|
| أوباما مع أعضاء من الوفد الصيني |
ستحدد العلاقات الصينية-الأمريكية ملامح القرن الميلادي الحادي والعشرين.. معطيات الواقع تميز هذه العلاقات الثنائية وتستدعي تحمل المسئولية المترتبة عليها.. يريد البلدان أن تكون العلاقات الثنائية إيجابية وبناءة وشاملة.. بهذه العبارات، ومزيد عليها، دشن المسئولون من البلدين بداية مرحلة جديدة من التعاون، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما بكلمة مباشرة، والرئيس الصيني هو جينتاو عبر رسالة قرئت بالنيابة في جولة حوار ثنائي في واشنطن، يومي 27 و28/7/2009.
وكلمة "بداية" تعني هنا تطويرا جذريا لصيغة الحوار، فقد بدأ عام 2006 في شكل لقاءات نصف سنوية تحت عنوان "حوار اقتصادي إستراتيجي"، إنما ارتفع مستواه الآن ليشمل مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والأمنية بمنظور دولي، ومن المرجح - وإن لم يعلن ذلك رسميا- أن لقاء القمة الثنائي المنتظر بين الجانبين قبل نهاية العام، سيشهد الإعلان عن قمة ثنائية دورية، تأخذ مكانها في شبكة لقاءات دورية مشابهة على أعلى مستويات المسئولين في القوى الدولية الأكبر عالميا.
ما أشبه الليلة بالبارحة
لا يستثني الحوار الجديد مجالا من المجالات وإن أعطيت مواضيعه ثلاثة عناوين رئيسية، جميعها "عالمي شامل"، وهي الاقتصاد العالمي، والمناخ العالمي، والأمن العالمي. ولم يكن مطلوبا أن تسفر الجولة الأولى في واشنطن عن نتائج وقرارات، فهي جولة حوار، تذكر باللقاءات الأولى لقمة الدول الصناعية الأكبر في صيغة كانت أقرب في البداية إلى "دردشة سياسية". ولعل عبارة "انعقاد اللقاء بحد ذاته نجاح" قد استهلكت لكثرة استخدامها في غير موضعها، إنما تسري بمعناها الأصلي على هذا الحوار الثنائي، من حيث مغزاه على خارطة العلاقات الدولية المضطربة منذ نهاية الحرب الباردة.
ولا مبالغة أيضا في انتشار وصف "الحدث التاريخي" في التعليقات الغربية على هذا الحوار الذي يُذكر، من المنظور الأمريكي إليه، بلحظة البداية في تطور العلاقات الأمريكية-الصينية في السبعينات من القرن الميلادي العشرين؛ والتشابه بين الحدثين كبير:
آنذاك صدرت المبادرة الحاسمة من جانب واشنطن عبر الزيارة الأولى التي أقدم عليها الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون ووزير خارجيته كيسينجر، وجاءت بعد أن اتبعت بكين سياسة "النفس الطويل" في حقبة ما سُمي الحصار الأمريكي للصين الشيوعية..
وشبيه ذلك يسري الآن على المبادرة الأمريكية بعد أن اتبعت بكين سياسة "النفس الطويل" على صعيد تحركها الاقتصادي والسياسي عالميا..
آنذاك واجهت واشنطن عواقب مالية وأمنية وسياسية واقتصادية، بعد مغامرتها العسكرية في فيتنام وبتأثير ما دخل التاريخ تحت عنوان "ثورة أسعار النفط الخام"..
والآن تواجه واشنطن أيضا عواقب مشابهة نتيجة مغامراتها العسكرية في أفغانستان والعراق وما يمكن وصفه بأكبر أزمة شهدها النظام الرأسمالي منذ نشأته..
آنذاك بدأت معالم التبدل الجذري في العلاقات الدولية خارج نطاق "توجيه" واشنطن، أي عبر سياسة الانفراج الألمانية نحو الشرق وسط معارضة أمريكية في البداية، حتى إذا ظهر لواشنطن أن موقعها المهيمن في القارة الأوروبية يمكن أن يتزعزع، تحركت على الطريق ذاته، ووازنت الدور السوفييتي الجديد أوروبيا، بإنهاء الحصار حول الصين الشعبية والانفتاح عليها سياسيا واقتصاديا..
والآن أيضا بدأت معالم التبدل الجذري في العلاقات الدولية وأخفقت محاولة واشنطن في عهد بوش الابن توجيهَها بالقوة في المنحى الذي تريد، حتى إذا ورث أوباما أنقاض تلك المحاولة، بذلت إدارة الرئيس الجديد جهودا ملحوظة لإعادة "روح التحالف" إلى حلف شمال الأطلسي، ولتأسيس مرحلة تعاون جديدة مع الاتحاد الروسي، وكان لا بد أن تظهر الدعامة الثالثة لهذه الصيغة السياسية الشمولية الجديدة، فأتت الآن عبر رفع مستوى العلاقات مع القطب الصيني الدولي الصاعد.
خطاب أمريكي واقعي
في حقبة ما بعد مغامرة فيتنام، وانطلاق مسيرة الانفراج من ألمانيا، وبداية التمرد المالي الأوروبي بمشاركة فرنسية-ألمانية، كان التحرك الأمريكي عالميا تجاه موسكو وبكين الشيوعيتين، بأسلوب "الهجوم الدبلوماسي خير وسائل الدفاع" عن مواقع زعامة مهيمنة عالميا، إنما لاستئناف مسيرتها على ذات النهج الذي بدأ قبل الحرب العالمية الثانية بعقود عديدة..
أما الآن في حقبة ما بعد مغامرة العراق تحديدا، واهتراء كثير من دعائم السيطرة الغربية عالميا بزعامة أمريكية، فيتخذ التحرك الأمريكي بمجموعه -بما يشمل روسيا الجديدة والصين الشعبية والهند وغيرها- صيغة هجوم دبلوماسي أيضا، ولكن لترميم مواقع زعامة فقدت هيمنتها عالميا، وأصبح لا بد من الإقرار بأنها لن تكون انفرادية بعد اليوم، كما كان يتوهم المحافظون الجدد ومن واكبهم في مسيرتهم عبر العقود الماضية..
هذا في مقدمة ما عكسته أولى جولات الحوار الجديد على مستوى الأنداد، بين واشنطن وبكين.
يصرح الرئيس الأمريكي أوباما على هامش الجولة الأولى للحوار الجديد بأن الصين "أهم شريك للولايات المتحدة الأمريكية"، ويوجد من يستنتج من هذا التصريح وأمثاله، أن واشنطن "تريد دفع الصين" إلى ممارسة سياسات تتوافق مع الرغبات الأمريكية في الملف الإيراني مثلا.. ويبدو أن هذا الاستنتاج وما يشابهه يصدر عن الاعتياد على مقولة إن واشنطن تفعل ما تريد.. والآخرون يفعلون ما تريد.
والواقع أن للتصريح المذكور -وكثير سواه- مغزى أعمق في التعبير عن "الواقعية السياسية" الأمريكية، فالشراكة تمتد في الميادين الاقتصادية والمناخية والأمنية وسواها، وستكون منطلقا لنشأة "مصنع" جديد للقرار العالمي، لا يقل أهمية عما سبق إنشاؤه في صيغ عديدة أبرزها قمة الثمانية، التي قد تجاورها أو تتجاوزها قريبا قمة العشرين.
تدرك واشنطن أن مستقبل العالم الرأسمالي أصبح يرتبط ارتباطا وثيقا بالسياسات الاقتصادية والتجارية والمالية الصينية، أي سياسات البلد الرئيسي الذي ما يزال يرفع عنوان الشيوعية من الحرب الباردة، وقد ظهر حجم هذا الارتباط للعيان في الأزمة الرأسمالية الراهنة أكثر مما مضى، لا سيما عندما استخدمت الصين مئات المليارات من احتياطيها النقدي لدعم اقتصادها داخليا، فكان ذلك أهم مداخل تخفيف سرعة التدهور المالي في العالم الغربي.
ويدرك المسئولون الغربيون ما يعنيه ذلك مستقبلا، وهو مما عبر عنه أحد المسئولين الحكوميين الأمريكيين في حوار واشنطن، بقوله إنه "لن يمضي زمن طويل إلا وتصبح استثمارات الصين المالية خارج الحدود الصينية، أكبر حجما من الاستثمارات الأجنبية -وجلها غربية- داخل تلك الحدود".
ولا يمثل المال عصب الحياة الرأسمالية فقط، بل يمثل أيضا العصب المؤثر قبل سواه على ألسنة المسئولين الغربيين ولهجة خطابهم السياسي، ولا يخفى كيف انقلبت لهجة الحديث بين الطرفين الأمريكي والصيني:
لقد شهدت السنوات الماضية مرارا مطالبة الأمريكيين أن تعدل الصين من سياساتها الاقتصادية، وأن تفتح أسواقها أكثر مما مضى أمام المنتجات الغربية، والاستثمارات الغربية، وأن تحرر العملة الصينية من إجراءات "خفض قيمتها اصطناعيا"، وأن تمتنع عن ممارسة أسلوب الأسعار المنخفضة لغزو العالم تجاريا.. بالإضافة إلى مطالبة الصين بمواقف لا تعرقل ما يريده الغرب تجاه دول مثل كوريا الشمالية أو إيران.. هذا علاوة على المطالب المتعلقة بحقوق الإنسان، وقد باتت تقليدية في الإعلان عنها وكذلك في عدم تأثيرها على تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية.
أما في حوار واشنطن الأخير فكان الخطاب الأمريكي مهذبا للغاية على كل صعيد يرتبط بقضايا سياسية أو بحقوق الإنسان والأقليات، رغم وجود ما يستدعيها كما في الملف النووي الإيراني دوليا أو أحداث اضطهاد الإيغوريين في تركستان الشرقية.. وبالمقابل كانت "المطالب الحقيقية الموضوعية" تصدر عن الطرف الصيني في الدرجة الأولى:
نائب رئيس الوزراء الصيني وانج كيشان يطالب بتطوير صندوق النقد الدولي لصالح الدول النامية، ويعني بذلك أن يكون للصين فيه مكانة مؤثرة، ولا يخفى ارتباط ذلك بمطالب صينية-روسية سابقة بشأن استخدام "عملة دولية" بديلة عن الدولار..
وزير المالية الصيني تسو جوانج ياو يطالب الأمريكيين بإجراءات حاسمة للتخلص من العجز في ميزانياتهم المالية، وبالتالي لضمان قيمة حقوق "الدائن الصيني" على الدولة "المدينة الأمريكية"، بما يناهز حجمه 800 مليار دولار (مستندات رسمية) بالإضافة إلى ما يناهز هذا المبلغ على شكل استثمارات وقروض في القطاعات غير الرسمية.
الأمثلة على "المطالب الصينية" كثيرة.. ويقابلها أن وزير المالية الأمريكي "تيموثي جايتثر" كان في حديثه أمام 200 عضو في الوفد الصيني حريصا على "طمأنة مستمعيه" بوعد قاطع بالعمل للتخلص من عجز ميزان المدفوعات الأمريكي فور الانتعاش الاقتصادي المرجو!..
وأقصى "مطالب" الأمريكيين يتخذ صيغة "الأمل" في أن ترفع الصين من مستوى القوة الشرائية الاستهلاكية داخليا لتخفيف حجم اعتمادها على الصادرات، وبالتالي على "انتشار" البضائع الصينية في الدول الغربية وحيث تتنافس تجاريا في الأسواق العالمية.. ولكن حتى هذا الأمل لا ينتظر المحللون الغربيون تحقيقه، ولا تمتلك الدول الغربية وسائل ما لممارسة "الضغوط" على الصين من أجل تحقيقه!..
إن هذه الصورة "المقلوبة" بالمنظور الأمريكي للعلاقات مع الصين وللخطاب الثنائي بين الطرفين، هي بالذات ما تعنيه وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بقولها بكل واقعية، ولكن بعبارة دبلوماسية إن "الهدف من الحوار هو وضع إطار جديد للعلاقات الأمريكية-الصينية".
التنين يتحرك بهدوء
قبيل الجولة الأولى للحوار الجديد نشرت الصحفية الأمريكية للشئون الاقتصادية، سارة بونجورني، كتابا عن تجربتها لمقاطعة البضائع التي تحمل عبارة "صنع في الصين"، لتؤكد في الكتاب عجزها بعد أن استمرت محاولتها عاما كاملا كان حافلا بالإرهاق، سواء على صعيد ما تحتاج إليه من ضرورات معيشية أو سلع كمالية.
وكان بعض الصحفيين يتندر على أن "الضيوف" من الوفد الصيني، إذا أرادوا شراء قطعة تذكارية عن الولايات المتحدة الأمريكية من محطة "الاتحاد" العريقة للقطارات في واشنطن، فسيجدون على أكثر من 90 % منها عبارة "صنع في الصين"، ويبلغ معدل انتشار هذه العبارة أكثر من 70% على مختلف البضائع التي تسوقها متاجر عامة كبرى كسلسلة أسواق "وولمارت" التجارية، وتصل هذه النسبة إلى أكثر من 95% على صعيد "قطاعات تجارية" بأكملها مثل "ألعاب الفيديو"، بل إلى 100% على صعيد ألعاب الأطفال، ويسري شبيه ذلك بدرجات متفاوتة على كل ما يحتاج إليه المستهلك الأمريكي، كجهاز حاسوب، أو هاتف خلوي، أو مصباح للإضاءة، أو لباس يرتديه.. وهذا ما بات يعرفه كثير من المستهلكين في أنحاء العالم.
وقد لا يكون مقصودا أن يتزامن حوار واشنطن مع الإعلان في الصين رسميا عن تحقيق نسبة نمو اقتصادي تجاوزت 7% في الربع السنوي الأخير، بينما لا تزال دول العالم الغربي تتساءل ما إذا كانت التباشير الأولى لانتعاش اقتصادي تسمح بالقول إنه أمكن تجاوز قاع المنحدر في الأزمة الرأسمالية الحالية، ولكن يبقى للإعلان أثره النفساني على طرفي الحوار، كما هو الحال مع إعلان آخر تناقلته وكالات الأنباء أثناء الحوار، أن عدد مستخدمي الشبكة العنكبوتية (الانترنت) في الصين بلغ في هذه الأثناء 338 مليونا، أي أكثر من سكان الولايات المتحدة الأمريكية!.
لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية هي الأقوى اقتصاديا، وعسكريا، وسياسيا، ولكن يدرك زعماؤها وخبراؤها في هذه الأثناء أن هذا لم يعد مضمونا، على المدى المتوسط وليس البعيد، وتقول الدراسات المستقبلية الغربية بهذا الصدد إن الدول العشرة الأكبر اقتصاديا في الوقت الحاضر تضم ست دول غربية إضافة إلى اليابان في المقدمة، ولن يزيد عددها على أربعة عام 2050، أما المقدمة فستكون إما للصين أو الولايات المتحدة الأمريكية، وتصعد دول ناهضة أخرى مقابل تأخر مكانة دول غربية مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا إلى نهاية القائمة.
ولئن سجل المحافظون الجدد في وثيقتهم للقرن الميلادي الحادي والعشرين أنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعمل بكل الوسائل الممكنة، ألا تتجاوزها دول أخرى اقتصاديا، فقد تركزت مخاوفهم "نصاً" على ألمانيا واليابان، وصحيح أن مفكرا أمريكيا مثل هنتنجتون لم يغفل شأن "الخطر الصيني" حضاريا على البناء الحضاري الغربي، إنما بقي غالبية السياسيين والمفكرين أسرى الانبهار بالقوة العسكرية، واعتبارها هي الوسيلة الفعالة لمواجهة الأخطار، بما فيها ما يرونه "خطرا" حضاريا.
وبالمقابل أدركت الصين الشعبية في وقت مبكر بأنه لا جدوى في المستقبل المنظور من التخطيط لتفوق عسكري بالمعنى التقليدي للكلمة في لعبة الزعامة الدولية، فاكتفت عسكريا بعنصرين اثنين، أولهما الردع النووي بالمقدار الذي يدرأ خطر التعرض لمغامرة عسكرية أمريكية، والثاني تطوير أساليب دفاعية وهجومية إلكترونية، تصلح للقيام عند الضرورة بعمليات هادفة، محدودة الحجم وبالغة الأثر، لشل قدرة آليات التوجيه الإلكترونية للقوات العسكرية المهاجمة على وجه الاحتمال.
وبقي هذا الجزء العسكري -على أهميته- "جانبيا" في المخططات الصينية التي بدأ تنفيذها مع ما سمي الانفتاح الاقتصادي على الغرب والرأسمالية الغربية، وقد كان السلاح الأمضى مفعولا في الأيدي الصينية هو "السلعة الرخيصة الثمن" في مواجهة أحدث ما تنتجه مصانع الغرب وتسوقه بأعلى الأثمان.
هذا "الغزو الصيني" على مستوى عالمي في مواجهة الهيمنة الاقتصادية والتجارية والمالية الغربية عالميا، لم يكن مصحوبا بأبواق النفير والحرب، بل بدرجة كبيرة من "التواضع" السياسي المهدئ للمخاوف من نيران التنين الصيني عالميا، وإن بقيت تشتعل داخليا في إخضاع المعارضة السياسية والشعوب التي تسيطر الدولة الصينية عليها وعلى أراضيها.
دوليا كانت الصين الشيوعية تصر على اعتبار نفسها دولة نامية لزمن طويل، ولا تزال إلى الآن حريصة على القول بانتمائها إلى "العالم الثالث"، وهذا مما حقق الهدف من التحرك الهادئ المستمر زمنا طويلا، كما أبقى للصين علاقات إيجابية مع الدول النامية مقابل شكواها المتصاعدة من هيمنة الغرب بزعامته الأمريكية.
الآن فقط.. تحت وطأة الأوضاع الذاتية المتأزمة نتيجة حصاد الحروب الأمريكية والأزمة الرأسمالية، "تكتشف" الولايات المتحدة الأمريكية أن الصين الشعبية أصبحت -كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي- "قوة دولية" لا بد من التعامل معها تعامل الأنداد، ولا بد من تغيير "خطاب" الإملاءات تجاهها، فهو لا يصلح لها وإن صلح مع من "يتراجع" أمامه من الدول النامية، ومن يستهين مثلا -تحت تأثير الانبهار بحجم "التقدم الصناعي والتقني" غربيا- بمفعول "تصنيع السلعة الرخيصة محليا وتصديرها عالميا"، بل وبتحويل مفعول الحصار والمقاطعات الخارجية إلى قوة دافعة لتنمية القدرات والمناعة الذاتية.. وقد كان هذا - دون ريب- من أهم عناصر النجاح في تحقيق ما أصبح يحمل عنوان "المعجزة الصينية"!..
تحالف قوى الشمال الدولية
ينطلق المنظور الأمريكي، كالمنظور الصيني للعلاقات الأمريكية-الصينية، من معايير المصالح الذاتية أولا وأخيرا، وبالتالي من تطلع كل طرف إلى الموقع الذي يريد أو الذي يستطيع أن يشغله على خارطة العالم السياسية والاقتصادية والأمنية.
الجديد في هذه المعادلة أن الصين الشعبية خطت أثناء الأزمة الرأسمالية خطوة بعيدة المدى، في اتجاه التحول إلى قوة من بين القوى الدولية المهيمنة عالميا.. ولكن ما الذي يعنيه ذلك بمنظور "البقية الباقية" من العالم، أي زهاء 150 دولة نامية، لا هي من القوى الدولية ولا من القوى الناهضة، كما هو الحال مع غالبية الدول الإسلامية؟
لن تختلف السياسات الصينية في المستقبل المنظور عن سياسات القوى الدولية المهيمنة الأخرى مضمونا وإن اختلفت أداء وإخراجا..
كما هو الحال بين باريس وواشنطن مثلا.. ستكون السياسات الصينية على الدوام حصيلة ما يجري بين القوى الدولية من صراع وتعاون، ومفاوضات ومقايضات، وفرض الأمر الواقع وحلول وسطية..
هذه الحصيلة لم تكن في الماضي ولن تكون في المستقبل في مصلحة هذه الدولة أو تلك من الدول النامية إلا بمقدار ما تراه القوة الدولية المعنية المهيمنة ضروريا لتحقيق مصلحتها الذاتية..
في سائر الأحوال، سيبقى الاتفاق قائما ومستمرا بين القوى الدولية في الشمال معا، على عدد من الأهداف الشاملة المشتركة، تجاه دول "الجنوب" تحديدا، مثل تحقيق أقصى درجة ممكنة من حظر انتشار الأسلحة المتطورة الرادعة، وضبط النزاعات الإقليمية بحيث لا تصل إلى مستوى مواجهة مفتوحة بين القوى الدولية نفسها، بالإضافة إلى السعي للسيطرة -وليس لإيجاد الحلول بالضرورة- على ما ينبثق عن خلل الأوضاع الدولية من مشكلات أخرى، كالهجرات الجماعية، وانتشار الفقر والتخلف والأوبئة.
وينبغي، في النظر إلى الصين وموقعها العالمي، إدراك أنها تتقن اللعبة السياسية بين القوى الدولية تماما، وتملك ما يكفي من الأسباب لممارستها على قاعدة الأخذ والعطاء "بين الكبار"، ولم يكن موقفها الأخير من التجربة النووية الجديدة لكوريا الشمالية كمثال -وهي أقرب الدول النامية إليها على أكثر من صعيد- خارج هذا النطاق، ولا ينبغي تصور أن يصدر عنها موقف مغاير عند الحاجة بمنظورها هي، فيما يتعلق بما يسمى الملف النووي الإيراني مثلا، أو ما يسمى "أزمة الشرق الأوسط"، أو ما اصطنع ويصطنع من مشكلات للسودان، وما شابه ذلك.
عالم "ثالث!".. في كوكب آخر
إن خارطة النظام العالمي الجديد لن تقوم على تعدد الأقطاب، وعلى وجه التحديد لن تعرف "أقطابا" بالمعنى الذي ما زالت توحيه هذه الكلمة من موروث حقبة الحرب الباردة، فآنذاك كانت العلاقات بين القوى الدولية علاقات صراع تنطوي أحيانا على توافق أو تفاهم على اقتسام مناطق النفوذ، أما الآن فهي علاقات تحالف ووفاق وتفاهم تنطوي جزئيا على تنافس وصراع مصالح.. وهذا ما يمثل أهم المتغيرات في الساحة الدولية بالنسبة إلى عالم "ثالث" تمثل الدول الإسلامية أكثر من ثلثه.
قد يكون في ذلك ما يخيب أوهاما محضة أو آمالا معقودة على "صراع قطبي جديد"، والانطلاق منه في مواكبة الأحداث الجارية.. ومثال على ذلك: "التحذير" من دعم قضية الإيغوريين العادلة حرصا على مودة الصين الضرورية في قضية فلسطين، فالصين تتعرض لأخطار التفتيت غربيا!.. وتنتشر هذه التصورات أو تُنشر بوفرة على خلفية جهود متجددة لاسترجاع ما غاب من وهج الحركة القومية أو الحركة الناصرية في المنطقة العربية!. إنما قد يفيد استشعار خيبة الأمل الآن والتصرف بموجب ذلك.. قبل معايشة العواقب في المستقبل المنظور.
إن الانطلاقة الجديدة في تطوير العلاقات الأمريكية الصينية، بعد انطلاقة مشابهة للعلاقات الأمريكية الروسية، وانطلاقة أخرى لمتابعة المسيرة الأطلسية بجناحيها الأمريكي والأوروبي، يستدعي البحث في العالم الإسلامي تخصيصا، وما يسمى العالم الثالث عموما، عن "انطلاقة" ذاتية جديدة، ترصد المتغيرات "الإستراتيجية" الشاملة الجارية، وتوجد منطلقات محلية وإقليمية للتضامن والتعاون والتكامل، بما يشمل الدول الناهضة والمتخلفة، ويوجد الأساس الضروري لتكتل "الردع المشترك" إن لم يكن لتكتل "منافسة تكتلات أخرى".
ودون ذلك لا جدوى من أي أمل يعقد على تعدد الأقطاب أو عدم تعددها، وتحالفها أو صراعها، على خارطة العالم المستقبلية.
ولا تزال توجد في المرحلة الانتقالية الحالية نحو نظام عالمي جديد فسحة للتصرف على مستويات الدول العربية، والإسلامية، والنامية، وقد لا تتوافر هذه الفسحة مستقبلا إذا ما استقرت دعائم تحالف الشمال على أسس جديدة لنظام عالمي، إذ سيكون له من الاستقرار والفاعلية ما يتجاوز مفعوله بمراحل ما كان للنظام العالمي الذي كان قائما على لعبة الردع النووي في الحرب الباردة.. آنذاك كان الصراع على النفوذ هو السمة البارزة فكان يسمح ببعض الفوائد من ممارسة سياسات متأرجحة بين الأقطاب، من قبيل عدم الانحياز مثلا، أما لعبة "الردع" الاقتصادي الدولية القادمة، فسيكون عنصر المصالح المادية هو الأظهر فيها، وسيكون للمقايضات والمساومات آنذاك مكانة الصدارة.. على حساب الدول التي لا تضمن لنفسها "الآن" مكانا ما في خارطة العالم المستقبلية.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|