English

 

الثلاثاء. أغسطس. 11, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » عمليات التسوية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أوباما والاستيطان.. أزمة التجميد مقابل عدم التوسع *

ديفيد ماكوفسكي

Image
أوباما ونتنياهو
بعد مرور شهرين ونصف على وصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمرة الأولى إلى طريق مسدود حول قضية المستوطنات، يستمر هذا الخلاف بل وحتى يزداد أكثر تعقيداً. فقد رفضت المملكة العربية السعودية حالياً مطالب جورج ميتشيل، المبعوث الخاص للسلام في منطقة الشرق الأوسط، بشأن مواصلة تدابير بناء الثقة تجاه إسرائيل، حتى وإن كان ذلك مقابل تعليق مؤقت لبناء المستوطنات. وعلى الرغم من عدم قيام إدارة أوباما بتوجيه أي انتقاد علني ضد الرياض، إلا أنها تواصل انتقاداتها حول المستوطنات الإسرائيلية. وسيتعين على واشنطن الانخراط في (بذل) بعض الجهود المبتكرة لصنع السياسات، من أجل إحراز تقدم في الجهود الدبلوماسية.

مخاطر هذا المأزق

يأتي المأزق الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع مخاطر كبيرة. وتأمل إدارة أوباما أن تؤدي جهودها إلى تعزيز محادثات السلام، ولكن النهج الذي اتبعه الرئيس الأمريكي أسفر حتى الآن عن نتائج عكسية؛ فقد رفعت الولايات المتحدة من توقعات العرب بشأن تجميد المستوطنات إلى حد قد يكون من المستحيل تحقيقه. وفي الواقع، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أنه لن يتفاوض مع إسرائيل بدون (فرض) تجميد كامل على بناء المستوطنات. كما يؤدي أيضاً رفض المملكة العربية السعودية التعاون حول لفتات السلام التي ألمح إليها ميتشيل إلى خلق تكهنات حول ما إذا كانت ستحافظ دول عربية أخرى على وعودها للإدارة الأمريكية فيما يتعلق بقضايا تتراوح من إعادة فتح دوائر رعاية المصالح في إسرائيل وحتى اتخاذ خطوات أقل (أهمية) مقابل التحركات الإسرائيلية. ومع أخذ الثقل السياسي للمملكة العربية السعودية في نظر الاعتبار، هناك بعض الدول العربية التي ربما لن ترغب أن تكون بعيداً عن الخطوة التي تسير فيها المملكة.

وقد كان لأزمة المستوطنات تأثيرها البالغ أيضاً على ديناميكية العلاقة بين أوباما ونتنياهو. فمن المعروف أن نتنياهو قد فوجئ من قبل أوباما حين أثار الأخير فكرة تجميد بناء المستوطنات، وذلك خلال مقابلتهما الأولى وبدون سابق إنذار. وعلى الرغم من نفي المسئولين الأمريكيين بشدة المخاوف التي تخرج من معسكر نتنياهو بأن جهود أوباما تهدف منذ البداية إلى الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلا أن العلاقة بين كلا الزعيمين أخذت بدون شك منحى سيئاً منذ بدايتها. وتعتبر الثقة بين الزعماء أحد الأصول التي تحسم شكل العلاقة بينهما، فكلما تضاءلت تلك الثقة بين أوباما ونتنياهو، ازدادت صعوبة التعامل مع القضايا الحرجة مثل عملية السلام وإيران.

تعريف معنى التجميد

على النحو المناسب، ركز أوباما منذ البداية على قضية السلام العربي الإسرائيلي، مدركاً امتلاك رؤساء الولايات المتحدة عادة الكثير من الرصيد السياسي في بداية فترة ولايتهم، إلى درجة تفوق ما يكون لديهم بعد ما يمرون به من إرهاق سياسي. ولا يعتبر تركيز الإدارة على الحد من بناء المستوطنات أمراً غير معقول، حيث سيُنظر إلى توسيع المستوطنات على أنه توسع إقليمي إسرائيلي قائم على استغلال الفترة الزمنية التي تكون فيها احتمالات السلام غير مؤكدة في الوقت الذي تتم فيه إعادة إصلاح المؤسسات الفلسطينية.

بيد أن السؤال الرئيسي هو إذا كانت القيود المقترحة ستؤدي في النهاية إلى تجميد كامل في بناء المستوطنات في الضفة الغربية؟. فقد أعربت إدارة أوباما عن رغبتها في أن تقوم إسرائيل ليس فقط بإيقاف التوسع الخارجي –مساكن جديدة خارج حدود بناء المستوطنات الحالية، وهو الأمر الذي قد يُنظر إليه بأنه انتهاك إقليمي لقيام دولة فلسطينية في المستقبل– وإنما أيضاً البناء داخل حدود المستوطنات الموجودة من قَبل، سواء أكان ذلك التوسع عمودياً أم غير ذلك. ولم تقدم إدارة أوباما حتى الآن وبصورة علنية، أساساً منطقياً لأسباب موقفها هذا، لكن يقول بعض المسئولين الأمريكيين بشكل غير رسمي إن التوسط من أجل (فرض) تجميد كامل على بناء المستوطنات سوف يكون أكثر سهولة من المشروع الصعب المتمثل بمراقبة أعمال التوسع في كل مستوطنة على حدة.
 
ويعارض نتنياهو فكرة التجميد كونها غير عملية وقصيرة الأمد -في أفضل الأحوال- حيث من اللازم بناء الفصول في المدارس، وكذلك بناء المعابد وغيرها من المباني المماثلة، ضمن حدود المستوطنات الحالية. يُذكر أن أطول التزام إسرائيلي بتجميد بناء المستوطنات قد أعطي من قبل مناحيم بيغن إلى جيمي كارتر في عام 1978، ولفترة ثلاثة أشهر فقط. وينتاب نتنياهو شعور بالقلق بأن التعليق المقترح لنشاط البناء يفتقر إلى إستراتيجية للخروج منه، مما قد يجعل إسرائيل بمثابة كبش الفداء عند انحلال هذا الاتفاق. ومن جانبها، تأمل الولايات المتحدة إلى التوصل إلى اتفاق إقليمي دائم، لذلك فهي تركز بصورة أقل على هذه المخاوف الإسرائيلية بالذات.

ويبدو أن نتنياهو قد كسب الكثير من الناحية السياسية فيما يتعلق بالمأزق مع أوباما، حيث ينظر الإسرائيليون إلى موقف رئيس وزرائهم المعارض حول التوسع الرأسي (العمودي) داخل حدود المستوطنات على أنه موقف معقول، في حين يرون في تصريحات أوباما بعض التزمت. فخلال فترته الأولى في رئاسة الوزراء (1996-1999) اتبع نتنياهو سياسات مؤيدة للتوسع؛ لكن منذ أن تسلم منصبه للمرة الثانية، يؤكد مساعدوه بأنه لم يَسمح لحكومته بإصدار عطاءات جديدة للبناء في الضفة الغربية. وبالتالي، كانت أحزاب المعارضة السياسية الإسرائيلية وكذلك السياسيين صامتين بصورة غير معتادة، وذلك في تناقض صارخ مع طريقة تعاملهم في الماضي رداً على الأزمات الدبلوماسية السابقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد انعكس تراجع شعبية أوباما بشكل كبير من خلال إحدى استطلاعات الرأي التي قدرت شعبيته في إسرائيل بـ 6%.

عدم التوسع مقابل التجميد

عند تحليل (أزمة التجميد مقابل عدم التوسع)، يبدو أنه ينبغي أن يكون المعيار الرئيسي متمثلاً في الاستمرارية. وبناءاً على ذلك، تظهر تساؤلات منطقية بشأن أهمية الفترة الزمنية القصيرة التي يتم فيها تعليق أنشطة البناء باستثناء المباني التي أنجزت بشكل جزئي، ولا سيما إذا كان هناك "معيار لعدم التوسع" يكون أكثر فعالية، بحيث يمكن أن يستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام.
 
إن ما يشعل نار المناقشات هو خلاف حول ماضي السياسة الأمريكية تجاه المستوطنات. فإسرائيل تؤكد على أنها قد توصلت في ربيع عام 2003 إلى تفاهم شفهي مع الولايات المتحدة، يُمكِّن إسرائيل من قبول خطة خارطة الطريق للسلام التي أقرتها اللجنة الرباعية الدولية (وتم الإعلان عنها رسمياً في قمة العقبة التي انعقدت في يونيو 2003، برئاسة الرئيس السابق جورج دبليو بوش)، ودعم إنشاء دولة فلسطينية بل وحتى الانسحاب من غزة في النهاية.

وطبقاً لما يقوله الإسرائيليون، فقد قدِم إلى إسرائيل في الأول من مايو 2003 وفدٌ يضم مسئولين أمريكيين برئاسة نائب مستشار الأمن القومي في ذلك الوقت ستيف هادلي، للاجتماع مع أرييل شارون للتوصل إلى تسوية بشأن المبادئ الخاصة ببناء المستوطنات. واتفق الطرفان على أنه يحق لإسرائيل البناء داخل (حدود) المستوطنات، طالما أنها لا تقوم بتشييد مستوطنات جديدة ولا تتخذ قرارات بمصادرة المزيد من الأراضي ولا تقدم أي حوافز مالية لمستوطنين من أجل الانتقال إلى الضفة الغربية. وعلاوةً على ذلك، من شأن أي أعمال بناء تتم داخل مستوطنات (قائمة)، أن تنحصر ضمن خط البناء الحالي. وطالما لا يحدث انتهاك لهذه المبادئ، فإن كل شيء آخر سيكون مسموحاً به. وفي اجتماع لاحق، أبدت كونداليزا رايس –مستشارة الأمن القومي في إدارة بوش وقتذاك– موافقتها على بنود ذلك الاتفاق، وبذلك وافقت الحكومة الإسرائيلية في 25 مايو 2003 على خطة خارطة الطريق. وبعد عدة أشهر، وفي تبادل لخطابات عامة رُسمت بعناية، في الوقت الذي كانت تتم خلاله مناقشة قضية الانسحاب من غزة، التزمت إسرائيل بشكل واضح بترسيم خط البناء الحالي. وقد قام النائب السابق لمستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، إليوت أبرامز، الذي يقال إنه شارك عن قرب في تلك المفاوضات، بالتأييد علناً وبشكل قاطع لوجود الاتفاق الشفهي.

ومع ذلك، هناك تناقضات تحيط بمسألة التفاهم الشفهي، إذ يقال إن رايس (التي أصبحت فيما بعد وزيرة الخارجية خلال فترة رئاسة بوش الثانية) أخبرت وزيرة الخارجية الحالية هيلاري كلينتون بأنه لم يكن هناك على الإطلاق أي اتفاق شفهي من هذا النوع؛ الأمر الذي دفع بالأعضاء السابقين في إدارة بوش إلى التأكيد على أن إنكار رايس كان يعود إلى علاقاتها المتدهورة مع إسرائيل، مع اقتراب نهاية منصبها كوزيرة للخارجية. علاوةً على ذلك، ينكر بعض الأعضاء في إدارة أوباما وجود هذا التفاهم، ويصرون على أن كبار المسئولين في إدارة بوش لم يوافقوا أبداً على ذلك الاتفاق الشفهي. وهناك مسئولين آخرين في إدارة أوباما يقولون بأنه لا يمكن إلقاء اللوم على الإدارة الحالية، بسبب رفض رايس وهادلي لطلبات قدمت من قبل إدارة أوباما لإحاطتها بتعليمات رسمية مفصلة. وبغض النظر عما حدث في عام 2003، فإن التصور الإسرائيلي لذلك الحدث، سوف يجعلها تتشكك في صلاحية أي اتفاق شفهي مستقبلي مع الولايات المتحدة.

ومن الواضح أيضاً أنه على الرغم مما حدث أو لم يحدث، لم يقم أرييل شارون أو إيهود أولمرت بتنفيذ وضع ترسيم محدد لنطاق البناء في المستوطنات الحالية. ويبدو أن إدارة بوش فقدت أيضاً الاهتمام بهذه القضية، لا سيما عندما كان يقود شارون الانسحاب الإسرائيلي من غزة في عام 2005 وحينما شارك أولمرت في مؤتمر أنابوليس للسلام في عام 2007. وعلى الرغم من أن مشكلة التنفيذ قد حدثت قبل تولِّيه مهام منصبه، يقر المسئولون الأمريكيون بأن نتنياهو يتلقى العبء الأكبر من اللوم على أفعال أسلافه.
 
ومن المفارقات أن إسرائيل قامت بترسيم حدود المستوطنات لكنها لم ترسل البيانات إلى الولايات المتحدة. فقد قام شارون بإعادة باروخ شبيغل، جنرال إسرائيلي متقاعد معروف بنزاهته، للعمل على رأس مجموعة تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، جزئياً لهذا الغرض (أي إنشاء قاعدة بيانات شاملة للمستوطنات). وقد قامت مجموعة شبيغل، التي عملت خلال الفترة من 2004 إلى 2007، برسم حدود كل واحدة من مستوطنات الضفة الغربية البالغ عددها 120 مستوطنة، فضلاً عن 87 موقعاً من المواقع الاستيطانية الإسرائيلية غير القانونية (بما فيها، الـ 23 موقعاً التي تم البدء بها منذ مجيء شارون إلى السلطة عام 2001)، وكانت تستكمل النتائج التي تتوصل إليها كل ثلاثة أشهر، باستخدام الاستطلاع الجوي. وما زال من غير الواضح معرفة سبب عدم سماح شارون وأولمرت بمشاطرة أعمال شبيغل مع نظرائهم الأمريكيين.

الخاتمة

يبدو من غير المحتمل أن تتوصل الولايات المتحدة وإسرائيل إلى (اتفاق مستدام) بشأن تجميد المستوطنات، باستثناء لفتة رمزية قصيرة الأمد. ومع ذلك، يمكن التوصل إلى اتفاق أكثر استدامة بشأن عدم التوسع، بحيث يتعامل مع القضية المحورية الخاصة بالتوسع الإقليمي، والذي قد يحدد بشكل مسبق الوضع النهائي لمفاوضات السلام. ويبدو أنه كان بالإمكان تجنب المأزق الراهن بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وبغض النظر عما حدث من اتفاقات أو لم يحدث في عام 2003، لا يمكن أن تتجاهل إسرائيل بأنه يجب عليها التغلب على "ميراث عدم الثقة" فيما يخص التنفيذ.

ويمكن التوصل إلى قرار بخصوص المأزق الحالي بحيث يكون قابلاً إلى حل مستدام. فمن خلال العمل الذي قام به شبيغل والإمكانيات المتوفرة للولايات المتحدة من خلال أقمارها الصناعية، ينبغي على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تكونا قادرتين على التوصل لاتفاق بشأن آلية مراقبة موثوق فيها، تضمن الالتزام الكامل حول توسيع المستوطنات. وسواءً وافقت واشنطن أم لم توافق على تفاصيل أقل أهمية، ينبغي على القادة الأمريكيين أن يرحبوا بمثل هذا التطور. كما يتعين أن يكون التعقيد الهائل في مراقبة التوسع الاستيطاني على المدى القصير فقط، حيث إن الاتفاق الإقليمي الدائم –الذي يتقرر بموجبه "مرة وإلى الأبد" أي المستوطنات سيتم ضمها من قِبَل إسرائيل– يجب أن يكون هو الهدف الأسمى لجميع الأطراف، الأمر الذي لا يجعل بحث تفاصيل البناء الثانوية موضع نقاش، في ظل وجود اتفاق حول الحدود المقبولة.

ربما كان بإمكان نهج عدم التوسع أن ينهي أزمة المستوطنات الراهنة قبل عدة أشهر، وربما كان هناك احتمال أن تجري الآن بالفعل مفاوضات صريحة لتحقيق السلام. ومع ذلك، فإن النهج الحالي الذي تتبعه الولايات المتحدة، والذي يركز بشكل كبير على المكاسب قصيرة الأمد الناجمة عن تجميد المستوطنات، لا ينتج شيئاً بل تناقص الغلة.


زميل زيغلر البارز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن، وقد شارك في تحرير كتاب (الأساطير... الأوهام والسلام: البحث عن اتجاه جديد لأمريكا في الشرق الأوسط، نشر عام 2009.

*مقال نشر على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، تحت عنوان: "عدم التوسع مقابل التجميد.. معضلة أوباما بالتعامل مع المستوطنات الإسرائيلية"، نشر يوم 7 أغسطس 2009.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات