجرس في ظل الأزمة المالية الراهنة، وفي ظل تأكيد مسئولين عسكريين أمريكيين على أن مهمة الولايات المتحدة في هذا البلد يمكن أن تنجح لو استمر وجود القوات الدولية وتم تمويلها جيدا من خمس إلى اثني عشر عاماً.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه قوة حركة طالبان، التي استحدثت العديد من الأساليب الجديدة لإيقاع أكبر عدد من قوات التحالف الدولي، فإن عامل الوقت يضغط بشدة على إدارة أوباما إستراتيجيا وسياسيا. فقد ذكر وزير الدفاع الأمريكي، روبرت جيتس، بعد اطلاعه على تقرير ماكريستال السري، أن "أمام الولايات المتحدة وقتا محدودا لإثبات نجاح إستراتيجية الرئيس أوباما في أفغانستان"، وأضاف: "نتفهم قلق العديد من الأمريكيين، لكننا نعتقد أننا نملك إمكانات ومقاربة جيدة للبدء بإحراز تقدم".
وسياسياً، تعمل إدارة أوباما على محاولة تحقيق إنجاز ما في أفغانستان قبل انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونجرس في منتصف العام المقبل 2010، لأن أوباما جعل الحرب في أفغانستان والقضاء على تنظيم القاعدة هناك أهم أولوياته السياسية والعسكرية. وربما تكون هذه الحرب سببا لفقدان الديمقراطيين الأكثرية الحالية كما أدت الحرب في العراق إلى خسارة الجمهوريين في الانتخابات السابقة.
تهرب الحلفاء
ويزيد من عقد أوباما الأفغانية هذه إتباع حلفاء أمريكا من حلف الناتو والدول المشاركة في أفغانستان سياسة تقوم على الخوف والتهرب من الالتزامات التي ربما يرون أن أوباما وأمريكا يريدون إلقائها عليهم دون التأكد من حقيقة إحداث نجاح أكيد. وبالتالي لم تستجب كافة الدول الأوروبية وكندا لمطالب الإدارة الأمريكية بزيادة عدد قواتها العاملة في أفغانستان، باستثناء فرنسا التي أرسلت مؤخراً ألف جندي إضافي فقط.
ومن جانب آخر، يبدو أن الطرف الأوروبي غير متفق فيما بينه على أي الإستراتيجيات أنسب للتعاطي مع الوضع السياسي والأمني في أفغانستان، ولا تزال الأصوات التي طالبت بضرورة فتح حوار مباشر مع عناصر طالبان، حتى المتشددين منهم، ترى أن الإصرار على الخيار العسكري دون الاحتواء السياسي لطالبان لن يجدي أو يفيد في حرب الغرب في بلد مقبرة الإمبراطوريات.
وثمة جملة واحدة تكفي لرصد طبيعة المواقف الأوروبية الفعلية من هذه الحرب الجارية، جاءت في خطاب بعث به "إريك جويس"- النائب في مجلس العموم البريطاني والذي استقال الأسبوع الماضي من منصبه كسكرتير برلماني خاص لوزير الدفاع البريطاني "بوب أينسورث"- إلى رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون يحثه فيه على تقليل عدد الجنود البريطانيين في أفغانستان. يقول إريك: (يبدو للكثيرين في أفغانستان أن بريطانيا تحارب.. وألمانيا تدفع.. وإيطاليا تتجنب المعركة.. وفرنسا لا تزال تجري حساباتها بحذر).
ويواجه براون معارضة داخلية شديدة لاتخاذ قرار بشأن تقليل حجم القوات البريطانية (9 آلاف جندي)، وهو ما استجاب له براون، حيث أوردت صحيفة الإندبندنت اليوم أن براون وجه رسالة إلى الولايات المتحدة ذكر فيها أن بلاده ستسحب نصف عدد قواتها العاملة في أفغانستان بين ثلاث إلى خمس سنوات.
وتواجه إدارة أوباما كذلك احتمال انسحاب القوات الكندية التي تعمل بإقليم قندهار، والبالغ عددها 2800 جندياً في غضون 18 شهرا، وستكون أمريكا مطالبة بتعويض هذا العدد من الجنود.
ومما لا شك أن معظم الدول المشاركة في الحرب في أفغانستان تواجه ضغوطا داخلية لسحب قواتها، خاصة مع ارتفاع إجمالي أعداد قتلى القوات الأجنبية بشكل مضطرد في عامي 2008 و2009. فوفقاً لتقرير نشرته أمس صحيفة الديلي تليجراف، فإنه منذ العام 2001، قُتل 813 جنديا أمريكيا في أفغانستان، و212 جنديا بريطانيا (منهم 75 في عام 2009 وحده)، فيما قتل 124 جنديا كنديا، و33 جنديا ألمانياً من مجموع قوة قوامها 4050 فرد، وقتل 28 جنديا من القوة الفرنسية البالغ عددها 3160 فرد، وقتل 24 جنديا دانماركيا من مجموع 700 جندي يعملون في أفغانستان.
وعلى صعيد آخر تواجه إدارة أوباما مشكلة ذات طابع لوجستي، تتعلق بطرق الإمدادات إلى أفغانستان؛ فقرار قرغيزستان بإغلاق قاعدة ماناس الجوية التي كانت تستخدم كمحطة انطلاق للعمليات في أفغانستان، في فبراير الماضي، وتزايد الهجمات التي تشنها عناصر طالبان على خطوط الإمدادات عبر باكستان، قد وضع الولايات المتحدة أمام مأزق كبير، وفرض عليها البحث عن طرق جديدة للإمدادات قد تكون عبر روسيا أو بعض دول آسيا الوسطى كأوزباكستان.
والحاصل مما سبق، أنه في ظل المعارضة الداخلية المتنامية للحرب في أفغانستان، واللامبالاة الخارجية من قبل دول الناتو، تبدو الخيارات محدودة أمام أوباما؛ فهو إما أن يتجه إلى الدفع بمزيد من القوات العسكرية، كما يطالب القادة العسكريون في الجيش الأمريكي، بانتظار أن تسفر هذه القوات الإضافية عن نتائج ملموسة، يشكك في تحققها الكثيرون، أو أن ينتهج ما يمكن تسميته "سياسة التراجع الإستراتيجي"، والتي هدفها الأساسي التمهيد للانسحاب من أفغانستان، على غرار الإستراتيجية التي اتبعها سلفه بوش في العراق، وهو خيار بدأ يحظى بقبول متزايد، سواء في أوساط الرأي العام الأمريكي أو لدى السياسيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
كاتب وباحث سياسي.
|