English

 

الأربعاء. أغسطس. 19, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » أفغانستان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

عوامل عديدة تفقدها المشروعية

الانتخابات الأفغانية.. لربع السكان فقط

عبد الباقي عبد الكبير

Image
أنصار للرئيس كرزاي
ستُجرى الانتخابات الرئاسية الأفغانية للدورة الثانية في ظل وجود الاحتلال الأجنبي منذ العام 2001 يوم غد العشرون من أغسطس الجاري، ومعها الانتخابات للمجالس النيابية الإقليمية، في ظل موجة من العنف واللاأمن التي تكاد تكون الأولى في تاريخ الانتخابات عالميا، وفي ظل تنافس بلغ أشده بين المرشحين. ولا يتوقع المراقبون أن تكون المشاركة الحقيقية في هذه الانتخابات في أقصى حدودها في ضوء الأوضاع الحالية، إذ إنها قد لا تتجاوز ربع من يحق لهم التصويت، وبالتالي تفقد هذه الانتخابات شرعيتها منذ البداية.

وهناك العديد من القرائن التي تؤكد مدى فقدان هذه الانتخابات للشرعية، في حالة إعمال أبسط القواعد الديمقراطية التي يتشبث بها الأطراف المحتلة لأفغانستان داخل بلادها، حيث الأوضاع غير مهيأة أمنياً وثمة أخطاء جسيمة في تسجيل الناخبين، فضلا عن مقاطعة واسعة لها وعدم إشراك أبناء أفغانستان بالخارج في عملية التصويت.

الجهات المعارضة للانتخابات

أولاً: المقاومة المسلحة:

طالبان والحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار: وقد أكدت طالبان على أنها سوف تعرقل عملية الانتخابات، واعتبرت المشاركة في الانتخابات تعبيرا عن تأييد الاحتلال الأجنبي للبلاد، كما هددت بمهاجمة مراكز الاقتراع. ويرفض الحزب الإسلامي المشاركة لأنها تسبغ شرعية على المحتل.

ثانياً: المؤسسات والهيئات المدنية:

أ.هيئة الصلح والتفاهم: التي تشكلت في كابل في عام 2008 من مجموعة من السياسيين والمثقفين وأساتذة الجامعات، وعلى رأسهم المهندس أحمدشاه أحمد زي (رئيس وزراء سابق) ورئيس حزب الاقتدار الإسلامي، وطالبت الهيئة بإنهاء حالة الحرب في أفغانستان وذلك عن طريق تشكيل حكومة وحدة وطنية من كل الفرقاء الأفغان وجلاء القوات الأجنبية.

وقد قاطعت هذه الهيئة الانتخابات وطالبت الشعب الأفغاني بالتروي في الذهاب إلى صناديق الاقتراع حتى لا يسهموا في انتخاب حكومة تكون شريكة في تصرفات قوات التحالف الخارجة واعتداءاتهم في حق الشعب، واستندت في هذا القرار إلى أربع أسباب رئيسة، هي: (امتناع معظم الأفغان عن المشاركة لاعتبارات مختلفة، ولعب المرشحين بأوراق الولاءات القبلية واللسانية في الحملات الانتخابية، وعدم نزاهة تمويل الحملات الانتخابية وتدخل جهات خارجية في هذا الأمر، وعدم تهيئة الظروف الأمنية التي لا تكفي لقناعة خروج المواطن من بيته إلى صناديق الاقتراع).

ب: هيئة الصلح والاستقلال: والتي تشكلت من المثقفين الأفغان في ألمانيا في عام 2007 ونظمت لقاءات للأفغان المقيمين في أوروبا، شاركت فيه شخصيات سياسية من الأفغان وبعض أعضاء البرلمان الألماني الذين طالبوا بوضع حد لمأساة القتل والدمار في أفغانستان، واعتبرت هذه الهيئة المشاركة في الانتخابات في ظروف الحرب والقتال مجرد رمي التراب في أعين الناس.

ج: جمعية الإصلاح والتنمية الاجتماعية: وهي هيئة اجتماعية تعمل في مجال التوعية والتعليم ولها حضور واسع في أوساط المثقفين الأفغان الذين لهم انتماءات إسلامية معتدلة ولها صوت مسموع في الأوساط الشعبية الإسلامية، حيث أصدر رئيس مجلس الشورى (نصير أحمد نويدي) بيانا قاطع فيه هذه الانتخابات واعتبر الديمقراطية الأمريكية في أفغانستان أكبر أكذوبة حضارية في العصر الحاضر، واعتبر انحسار التعامل الغربي من الواقعية تجاه أفغانستان سببا في إخراج المشكلة المحلية من الإطار العسكري إلى أزمة حقيقية إقليمية مستعصية على الاحتواء.

انتخابات لا تمثل الشعب

ولأجل معرفة ما إذا كانت نتائج هذه الانتخابات تمثل رأي أكثرية الشعب، لابد أن نقف مع المحطات التالية:

أولاً: الأوضاع الأمنية غير مهيأة:

تجري حاليا عمليات تصفية المقاتلين في كثير من المناطق في الجنوب والشرق والغرب والشمال ووسط أفغانستان حسب التقارير الرسمية الحكومة والمصادر الخاصة الأخرى، ولكن الجهات الرسمية كلها تحاول أن تقلل من شأن التحديات الأمنية، وتقول إن الانتخابات ستُجرى في جو آمن إلا في مناطق قليلة في حدود عشر مديريات، على حسب بيان اللجنة المستقلة للانتخابات، وعلى حسب المصادر الرسمية تجري الآن عمليات عسكرية في 35 مديرية في الولايات المختلفة بما فيها ولاية كندز لتحسين الأوضاع الأمنية فيها، ولكن المصادر المستقلة ترى أن حجم المشكلات الأمنية أكثر مما تظهره المصادر الرسمية الأفغانية حيث إن مؤسسة الانتخابات الحرة والعادلة (فيفا) أعلنت أن عملية الانتخابات في عشرة ولايات أفغانية تواجه صعوبات حقيقية.

* لا انتخابات مع الخوف

وتشير بعض التقارير إلى أن عدد الولايات التي فيها مشكلات أمنية تصل إلى 18 ولاية، وهذا هو الأقرب إلى الواقع، حيث كشفت وكالة رويترز للأنباء عن خريطة سرية لدى الحكومة الأفغانية تعتبر أن 133 مديرية تواجه صعوبات أمنية حقيقية حول إقامة المراكز الانتخابية فيها، والحكومة الأفغانية لم تبد رد فعل على نقل  رويترز.

والواقع أن ذهاب الناخب باطمئنان إلى مراكز الاقتراع في أكثر من نصف مناطق أفغانستان مستحيل في ضوء تصريحات طالبان واعتبارها المشاركة في التصويت بمثابة دعم قوات الاحتلال، وأقسمت على نفسها منع الناخبين من الذهاب إلى مراكز الاقتراع. وفي حالة تمكن الحكومة الأفغانية والمجتمع الدولي من إقامة مراكز الاقتراع وحمايتها وتأمين الطرق المؤدية إليها بواسطة القوات التي أعدتها لحماية العملية الانتخابية والتي تبلغ حسب المصادر الأفغانية الرسمية ثلاثمائة ألف من الجنود وأفراد الأمن وقوات الشرطة والقوات الدولية؛ فإنه يتعذر عليهم حماية المواطن في بيته إذا رجع من عملية الإدلاء بصوت، حيث هناك فرق بين قدرة الدولة على إقامة مركز الاقتراع وحمل الموظفين وفريق المراقبين على الانتخابات وحماية هذا المركز بواسطة الدبابات والطائرات، وبين شعور المواطن بالأمن عند ذهابه إلى مركز الاقتراع وبعد عودته منه إلى بيته، حيث يؤكد مواطنون من ولاية وردك أن طالبان أعلنت بين الأهالي أن "من وجدنا إصبعه ملطخا بحبر الانتخابات سوف يقطع هذا الإصبع عقابا له"، فهل المواطنون مستعدون للتضحية بأصابعهم؟. كما لي مواطن من الولاية نفسها إن فيها ستة مديريات من قاطني أهل السنة يصعب فيها إجراء عملية الاقتراع، ومن الصعب أن يجرأ أحد بالذهاب إليه، فما بالك بالولايات الأخرى التي توصف بالأكثر اضطرابا مثل بكتيا وبكتيكا ولوجر وهلمند وكندهار وأرزدجان وضواحي غزنة وفراه ونيمروز وحتى ضواحي ولاية هرات حيث الرحل يقطنون ولم تصلهم البطاقات الانتخابية إلى الآن، بسبب الأوضاع الأمنية المتردية.

وبناءً على ذلك، يتساءل المحللون: هل في مثل هذه الظروف العسكرية سوف يكون هناك مجال لثقة الناس في الانتخابات أو اقتناعهم بضرورة الذهاب إلى صناديق الاقتراع؟ وهل للمواطن في مثل هذه الظروف مجال للتفكير أصلا؟ أم أن كل هذه الضجة مجرد هراء وجنون!؟.

* زعم حكومي خاطئ

المصادر الرسمية الحكومية تعتبر المديريات التي بها موظفو الدولة والشرطة وحماية الجيش من المناطق الآمنة التي تقام فيها الانتخابات، ولكن الواقع غير ذلك، حيث إن الكثير من هذه المديريات موجودة وبها موظفو الدولة وفريق الشرطة أو الجيش وتدافع عن المباني التي يقيمون فيها، ولكن دون قدرة تحركهم خارج هذه المباني إلا وسط قافلة محمية، وهذا الوضع بالضبط مسيطر على معظم وسط وجنوب وجنوب غرب أفغانستان وبعض المناطق القليلة في الشمال والشرق، فهذه المناطق مع قدرة الدولة فيها على إقامة مراكز الانتخابات لا تعتبر مناطق آمنة لإجراء انتخابات في أي مقياس عدلي صالح.

ثانياً: الخلل في عملية تسجيل الناخبين

إن تسجيل الناخبين وإعطاء البطاقات تم بواسطة الهيئة المستقلة للانتخابات في كل ولايات أفغانستان، وبلغ العدد الكلي للمسجلين 4.365.292 ناخب حسب البيان الصحفي الذي أصدرته اللجنة المستقلة للانتخابات بتاريخ 19/2/2009، هذا بالإضافة إلى البطاقات التي وزعت من المركز بصورة استثنائية وما وزع في الانتخابات الرئاسية في الدور الأول في عام 2004 حيث أعلن أن 17 مليون بطاقة انتخابية قد وزعت حتى تاريخ 14/7/2009 من مجموع سكان أفغانستان البالغ عددهم بين 30-35 مليون، والادعاءات متوافرة (وهي بالطبع المثيرة للشك) حول زيادة نسبة توزيع البطاقات في المناطق التي بها مشكلات أمنية، كما تتصاعد المشاركة النسائية في هذه المناطق مع العادات والتقاليد العائقة، ومنها (مثل هملند وكندهار وزابل وغزنة وبكتيا وبكتيكا مع أن معظم هذه الولايات تحت سيطرة طالبان كليا أو جزئيا).

وعلى سبيل المثال، فإنه قد ورد في الموقع الإلكتروني الخاص باللجنة الخاصة للانتخابات الآراء المتوقعة في بعض المديريات التي هي من المناطق المضطربة أمنيا (في ولاية كندهار) حيث تقول إن هناك في مثل هذه الدوائر بين 6000 بطاقة و9000 بطاقة، وذلك مقابل 1200 إلى 3000 بطاقة انتخابية في معظم محليات مراكز الاقتراع في الولايات الأخرى، ولذلك يشكك المحللون في مصداقية توزيع البطاقات الانتخابية، حيث شوهد أن معظم هذه البطاقات وزعت من غير التأكد من الهوية، وفي أكثر الأحيان الفرد الواحد يحمل أكثر من بطاقة انتخابية، وهذا ما أكدته رئيسة اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان، وبيانات أخرى من جهات مراقبة ومحايدة.

ثالثاً: إهمال الأفغان المقيمين خارج أفغانستان:

من جانب آخر أُهمل في هذا الدور من الانتخابات المقيمون في الخارج من الأفغان، ويقدر عددهم بأكثر من ستة ملايين نسمة، موزعون بين باكستان وإيران والدول العربية والدول الغربية، واعتذرت اللجنة المستقلة للانتخابات عن عدم قدرتها تنظيم مراكز الاقتراع للأفغان المقيمين خارج أفغانستان نظرا لشح الإمكانيات المالية، وهذا خلل واضح يقيد صدقية النتائج الانتخابية.

رابعاً: المال وشراء الذمم:

تشير بعض استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات إلى أن المشاركة الحقيقية في الانتخابات ستكون ضئيلة بما قد يصل إلى الإجماع السياسي، لأن الأفغان لا يرون للانتخابات أثراً على تحسين مستقبل وطنهم، وذلك مع وجود ضعف الوعي السياسي لدى الأفغان وبالأخص في الريف.

وعندما نقارن ذلك بكثرة توزيع البطاقات؛ فإننا لا نجد تفسيرا آخر غير أنه قد تم توزيع بطاقات الناخبين عشوائيا، وبكثرة،  لرؤساء القبائل، لأجل شراء الذمم بالمال، وأن الأصوات لها قيمة مالية يدفع مقابل كل صوت في بلد فقير كثير العوز والحاجة فيه.

وأكبر شاهد لذلك ما حدث في اجتماع الحملة الانتخابية للمرشح عبد الله عبد الله في مدينة خوست حيث ارتفعت الشكاوى من الحاضرين، على أنهم حضروا بناء على وعود هاتفية بدفوعات مالية مقابل حضورهم، وأن الآخرين من منظمي الحملة ورؤساء العشائر قد استولوا على هذه الأموال، ويرى المراقبون أن توزيع المال على الحضور في الحملات الانتخابية أصبح عرفا في أفغانستان، والذي يدفع أكثر هو الذي يستطيع أن يحشد أكثر. ويمكن التساؤل: هل هذه هي الديمقراطية التي يبشرون بها؟.

خامساً: الاهتمام بالشكليات دون الجوهر:

يهتم المجتمع الدولي والجهات المشرفة على الانتخابات على الجانب الشكلي لنزاهة الانتخابات، حيث سيشهد ويراقب هذه الانتخابات 200 ألف مراقب من مندوبي الأحزاب السياسية والمراقبين المستقلين وهيئات إخبارية، منهم 120 ألفا من الاتحاد الأوروبي. وقد أعلنت اللجنة المستقلة للانتخابات أن 160 ألفا من هؤلاء قد تحصلوا على تصريحات مراقبة الانتخابات.

لكن التساؤل الحقيقي المطروح هنا: هل يوجد اتفاق سياسي شعبي أفغاني حول الذهاب قدما في الوضع السياسي الناتج من جراء الاحتلال في أفغانستان؟.. أعتقد أن أكثر من 75% من الأفغان غير راضين عن السير في هذا المشروع السياسي ويسعون لأجل تغييره ليس عن طريق صناديق الاقتراع والانتخابات في ظل السيادة الناقصة، بل عن طريق إجماع سياسي تذوب فيه المعادلات التي نتجت من جراء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان.

خلاصة ذلك..

ونخلص من المعطيات السابقة أن نتائج هذه الانتخابات لا تمثل رأي الشعب، حيث إذا أضفنا الستة ملايين نسمة المهملين من الأفغان المقيمين خارج أفغانستان، إلى سكان المناطق الشرقية والجنوبية والجنوبية الغربية، وبعض مناطق الوسط مثل وردك، وبعض مناطق الشمال مثل ولاية كندز؛ سيبدو من المحال أن يخرج أحد من بيته ليدلي بصوته متحملا عداء طالبان القادرين على معاقبته. وإننا نجد أن المشاركة الحقيقية سوف تنحصر في حوالي ربع سكان أفغانستان، وحتى أغلب هؤلاء كذلك قد يأتون إلى صناديق الاقتراع تحت غطاء الولاء القبلي وشراء الذمم والدفوعات المالية.

ولذلك يكون الاستنتاج الواقعي من الأوضاع على الأرض أن هذه الانتخابات لا تعطي الشرعية للحكومة المقبلة، وأن الذهاب قدماً في  هذا المشروع السياسي لا يحمل بوادر لمستقبل آمن للأفغان، بل قد تفتح هذه الانتخابات موجة أخرى من الخلافات حتى داخل صف المرشحين وقد تخرج عن السيطرة، وهذا كله يتناساه عمداً المجتمع الدولي الذي لا يفكر في هذه المعطيات وفي حل واقعي لمشكلة أفغانستان.


  كاتب وباحث في الشئون الأفغانية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات