English

 

السبت. أغسطس. 1, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أزمة إيران الرئاسية أعادت للمجتمع المدني حيويته

رانيا مكرم

Image
أنصار موسوي احتجوا على نتائج الانتخابات
أعادت الأزمة التي فجرتها الانتخابات الرئاسية الإيرانية الحديث عن المجتمع المدني في إيران, في ظل الموجة العارمة من المظاهرات التي خرجت إلى الشارع، في تحدٍ واضح للسلطة احتجاجاً على نتائج الانتخابات التي أعلنت فوز الرئيس أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية، وذلك في سابقة هي الأولى من نوعها منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.

وقد شملت المسيرات والمظاهرات المليونية التي شهدتها المدن الإيرانية العديد من مؤسسات المجتمع المدني الإيراني من طلاب، وأساتذة جامعات، وكبار تجار البازار، وشرائح الموظفين من المهندسين والأطباء وغيرهم، وهي تلك الشرائح التي دعمت الرئيس المهزوم مير حسين موسوي، والتي عولت على إطلاق الأخير العديد من وعود التغيير وإعطاء المزيد من الحريات.

وتشير هذه المظاهرات إلى أن القوة السياسية لا يمكن احتكارها للأبد، وأن قوى المجتمع المدني تستطيع ممارسة سلطتها أيضا من خلال التعبير عن مطالبها بالرغم من الضغوط المفروضة عليها من قبل النظام، لاسيما عقب تجاهل دعوة المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي لوقف التظاهرات وتوعده لمثيري الشغب، وقمع النظام للمتظاهرين، واعتقال أعداد كبيرة منهم؛ وهو ما جعل هذه الوقفة من قبل بعض فئات من الشعب الإيراني وبعض مؤسسات مجتمعه المدني وقفه تاريخية، ليس فقط لمطالبتها بتقديم تنازلات من قبل السلطة متمثلة في إعادة الانتخابات، وإنما لأنها جاءت لتشكل عودة لصوت هذه المؤسسات التي غاب تأثيرها لسنوات عديدة، وانحصار دورها في تقديم الخدمات والإعانات للمحتاجين.

مؤسسات المجتمع المدني في إيران

وبوجه عام، وحتى يمكن الوقوف على أهم ملامح مؤسسات المجتمع المدني في إيران وموقفها من الأزمة الأخيرة، فإنه لابد من الإشارة إلى أن المجتمع المدني الإيراني له خصوصية يستمدها من خصوصية وطبيعة النظام القائم؛ فمثلها مثل هيكل السلطة، يغلب على منظمات المجتمع المدني في إيران الطابع الديني، وتتنوع مؤسساته وتتشابك لتجمع بين الديمقراطية والتسلطية، والعقائدية والمصلحية، إلى جانب العديد من الثنائيات المتضادة التي تشير إلى وجود هامش كبير يمكن لهذه المؤسسات أن تتحرك فيه، والتي تحرص دائما في تحركاتها تلك إذا اختلفت مع السلطة ألا تصل بهذا الخلاف إلى طريق مسدود.

وقد سمح الدستور الإيراني في المادة 26 بإقامة الأحزاب والجمعيات والهيئات السياسية والاتحادات المهنية، كما كفل لها الحرية اللازمة لممارسة نشاطها بشرط ألا تتناقض مع أسس الاستقلال، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، ومبادئ الجمهورية الإسلامية.

وعلى الرغم من وضوح النص الدستوري، فإن حصر مؤسسات المجتمع المدني في إيران من الصعوبة بمكان نظرًا لتداخل عمل هذه المؤسسات من ناحية، وتكوين المؤسسة الواحدة من عدة مؤسسات منبثقة عنها.

وفي هذا الإطار خضع المجتمع المدني في جمهورية إيران الإسلامية لرؤيتين مختلفتين، أولاهما: جاءت في عهد ما قبل الإصلاحات، وقد وضعت هذه الرؤية باعتبارها نموذجا يشبه نموذج التنمية الصينية، والذي يدعو إلى أن تكون التنمية الاقتصادية مقدمة على سائر أنواع التنمية في البلاد، وفق نظرية مفادها أن التنمية الاقتصادية ستؤدي حتما إلى التقدم على مستويات التنمية الأخرى.

أما الرؤية الثانية، وهي التي دعا إليها الرئيس محمد خاتمي؛ فمفادها أن التنمية السياسية هي قاطرة التنمية للمجالات الأخرى، وذلك من خلال تحقيق حرية الصحافة والانتخابات الحرة والعادلة، وتداول السلطة. وعلى هذا الأساس عملت حكومة الرئيس خاتمي على مساعدة القطاع الخاص في تكوين المجتمع المدني، غير أن عدم توافق كل مكونات النظام مع هذه الرؤية كان أهم عوائق تنفيذ هذه الرؤية وتحقيقها.

ويقسم خبراء الشأن الإيراني مؤسسات المجتمع المدني في إيران إلى ست فئات كبرى تضم ثلاث قوى منها عدد من المؤسسات المنضوية تحت لوائها، ويمكن الإشارة إلى هذه الفئات فيما يلي:-

1- القوى الدينية، وتضم مؤسسة الحوزة، والأمانة الدائمة لأئمة الجمعة والجماعات، وهي مؤسسات لها حضورها في الحركة الوطنية نظرا للدور الذي لعبته خلال فترة ما قبل الثورة من خلال منابرها في ساحات الحوزة والمساجد.

2- القوى الاقتصادية، وتضم البازار، والذي يسيطر على 75% من التجارة الداخلية في إيران وحوالي نصف الواردات, إلى جانب المؤسسات الخيرية التي تشمل بدورها مؤسسات المستضعفين، والشهيد، والإمام الرضا، و15 خرداد، وإمداد الإمام؛ وهي مؤسسات أخذت على عاتقها مساعدة الفئات ذات الحاجة على اختلافها في البلاد، مستفيدةً بالأملاك السابقة للشاه وأسرته، وما تتلقاه من أموال الخمس الواجبة على كل شيعي.

3- التنظيمات شبه الحزبية، وتضم تنظيم الحجتية، والمؤتلفة، ورابطة علماء الدين المناضلين، وحركة الحرية، وحزبي جبهة المشاركة، وكوادر الإعمار؛ وهي تنظيمات تمثل الأطياف السياسية الإيرانية المختلفة من إصلاحية ومحافظة بأجنحتها المعتدلة والمتشددة.

4- التنظيمات النسائية، وهي مؤسسات إما حكومية تتمثل في مكتب الشئون النسائية الملحق برئاسة الجمهورية، والأمانة المركزية للجان شئون المرأة بوزارة الداخلية، أو منظمات غير حكومية مثل رابطة السيدة زينب، ومنتدي العاملات، وهي مؤسسات تهدف في مجملها إلى خدمة المرأة الإيرانية وتطوير أوضاعها.

5- الصحافة، ويمكن التمييز بين مجموعتين من الصحف في إيران يمثلان التياران الرئيسيان بكل التنويعات داخلهما؛ فعلى سبيل المثال تحسب صحف جمهوري إسلامي وكيهان ورسالت على التيار المحافظ، وتحسب صحف أمروز, وخرداد على التيار الإصلاحي.

6- الحركة الطلابية، وقد تكونت من مجموعة من طلاب جامعة طهران، وذلك عقب إنشاء أول جامعة إيرانية في عام 1934، واستفادت هذه الحركة خلال فترات عدة من هذه الحقبة من دعم البازار للأحزاب والجماعات السياسية التي نشطت في الجامعات الإيرانية لاسيما "حزب توده" وخاصة في أعقاب سقوط نظام الشاه وتشكيل حكومة وطنية برئاسة الدكتور مصدق.

الموقف من الأزمة

على الرغم من الدور البارز الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني الإيراني على اختلافها في إنجاح الثورة في إطار الحركة الوطنية لمعارضة الشاه؛ فإن دور هذه المؤسسات قد انحسر بشكل لافت خلال السنوات الماضية، واقتصر إسهام العديد منها على ممارسة أنشطة التكافل الاجتماعي، لاسيما في ضوء الضغوط المفروضة على معظم هذه المؤسسات ذات التطلعات الداعية لوجود مزيد من الحريات.

وباستثناء المؤسسات المنضوية تحت تصنيف القوى الدينية وبعض مؤسسات القوى الاقتصادية (مثل مؤسستي المستضعفين والشهيد)، والتي أُسست منذ البداية لتقوم بحماية القيم الإسلامية ومبادئ الثورة والمساهمة في مساعدة أسر ضحاياها، قوبلت بقية مؤسسات المجتمع المدني بقدر كبير من التشدد في مواجهة نشاطها الميداني، وبصفة خاصة خلال فترة ولاية أحمدي نجاد الأولى، والتي أعقبت فترة من الازدهار النسبي لدور المجتمع المدني خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد خاتمي الذي فتح باب الحوار حول المجتمع المدني في إيران خلال كلمته في مؤتمر القمة الإسلامية في طهران، فيما فرضت الحكومة التاسعة بعد الثورة (حكومة أحمدي نجاد) رقابة مشددة على الصحف وقامت بإغلاق العديد منها، كما أغلقت العديد من مكاتب حقوق الإنسان، على رأسها مكتب الحقوقية شيرين العبادي.

وخلال الانتخابات الرئاسية العاشرة وما سبقها من حملات انتخابية وأعقبها من مظاهرات احتجاجية على النتائج المعلنة، ظهر دور غير مباشر لمؤسسات المجتمع المدني الإيراني؛ فخلال الحملات الانتخابية للمرشحين برز دور الطلاب والشباب في دعم المرشحين. كما كان للمرأة حضورًا غير مسبوق خلال هذه الحملة، فيما أعلنت المؤسسات شبة الحزبية موقفها من المرشحين.

وعلى سبيل المثال سارعت جبهة مشاركة إيران الإسلامية، ومجمع روحانيون مبارز، وحزب العمال والبناء، وحزب العمل الإسلامي، وحزب التضامن، ومجمع النساء الإصلاحي، وجمعية نساء الجمهورية الإسلامية بالإعلان عن دعمهم لموسوي، إضافة إلى الدور البارز الذي لعبته الصحف في الترويج لأفكار المرشحين على اختلاف انتماءاتهم السياسية؛ فكما أفردت الصحف القومية مساحات واسعة لإنجازات الرئيس المنتهية ولايته، لعبت الصحف الإصلاحية دورًا مهمًا في إبراز توجهات المرشحين الإصلاحيين، بينما قام المرشح مير حسين موسوي بإصدار صحيفة خاصة به.

وقد امتد نشاط هذه المؤسسات إلى ما بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، وبصفة خاصة المنظمات النسائية والحركات الطلابية وفئة رجال البازار، حيث لجأ الطلاب والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و30 عامًا إلى التظاهرات الاحتجاجية على النتائج المعلنة التي اعتبروها غير معبرة عن رأي الأغلبية، وذلك في تحدٍ للسلطة الدينية التي استخدمت العنف تجاه المتظاهرين، والذي تسبب في مقتل الفتاة "نداء" ذات السادسة والعشرون عامًا, التي أصبحت مثالاً لغيرها من الفتيات والشباب ودفعتهم لمواصلة التظاهر داخل أسوار الجامعات الإيرانية وخارجها، مستخدمين وسائل جديدة للتواصل عبر البلاد من خلال الرسائل القصيرة على الهواتف الجوالة، والبريد الإلكتروني، لمعرفة أوقات التظاهرات وأماكن انطلاقها.

وينتمي غالبية هؤلاء إلى فئات الطبقة الوسطى، والعمال، والتجار، الذين تضرروا من السياسة الشعبوية التي انتهجها الرئيس أحمدي نجاد ومن الأزمة الاقتصادية التي نجمت عنها، ومن احتكار الدولة المتنامي للاقتصاد من قبل طبقات بعينها لاسيما طبقة الحرس الثوري.

وقد كان لمثل هذه المظاهرات أثر بالغ في إبراز انقسام النظام الإيراني على نفسه، وتراجع نفوذ السلطة الدينية لدى الجمهور؛ وهو ما عبر عنه تجاهل المتظاهرين لدعوات المرشد بوقف التظاهر وعدم الوقوع في فخ المؤامرات المحاكة ضد إيران في الخارج، حيث استطاعت ثورة المجتمع المدني الحالية أن تنزع القدسية عن منصب الفقيه وأن توجه إليه نقدًا مباشرًا غير مسبوق، بإطلاقها هتاف "الموت للديكتاتور" ومطالبته برفع يده عن قوى الأمن الداخلي، وإناطة مسئوليتها بوزير الداخلية؛ ما يعني كسر هيبة هذا المنصب الذي بقي طوال ثلاثين عاماً من عمر الجمهورية الإسلامية بعيداً عن النقد.

ولعل تخلي المرشد الأعلى عن حياديته عقب الانتخابات، واتسام خطابه بالعنف ضد المعارضين لنتائج الانتخابات، وتوعد المتظاهرين.. إنما يؤشر لخطورة الدور الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني في حشد المتظاهرين ضد سياسات النظام؛ فقبل يوم من ذكرى الانتفاضة الطلابية التي اندلعت عام 1999 بسبب حادثة الاعتداء على المدينة الجامعية في إيران، أعلنت السلطات الإيرانية أنها لم تمنح أي جماعة طلابية أو غيرها ترخيصا لإحياء هذه الذكرى محذرةً من وقوع اضطرابات بدعوة من عناصر معادية للثورة ـ حسب البيان المعلن من جانبهاـ بعد أن أصدر مكتب تعزيز الوحدة الطلابي بيانًا ندّد فيه بالقمع الذي مورس خلال المظاهرات، ودعا إلى إلغاء نتائج الانتخابات.

مؤسسات ضد التغيير

وفي مواجهة نشاط المجتمع المدني على الساحة السياسية الإيرانية وإعلانه عن معارضته لسياسة النظام؛ كان للأخير آليات لمواجهة هذا النشاط حيث استخدمت قوات الحرس الثوري ومليشيات الباسيج لقمع المتظاهرين، كما كان لعناصره تواجدًا أثناء الحملة الانتخابية حيث مارس سلطاته في منع بعض التجمعات التي أقامتها مجموعات من أنصار المرشحين في المدن الكبرى، فيما بدا وكأنه يحاول الحفاظ على المكاسب التي تحققت له بتولي الرئيس أحمدي نجاد الذي يعد أحد رجاله السابقين، والمتمثلة في قيام نجاد بتولية عدد كبير من قياداته مناصب سياسية مهمة في النظام.. تلك المناصب التي زادت من نفوذ الحرس الثوري في هيكل النظام وأضافت إلى رصيده وقوت دوره في عملية صنع القرار في إيران، وتحوله بالتالي من مؤسسة ذات طابع عسكري بحت إلى مؤسسة عسكرية ذات طابع سياسي، لاسيما في ظل دعوة رموز الائتلاف الإصلاحي والمحافظ المعتدل لتقليص تأثير الحرس الثوري على عملية صنع القرار، وإعادة دمجه في الجيش، وعلى رأسهم هاشمي رفسنجاني الذي تتسم علاقته بالحرس الثوري بالتوتر لمطالبته بإقصاء كوادر الحرس عن مؤسسات الدولة.

وبالرغم من جهود احتواء الأزمة التي تفجرت في الشارع الإيراني سواءً من خلال قمع المتظاهرين أو من خلال تحييد الشخصيات الداعية إلى الاستجابة لرغبات الشعب وعلى رأسهم رفسنجاني الذي أشاد المرشد الأعلى بإنجازاته وتضحياته من أجل قيام الثورة وإعادة إعمار البلاد بعد حرب الثماني سنوات مع العراق خلال الخطبة التي أعقبت الانتخابات، في خطوة من جانبه للحد من الانقسام داخل السلطة السياسية؛ فإن المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية لم تتوقف. وعقب إمامة هاشمي رفسنجاني لجمعة طهران بعد غياب لأكثر من شهرين عادات للمظاهرات قوتها التي بدأت بها خارج أسوار جامعة طهران، بعد أن دعا رفسنجاني إلى الإفراج عن المعتقلين وإطلاق الحرية لوسائل الإعلام للتعبير عن آراء الشعب الذي فقد الثقة في الحكومة؛ الأمر الذي يدل على اتساع الهوة بين الموالين للشرعية الدينية (أولئك الذين يتمسكون بنظرية ولاية الفقيه)، وبين المدافعين عن الشرعية الشعبية، أي الذين يطالبون النظام السياسي الديني بالانفتاح الديمقراطي والسماح لمؤسسات المجتمع المدني أن تباشر أدوارها على الساحة السياسية الإيرانية على اختلاف توجهاتها.


باحثة متخصصة في الشئون الإيرانية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات