|
| القذافي |
للزعيم الليبي معمر القذافي، في أذهان معاصريه صور عديدة، لكنها في الغالب لا تقدم الرجل بكامل أوصافه، كونها تركز فقط على ما يريد "المصور" إظهاره، لا ما يظهر في الحقيقة..
في صورة أولى يظهر؛ دم مختلط بأشلاء بشرية وحطام طائرة ويد ترتفع للسماء للمطالبة بالقصاص من "إرهابي" ممول الجماعات المسلحة شرقا وغربا لمجرد رغبته في الزعامة..
وفي صورة ثانية تظهر؛ خيمة وناقة وحرس نسائي، بينما المارة في شارع خارجي يتغامزون على ذلك "البدوي" القادم من الصحراء كي يعيدهم لعصور ما قبل الطباعة..
وبثالثة؛ أطفال أفارقة يلقون بأنفسهم على موكب رجل أبيض جاءهم حاملا بشارة الانعتاق من الفقر فهللوا له واعتبروه "الزعيم الحلم"..
في صورة رابعة؛ مقعد خالي في اجتماع قمة عربي طارئ، بينما صاحبه محاط بوسائل الإعلام العالمية التي ذهبت إليه في مقر إقامته لأنه "ثار على التواطؤ"، وقرر أن يكون وحده "صوت من لا صوت لهم".
وبالصورة الخامسة يظهر؛ متظاهرون فلسطينيون يتزاحمون على قافلة مساعدات أرسلها "الرجل الشجاع" على الرغم من الحظر المفروض على غزة..
المدهش في الأمر أن أقل الصور وضوحا، هي تلك التي تخص القذافي داخل بلاده، فأنت قد تشاهد حشدا ليبيا مهيبا يصفق لخطيب يقول الشيء وعكسه في الجملة الواحدة، وحين تسأل لماذا تصفقون، يقال لك بحدة لأنه "القائد". وبالمثل قد تجد تجمعا في عاصمة غربية يحمل أعضاؤه لافتات تطالب العالم بإنقاذ حقوق الإنسان في ليبيا، فإذا استفسرت سيشير أحدهم إلى صورة القذافي ويقول: "نريد التخلص من هذا الرجل"، ثم يصمت!.
طبعا القذافي الحقيقي ليس أيا من هؤلاء بالمطلق، فالسياسة تتسع لكل ألوان الطيف، ولا تسمح بأحكام كتلك التي يطلقها مؤيدو الرجل أو معارضوه، غير أن تعدد الصور مع تناقضها الفج يثير إشكالية حقيقية تتصل بالسؤال: كيف بقي القذافي – هكذا وحيدا في المشهد السياسي– لمدة 40 عاما بالتمام والكمال دون أن يزاحمه أو حتى يشاركه أحد، ولو في صورة واحدة.
القذافي.. حالة خاصة!
رغم التشابه البنيوي بين نظام القذافي ومجموعة النظم العسكرية التي عرفتها المنطقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن قدرة القذافي على الانفراد الدائم بعملية صنع القرار، بل وتجرئه على تحديد هوية مجتمع بقرار فردي، تجعله حالة خاصة بين قادة هذه النظم.
لقد كان عبد الناصر (أستاذ القذافي وملهمه) محاطا بعبد الحكيم عامر وزكريا محي الدين وعزيز صدقي وصلاح نصر وشمس بدران. وأحمد بن بيلا، الزعيم الجزائري، كان رفيقا لعشرات القادة ومنهم من انقلبوا عليه لاحقا. حتى صدام حسين، الذي يصف البعض فترة حكمة بالعشائرية والطائفية، لا يمكن ذكره في السراء أو الضراء إلا باستحضار أسماء كانت تقف بالقرب منه مثل طه ياسين رمضان وعزت الدوري وطارق عزيز وسلطان هاشم وسعدون حمادي وغيرهم. كذلك بالنسبة للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد؛ فقد حكم منفردا، لكن بحضور ومباركة شركاء من ذوي المناصب مثل عبد الحليم خدام وفاروق الشرع وعبدالله الأحمد ومصطفى طلاس.
صحيح أن عملية صنع القرار في تلك النظم كانت تتسم بالمركزية المفرطة، إلا أنها كانت تتم داخل أوعية سياسية معلومة للشعوب، خلافا للحالة الليبية التي يصعب على دارسها الوصول لنخبة محددة الملامح سواء في قلبه أو على هامشه.
مثل هذا الاختلاف يرجع في تقدير كثيرين إلي ثلاثة عوامل رئيسية؛ أولها: أن ليبيا - كدولة - لا تملك ذات التراث السياسي الراسخ الذي يتوافر لنموذجي دولة النهر؛ مصر والعراق. كما أن السلطة التي قامت بليبيا بعد عام 1969، لم تكن تملك تنظيما يستطيع توليد قيادات قادرة على التواجد في الحياة السياسية، بعكس ما حدث مع سوريا والعراق، حيث كان حزب البعث في البلدين متغلغلا في المؤسسات العسكرية والمدنية، قبل سنوات من استيلائه على السلطة.
أما العامل الثاني فهو نجاح نظام القذافي في التخلص من أي قوة أو جماعة أو شخصية يحتمل أن تطالب بالشراكة في المسؤولية، بحيث صارت الساحة خالية تماما لـ"فكر الثورة" ومن ثم "مفكرها" الذي يتحكم بالسياسة الخارجية والداخلية دون وجود لأي مساءلة.
يلفت النظر هنا أن ليبيا التي تحيا (رسميا ومنذ 32 عاما) بلا رئيس وتعتمد على اللجان الشعبية كتجسيد للديمقراطية المباشرة، لا زالت تتفاخر، حسبما تقول وثائق الحكم فيها، بأنها تهتدي بمقولات "الكتاب الأخضر"، الذي يمثل في محتواه رؤية فردية تشكلت قبل 35 عاما.
وتمثل كاريزما القذافي العامل الثالث الذي ساعده على البقاء منفردا بعملية صنع القرار. وفي هذا السياق يحسب للزعيم الليبي أنه كان باستمرار قادرا على تجديد مصادر شعبيته، ففي البداية استفاد من علاقته بعبد الناصر ليبدو كتلميذ له، ثم كخليفة فيما بعد، فلما تراجع الوهج الناصري راح يؤسس لنفسه زعامة خاصة معتمدا على ذات الخطاب القومي، ولكن مع توسيع آفاقه ليصبح جزءا من مشروع عالمي أطلق عليه "النظرية العالمية الثالثة"، ما وفر له مظلة لتبرير تمويله للجماعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم، وكذا صداماته مع الدول الأخرى بما في ذلك دول الجوار كمصر وتشاد و السودان.
وعلى ذات المنوال؛ كان القذافي ذكيا حين انتقل في نهاية الألفية الماضية من التلويح بحلم الوحدة العربية، إلي التبشير بحلم جديد هو الوحدة الإفريقية، والذي مثل بدوره تعويضا للشعب عن العروبة وخيباتها المدوية في هذا الوقت.
وعلى ما يبدو للمتابع فإن انفتاح القذافي في الفترة الأخيرة على النظام الدولي وحرصه الواضح على تقديم صورة جديدة لنظامه، إنما تتصل في جانب منها بإدراكه لحالة النضوب التي أصابت مصادر شرعية نظامه، خصوصا بعد واقعة تخليه العلني عن برنامجه النووي، وقبوله بسداد تعويضات لضحايا حادث لوكيربي.. الخ.
سياسة خارجية متقلبة
سياسة القذافي الخارجية تحفل بدورها بمفارقات مدهشة، فلقد تغيرت توجهات القذافي غير مرة، ومعها مفردات خطابه، لكنه ظل في كل الحالات قادرا على إقناع مستمعيه بأنه مؤمن بما يقول ..
شهدت علاقاته بالعالم الخارجي تقلبات جذرية وتعرض لمحاولات اغتيال متعددة، غير أنه بقي نفس الشخص؛ حماس يفوق شاب عشريني، رؤية مغرقة في ذاتيتها، يقين راسخ بأن العالم سيواصل خسائره الحضارية والإنسانية إذا لم يأخذ بأفكاره التي دونها قبل 30 عاما عن الديمقراطية السليمة، والمساواة وحقوق الإنسان.
يبدو القذافي، في نظر البعض، رجلا متقلبا في توجهاته بل إن منهم من يرميه بالجنون، وأدلتهم على ذلك؛ ردود فعله المفاجئة، ومواقفه الحادة، وتقلباته المدهشة، لكن مثل هؤلاء لا يسألون أنفسهم؛ هل يمكن لشخص أن يبقى قابضا على السلطة 40 عاما، في بلد لم تترسخ فيه مؤسسات الدولة بعد، لو لم يكن من الفئة الأولى بين الأذكياء؟!. سيسأل البعض: حتى لو كانت وسيلته في ذلك القمع؟. والجواب: نعم حتى لو كانت وسيلته في ذلك القمع؛ لأن الحديث هنا عن القدرة على البقاء لا تقييم وسائل هذا البقاء.
ويتهم القذافي، من قبل كثيرين، بإهدار ثروات الشعب الليبي على مشاريع سياسية وطموحات فردية، وهو اتهام يمكن تصديقه، وبالذات بعد قيام ليبيا مؤخرا بسداد مبالغ طائلة لضحايا تفجيرات وقعت في الثمانينيات بأوروبا، لكن مثل هذا الاتهام يتجاهل أن بعضا مما أنفقته ليبيا قد عاد عليها بفوائد كثيرة أبرزها نفوذها المتنامي داخل أفريقيا، و تأثيرها الواضح في عدد من الملفات الإقليمية وبالذات قضيتي دارفور و الصومال.
صحفي وباحث.
|