English

 

الأربعاء. أغسطس. 19, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

المصالح الدولية تهزم الإصلاحات الداخلية

الضغوط والمصالح الأمريكية تحيي دور مصر الإقليمي

محمد جمال عرفة

Image
مبارك وأوباما
لا يختلف اثنان على أن الدور الإقليمي المصري أصيب بحالة من الضعف والكسل في السنوات الأخيرة، ما سمح لقوى إقليمية أخرى (عربية وغير عربية) بلعب دور منافس، لكن المفارقة هي أن المطالب الأمريكية المتعاظمة من قبل إدارة أوباما، والتي طرحت قبل وخلال قمة مبارك – أوباما في واشنطن الثلاثاء 18 أغسطس الجاري، فرضت على مصر المزيد نحو إعادة تنشيط دورها الإقليمي!.

ويمكن القول إن زيارة الرئيس الأمريكي أوباما للقاهرة التي اختارها ليلقي منها خطابه للعالم الإسلامي كانت أشبه بمكافأة مبكرة للقاهرة عن هذا الدور المتعاظم إقليميا، والمفترض أن يخدم –ضمنا- المصالح الأمريكية أيضا، فضلا عن أن الزيارة شكلت اعتذارا ضمنيا أيضا عن عدم فهم إدارة بوش السابقة لأهمية هذا الدور أو تقدير القاهرة عليه!.

ومعلوم أن الحاجة الأمريكية لمصر لخدمة مصالح إقليمية لواشنطن، بجانب الخشية من استفادة القوى الإسلامية من خطط الإصلاحات الأمريكية المفروضة على الدول العربية، ظلت دوما تمثل هاجسا أمريكيا إستراتيجيا فيما يخص العلاقات مع مصر.

وعندما عظًمت إدارة الرئيس الأمريكي السابق بوش مطالبها المتعلقة بالشأن الداخلي المصري في صورة ضغوط (وصلت حد تخفيض المعونات) لتنفيذ إصلاحات ديمقراطية، فإنها كانت تتوهم أنها ستفتح الطريق لحلفائها الليبراليين للوصول للسلطة، وكانت تستهدف تعظيم هذه المصالح عن طريق حلفاء أكثر التصاقا بها يأتون عبر صناديق الانتخابات. لكن هذا تم بطريقة أغضبت القاهرة؛ فتكاسلت عن رعاية هذه المصالح الأمريكية، مع تراجع دورها الإقليمي لتلتقط أطراف أخرى غير مصر القيادة.. قيادة ملفات فلسطينية وسودانية وصومالية وايرانية ولبنانية وغيرها!.

مصالح متبادلة!

وحين جاءت إدارة أوباما ركزت على استرضاء القاهرة وعواصم أخرى –خصوصا بعدما اقتنع الأمريكان أن الديمقراطية تأتي بالإسلاميين المعادين لمصالحها لا الليبراليين- عبر لمحات مختلفة منها نزع سلاح الضغوط الأمريكية (المعونات) ووقف الضغوط الخارجية على برامج الحكومات الداخلية العربية بهدف تعظيم المصالح الإقليمية المتبادلة، وهو ما قلص الإصلاحات العربية تدريجيا.

وليس سرا أن ادارة أوباما تضع نصب أعينها أمرين هامين، كانا هما محور مباحثات مبارك وأوباما، هما قضيتا فلسطين (لتحقيق أي تقدم كنوع من التهدئة والجائزة للعرب لتمرير تحالف أمريكي – إسرائيلي – عربي) ضد ايران، وقضية النووي الإيراني. وهذا ليس مرتبطا برؤى دينية أو شخصية أو عاطفية كما كان الحال مع إدارة بوش بقدر ما هي رؤية برجماتية نفعية وواقعية في الإدارة الجديدة تغلب النزعة البرجماتية والواقعية على ما سواها، وتركز على مصالح أمريكا قبل أي شيء.

وتحتاج إدارة أوباما لخطوات مصرية في هاتين القضيتين لتعزيز المصالح الأمريكية في المنطقة خصوصا لجهة تعظيم الضغوط على حماس وإنهاء حكمها طوعا في غزة عبر (المصالحة الفلسطينية) التي ستعيد قوات الرئيس عباس لغزة وتسمح باستئناف المفاوضات مع إسرائيل، وكذا لجهة تشديد الضغوط على إيران وحلفائها في المنطقة (حزب الله).

وقد لخصت صحيفة "واشنطن بوست"، عشية لقاء مبارك – أوباما، معادلة المصالح المتبادلة هذه بالتأكيد على أن "الإدارة الأمريكية تتعامل مع الرئيس مبارك على أنها بحاجة لمساعدته للتسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، واحتواء الأطراف المتشددة في إيران وحزب الله، ومقابل هذا تتغاضى واشنطن قليلا عن ملفات حقوق الإنسان وتعاونها مع القادة العرب الذين تصفهم شعوبهم بـ(المستبدين)"!.

بعبارة أخرى كان من الواضح أن ملف التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان في مصر ليس مطروحاً على أجندة قمة الرئيسين المصري حسني مبارك والأمريكي باراك أوباما بقوة، برغم إثارته من جانب أوباما تجنبا لانتقاده في الداخل لتراجعه عن برنامجه الانتخابي، لأن المطلوب أمريكياً هو مواجهة السلاح النووي الإيراني والترويج لمبادرة السلام الأمريكية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

الولايات المتحدة إذن تراهن على الدور الإقليمي لمصر في مجال مواجهة المشروع النووي الإيراني والترويج للصلح العربي مع إسرائيل، مقابل التغاضي عن قضايا مثل فرض التحول الديمقراطي (وضمنه عدم التدخل في ملف التوريث أو انتقال الحكم عموما)، وربما لهذا يقول حقوقيون مصريون مثل حافظ أبو سعدة أمين عام المنظمة المصرية لحقوق الانسام، إن "الدور الإقليمي المطلوب من مصر القيام به لا شك أنه سيؤثر سلباً أيضاً على مطالب التحول الديمقراطي في مصر والعالم العربي عامة".

وينتقد هؤلاء الحقوقيون "خذلان" أمريكا أوباما لنشطاء حقوق الإنسان في مصر والعالم العربي، بسبب التحول الذي طرأ على أجندة الإدارة الأمريكية، وهو ما دفع آخرون لتأكيد مقولة قديمة تقرر أن تعويل البعض على أمريكا والخارج عامة لإحداث أي تحول ديمقراطي في العالم العربي هو خطأ فادح، وأنه يجب التعويل على ما نملكه نحن في الداخل فقط".

مغزى ذلك أن زيارة مبارك -ومن قبله العديد من الزعماء العرب ممن تثار في بلدانهم ذات الانتقادات حول التحول الديمقراطي- لواشنطن قد أظهرت أن المصالح الدولية دائماً لها الأولوية على مطالب التحول الديمقراطي، وأنه عندما تعلو لغة المصالح الدولية ترفع من سجل لقاءات الزعماء أي ملفات مطروحة حول الديمقراطية أو الداخل طالما أن السلطة الحاكمة تنفذ دورها الخارجي الإقليمي المطلوب على خير حال!.

مناقشة الملفات الداخلية.. للتجميل

ولعل هذا ما يفسر عدم رصد أي ردود افعال أمريكية حول المظاهرات التي قام بها حقوقيون مثل سعد الدين إبراهيم أو غيره ممن شكلوا ما سمي (تحالف 18 أغسطس) للمطالبة بالديمقراطية في مصر، وكذا غياب أي تأثير لمظاهرات أقباط المهجر، وهو ما لم يدركه هؤلاء منذ تحديد الرئيس السابق السادات إقامة البابا شنوده نفسه في دير منعزل واعتقال 1536 من كبار الشخصيات السياسية والدينية دون أن يطرف للإدارة الامريكية -التي كانت تضمن مصالحها مع السادات بقوة- جفن!.

ولقد تعامل الرئيس مبارك بذكاء مع هذه الحقائق، وتفهم ضرورة أن يفتح مسئولو إدارة أوباما (هيلاري وأوباما معا) هذه الملفات الداخلية "للتجميل" (قضية الإصلاحات استغرقت نحو 16 دقيقة من الـ50 دقيقة التي استغرقها الاجتماع)، لكن "بمنتهى الصراحة والود" ودون تجريح (كما كانت تفعل إدارة بوش) ربما لإدراك القاهرة أن أجندة أوباما التي فاز على أساسها تفرض هذا، وإلا تعرض لنقد داخلي، وبالتالي لابد من التعامل مع الأمر بصورة أو بأخرى. بل وبادر الرئيس مبارك نفسه بالحديث عن هذه الإصلاحات الديمقراطية الداخلية وملفات التوريث، مركزا على أن برنامجه لا يزال يتبقى فيه عامين لإنجاز ما وعد به من إصلاحات، ومستبعدا مسألة التوريث ضمنا، برغم أنه أكدها -ضمنا أيضا- حين ألمح لعدم ضرورة أن يكون خليفته بالضرورة عسكريا شأن رؤساء مصر السابقين!.

وكان من الملفت – برغم تأكيد المسئولين الأمريكيين أن قضايا الاصلاح والديمقراطية جرت مناقشتها – أن من تناول هذا الملف علنا أمام وسائل الاعلام هو الرئيس المصري مبارك حينما قال أنه تحدث مع أوباما في قضايا الإصلاح في مصر، "وقلت له بصراحة لقد خضت الإنتخابات الرئاسية بناء على برنامج يشمل الإصلاحات في مجالات عديدة، وهناك اشياء كثيرة نقوم بها ولا يزال أمامنا عامان نواصل العمل فيهما".

وضمن هذا الذكاء المصري، كان اختيار توقيت الزيارة في شهر الصيف والإجازات في أمريكا، وهو ما التقطته دورية "فورين بوليسي" حين ذكرت أن توقيت زيارة الرئيس مبارك للبيت الأبيض في منتصف أغسطس "متعمد" لعدم إعطاء الفرصة للمهتمين بسجل حقوق الإنسان في مصر (وهم في أجازة صيفية) لمناقشة الوضع السياسي المصري الداخلي ومسألة تولي الحكم، خاصة أن مبارك اصطحب ابنه جمال مبارك معه في هذه الرحلة.

وقالت المجلة الأمريكية إن "مبارك اختار أن تكون الزيارة قبل أسبوع من بدء الرئيس أوباما إجازته، وحتى يكون غالبية المهتمين في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية بسجل حقوق الإنسان غير متواجدين خلال هذه الفترة"!.

المصالح الإقليمية.. دور مصري نشط

ولأن المصالح هي الأهم، فقد غلبت على أجندة القمة الأمريكية ـ المصرية موضوعات: إيران والعلاقات الفلسطينية – الإسرائيلية، إلى جوار قضايا ملتهبة مثل السودان والصومال ولبنان، والمطلوب في ذلك تنشيط الدور المصري إقليميا في هذه المفات بما يتناغم مع المصالح الأمريكية.

وظهرت أهمية القضايا من حديث كل زعيم عنها، فأوباما الذي يرغب في دور مصري معاون لحصار حماس وإيران وحزب الله والانفتاح مع العراق، وضع في الأهمية قضايا السلام العربي الإسرائيلي وتهيئة الأجواء للتطبيع مع الدولة العبرية بما فيها "وقف العداء لإسرائيل" والمرور الجوي لطائراتها في الأجواء العربية، بجانب موضوع الأسلحة النووية في المنطقة (إيران) والوضع في العراق، إضافة إلى العلاقات الثنائية بين البلدين".

أما الرئيس مبارك الذي وضع الحقوق الفلسطينية التاريخية في مقدمة الأولويات ومصالح الأمن القومي المصري في السودان (احتمالات انفصال الجنوب وقضايا المياه) والصومال (القراصنة الذين يهددون دخل قناة السويس)، فقد تحدث عن موضوعات: الشرق الاوسط والعلاقات الثنائية والوضع في إيران والعراق والصومال والقرن الإفريقي. وقال مبارك: "كان تركيزنا الأكبر في المباحثات على القضية الفلسطينية لأنها محورية ولها تأثير على المنطقة والعالم بأسره سواء في الشرق أو الغرب أو أمريكا".

والملفت هنا أن الرئيس مبارك تعهد بالعمل بهمة ونشطاء في الملف الفلسطيني، ولكنه طالب إسرائيل بدفع مقابل هذا التطبيع المنتظر أولا في صورة مفاوضات مع الفلسطينيين ومناقشة الحلول النهائية لا المؤقتة.

إذن ثمة معادلة طرفها الأول أن مصر -من وجهة النظر الأمريكية– تستطيع من خلال علاقاتها وانفتاحها على قوى المقاومة الفلسطينية، لاسيما حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الضغط عليها لقبول صيغ تفاهم فيما بينها أو بين الجانب الإسرائيلي، وهو ما تنشط فيه القاهرة حاليًا بتوسطها للحوار بين الفصائل الفلسطينية والتوصل إلى هدنة بين طرفي الصراع (حماس وإسرائيل)، وأخيرًا في صفقة إطلاق الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" مقابل عدد من الأسرى الفلسطينيين في حوزة تل أبيب. أما طرف المعادلة الثاني، فهو أن واشنطن لديها القدرة للضغط على تل أبيب لوقف الاستيطان (مؤقتا حتى 2010) كي تسمح بنشر أجواء من التفاؤل يمهد للقاءات عربية – إسرائيلية، وبدء عجلة التفاوض.

تل أبيب ليست هي الممر

أيضا كان من الملفت تناول القمة المصرية - الأمريكية لقضية الأمن الإقليمي في الخليج، أي المتصلة بالملف النووي الإيراني، في ضوء قرب موعد انتهاء المهلة التي أعلنها أوباما لبدء حوار مع إيران حول ملفها النووي، والأفكار الأمريكية المتعلقة بمظلة نووية أمريكية تحمي العرب وإسرائيل معاً ضد إيران، وهو ما رفضه الرئيس مبارك علنا لأن معنى ذلك السقوط في فخ أمريكي جديد يُمني العرب بحلول لقضية فلسطين مقابل "تحالف" ضد إيران، تصبح فيه إسرائيل حليفا للعرب!؟.

أما الملف التقليدي والأكثر توافقا بين الجانبين، فهو بالطبع محاربة الجماعات الإسلامية سواء في العالم العربي أو أفغانستان وباكستان، خصوصا أن هناك سوابق تعاون في هذا الشأن ضد حركة طالبان. وإضافة لذلك ثمة قناعة في واشنطن أن القاهرة لديها القدرة على حل النزاعات الإقليمية واستقرار دول المنطقة خصوصا العراق والسودان، ورغبة أمريكا في دور مصري وعربي (سني) لموازنة الدور الإيراني (الشيعي) في العراق ولبنان.

وربما يكون الجديد هذه المرة هو سعي القاهرة استغلال الحاجة الأمريكية لها –عبر تنشيط دورها الإقليمي- إلى تغيير معادلة أن "الطريق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب"، ليصبح الدور والثقل المصري هو الطريق لحل صراعات ونزاعات المنطقة العربية التي ترهق إدارة أوباما والتي ترغب في تبريد هذه الصراعات وتقليص النفقات الحربية لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الانهيار!.

وربما لهذا تحدثت أصوات في واشنطن عن صفقات متبادلة أو أن القاهرة سعت لحسم ملفات السياسة الداخلية -قضية خلافة الحكم أو ما يسمى "التوريث الانتخابي" وقضايا الحريات والديمقراطية- بشكل مباشر، وفرض أمر واقع كمقابل لهذا الدور الإقليمي النشط المطلوب منها، وقيل في تفسير هذا إشارات كثيرة مثل اصطحاب مبارك نجله معه لأول مرة، وحديثه غير المتحفظ على احتمالات أن يكون خليفته رئيس مدني، فضلا عن تلبية مطالب مصرية اقتصادية فيما يخص العلاقات الاقتصادية بين البلدين.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات