|
| أنصار الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز |
أثبتت التجارب في مناطق العالم المختلفة أن عملية التحرر السياسي الوطني والخروج من براثن الاستعمار كانت أقل تعقيداً إلى حد كبير من مصاعب الإنجاز في مرحلة التحول الديمقراطي، وذلك نتيجة التعاون الجماعي الشعبي الذي شهدته المرحلة الأولى مقابل التعقيدات الاجتماعية التي تلتهم إنجازات المرحلة الثانية.
ولم تستطع بعض "الدول الوطنية الحديثة" في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، والعالم العربي، أن تمهد حتى اليوم سياسيا أو ترتب قواها الاجتماعية والمؤسسية لفترة المواجهة العسيرة، وذلك بعد سقوط قيادتها النخبوية أو الكاريزمية في فترة التحرر الوطني، ثم سقوط سندها الاشتراكي الفعال بدرجة أو أخرى في فترة تالية.
ومع ذلك فإن أكثر من شعب على مستوى العالم قد تعرض في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفي فترة الحرب الباردة ثم في مرحلة ما بعد انتهاء هذه الحرب إلى أزمات اجتماعية سياسية حادة دفعت قواه الحية إلى الاحتشاد في أكثر من صورة تنظيمية للعمل السياسي. وقد أخذ هذا الاحتشاد، أو هذه الحركات، أكثر من صورة، إما عبر تنظيم جبهوي أو حزبي، أو التعبير عن المواقف في الانتخابات العامة أو في الأشكال الاحتجاجية الجامعة.
تجارب شعبوية متنوعة
حول هذه التجارب الديمقراطية والشعبية المختلفة، وتقييمها، واستخلاص العبر والدروس منها، نظم مركز البحوث العربية والإفريقية بالقاهرة يوم 3 أغسطس 2009 ندوة حول تجارب التحالفات الشعبية الديموقراطية في بلدان الجنوب، وبالأخص في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ومن خلال تتبع بعض التجارب المختلفة للتغيير في بلدان متنوعة، يلاحظ أن هذه الحركات التغييرية قد اختلفت من شعب لآخر، واتخذت مسميات مختلفة وفق موضع هذا الشعب أو ذاك في أنحاء العالم. فعلى المستوى الآسيوي، كان العمل الحزبي والتحالفات الحزبية بين قوى تندرج بين اليسار واليمين سمة متصلة في بلد مثل الهند.
وعلى المستوى الإفريقي، كان العمل الوطني جامعا لمعظم التنظيمات الديمقراطية والعمالية والأهلية حول حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في بلد مثل جنوب إفريقيا. وخارج تجربة جنوب إفريقيا لمواجهة النظام العنصري، عرفت القارة ظاهرة المؤتمرات الشعبية الوطنية، وما عرف أحيانا باسم مؤتمرات السيادة الشعبية الوطنية، وذلك في مواجهة حكومات عسكرية أو نظم مستبدة قادت البلد لأوضاع اقتصادية واجتماعية شديدة التدهور، حيث برزت تجارب ما عرف بـ "المجتمع الأهلي" و"العمل الديمقراطي الشعبي" الذي أطاح بالحكم وقدم قيادات جديدة، وإن لم تقدم هذه الحركات برامج جذرية لمعالجة الأوضاع الاجتماعية والسياسية.
أما أمريكا اللاتينية، فقد قدمت نموذجا قام على مساندة العمل الشعبي والتفافه حول أحزاب يسارية وديمقراطية، بدأت في شيلي، ثم حدث الزحف الشعبوي على الحكم في البرازيل وفنزويلا وغيرها. لكن بمرور الوقت حدث انعزال بين التحركات الشعبوية في الحكم عن التنظيمات اليسارية التقليدية، وضعف الرابط المؤسسي بينهما.
وفي تجربة مختلفة تماما عن الأنساق السابقة، نجد أن الأزمات الاجتماعية في دول أوروبا الشرقية قد قادت في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة إلى تفجر الموقف الشعبي وراء شعارات لأطراف بعضها شعبوي والآخر من قبل أطراف ذات صلة وثيقة بدوائر العولمة السائدة، فيما عرف باسم الثورات الملونة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، حيث لم تستطه هذه الأطراف، الشعبوية أو النخبوية، بلورة برامج ناجحة، ما عرض بعضها للسقوط، كما وضع اليسار القديم نفسه موضع أقلية حزبية لا تطالب بأكثر من تمسك النخبة الحاكمة بالسلوك الليبرالي في ممارسة الديمقراطية بديلا للحركات الشعبوية التي جرى اختراقها.
إفريقيا لم تحرز التحرر الثاني
وقد استعرض د. حلمي شعراوي، مدير مركز البحوث العربية والإفريقية، خلال الندوة تجربة الحركات الشعبية في عدد من دول القارة الإفريقية، حيث تحركت الجماهير ضد نظم استبدادية عسكرية ومدنية بل وضد كاريزمات شعبية فقدت هيبتها بالاستبداد، وفرضت خلال فترة التسعينات أنماطاً من الفورات الشعبية الكاسحة باسم "المؤتمرات الشعبية الوطنية" أو "مؤتمرات السيادة الوطنية"، وذلك كما عبرت عنه تجارب عديدة امتدت من بنين في غرب القارة حتى مدغشقر في شرقها.
وركز شعراوي في كلمته على نقاط أساسية، أولها: علاقة المؤتمرات الشعبية بالأوضاع السابقة للدولة الوطنية في إفريقيا والعالم الثالث عموما. وثانيها: مدى نجاح المراهنة على قيادات كاريزمية أو خطابات شعبوية دون جدول أعمال ديمقراطي حقيقي. وثالثها: هل أسست هذه التجارب الشعبوية في القارة الإفريقية والعالم العربي لإعادة بناء الدولة الوطنية أم أنها تركت الشعوب حبيسة برامج العولمة التي شوهت كثيرا من ماضي التحرر الوطني؟.
وقبل الخوض في تجربة المؤتمرات الشعبية، يؤكد شعراوي على أنه لا يمكننا القول إن الدول الإفريقية قد حققت نقاطا ملموسة في طريق التحول الديمقراطي خلال فترة أواخر الثمانينات من القرن الماضي، والتي عرفت بـ "عملية الدمقرطة أو فوراتها"، إذ لا تزال هذه الدول تواجه تعثرا في محاولة الانتقال، بل إن ظروف الانهيار في مرحلة التحرر الثانية متوافرة بأكثر من مرحلة الاستعمار ذاته، بسبب العامل الخارجي الحاضر في المرحلتين، لكن لم يحدث الانهيار كليا لأن الوعي السياسي العالي نسبيا وحضور الكتلة الوطنية الجماعية أحيانا كان عاملا مواجها من الداخل، وإن لم تتحمل بنيته الهشة ضغوط الخارج كثيرا.
ووفقا لذلك يبرز شعراوي عددا من الملامح المميزة لفترة ما بعد التحرر الوطني، أو المرحلة الانتقالية، ومنها:
أولا: أن الرأسمالية الاستعمارية أو الإمبريالية ما زالت تواجهنا لأكثر من أربعة قرون ولا تزال تقاتل في مواجهتنا بقوة العولمة العسكرية، ولذا لم تحدث، ولا نتوقع أن تحدث، تحولات كبرى في بيئتنا السياسية والاقتصادية في عدة عقود.
ثانيا: أنه قد ثبت أن عملية التحرر السياسي الوطني كانت أقل تعقيداً إلى حد كبير من مصاعب الإنجاز في مرحلة التحول الديمقراطي، نتيجة للتعاون الجماعي الذي شهدته القارة في المرحلة الأولى، مقابل التعقيدات الاجتماعية التي تلتهم إنجازات المرحلة الثانية. فالدولة الوطنية الحديثة بعد فترة التحرر الوطني لم تستطع أن تمهد سياسياً أو ترتب قواها الاجتماعية أو المؤسسية لفترة المواجهة العسيرة، وذلك بعد سقوط قيادتها النخبوية أو الكاريزمية في فترة، ثم سقوط سندها الاشتراكي الفعال بدرجة أو أخرى في فترة تالية. وقد صاحب ذلك توجه متسارع من قبل البرجوازية المحلية التابعة وفئاتها الجديدة إلى توجهات عولمية.
ثالثا: أن سياسات التكيف الهيكلي أو ما سمي بـ"الإصلاح الاقتصادي" قد أحكمت تكريس عملية العزل والإقصاء لأوسع الجماهير الفقيرة، واستبعاد فئات الطبقة الوسطى والمثقفة بل وانهاكهما معا. وقد مثَل ذلك آلية تاريخية مباشرة لاتساع القاعدة الشعبية المحرومة، ومن هنا كان من السهل على القوى الخارجية أن تضاعف إدماج كل المشهد في السوق العالمي الآخذ في التوحد وليس مجرد تهميشه.
رابعا: أن غياب التنظيم السياسي الشعبي الديمقراطي، والذي يقوم على تحالفات طبقية جديدة وفعالة (كما رأى أرشي مافيجي)، قد أدى إلى عدم حضور بديل قادر على خطوات التحول الديمقراطي الأقدر بدوره على الصمود. ومن هنا سيطرت على هذه الفترة بعض الأشكال الفوضوية واللجوء لأفكار دينية أو الانكفاء على الذات القبلية أو العرقية أو الطائفية، توقعا لخلاص لا تتوفر له هذه المرة شخصية كاريزمية أو مشروع وطني محدد الملامح.
أربعة مشاهد من إفريقيا
ويستعرض شعراوي بعض أنماط المشاهد الانتقالية خلال الربع قرن الأخير للتعرف على إذا ما كانت هذه المشاهد محاولة حقيقية لتجديد حركة التحرر السياسي الاجتماعي بشروط جديدة، أم أنها محاولة اختراق صعوبات اشتدت على شعوب القارة نتيجة القهر الداخلي والخارجي معا؛ فقامت جماهيرها بمحاولات عفوية.
أولا: ـ ديمقراطية "الزحف":
المشهد الأول الذي يمكن التطرق إليه يجب أن يكون من تجارب "ديمقراطية الزحف" إلى العاصمة أو الاستيلاء بزخم شعبي معد سلفاً بعد فشل محاولات التفاوض الاجتماعي أو حتى فشل التهديد بقوة الكفاح المسلح مع النظم القائمة.
وأولى التجارب التي تطرق إليها شعراوي في هذا السياق هي التجربة السودانية عام 1985 حيث اتخذت الثورة في جنوب السودان الطابع المسلح، وكانت ملغومة بأفكار شعبوية وماوية من أثر مدرسة دار السلام في الفكر السياسي، لم تتردد هذه الثورة في طرح "الزحف على الخرطوم" الغارقة في رأسمالية طائفية تقليدية وتلتقي عندئذ بثورة القوى الحديثة في الخرطوم على نفس هذه الأهداف التي راحت تحتمي بالموجة الدينية الإسلامية الصاعدة (تحالف النميري والترابي)، رافضة التفاوض على أي تغيير في الموقف إلا بالقوة. وهنا حدث انفجار الانتفاضة الشعبية في الخرطوم أوائل إبريل 1985 بحماية عناصر عسكرية وطنية سرعان ما تنسحب أمام الائتلافات الشعبية. ولكن مع افتقاد البرنامج التحالفي الصحيح؛ سرعان ما تسلم هذه الحركة الشعبية نفسها لقوى تقليدية جديدة لا تنجح في إنجاز شيء حقيقي حتى يقع انقلاب 1989 الذي ينسف كل المكتسبات لصالح برجوزاية إسلامية أكثر حداثة، لكنها بالتأكيد ليست أكثر ديمقراطية.
وبدون الخوض في تفاصيل أكثر عن أوغندا وإثيوبيا واريتريا، أشار شعراوي إلى أنه يمكن الجمع بين "جون قرنق" و"موسيفيني"، و"أفورقي" و"زيناوي" باعتبارهم قيادة ذات طابع شعبوي لجأت بدورها، بعد فشل التفاوض السياسي أو الاجتماعي، إلى ديمقراطية الزحف على العاصمة، وهو زحف على السلطة بأكثر منه لتقسيم الثروة. والملاحظ أننا لا نشهد آثاراً لذلك عند القواعد الشعبية التي زحفت بهذا الشكل الجديد طمعاً في "ديمقراطية جديدة" وعد بها بعض الزعماء ضد استبداد شامل تحدث عنه الجميع.
وفي تناوله لتجربة "الكونغو الديموقراطية" (زائير سابقاً)، أكد شعراوي أنها جمعت بين فلسفة التعبئة ودمقرطة الحركة الشعبية بأسلوب المؤتمرات الشعبية أو ما يسمى بـ "برلمانات الشوارع والأقاليم" على مدى ثلاث سنوات (1993-1996) حتى تم الزحف على النظام في العاصمة وإسقاطه في مايو 1997. وقد كتب أحد قادة هذا التحرك "وامبا ديا وامبا" باستفاضة عن هذه التجربة الحية، ولكنه كشف أيضاً عن حجم الصراعات وآثار التفتت الاجتماعي بتدخلات فعلية من قبل الاحتكارت الدولية والإقليمية التي سرعان ما فرغت التجربة من مضمونها على النحو الذي نراه اليوم دون تقدم ديمقراطي تحويلي حقيقي تطلع إليه هذا الشعب المناضل لأكثر من نصف قرن.
ثانيا: المؤتمرات الشعبية الوطنية:
المشهد الثاني الذي تطرق إليه شعراوي هو تجربة المؤتمرات الشعبية الوطنية التي غيرت نظماً سياسية عاتية الاستبداد بتحالف العسكر والفئات التقليدية أو التجارية في منطقة عرفت الانقلابات العسكرية منذ منتصف الستينات ضد مشروعات الدولة الوطنية.
وركز شعراوي هنا على المنطقة الفرانكفونية في غرب ووسط إفريقيا حيث التأثير الفرنسي الثقافي والإمبريالي. وقد رأى أنه من المدهش أن يتوفر للبلدان الماثلة في هذا المشهد، مثل بنين ومالي وبوركينا فاسو والكونغو برازافيل، نماذج من النظم ذات الادعاءات التقدمية إلى جانب نظم تقليدية أو ذات طابع عسكري أبرز، لكنها جميعا فشلت في استمرار نموذج الدولة التي تمسكت بها كأداة للسيطرة وليس "الحكم الجيد" ناهيك أن يكون شعبياً.
وبهذا الضعف الداخلي استطاعت مصالح خارجية تخشى المنافسة في مناطق النفوذ (التصارع الفرنسي الأمريكي) أن تدفع بفئات جديدة قادرة على تغيير الموقف لصالحها كما ثبت عن ضآلة نتائج الثورات الشعبية في هذه المنطقة.
ومع ذلك لا يمكن إنكار أن تحالفات شعبية واسعة قد عرفت طريقها إلى الساحة السياسية مثلما حدث في النيجر ومالي وبنين، وفرضت أشكالاً ومسميات جديدة على الساحة الإفريقية مثل "المؤتمر الوطني" في النيجر، و"مؤتمر السيادة الشعبية" في بنين، والجبهة الشعبية في "بوركينا فاسو"، و"لجنة المبادرة الوطنية الديموقراطية" في مالي.
وفرضت بعض هذه التجارب -دون أجندة سابقة- جمعيات تأسيسية لدساتير جديدة وأجرت بشأنها استفتاءات حرة (بنين/ مالي/ غانا). ويلاحظ على هذه الظاهرة، التي لا نعرف عن معظمها أي بعد أيديولوجي مسبق للتشكيل الطبقي البسيط، أنها تحدًت نظما ذات أساس أيديولوجي (بنين والكونغو برازافيل) بل وتحدت القوة العسكرية المتسلطة (النيجر – مالي)، وذلك نتيجة قوة ذاتية لا يجري الحديث عنها مثل أشكال احتجاجية للطلاب وإضرابات عمالية واسعة (مالي- بوركينا فاسو).
ورأى شعراوي أن مشاركة هذه الفئات ذات التاريخ الاجتماعي السابق، أو التي تأثرت بالحركة الديمقراطية في بلاد المستعمر القديم نفسه، قد تكون ساعدت في منحها قوة التنظيم والتحدي وطرح المطالب السياسية والدستورية المنشودة، وهذا ما يفسر وصول بعض المثقفين الوطنيين من وجوه الحركة الشعبية بالفعل، وبالانتخاب الحر، إلى سدة الحكم باسم هذه الجماهير مثلما حدث في مالي (عمر كوناري) أو النيجر (أندريه ساليفو).
بيد أن ذلك لم يصاحبه استقرار لحركة تحول ديمقراطي جادة وتأسيس مرحلة انتقالية في حياة هذه الشعوب، ربما لأنه لم يتوفر لهذه المؤتمرات الشعبية بصورتها الشعبوية العامة هذه حركة نقدية للمجتمع القائم، ولا نظام مؤسسي مقترح، ولم تستهدف إقرار مبدأ "تداول السلطة بشكل مؤسسي"، الأمر الذي جعل الدولة أداة للسيطرة الجديدة وليست آلية للتنمية عبر آليات تدخلية عميقة التأثير في ظل تغيرات دولية جعلتها أسيرة لآليات العولمة وأسيرة للنيوليبرالية.
ثالثا: الدولة القائد بعد سقوط الكاريزمية:
المشهد الثالث الذي تطرق إليه شعراوي يتمثل في دور الدولة في التغيير، بل ومستقبل التنمية، حيث يظل دور الدولة قائماً. وقد مثلت زامبيا وغانا، بالإضافة إلى مدغشقر وبوركينا فاسو، هذا النموذج إلى حد كبير، بل واحتاج الأمر لنفس الدور الكاريزمي في غانا وأحياناً في زامبيا ومدغشقر رغم سمة العسكرية أو اليسارية لتأكيد موروث الدولة تحديداً حتى وهي تلتزم بكل برامج التكيف الهيكلي. (ولا يجب أن ننسى أن مصر في الشمال الإفريقي تمثل نموذجا حيا لهذه العملية).
ويضرب شعراوي مثالا لهذا النموذج بدولة غانا، إذ لم ينجح استدعاء نموذج الدولة الكاريزمية على يد "جيري رولنجز" في تحقيق التنمية الديمقراطية عبر برنامج التكيف الهيكلي أو حملات مواجهة الفساد أو ببرنامج الكتاب الأزرق في يوليو 1987. ولم يفد تلك التجربة إلا اللجوء إلى "الدولة الشعبوية" التي تكرر استغلال نموذجها في انقلابات، وعودة "رولنجز" إلى قمة السلطة بمساندة آليات الحركة الشعبية مثل اللجان الوطنية للديمقراطية، وتأسيس ديمقراطية المشاركة عبر مجالس الحكم المحلي ومؤتمراتها الوطنية ثم تكوين لجان الدفاع عن الديمقراطية بعد وضع دستور محكم وشعبي في إبريل 1992، وهو الدستور الذي تطورت في ظله الحياة السياسية وعاد في إطاره نظام التعدد الحزبي الذي قاطعت خلاله الأحزاب انتخابات 1992 ثم دخلتها عام 1996. وفي الحالتين فاز "جيري رولنجز" بأغلبية محدودة لتمسك الجماهير بنموذج الدولة وقوتها.
رابعا: الديمقراطية الالتفافية
المشهد الأخير هو مشهد يضم نماذج التفاف بعض القيادات على حالة دمقرطة مؤسسية قائمة وذلك عن طريق توريث السلطة الطبقية ولو بنوع من تزييف الإرادات.
وقد كانت كينيا دائما مثالاً محتملاً للتغيير الديمقراطي لو احترم (أراب موي) مبدأ التعددية القائمة بالفعل أمام نفوذ حزب "كانو" منذ مدة، ولكن الطبقة الحاكمة برعاية الرئيس السابق "موي" سرعان ما أدارت الاختلافات المألوفة بين القوى السياسية الديمقراطية لتحشد لبقاء قيادتها التقليدية. وفي مثل هذه الحالة تتحول الحركة الديمقراطية الشعبية إلى شراذم قبلية وجهوية لا تتيح مستقبلا للتحول الديمقراطي.
ولعل مثال توجو الواقعة في غرب القارة الإفريقية يعبر عن حالة مثيرة للسخط بين أنصار التعددية والديمقراطيات الليبرالية، حيث إنها لم تستطع أن تفلت من يد رئيس مخضرم مثل الراحل "أياديما" إلا بموته. وحتى عند هذه اللحظة، لم يدرك الفقيد قيمة أن يترك البلاد لتطور ديمقراطي تنموي محتمل؛ فورث ابنه الحكم وهو على فراش الموت.
وإذا كانت كينيا أو توجو أمثلة تقليدية، فإن حالة نيجيريا وجنوب إفريقيا تطرح مثالاً لدول استطاعت في ظروف خاصة أن تؤسس حالتها الديمقراطية، وإذ بهذه الحالة تخلق قيادة ذات مطامح غير ديمقراطية تقفز على المستقبل بترتيبات توريث طبقية صارخة تنفي عن البلاد أي فرص حقيقية لاضطراد التحول الديمقراطي؛ فالرئيس الجنوب إفريقي "مبيكي" حاول تأكيد استمرار الوضع الطبقي عبر سلطته في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي ذي الأساس الديمقراطي الحقيقي ليدفع رئاسة الدولة مرة أخرى لنفس اتجاهه بطريقة غير ديمقراطية، وهو خرج في موعد تنحيه عام 2009 حيث لا تسمح ظروف جنوب إفريقيا ببقائه بالقوة مثل توجو والدول الصغيرة.
وبالمثل مثلما فعل الرئيس "أوباسانجو" في نيجيريا حيث لجأ لفكرة "المؤتمر الشعبي الديمقراطي" أمام تعدد مثل هذه المؤتمرات في نيجيريا نفسها أملاً في ترسيخ الديمقراطية، وإذ بالرئيس أوباسنجو يعمل على تعديل الدستور لاستمراره هو في السلطة بل ودعم السلطة المركزية التي تتسم بقدر من الديمقراطية الفيدرالية حتى الآن بهدف استمرار النفوذ الطبقي المساند له في قمة السلطة. وعندما تفشل المحاولة ولا تجد المؤتمرات الشعبية الأخرى طريقاً للضغط تنجح الانتخابات الليبرالية في الدفع بالرموز الموالية إلى هذه القمة في ظل وضع ليبرالي تقليدي يقطع طريق التحولات الديمقراطية المؤملة في نيجيريا.
وبعد استعراض هذه المشاهد الأربعة يخلص شعراوي إلى عدد من النتائج، أهمها أن المجالس الوطنية ومؤتمرات القيادة الشعبية الوطنية لم تستهدف إقرار مبدأ تداول السلطة بشكل مؤسسي، وإنما هي تستجيب بسهولة للنزعات الكاريزمية الأقرب للشعبوية والفوضى بما يجمدها عند "نقل السلطة" وليس "تداولها".
ورأى الخبير في الشئون الإفريقية أنه لا يمكن عزل التجارب الإفريقية عن مثيلتها في أوروبا الشرقية، وهي التي عرفت نفس الظواهر في نفس الفترة، بل إن الحالتين لا تنفصلان عن الواقع العربي نفسه. ويخلص شعراوي إلى القول إن "إنجاز عملية ديمقراطية حقيقية على المستوى الإفريقي (والعربي) يتطلب تحليلاً اجتماعياً لقوى تحالف شعبي جديد لا يستسلم للشعبويات الكاريزمية ولا للادعاءات الأيديولوجية الفاشلة، وإنما يضع عملية التحول الديمقراطي ومراحله الانتقالية كهدف أساسي لعملية تفاوض اجتماعي حقيقي بين فئات المجتمع الوطنية والديمقراطية".
التجربة الأمريكية اللاتينية
وفي تجربة مختلفة للتحالفات الشعبية الديمقراطية، تحدث مصطفى مجدي الجمال، الباحث في مركز البحوث العربية والإفريقية، عن تجربة الحركات الشعبية في أمريكا اللاتينية، حيث أشار الجمال بداية إلى أننا دائماًً في مصر والعالم العربي نركز اهتمامنا على ما يجري في الشمال والغرب دون النظر إلى تجارب ثرية تحدث في أماكن بعيدة على الكرة الأرضية مثل أمريكا اللاتينية، وذلك على اعتبار أن المواجهات الرئيسية مع الإمبريالية تجري الآن في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وأكد الجمال على أن اعتمادنا في استسقاء معلوماتنا من وسائل إعلام ومؤسسات غربية يجعلنا ننظر إلى كل ما يحدث في أمريكا اللاتينية باعتباره تجربة واحدة، وذلك رغم وجود فروق واختلافات جوهرية تتفاوت من دولة إلى أخرى؛ فلا يجوز لأحد أن يتصور أن حكومات اليسار ويسار الوسط في أمريكا اللاتينية متشابهة ومتفقة في كل شيء، ولكن هناك جناح أكثر راديكالية يتبلور أساساً في كوبا وفنزويلا وبوليفيا والإكوادور، بينما هناك جناح آخر لا يريد هدم الجسور مرة واحدة مع الولايات المتحدة وتتزعمه البرازيل وشيلي، ومن ثم فإن هناك تنوع في التجارب ولا يمكن وضعها جميعاً دون تمييز في جعبة واحدة.
وأشار الجمال إلى أن هناك محللين يصفون بعض تجارب أمريكا اللاتينية بأنها تجارب "شعبوية"، فيما يوحي البعض بأنها تجارب ثورية من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة ومحكوم عليها بالفشل المحتوم. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يوجد اتفاق في علم السياسة أو الاجتماع السياسي على تعريف لفظ "شعبوية" بدليل أنه يطلق على ناصر وهتلر وشافيز ونجاد. والواضح أن هذا المصطلح أصبح يستخدم في الآونة الأخيرة للتعبير عن كل ما لا يسير حسب تعليمات القوى المسيطرة على العالم.
وأكد الجمال أن التطورات الأخيرة التي شهدتها أمريكا اللاتينية من حيث وصول حكومات اليسار ويسار الوسط إلى السلطة جميعاً عن طريق صندوق الانتخاب، لم تكن لتتم إلا في ظل سياق دولي معين كانت أهم ملامحه انشغال الولايات المتحدة بالحرب على الإرهاب؛ فبعد انتهاء الحرب الباردة في أوائل التسعينات، لم يكن السياق الدولي مواتٍ لنشأة حركات يسارية في قارة مجاورة للولايات المتحدة، كما أن الديكتاتوريات العسكرية القائمة في أمريكا اللاتينية قد ساهمت في فرض سياسات النيوليبرالية في كافة أنحاء القارة التي تعد من أكثر أقاليم العالم في اللامساواة.
ولكن بعد فشل هذه السياسات، وتعدد المناهل الفكرية لليسار في أمريكا اللاتينية، والتنوع الكبير في خطاباته وأساليبه النضالية، بالإضافة إلى عدم رغبة الولايات المتحدة في الحفاظ على هذه الديكتاتوريات العسكرية خلال حربها ضد الإرهاب... كل ذلك قد أعطى قوة دفع لأن تخرج أمريكا اللاتينية للعالم بموجات من الحكومات اليسارية الوطنية.
وتناول الجمال أبرز الملامح العامة التي اتسمت بها نظم يسار الوسط في أمريكا اللاتينية. وأولى هذه السمات أنها قائمة على التعبئة الشعبية الواسعة على المستوى الأفقي. أما ثاني هذه السمات فهو وجود "الكاريزما"، إذ أن كل التجارب القائمة في أمريكا اللاتينية قد اعتمدت بشكل أساسي على وجود "الزعيم الكاريزمي"، وقد أرجع البعض ذلك إلى الثقافة الأيبيرية في أمريكا اللاتينية التي تقوم على الأبوية، وليست الأنجلوسكسونية التي من المزعوم أنها تحترم الفرد والقيم الديمقراطية الليبرالية.
والواقع أن "الكاريزما" تلعب دورا شديد الأهمية داخل أمريكا اللاتينية حتى داخل النقابات. وهناك أيضاً علاقة جدلية تتطور بين الزعيم وبين الجماهير الشعبية، ذلك أن كل حركة راديكالية وطنية تفرز الزعيم المنبثق من شروطها، كما أن الزعامة الكاريزمية نفسها تعود لتلعب دورا مستقلا نسبيا في صياغة الحركة الوطنية، ودورها الرئيسي يتمثل في المحافظة على الديمقراطية باعتبارها الوسيلة المثلى للحفاظ على الثورة.
وأوضح الجمال أن النموذج الملهم في أمريكا اللاتينية ليس الثورة المسلحة ولا الانقلاب اليساري، إنما هو اليسار الذي خرج من الحرب الباردة، والذي يتبنى قيم الديمقراطية، بالإضافة إلى اندماجه مع الحركات الشعبية الوطنية.
والملاحظ أن البلدان التي تضم أحزابا قوية في أمريكا اللاتينية مثل شيلي والبرازيل قد استمدت نفوذها من الفئات الوسطى في المجتمع. أما الدول التي ليس بها أحزاب قوية فهي تشهد إما نشأة أحزاب قوية أو تشتت داخل الأحزاب الموجودة، لذلك نجد أن مشكلة هذه النظم تتمثل في الاستخلاف.
إبداعات اليسار في أمريكا اللاتينية
وإذا تناولنا هنا تجربة فنزويلا، سنجد أن سياسة تشجيع المبادرات الشعبية والبرامج الاجتماعية الضخمة قد أدت إلى إثراء الحياة السياسية بأعداد هائلة من الشباب المهمشين والفقراء الذين كانوا تاريخياً محل إهمال وقمع شديدين. واندفعت معظم هذه الأحزاب صوب حزب شافيز؛ مما جعل الأخير يشفق على حزبه من استيعاب هذه الموجة الجماهيرية الهائلة، وفي الحقيقة فإنه كان يدرك خطورة تسرب الانتهازيين والمتسلقين والفاسدين على صفوف حزبه، فكانت دعوته إلى بناء حزب اشتراكي موحد. وهكذا طرحت بقوة المسألة الصعبة لكيفية بناء حزب ثوري في وقت يعتلي فيه اليساريون السلطة بالفعل.
ويتحدث الجمال عن ما أسماه "إبداعات الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية"، ويرى أن على رأس هذه الإبداعات "النقابية الجديدة"، ويقصد بها التضامن والتداخل داخل الحركات الاجتماعية الجديدة مع أحزاب اليسار الانتخابي. فقد عرفت القارة اللاتينية تاريخياً أجيالا من الحركات الاجتماعية. فخلال السبعينات، كان هناك الحركات الاجتماعية النخبوية التي كانت قيادتها تنتمي إلى الطبقة الوسطى. وفي منتصف الثمانينات ظهرت حركات فلاحية وريفية مثل حركة فلاحين بلا أرض التي اكتسبت أهمية كبيرة هناك لأن طرد الفلاحين من أراضيهم كان يعني طردهم من الحياة لما يترتب على ذلك من فقد للثقافة والأسرة، ومن هنا تأتي قوة هؤلاء الفلاحين. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد برزت على السطح حركات العاطلين بصورة قوية لاسيما في الأرجنتين وحققت نجاحا جليا هناك.
أما ثاني هذه الإبداعات للحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية تتمثل في حزب العمال البرازيلي، والذي نشأ بعد أن قررت قيادات نقابية دخول المجال السياسي، فهو حزب يضم كما متنوعا من الاتجاهات. إلا أن هذه التعددية قد خلقت وضعا شديد التعقيد لأن هذه التركيبة جعلت كل مجموعة لها الحق في تشكيل منبر داخل الحزب يعبر عنها وعن توجهها، وهو ما أدى إلى صعوبة في اتخاذ القرار.
وفي النهاية يخلص الجمال إلى بعض الاستنتاجات، أولها أنه لا يوجد نموذج واحد في أمريكا اللاتينية بل هناك عدة نماذج متنوعة تختلف من بلدٍ إلى آخر، وثانيها أن النجاح الذي شهدته حتى الآن تجارب اليسار ويسار الوسط في القارة هو نجاح مبني على مستوى قاعدي يتفاعل مع حركات اجتماعية، وساعد على حدوثه الإهمال الخيِر للولايات المتحدة الأمريكية التي انشغلت بالحرب على ما يسمى "الإرهاب".
*موجز لمناقشات ندوة (تجارب التحالفات الشعبية الديمقراطية في بلدان الجنوب)، والتي نظمها مركز البحوث العربية والإفريقية بالقاهرة، يوم 3 أغسطس 2009.
|