|
| عبدالعزيز بن عثمان بن صقر |
اعتبر عبد العزيز بن عثمان بن صقر، الخبير السياسي السعودي ومدير مركز الخليج للأبحاث، أن الخطوات التي اتخذتها دول الخليج العربي في مجال الإصلاح السياسي، رغم أهميتها، هي مجرد "خطوات إيجابية جزئية على طريق طويل تسير فيه دول المجلس بصورة تدريجية"، مؤكدا أن "أحداً لم يقل إن الخطوات الإصلاحية قد أفضت إلى تحول ديمقراطي حقيقي".
وشدد الخبير السعودي على أن "المهم هو ألا تتوقف مسيرة الإصلاح أو تتراجع، فالتقدم الجزئي أفضل من الجمود أو التراجع"، مؤكدا على أن ذاك الأمر يعود إلى عدة اعتبارات أبرزها ما يتعلق بتفعيل المشاركة المجتمعية والشعبية، وطبيعة دور منظمات المجتمع المدني، ومدى تجاوب النخب الحاكمة بإقرار نظام الأحزاب وتوسيع نطاق المشاركة السياسية، لما لها من إيجابيات على الاستقرار السياسي وشرعية النخب الحاكمة.
وانتقد بن صقر التقارير التي تصدر عن بعض الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، والتي "تنطلق من أجندات خاصة بها"، ويضرب مثالا على ذلك بالتقارير التي تصدرها الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان في العالم، ويصفها بأنها "مسيسة إلى حد كبير، وتفتقر إلى المصداقية، وبخاصة في ظل انتهاكات حقوق الإنسان التي تتم داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن الانتهاكات التي ترتكبها القوات الأمريكية في الخارج".
وفيما يلي نص الحوار
* هناك حالة تشكيك سواء غربية أو من بعض الجهات الحقوقية العربية حول جدية حكومات دول الخليج العربي نحو إجراء إصلاحات سياسية واسعة، وأن الإصلاحات مرهونة فقط بالضغوط الخارجية وليست نتاجا لقناعات إصلاحية داخلية؟
من المعروف أن دول مجلس التعاون الخليجي قد بدأت باتخاذ خطوات على طريق الإصلاح الاقتصادي منذ تسعينات القرن العشرين، وبالتحديد في أعقاب حرب الخليج الثانية. وجاءت هذه الخطوات متفاوتة في طبيعتها ودرجتها. كما أنها اقترنت، في جانب هام منها، بتولي قيادات جديدة مقاليد الحكم في كثير من دول المجلس، وتمدد حجم الطبقة الوسطى الجديدة كنتيجة للطفرة التي حققتها دول المجلس في مجال التعليم.
ومع التسليم بأهمية الخطوات التي اتخذتها دول المجلس في مجال الإصلاح السياسي حيث قادت إلى تحسين سجل حقوق الإنسان بدرجة أو بأخرى، وأسهمت في تعزيز حالة التمكين السياسي للمرأة الخليجية، وخففت من القيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني، وعززت من حرية الرأي والتعبير؛ إلا أن أحداً لم يقل إن الخطوات الإصلاحية قد أفضت إلى تحول ديمقراطي حقيقي، بل هي خطوات إيجابية جزئية على طريق طويل تسير فيه دول المجلس بصورة تدريجية. والمهم هو ألا تتوقف مسيرة الإصلاح أو تتراجع، فالتقدم الجزئي أفضل من الجمود أو التراجع.
وفي ضوء ما سبق، فإنه من المهم تقويم تجارب الإصلاح السياسي في دول المجلس بشكل موضوعي يتناول كلاً من الإيجابيات والسلبيات، والعوامل الدافعة للإصلاح ومعوقاته، وجدلية العلاقة بين الداخل والخارج. وفيما يتعلق بدور الخارج، يمكن القول إنه إذا كانت العوامل الخارجية لعبت دوراً في دفع عملية الإصلاح، فإنه لا يمكن تجاهل تأثير بعض العوامل الداخلية مثل انتشار التعليم، واتساع حجم الطبقة الوسطى، وحاجة النخب الحاكمة إلى تعزيز شرعيتها السياسية، وتبلور قوى وتيارات سياسية في بعض الدول، كما هو الحال في كل من الكويت والبحرين.
* ما هي المعايير والعوامل المنظمة التي يمكن لها أن تؤطر لعملية الإصلاح بدول الخليج، خاصة في ظل عدم وجود رؤية واضحة لحركة الإصلاح السياسي؟.
تتمثل أهم العوامل والمعايير التي تؤطر لعملية الإصلاح في الخليج في تنامي بعض المشكلات والتحديات الداخلية في بعض الدول وبروز الحاجة إلى تعزيز عملية الإصلاح. كما أن حاجة النخب الحاكمة إلى تعزيز مصادر شرعيتها واستيعاب القوى والجماعات الراغبة في المشاركة تمثل عنصراً هاماً بهذا الشأن. أضف إلى ذلك تنامي دور منظمات المجتمع المدني في بعض الدول. علاوة على أن انتشار موجة الديمقراطية على الصعيد العالمي، وثورة المعلومات والاتصالات التي أنهت احتكار النظم الحاكمة للمعلومات يمثلان عاملان هامان بهذا الخصوص.
* وماذا عن مستقبل المشاركة الشعبية في صناعة القرار السياسي الخليجي؟
من الواضح أن هناك مشاركة فعالة في بعض الدول مثل الكويت والبحرين، ومشاركة بدرجات أقل في بقية الدول. ولكن مستقبل هذه العملية تحكمه اعتبارات عديدة من أهمها: مدى تزايد الطلب المجتمعي على المشاركة، وطبيعة دور منظمات المجتمع المدني التي تعمل كقنوات للمشاركة السياسية، ومدى تجاوب النخب الحاكمة بإقرار نظام الأحزاب لاسيما في بعض الدول التي تعد ظروفها مهيأة لذلك مثل الكويت والبحرين، حيث إن الجمعيات والتكتلات السياسية في الدولتين هي أقرب إلى الأحزاب. ومن مصلحة دول المجلس توسيع نطاق المشاركة السياسية لما لها من تأثيرات ايجابية على الشرعية والاستقرار السياسي.
* وفق التقرير الأخير الصادر عن "بيت الحرية" في نيويورك، ليست هناك دولة خليجية واحدة تقع ضمن قائمة البلدان الحرة، باستثناء دولتين خليجيتين (الكويت – البحرين) واللتين صنفت ضمن الدول الشبه حرة. والسعودية جاءت في آخر القائمة، كيف تنظر لمثل هذه التقارير وتصنيفاتها؟
لا شك في أن التقارير الحقوقية الدولية لها معاييرها التي تعتمدها الجهات التي تصدرها هذه التقارير. وعادة ما يثار الجدل حول هذه التقارير، حيث تتضمن انتقادات لدول المجلس وغيرها، ثم ترد عليها حكومات الدول المعنية متهمة إياها بعدم الموضوعية، حيث تتجاهل التطورات الإيجابية في بعض الدول، وتعتمد على معايير غير دقيقة، وتنحو إلى التعميم انطلاقاً من حالات فردية.
لكن بغض النظر عن الخلافات بشأن التقارير الدولية، فالمؤكد أن هناك صوراً لانتهاك حقوق الإنسان في الدول الخليجية، وهذا ما تؤكده التقارير الوطنية الصادرة في بعض هذه الدول، وهي بذلك لا تختلف عن الكثير من دول العالم التي يوجد بها انتهاكات بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية... والانتهاكات أياً كان نوعها مرفوضة.
وبالمقابل هناك جهود تبذلها دول المجلس من أجل معالجة هذه الانتهاكات وتحسين سجل حقوق الإنسان، وهذا أمر إيجابي يحسب لهذه الدول، ولذلك فإن مصداقية أي تقرير دولي أو إقليمي أو محلي بشأن حقوق الإنسان تعتمد في المقام الأول على مدى موضوعيته وحياده، لاسيما وأن بعض الجهات الدولية تتخذ من التقارير الحقوقية الدولية وسائل للتدخل في الشئون الداخلية في بعض الدول، وممارسة الضغوط عليها بل وابتزازها.
* هل توافق على ما تروج له هذه المنظمات الحقوقية التي يقول البعض إنها تنطلق من أجندة غير مقبولة؟
كما سبق القول، المؤكد أن بعض (وليس كل) الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان تنطلق من أجندات خاصة بها، فالتقارير التي تصدرها الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان في العالم هي مسيسة إلى حد كبير، وتفتقر إلى المصداقية، وبخاصة في ظل انتهاكات حقوق الإنسان التي تتم داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن الانتهاكات التي ترتكبها القوات الأمريكية في الخارج، وما حدث في العراق هو مجرد نموذج على ذلك؛ فليس من حق واشنطن أن تنصب نفسها وصياً على مسألة حقوق الإنسان، وهى ضالعة في كثير من الانتهاكات، ولذلك فإن بعض التقارير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان يتعين التعامل معها بحذر شديد.
* يذكر بعض المحللين السياسيين أن العائق الأكبر أمام الاستحقاقين الإصلاحي والتنموي في الخليج يتمثل في أن القوى الحاكمة في بلداننا وضعت "مشروع الحكم" كأولوية تتعارض مع مشروع بناء الدولة الحديثة، ومع مشروع الإصلاح والتنمية... كيف ترى ذلك؟
هذا رأي بالطبع، لكن يتعين النظر إليه في ضوء التطورات التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي على الأرض. قد تكون العملية الإصلاحية تسير بوتيرة بطيئة.. قد تكون هناك مشكلات في بعض الدول، إلا أن هذا لا ينفى حقيقة الخطوات التي اتخذتها هذه الدول على طريق الإصلاح منذ تسعينات القرن العشرين. وبدلاً من النقد الدائم للأوضاع في دول المجلس، من المناسب تسليط الضوء على سبل تفعيل مسيرة الإصلاح في دول المجلس، وتذليل المعوقات التي تؤثر سلباً على العملية الإصلاحية.
وأجزم بأن لا أحد يدعي بأن جميع المشكلات قد حُلت في دول المجلس، أو أن الإصلاح قد بلغ نهايته وحقق غاياته، فكل ما تحقق هو خطوات على طريق طويل، ومن المهم مواصلة عملية الإصلاح باعتبار أن السبيل الوحيد لتحقيق غايات شعوب دول المجلس في التنمية والديمقراطية والاستقرار.
|