|
| شعار حركة فتح |
توصيفات عديدة ومتناقضة أطلقت على المؤتمر السادس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، والذي عقد في الضفة الغربية، بعد نحو 22 عاما من المؤتمر الخامس للحركة؛ فالبعض وصف المؤتمر بأنه "انقلاب فتح على الحرس القديم"، و"إنهاء لشرعية الثورة وبداية لشرعية السلطة". في حين وصف البعض الآخر نفس المؤتمر بأنه مجرد "مؤتمر للحزب الحاكم، لا يختلف عن مؤتمرات الأحزاب الحاكمة التي تعقد في الدول العربية الأخرى"، أو أنه مؤتمر "على الطريقة المصرية".
ولعل اختلاف التوصيفات التي أطلقت على المؤتمر يعكس مقدار التباينات بين المراقبين حول مدى نجاح أو فشل مؤتمر فتح. وبغض النظر عن هذه التباينات، فإن انتخاب لجنة مركزية جديدة للحركة تضم الكثير من جيل الشباب على حساب الحرس القديم، قد طرح بدوره التساؤلات حول التوجهات السياسية للحركة في المرحلة المقبلة وكيفية تعاملها مع التحديات التي تواجهها، داخليا وخارجيا.
فتح والولادة الثانية
يرى الكاتب الفلسطيني هاني حبيب، في مقال له بصحيفة الأيام الفلسطينية تحت عنوان (فتح تنتصر على نفسها)، نشر اليوم الأربعاء 12 أغسطس 2009، أن مؤتمر فتح السادس "هو الأكثر ديمقراطية من بين كافة المؤتمرات الخمس السابقة للحركة"، وذلك رغم "العورات العديدة والتفصيلية هنا وهناك، التي أحاطت بالمؤتمر العام السادس لحركة فتح"، مشيرا إلى أن "نجاح حركة فتح في قبول التحدي وانتصارها على نفسها، هو المقياس الأساسي لنجاح هذا المؤتمر".
كما تعكس المتابعة اللحظية المباشرة لتطورات أعمال هذا المؤتمر طوال انعقاده من جموع الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات- طبقا لحبيب- "مقدار ما تشكله هذه الحركة من عمق انغماسها في شئون الوطن، شعباً وقضية، باعتبارها المكون الأساسي والجوهري"، وذلك "رغم الانهيارات والانكسارات والهزائم التي لحقت بالحركة ولحقت بالقضية الوطنية عموماً والتي تتحملها في الأساس قيادتها التاريخية التي أعاقت طوال عقدين من الزمن عقد مؤتمرات الحركة؛ ما أسهم في استفحال الأخطاء والخطايا".
وتمثل قدرة الحركة على تحدي ذاتها، كما يشير حبيب، "العامل الأساسي وراء نجاح هذا المؤتمر الذي عقد في ظل ظروف هي الأكثر خطورة منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة"، مشيرا إلى أن فتح "ولدت من جديد في مؤتمرها الأول الذي عقد على الأرض الفلسطينية (عقدت المؤتمرات الخمس السابقة خارج الأراضي الفلسطينية)، والذي غابت عنه الزعامات الفردية المتنفذة لصالح بداية لاستنهاض العمل التنظيمي".
ويصف حبيب المؤتمر بأنه "انطلاقة جديدة، وولادة ثانية لحركة فتح"، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى انتخاب لجنة مركزية جديدة "انبثقت عن عملية انتخابية هي الأكثر شفافية في تاريخ مؤتمرات حركة فتح"، وهو الأمر الذي يمكن كل عضو من أن يكون "أكثر استقلالاً ويمكنه من طرح مواقفه من دون ضغط من هذه الجهة أو تلك، فهو لم يصل إلى عضوية اللجنة المركزية بسبب رضا هذا الزعيم أو ذاك القائد، وبقاؤه في هذه اللجنة من عدمه رهن بمواقفه وسلوكه وليس رهناً بعلاقات شخصية مع الزعامات المتنفذة صاحبة السطوة والتأثير على مجريات الحركة بمعزل عن مؤسساتها".
وتتميز هذه اللجنة، إضافة إلى عناصرها "الشابة"- طبقا لحبيب- بالتنوع والكفاءة بشكل عام، ما يجعلها أكثر قدرة على التعاطي مع عدة ملفات في وقت واحد وفي مسارات مختلفة.
ومع ذلك يشدد حبيب على أنه من المبكر "التعرف بدقة إلى المنحى العام الذي ستسلكه اللجنة المركزية وهي تتعاطى مع تجربة تنفيذ البرنامج السياسي الذي أقره المؤتمر، خاصة أن الأمر أكثر تعقيداً في ضوء الأوضاع الداخلية الفلسطينية، ومواقف الإدارة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً، دون تجاهل معطيات جديدة ترافقت مع وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض".
"مؤتمر للحزب الحاكم"
وعلى نقيض ما خلص إليه حبيب، يرى الكاتب اللبناني طلال سلمان في مقال له نشرته صحيفة السفير اللبنانية تحت عنوان (فتح في طورها الجديد: مؤتمر الحزب الحاكم... والقرار للسيد الرئيس!)، أن مؤتمر فتح السادس "لم يشذ عن أي من مؤتمرات "الحزب الحاكم" في أي دولة عربية أو من دول العالم الثالث"؛ فقد كان انعقاد المؤتمر هو الهدف، ولذلك "تم تجاوز كل الشروط الضرورية لكي يكون المؤتمر فرصة لمراجعة شاملة للتجربة المأساوية للعمل الوطني الفلسطيني عموما، وفتح منه في موقع "القائد" و"الرائد" في ماضي الكفاح المسلح، وفى حاضر "السلطة" اللاغية للكفاح والسلاح".
ويشير سلمان إلى أنه قد تم التساهل في قبول الشروط الإسرائيلية لكي ينتظم المؤتمر في سياق "العملية السلمية" التي أفقدت أهدافها أو تم حرفها عنها، فجاءت القيادات والكادرات التي كانت منسية، أو التي كانت قد نسيت عضويتها في تنظيم استغرق في "السلطة" حتى استنزفته، إلى مؤتمر تم ترتيب انعقاده على عجل، وفي ظروف من التهيب والحذر وخوف التصادم مع الاحتلال، لكي يقروا ما كان قد تقرر في غيابهم، ومن دون الحاجة إلى آرائهم وبالتالي إلى أصواتهم!".
ولم تكن "فتح" هي فتح التي عرفها الفلسطينيون وسائر العرب في الستينات والسبعينات قائدا للكفاح المسلح، وقيادة لمنظمة التحرير الوطني الفلسطيني- طبقا للكاتب اللبناني- "وذلك برغم ارتفاع بعض شعارات الزمن الجميل من خلف منصة الرئاسة التي يتصدرها أحد أبرز رجالات اتفاق أوسلو الذي وضع نقطة الختام للكفاح المسلح وكل ما يتصل بالتحرير، وهو "الرئيس المطلق" لمختلف الهيئات والمجالس التي صارت "إدارات" حكومية.
وكما يقول سلمان، فإن ("فتح" الآن هي "فتح" السلطة، والمؤتمر محكوم بأن يكون أقرب إلى مجلس نيابي معين يناقش برنامجا لحكومة محكومة بالانضباط تحت سقف الاحتلال والاتفاقات المبرمة التي يشكل اتفاق أوسلو ذروتها، أما ما بعده فهو أدنى فأدنى، إذ إنه محكوم بما يقرره المحتل، بدءا من الإذن بانعقاد المؤتمر وصولا إلى الإذن بدخول الأعضاء أو رفض السماح بدخولهم).
ماذا بعد المؤتمر السادس؟
وعن آفاق مستقبل حركة فتح بعد هذا المؤتمر، توقع الكاتب عبد الله اسكندر في مقال له نشر بصحيفة الحياة اللندنية اليوم، تحت عنوان (فتح.. هل تستعيد المبادرة؟)، أن "تستعيد فتح المبادرة على كل الصعد، بعدما أنهت مؤتمرها، وانتخبت هيئاتها القيادية". ويقول إسكندر "خلال الأعوام السابقة، خصوصاً بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات، لعبت الخلافات والمواقف الشخصية بين القيادات التاريخية دوراً معيقاً في اتخاذ القرار وحمايته، حتى إن كلاً منها كان قطباً في ذاته. وكثيراً ما كان هؤلاء يشدون كل في اتجاه. وانعكس الأمر على الحركة أساساً، وأيضاً على عمل منظمة التحرير والعلاقة مع الفصائل الأخرى".
ومن المفترض، وفقا لإسكندر، "أن تتغير هذه الحال مع اللجنة المركزية الجديدة التي تضم غالبية من الذين يشغلون المنصب للمرة الأولى، أي من الذين لا يحتمون بتاريخهم الطويل في الحركة، وتحصنوا فيه وشكلوا أقطاباً مستقلين". ومع ذلك يشدد إسكندر على أنه "من المستعبد أن تختفي كلياً الخلافات الشخصية داخل اللجنة المركزية الجديدة، وهي خلافات أطرافها معروفون. لكن تظل في إطار الحزازات الشخصية التي لن يكون سهلاً على أصحابها التحول إلى أقطاب مستقلة، في المستقبل المنظور".
وبناء على ذلك، يؤكد الكاتب على أنه "أصبح في الإمكان إعادة الاعتبار إلى اللجنة المركزية في الحركة، كهيئة قيادية جماعية، بدل مجموعة الأقطاب السابقة"؛ فهذه الهيئة "لم تعد تملك أعذاراً للجمود والتشتت وتضارب الصلاحيات التي سادت اللجنة السابقة وعملها".
وفي انتظار أن يحقق هجوم السلام الأمريكي اختراقا ما في إسرائيل، في حال قدرة واشنطن فرض هذا الاختراق، فإن التركيز على ترتيب البيت "الفتحاوي"، وتالياً الفلسطيني- كما يقول إسكندر- سيكون "بين أهم المهمات التي تنتظر القيادة الجديدة، وذلك بالتوقف ملياً أمام تجربة الأعوام الماضية، وإعادة تقويمها على المستويين الإداري والسياسي. إذ إن إدارة شفافة وخطة سياسية واضحة وحدهما يعيدان الثقة المفقودة للشارع الفلسطيني بالحركة التي جسدت يوماً كل آماله".
ومن جانبه يرى الكاتب الفلسطيني هاني المصري، في مقال له بصحيفة الأيام الفلسطينية تحت عنوان (ماذا بعد مؤتمر فتح)، نشر الثلاثاء 11 أغسطس 2009، أن هناك عاملين رئيسيين سيحددان التوجهات السياسية لحركة فتح، سواء الداخلية أو الخارجية، في المرحلة المقبلة، هما: أولا: "من الذي سيفوز في الـمجلس الثوري واللجنة الـمركزية؟ ومن ستكون لديه أغلبية فيهما". أما العامل الثاني فهو "مصير وآفاق التحرك الأمريكي والدولي الرامي لإحياء عملية السلام، وهل سيؤدي إلى طرح مبادرة سياسية عادلة أو متوازنة وقادرة على التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع ويحقق السلام على أساس الاستجابة للحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية؟ أم سينتهي التحرك الدولي والأمريكي إلى مبادرة مختلة، غير متوازنة تساوي في أحسن الأحوال بين الجلاد والضحية"؟.
ويرى المصري أن من شأن طرح مبادرة أمريكية ودولية غير متوازنة أو منحازة لإسرائيل، أن يدفع فتح نحو التشدد أو العودة إلى التصارع وإلى الشلل.
وأخيرا، وكما يشير المصري، فإن "مؤتمراً واحداً على أهمية عقده ونجاحه في الوصول إلى محطته الأخيرة بعد عشرين عاماً من عدم عقد الـمؤتمرات وفي ضوء الكيفية التي جرى فيها تحديد العضوية (30% منتخبون فقط) وفي ظل ظروف الانقسام الفلسطيني، ومع عدم تبلور التحرك الأمريكي والدولي حتى الآن، لا يكفي لحسم اتجاه حركة (فتح) وإصلاحها وتجديدها وتغييرها، مع أنه خطوة إلى الأمام".
|