English

 

الأحد. أغسطس. 16, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

مصر وأمريكا.. عودة المساومة التقليدية *

ديفيد شينكر و ج. سكوت كاربنتر

Image
مبارك وأوباما
في 18 أغسطس، يتوجه الرئيس المصري حسني مبارك إلى واشنطن للاجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس باراك أوباما. وهذه الرحلة - أول زيارة يقوم بها الرئيس مبارك إلى الولايات المتحدة منذ ست سنوات – هي تتويجاً لجهد دام ستة أشهر، بذلته إدارة أوباما لإعادة الوضع مع القاهرة إلى ما كان عليه سابقاً.

فبعد سنوات من التوتر الناجم عن تركيز الإدارة الماضية على حقوق الإنسان والتنمية الديمقراطية، تم إحياء "المساومة" الثنائية التقليدية بين الولايات المتحدة ومصر بصورة فعالة. فمن خلال مقايضة التعاون حول المصالح المتبادلة الرئيسية - عملية السلام، والتهديد الإيراني- يبدو أن واشنطن قد "وضعت على الرف" المخاوف القائمة منذ فترة طويلة فيما يتعلق بالحوكمة المصرية الداخلية. وفي حين قد تساعد الدينامية الجديدة على تخفيف بعض الأزمات الإقليمية، سوف لن يكون من السهل حل التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها القاهرة، خاصة مع دخول البلاد فترة مهمة تتعلق بانتقال القيادة، التي هي الأولى من نوعها خلال ثمانية وعشرين عاماً.

حقبة بوش

بعد هجمات 11 سبتمبر، سعت إدارة جورج دبليو بوش إلى إجراء تعديلات أساسية وجوهرية على شراكاتها الإستراتيجية في المنطقة، بدءً من مصر. وكما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية في ذلك الحين كوندوليزا رايس خلال كلمة ألقتها في القاهرة عام 2005، "خلال فترة دامت ستين عاماً، سعت الولايات المتحدة إلى تحقيق الاستقرار على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة... ولم نحقق أياً منهما".

وفي حين توقعت الإدارة - وتلقت -- تعاون مستمر حول القضايا ذات الاهتمام المتبادل تتعلق بالأمن القومي، تم التركيز على مجموعة واسعة من جهود الإصلاح. ففي خطابين متعاقبين عن "حالة الاتحاد" عامي 2005 و 2006، دعا الرئيس بوش الرئيس مبارك أن "يدل على الطريق المؤدية إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط".

وفي مصر، دعمت إدارة الرئيس جورج بوش لهجتها عن طريق بذل جهد مركز لإعادة هيكلة المساعدات الاقتصادية الثنائية بحيث تخدم مصلحة البلدين على نحو أفضل. وبحلول عام 2004، كانتا واشنطن والقاهرة قد أبرمتا مذكرة تفاهم، ربطت بين منح مساعدات إلى مصر وقيام معايير محددة لإصلاح القطاع المالي فيها. وخلال فترة ولايتها الثانية، ركزت الإدارة الأمريكية على قيام إصلاح سياسي في مصر، في محاولة مجددة لاستخدام تأثير المساعدات الخارجية من أجل إحداث تغيير. وفي عام 2006، خصصت الإدارة الأمريكية 50 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية لمصر من أجل تعزيز الديمقراطية، ورفضت السماح للقاهرة تحديد أي من منظمات المجتمع المدني ستكون مؤهلة للحصول على مساعدة واشنطن.

إن تأثير الضغط الذي مارسته إدارة بوش، وبالذات حول الإدارة العامة للحكم كان ذو شقين. أولاً، مزاج العلاقة بين البلدين كان قد تعكّر، ويُعزى ذلك أساساً إلى "التدخل الأمريكي" في تخصيص أو وضع شروط على ما كانت تعتبره القاهرة بأنه "مالها". وثانياً، الضغط المستمر من جانب الولايات المتحدة الذي أسفر عن قيام فترة وجيزة من الانفتاح السياسي في عام 2005، أجرت مصر خلاله أول انتخابات رئاسية تنافسية، كما استطاعت وسائل الإعلام المصرية المستقلة إيجاد فسحة لالتقاط الأنفاس، وقام قضاة مصر بتأكيد مكانتهم وفرض الحقوق القانونية على الآخرين. ومع ذلك، وعلى الرغم من الخلافات التي نشأت، لم يتم رفض أي طلب مصري مهم يتعلق بمخاوف أمنية وطنية أخرى.

استمرار مشاكل الحوكمة

وفقاً لمنظمة "فريدم هاوس" وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، حدث تدهور مستمر منذ عام 2005، في سجل نظام مبارك حول حقوق الإنسان والديمقراطية. ومنذ عام 2006، وضعت القاهرة تدابير قمعية شديدة ضد جماعة الإخوان المسلمين، حيث قامت بحملة لفرض النظام – التي اقترنت بتدهور الحالة الاقتصادية – بحيث ساهمت بشكل ملحوظ في قيام اضطرابات اجتماعية.

وقد تعرضت مصر هذا الصيف، لموجة من الإضرابات احتجاجاً على حقوق العمال ورواتبهم، كانت بأعداد لم تر منذ عقود. وثمة أزمة الخبز في العام الماضي، التي اضطرت الرئيس مبارك إلى إجبار الجيش على القيام بخَبْز وتوزيع الخبز - وهي مهمة لا يزال يؤديها.

ولا تزال سيادة القانون تمثل مشكلة، حتى خارج السياق الذي يعمل فيه الإسلاميون. فبالنسبة لكثير من المصريين، كانت القضية البارزة وواسعة التغطية المتعلقة بـ "ميرفت عبد الفتاح" - امرأة حامل في السادسة والثلاثين من عمرها قتلت من قبل أحد رجال الشرطة وأمام شهود في أكتوبر 2008 - دلالة على انعدام المساءلة. وقد حُكم على الشرطي المدان بالسجن لمدة عام واحد فقط لارتكابه هذه الجريمة، بدلاً من الحد الأقصى للعقوبة وهو سبع سنوات.

ومع ذلك، ولعل أفظع خطوة إلى الوراء، كان إدماج العناصر الرئيسية لقانون الطوارئ في الدستور المصري خلال عملية تعديل الدستور التي جرت عام 2007 - والتي وضعت معايير لمرشحي الرئاسة- مما ضمنت فقط لنجل مبارك، جمال، إمكانية الترشيح للانتخابات. وقد أعرب بالفعل كل من الإسلاميين والعلمانيين من صفوف المعارضة عن معارضتهم على ترشيح جمال.

الجانب المشرق.. المصالح المشتركة

على الرغم من هذه الصورة - في مجال حقوق الإنسان - التي تزداد سوءاً، تحسنت العلاقات بين القاهرة وواشنطن باطراد منذ انتخاب أوباما. ومؤخراً، ولأسباب أمنية وطنية خاصة بها، اتخذت القاهرة سلسلة من الخطوات حول مجموعة واسعة من القضايا، تعتبرها إدارة أوباما أساسية لتعزيز المصالح المتبادلة بين الولايات المتحدة ومصر.

السياسة الفلسطينية: تعمل مصر خلال الأشهر الأخيرة على إقناع "حماس" بالانضمام إلى حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهو شرط أساسي في رأي القاهرة لاستئناف مفاوضات السلام. وعندما أصبح واضحاً في هذا الصيف بأن دمشق - واحدة من أبرز رواد حركة "حماس"- تلعب دوراً غير مثمراً في محادثات الوحدة الوطنية، بذلت مصر جهوداً لتقويض المبادرة التي كانت تسعى لتعزيز التقارب السياسي بين سوريا والمملكة العربية السعودية.

وفي الوقت نفسه، عملت مصر على زيادة الضغط على "حماس" من خلال منع تحويل الأموال والأسلحة إلى غزة. وفي الربيع الماضي، صادرت الشرطة المصرية مبلغ 12 مليون دولار كانت تحاول "حماس" تهريبه إلى غزة. وتشير وسائل الإعلام الإسرائيلية أيضاً بأن مصر تلعب في الآونة الأخيرة دوراً أكثر نشاطاً في القضاء على أنفاق التهريب.

مواجهة إيران: في إبريل 2009، أعلنت القاهرة عن إلقاء القبض على خمسة وعشرين عضواً من أعضاء خلية تابعة لحزب الله تتكون من تسعة وأربعين شخصاً؛ وقيل أن الخلية كانت تقوم بعمليات لتهريب الأسلحة إلى "حماس"، واستهداف السياح الإسرائيليين في سيناء، والقيام بأعمال التخطيط - في مرحلة ما قبل التنفيذ – لمهاجمة سير السفن في قناة السويس.

وادعت السلطات المصرية بأن الخلية كانت مرتبطة بطهران ووصفت المؤامرة بأنها مناورة إيرانية لزعزعة استقرار الدولة. وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية أحمد أبو الغيط: "تحاول إيران الوصول إلى الأراضي المصرية، والوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهذه رسالة واضحة إلى العالم الغربي، وإسرائيل، ومصر، وجميع العرب".

ولكن التعبير الأكثر وضوحاً عن موقف مصر ضد إيران كان دعمها العلني لعبور البوارج الحربية الإسرائيلية عبر قناة السويس. ففي وقت سابق من هذا الصيف، سمحت القاهرة للغواصة الإسرائيلية من نوع دولفين، العبور من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر، أعقبتها بعد ذلك بفترة وجيزة طرادات الصواريخ الإسرائيلية حانيت وإيلات. ولم يكن هذا التطور بأي حال من الأحوال غير مسبوقاً- حيث يسمح لسفن البحرية الإسرائيلية منذ فترة طويلة بمرور القناة. لكن توقيت عمليات الانتشار الأخيرة هذه، وكذلك الدعاية المحيطة بها، تشير إلى نشوء تنسيق استراتيجي مصري مع إسرائيل ضد طهران.

رد الإدارة الأمريكية

لقد أدت كل خطوة من الخطوات التي اتخذتها القاهرة حول هذه القضايا الحاسمة إلى تعزيز مصالح الأمن القومي المصري. وبالرغم من أن هذه التدابير لم تؤخذ كتعبير عن عمل فضل للولايات المتحدة، ردت إدارة أوباما على نحو مماثل بتجنبها التطرق إلى جميع الكلام المتعلق بالحوكمة، والعودة إلى الوضع السابق حول تقديم المساعدات الخارجية لمصر.

ولم تشر وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى هذا الموضوع خلال كلمة ألقتها في شرم الشيخ في مارس 2009؛ وعندما سئلت عن حقوق الإنسان في مصر خلال مقابلة مع قناة العربية، أجابت: "لدينا جميعاً مجال لتحسين الأوضاع. إن الولايات المتحدة... تسير في طريق لمعالجة بعض المشاكل التي واجهناها. نحن نعتبر موضوع حقوق الإنسان مهم جداً... ولذلك نريد حشد الآخرين لتحقيق تقدم".

وبالمثل، ففي تحول مثير من التطبيق العملي في عهد بوش، لم تحتج إدارة أوباما في البيت الأبيض على أي اعتقال جرى في القاهرة- أو في أي مكان آخر في العالم العربي. علاوة على ذلك، وعدت الإدارة الأمريكية بتقديم مساعدات إضافية في السنوات المقبلة، في حين خفضت التمويل المخصص لتعزيز الديمقراطية في مصر بأكثر من 60 في المائة وكذلك المساعدة للمجتمع المدني بصورة خاصة بأكثر من 75 في المائة.

إن أهم شيء بالنسبة لبلد شهد نفوذه وصورته في العالم العربي تتدهور خلال العقود الثلاثة الماضية، هو ما فعله الرئيس أوباما حين قام بمكافأة القاهرة بزيارة رئاسية وإلقاء كلمة افتتاحية إلى "العالم الإسلامي" لتلبية غرور مبارك وكبرياء مصر حول نفسها كقلب العالم العربي، إن لم يكن الإسلامي. وعلى الرغم من أنه ذكر الديمقراطية بطريقة آمنة وغير مهيجة خلال خطابه في القاهرة، أهمل الرئيس أوباما الإشارة مباشرة إلى مصر، أو تحدي العالم العربي بنفس الطريقة التي تحدى بها الأفارقة في غانا بعد أسبوع واحد فقط من زيارته للقاهرة.

الخاتمة

يأتي الرئيس مبارك إلى واشنطن خلال أيام الصيف الحارة، عندما تكون العاصمة بلدة أشباح افتراضية. وبالرغم من ذلك، يثبت انعقاد القمة الرئاسية في واقع الحال، عن تغيير مثير في العلاقات المصرية الأمريكية منذ انتخاب أوباما. ويُعتبر الاجتماع أيضاً إنجازاً مؤهلاً بالنسبة للقاهرة: فربما تقوم إدارة أوباما بالتحول باتجاه مصر كاستجابة لرد الفعل البارد، وحتى الرافض، الذي واجهته من قبل المملكة العربية السعودية- الشريك المفضل لإدارة بوش - تجاه مبادرات الإدارة العديدة.

سيكون من الصعب بالنسبة لواشنطن، قياس نجاح مؤتمر القمة. فباستثناء استضافة محتملة لمؤتمر سلام آخر في شرم الشيخ، لا تزال توقعات إدارة أوباما من مصر غير واضحة. ولا تزال مصر شريكاً استراتيجياً في منطقة مضطربة، ولكن مصر نفسها تعاني أيضاً بعض العناء، حيث تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية هائلة.

ينبغي الإشادة بالإدارة الأمريكية لاستعادتها الأجواء الإيجابية للعلاقة بين البلدين، ولكن ليس من الضروري إزالة المخاوف الأساسية المتعلقة بالحوكمة خوفاً من فقدان تعاون القاهرة فيما يتعلق بـ "حماس" وإيران. وستواصل مصر العمل على تحقيق مصالحها الذاتية. وفي حين سيحدث تحول في مصر في المستقبل القريب، ستكون زيارة الرئيس مبارك هي الوقت المناسب لإعادة قضايا الحوكمة إلى جدول الأعمال الثنائي، بطريقة جدية وإن كانت أقل علنية. إن استقرار مصر على المدى البعيد، ونفوذها وأهميتها هي على المحك.


ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن. ج. سكوت كاربنتر هو زميل "كيستون فاميلي" في معهد واشنطن ومدير مشروع "فكرة"، الذي يركز على "تمكين الديمقراطيين العرب في كفاحهم ضد التطرف".

*مقال نشر على الموقع العربي لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى تحت عنوان "الرئيس مبارك يأتي إلى واشنطن"، 12 أغسطس 2009

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات