|
| محمد خاتمي |
يتمثل تيار اليسار الإسلامي التقليدي في ثلاث مجموعات رئيسة هي "سازمان مجاهدين انقلاب إسلامي" (منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية)، و"مجمع رحانيون مبارز إيران" (مجمع رجال الدين المناضلين)، واتحاد طلبة الجامعات المعروف بـ "دفتر تحكيم وحدات" (مكتب تعزيز الوحدة).
ظهر هذا التيار في أوائل السبعينيات من القرن العشرين في ظل ازدهار التوجهات اليسارية بين الطبقة المتعلمة الإيرانية، كانت المعارضة السياسية للنظام البهلوي حينئذ تتمثل بالدرجة الأولى في "حزب توده" (الشعب) الشيوعي، في الوقت الذي كان التيار الإسلامي بشكل عام خاملاً، كما هو الحال في المرجعية الدينية والحوزة العلمية، أو كان متأثرًا بالاتجاهات الاشتراكية، كما كان الحال في "منظمة مجاهدين خلق إيران" ذات الميول العسكرية.
وتمتع اليسار الإسلامي بشعبية عريضة خلال العقد الأول من عمر الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي مكنه من المحافظة على غالبية مريحة في البرلمان حتى العام 1992، لكن منذ صعود آية الله خامنئي إلى منصب ولاية الفقيه في العام 1989، تعرض التيار لضغوط شديدة شملت إبعاد معظم رموزه عن المناصب السياسية الرئيسة التي كانوا يحتلونها، لا سيما تلك التي تخضع لإشراف مرشد الجمهورية، وتضمنت حملة المحافظين على ذلك التيار، طبقًا لموسوي لاري وزير الداخلية السابق، والعضو في مجمع روحانيون، أشكالاً من الترهيب والتشويه كان الغرض منها إجباره على الانكماش أو تبرير إقصائه عن الحياة السياسية، وازداد الأمر سوءًا حين مني التيار اليساري بهزيمة مذلة في الانتخابات النيابية للعام 1992، اضطرته إلى الانكفاء سياسيًا واجتماعيًا.
في هذه الظروف الصعبة، توجه تيار اليسار الإسلامي إلى إعادة نظر شاملة في خطابه السياسي ومتبنياته الأيديولوجية، ومن خلال هذا التوجه، أعاد التيار صوغ نفسه في إطار حركة إصلاحية تسعى إلى إقرار الديمقراطية والحريات المدنية في إطار النظام الإسلامي.
من المؤكد أن بروز هذا التوجه كان انعكاسًا للتغيير الكبير على المستويين الدولي والمحلي في آن واحد، فقد أدى انتهاء الحرب مع العراق في العام 1988، ووفاة آية الله الخميني في العالم التالي، إلى تراجع ملموس للميول الثورية اليسارية في المجتمع الإيراني، كما أن سقوط الاتحاد السوفيتي في العام 1991م، عزز صدقية الخطاب الليبرالي والديمقراطي، وكان له انعكاس واضح في المجتمع الإيراني، وكما أشرنا في الفصل الخامس، فقد انبثق الخطاب الإصلاحي من وسط اليسار الديني، وتحول من نخبوية إلى حركة جماهيرية بالاعتماد على الصحافة المستقلة التي استثمرت سياسات الرئيس رفسنجاني الانفتاحية.
يتألف المعسكر الإصلاحي من ثمانية عشر تنظيمًا رئيسًا، سوف يتركز النقاش هنا على الأربعة الأبرز منها، والتي تمثل اتجاهات متمايزة ضمن التيار الإصلاحي العام.
حزب كاركزاران سازندكي (كوادر البناء)
كان تأسيس حزب كاركازاران في يناير 1996م، بمنزلة إعلان انشقاق التيار التكنوقراطي عن المعسكر المحافظ، وكشف نجاحه المدهش في إيصال مرشحيه إلى البرلمان في الانتخابات التي عقدت في إبريل من العام نفسه، عن التغيير العميق الذي خلفته سياسات رفسنجاني في الرأي العام في حقبة ما بعد الحرب.
بعد الانتخابات التشريعية لعام 1984، ساد اعتقاد في الوسط السياسي الإيراني بأن دعم "جامعة روحانيت مبارز"، يمثل طريقًا مضمونًا إلى البرلمان، وقد اعتادت الجمعية تشكيل قوائم يتمثل فيها التيار الديني بجميع تنوعاته، لكنها خرجت على هذا التقليد عشية انتخابات العام 1996، حين قررت إقصاء أنصار رفسنجاني بضغط من قادة "حزب مؤتلفة" الذين هددوا بحجب دعمهم المالي عن الحملة الانتخابية للمحافظين إذا شارك فيها التكنوقراط المؤيدون لرفسنجاني، وتسهم مؤتلفة عادة بالجزء الأكبر من موازنة الحملات الانتخابية للمعسكر المحافظ.
ردًّا على ذلك، أعلن ستة عشر شخصًا من أنصار رفسنجاني تأسيس هذا الحزب كمقدمة لخوض الانتخابات على قوائم منافسة لقوائم المحافظين بالتحالف مع تيار اليسار، وكانت النتيجة مدهشة للطرفين، فقد حصل الحزب وحلفاؤه على 41 مقعدًا، رغم احتفاظ المحافظين التقليديين بالأكثرية (نحو 170 مقعدًا). ولد هذا النجاح انطباعًا عامًا بأن الجو السياسي يوشك على التغير بصورة حاسمة، وأن تأثير الروحانيين كمجموعة مرجعية لم يعد بالقوة المعهودة نفسها.
من جهة أخرى، أدت تلك المعركة إلى قطع حبال الود بين مجموعة رفسنجاني والمعسكر المحافظ، واتصالها بدلاً من ذلك باليسار الذي كان لا يزال على حاشية المسرح، ولعل الجناح اليساري كان أكثر المتأثرين بتلك النتائج التي كشفت عنها الصدقية والجاذبية اللتين تتمتع بهما الطروحات الليبرالية، ولا سيما التركيز على التعددية وحرية المبادرة.
يكشف صعود كاركزاران عن التعارض الحتمي بين الدولة والثورة، كعالمين متمايزين في القيم والأغراض والمتطلبات ومنظومات العمل ومناهجه، مثل هذا التعارض كان واضحًا منذ الأيام الأولى للثورة.
وقد حاولت الحكومة المؤقتة التي ترأسها مهدي بازركان بعد الثورة مباشرة، استيعاب منظومات العمل الثورية في أطر الدولة، لكن تلك المحاولة أخفقت؛ لأنها جاءت في الوقت الخطأ، وربما من جانب الأشخاص الخطأ، بحسب تحليل برزين. إن رفض المنظمات الثورية القوية يومذاك الانضواء تحت عباءة الدولة هو تجسيد لبغض القوى الثورية للبيروقراطية الدولتية. طبقًا لهذا لتحليل، نظر اليسار إلى البيروقراطية الحكومية كمنظومة ذات طبيعة محافظة وتفتقر إلى الإحساس بهموم الشعب وانشغالاته، بينما كان الاتجاه الديني التقليدي يخشى الميل الطبيعي للدولة إلى تمديد هيمنتها على النشاطات الثقافية والاجتماعية.
خلافًا للاتجاه العام في الكثير من الثورات، لم تبتلع الدولة المؤسسات الثورية، بل حدث العكس، بعد عقد من انتصار الثورة الإسلامية، أصبح معظم مؤسسات الدولة والقطاع الاقتصادي العام تحت سيطرة الثوريين، لكن ذلك لم يخفف من قدرة الدولة على هضم التغيير، إذ سرعان ما نجحت الدولة في امتصاص أولئك الثوريين، وتغيير ثقافتهم فتحولوا من نشطاء ثوريين إلى بيروقراطيين، ولعل صعود رفسنجاني إلى رئاسة الجمهورية بعد سنة واحدة من انتهاء الحرب مع العراق، كان الخط الفاصل بين المرحلة الثورية والمرحلة البيروقراطية.
فقد اعتمد الرئيس الجديد بشكل كبير على التكنوقراط والإداريين المحترفين، كما عمل على إلغاء الازدواجية التي كانت قائمة بين المؤسسات الثورية والبيروقراطية التقليدية، وجرى في هذا السياق إدماج الحرس الثوري في وزارة الدفاع، ولجان الثورة في الشرطة، وجهاد البناء في وزارة الزراعة، واتجهت الدولة بصورة عامة إلى إلغاء الخطوط التي كانت تفرق فيما مضى بين مؤسساتها والمؤسسات التي ولدت من رحم الثورة، ويعد ذلك مثالاً آخر على قدرة البيروقراطية على تبريد حمى الثورة وتسكين أمواجها من خلال استيعاب رجال الثورة ومنظوماتها، مهما كان الأمر عسيرًا.
وعلى أي حال، لم يكن الأمر الصعوبة التي ربما تخيلها الإيرانيون في سنوات الثورة الأولى، بل إن معظم المتقدمين من رجال الثورة وجد في البيروقراطية الحكومية عالمًا من الفرص جديرًا بالاكتشاف. فمن خلال مشاركتهم في العمل الحكومي، تلمس البيروقراطيون الجدد الفارق بين البلاغة اللفظية في الكلام عن الأهداف السياسية، وامتلاك الوسائل والموارد الضرورية لتحقيق تلك الأهداف، ومن المؤكد أن تلك المشاركة قد أثمرت تعزيزًا للثقافة العقلانية والبراجماتية على حساب الثقافة المثالية الحماسية المعتادة في الظروف الثورية.
بكلمة أخرى، يمكن اعتبار صعود كاركزاران رمزًا لانخفاض الزخم الثوري، وظهور جماعة مرجعية جديدة تمثل في التكنوقراط المحترفين.
منذ قيامه، بقي كاركزاران حزبًا نخبويًا، فأعضاؤه جميعًا إلى الشريحتين المتوسطة والعليا من المحترفين والإداريين، ولهذا أيضًا بقي حزبًا صغيرًا من حيث القوة البشرية والانتشار الجغرافي. وبسبب خلفيته البيروقراطية، اكتسب الحزب عددًا من السمات المميزة، من بينها ميوله البراجماتية، وتركيزه على الدور السياسي للتكنوقراط ومحورية الدولة في التنمية من ناحية أخرى.
إن تبني الحزب فكرة التنمية الاقتصادية، ومواقفه المعتدلة في المسائل مورد الجدل على الصعيدين الثقافي والسياسي، قد أكسبته تعاطف الطبقة الوسطى المدينية، لكن الحزب لم يحول هذا التعاطف إلى قوة منظمة؛ لأنه ببساطة لم يكن مهتمًا بالتوسع في العضوية. وطبقًا لحسين مرعشي، نائب رئيس الحزب، إن "الحزب أكثر اهتمامًا بالعضوية النوعية منه بالكمية، ولهذا فهو يركز على استقطاب النخبة". يصدر هذا التوجه عن اقتناع بأن النخبة بمجموعها تمثل الماكينة الحقيقية للتغيير في البلاد، كما يقول رئيس الحزب غلام حسين كرباسجي:
"الحزب السياسي أداة فعالة لتوليد الإجماع بين النخبة الوطنية (...). هذا الإجماع هو الأرضية الأكثر قبولاً للتنمية والوسيلة الأنجع لاستيعاب التحديات التي تجابه الأمن الوطني ومواجهتها (...). إذا فشلنا في جمع النخبة الوطنية كي تتعاون على وضع إستراتيجية طويلة الأمد، وتحظى بالإجماع، فإن النظام السياسي، الاجتماعي سوف يتدهور، وي صبح سقوطه احتمالاً قائمًا".
ويعتبر الحزب نفسه رائدًا لفكرة التنمية في الجمهورية الإسلامية، والتي ينظر إليها كتحول شامل ترتبط جوانبه الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، وتتفاعل فيما بينها كي تحقق هدفًا واحدًا هو زيادة الفاعلية والإنتاجية العامة للبلاد. وينظر إلى ازدهار الاقتصاد وتحسن مستوى المعيشة كمقدمة لا بد منها لتحقيق تنمية سياسية مستقرة. هذا الاهتمام الخاص بالتنمية الاقتصادية عاد على الحزب بثقة القطاعات الاقتصادية الحديثة، وشريحة كبيرة من الطبقة الوسطى، لكنه عاد عليه من جانب آخر بغضب حزب مؤتلفة المحافظ الذي اعتاد تقديم نفسه كممثل وحيد للسوق، والقطاع الاقتصادي في البلاد، كما سبب خلافات بينه وبين حلفائه الإصلاحيين الذين يضعون التنمية السياسية على رأس أولوياتهم، ويعتبرونها حجر الرحى في مسيرة تطور البلاد.
وبحسب محمد رفسنجاني، العضو في لجنة الحزب المركزية، فإن "شعار التنمية السياسية والثقافية الذي ينادي به السيد خاتمي (رئيس الجمهورية) لن يحقق أية ثمرة ولن يصل بنا إلى أي مكان [...] إيران بلد غني بالموارد الطبيعية، مما يحتم وضع التنمية الاقتصادية على رأس أولوياتها، ولهذا السبب يضع حزبنا هذا الهدف في مقابل هدف التنمية السياسية".
|
|
رفسنجاني.. الأب الروحي لكوادر البناء
|
خلال فترته الرئاسية الأولى (1988ـ 1992) ضمن رفسنجاني تأييد المحافظين، لكن هذا التأييد سرعان ما تراجع في الفترة الثانية (1993 ـ 1997) بسبب اتجاهه إلى تعزيز دور القطاع الصناعي الحديث، بدرجة تجعل منه عماد النشاط الاقتصادي في البلاد على حساب قطاع التجارة التقليدي الذي يمثل المصدر الرئيس لقوة المحافظين، ومحور اهتمامهم، في الحقيقة يعتبر عدد من المحللين حزب كاركزاران ممثلاً للطبقة العليا الحديثة، مقارنة بحزب مؤتلفة الذي يمثل الطبقة العليا التقليدية.
يدعو الحزب إلى دولة قوية وفعالة، ويقع نموذج الدولة الذي يتطلع إليه في منتصف المسافة بين نموذجي حكم الأقلية الحكيمة والحكومة التمثيلية، ويرى أن أفضل الحكومات هي تلك التي يديرها التكنوقراط والمحترفون الذين يتمتعون بثقة العشب وبدعمه.
بشكل عام، يفضل الحزب حكم التكنوقراط على حكم السياسيين، ويصف حسين مرعشي أعضاء حزبه كتكنوقراط مسلمين، ويشدد على أن التكنوقراطية هي جزء من جوهر الحزب.
التكوين النخبوي للحزب، ورهانه على الدور القيادي للتكنوقراط، وتقديمه التنمية الاقتصادية على السياسية، تثير جميعًا بعض الإشكالات لجهة التزامه معايير النموذج الديمقراطي. طبقًا لسنتينو، إن التكنوقراطية كمنهج سياسي هي، في صورتها الأكثر شيوعًا، فرع من نظرية النخبة، ويدور سؤالها الرئيس حول ما إذا كان من الأصلح لبلد معين أن يسلم أزمة أموره وأجهزة حكومته الإدارية والاقتصادي والسياسية إلى أقلية من التقنيين لتسييرها. إن معظم النقاشات حول العلاقة بين النموذجين التكنوقراطي والديمقراطي يرجع إلى العصور الحديثة، إلا أن الميل إلى حكومة التقنيين يرجع إلى تراث الفلسفة اليونانية القديمة.
وفي القرن التاسع عشر، دعا مفكرون مثل أوغست كونت (1798ـ 1857) وسانت سيمون (1760ـ 1825) إلى فصل الإدارة المباشرة للدولة عن السلطة السياسية (سلطة الملك) وربطها بدلاً من ذلك بالإنتاج، وإرجاع الحق في اتخاذ القرار وتنفيذه إلى الفئة التي تملك أدوات الإنتاج، أي التقنيين وأصحاب المعرفة، صادفت الفكرة قبولاً أكبر في ثلاثينيات القرن العشرين، وذلك بعدما راجت فرضية أن التقدم الاقتصادي والصناعي مدين لتقدم التكنولوجيا والعلوم.
لكن نظرية الحكم التكنوقراطي واجهت أيضًا الكثير من النقد نظرًا إلى ما قيل عن تهويتها شأن الإنسان وتعامل التكنوقراطيين مع المواطنين الآخرين بصورة نفعية، كما لو كانوا أدوات إنتاج وليسوا هدفًا نهائيًا للسياسة.
يفترق النموذجان التكنوقراطي والديمقراطي في الفلسفة التي يقوم على أرضيتها كل منهما، فالحكم التكنوقراطي يقوم على مبدأ أن جوهر السلطة السياسي هو إدارة البشر والأشياء على النحو الأمثل، بينما يقوم النموذج الديمقراطي على مبدأ أن جوهر السلطة هو تمثيل مصالح المواطنين وتوجهاتهم.
لم يكن تركيز "كاركزاران" على الكفاءة التقنية للإداريين مريحًا للمعسكر المحافظ الذي اعتبرها دائمًا أن الالتزام الديني والكفاءة السلوكية والخلقية هما المعيار الأول في اختيار إداريي الدولة، قبل الكفاءة التقنية. كما رأى المحافظون في سياسات الحزب الاقتصادية تحولاً عن قيم الثورة الإسلامية، فالحزب، كما رأى محمد رضا باهنر، "يقدم العقلانية والخبرة الإدارية على التدين والولاء الديني، بينما يشدد الآخرون (المحافظون) بصورة متوازية على النمو الاقتصادي، والعدالة، ومحورية القيم، وصيانة النظام في آن واحد". ويرد عطاء الله مهاجراني، الوزير السابق والعضو القيادي في الحزب، بأن تركيز الحزب على التقنية يعني:
"إيكال كل حق من حقوق العمل إلى أفضل الخبراء فيه، وهذا لا يؤدي بالضرورة إلى تعارض بين التقنية والتدين، صحيح أن من يريد إقامة الحكومة على أساس المبادئ الدينية سوف يعتبر المعايير الدينية ذات أولوية، لكنه لن يغفل بالضرورة معيار الكفاءة التقنية، التكنوقراط ليسوا ـ بطبيعتهم ـ ضد القيم، فغاية ما يفعلونه هي تقديم اعتبارات الكفاءة التقنية على نظيرتها الدينية".
ينظر "حزب كاركزاران" إلى المؤسسة الدينية كحليف طبيعي وضروري للدولة، لكنه خلافًا لموقف الروحانيين يفضل أن تنضوي الأولى تحت مظلة الثانية، وليس العكس. على صعيد آخر، لا يبدي الحزب اهتمامًا يذكر بالنقاشات النظرية حول الدين والإصلاح الديني، ويتخذ موقفًا براجماتيًا إزاء تطبيق الأحكام الدينية، ويشدد على ربط التطبيق بتشخيص المصالح العقلانية الكامنة في تلك الأحكام بدلاً من الاكتفاء بمظهرها القدسي.
وتقدم تجربة رفسنجاني، كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام، مثالاً جيدًا على الطريقة التي يفضلها في التفاعل بين الدين والحكومة، ويمثل الدور الأساسي في ترجيح رأي البرلمان أو الحكومة، أو مجلس صيانة الدستور حينما يعترض الأخير على تناسب القوانين التي يقترحها الفريقان الأولان مع الأحكام الشرعية، والمعيار الذي يتخذه المجمع هو تشخيص وزن المصالح الكامنة في رأي كل من الفرقاء الثلاثة والفصل على أساسها.
موقف الحزب من ولاية الفقيه هو الآخر مثال على منهجه البراجماتي، حيث يقول كرباسجي "نحن نقبل ولاية الفقيه في إطار حاكمية الشعب (...). الفقيه هو القائد الذي اختارته غالبية الشعب وليس معينًا من قبل الله، سلطة الفقيه قائمة على أرضية الدستور، إن قبولنا بسلطة الفقيه هو في الحقيقة فرع من التزامنا بالدستور".
سبقت الإشارة إلى اعتدال الحزب إزاء الجدالات الثقافية والاجتماعية، ونضيف هنا أن موقف الحزب هذا ينم عن ميول ليبرالية بين أعضائه الذين يقترحون أجندة عنوانها "التساهل والتسامح"، وقد كلفته هذه السياسات ثمنًا غاليًا، فقد عزل رئيسه غلام حسين كرباسجي من العمل عمدة العاصمة في 1998، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات، والحرمان من العمل الحكومي عشر سنوات.
أما مهاجراني الذي كرس اثنين من كتبه للدفاع عن أجندة الحزب الليبرالية، فقد عزل من منصبه كوزير للثقافة في العام 2000. وخلال العام 2004، تعرض لحملة تشويه للسمعة استهدفت إقصاءه عن المسرح السياسي في غمرة إشاعات عن تمهيدات يقوم بها الحزب لترشيحه لرئاسة الجمهورية خلفًا للرئيس محمد خاتمي.
ينشط حزب كاركزاران ضمن تحالف "الثاني من خرداد" الإصلاحي، وبعد ريادته للإصلاح الاقتصادي وفتحه الطريق أمام الإصلاح السياسي في أوائل التسعينيات، لم يستطع الحزب الاحتفاظ بالصدارة ضمن المعسكر الإصلاحي، ربما لأن الخطاب الإصلاحي، بحسب مهاجراني، قد تقدم كثيرًا وتجاوز المبادئ التي اشتهر بها الحزب.
وثمة شعور يسود الوسط السياسي الإيراني، بأن الغرض الوحيد لحزب كاركزاران هو خوض الانتخابات، وليس له أية أجندة أخرى يمكن تطبيقها أو الدعوة إليها خارج إطار الحكومة أو البرلمان، ولهذا السبب ربما، يقتصر نشاط الحزب على المواسم الانتخابية، ثم يعود إلى الصمت بعد انتهائها.
ولعل اقتصار الحزب على عدد قليل جدًّا من الأعضاء، وافتقاره إلى بنية تنظيمية فعالة يفرضان حدودًا ضيقة لنشاطه السياسي. ويمكن القول إن شاط الحزب، حتى في مواسم الانتخابات، مرهون بتحالفه مع أحزاب أخرى تملك القوى البشرية والتنظيمية اللازمة لخوض معركة انتخابية رابحة.
وقد يفسر ذلك سلوكه المعتدل وبراجماتيته في التعامل مع القضايا المثيرة للجدل في الساحة وميله إلى الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينه وبين جميع القوى الأخرى بما فيها القوى الحليفة. تعتبر هذه السياسة عند بعض المحللين نقطة قوة في الحزب، فهي تحمل جميع الأحزاب الأخرى على الاعتقاد بأن كاركزاران يمثل حليفًا محتملاً، لكن هذا القدر من البراجماتية يعطي انطباعًا بأن الحزب هو حليف مؤقت، يمكن التحالف معه على المدى القصير أو لأغراض تكتيكية، من دون التعويل على موقف ثابت أو علاقة إستراتيجية طويلة الأمد.
نشير قبل اختتام هذه المناقشة إلى العلاقة التي تربط حزب كاركزاران بالرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني الذي يعتبره كثيرون الزعيم الفعلي أو الأب الروحي للحزب، رغم أنه من الناحية الشكلية على الأقل ليس عضوًا في قيادته، ولا ينكر أعضاء الحزب "العلاقة الخاصة" به لكن مراقبين يشيرون إلى ما هو أعمق من ذلك، فعلى قائمة مؤسسي الحزب وقادته، نجد عددًا من عائلة الرئيس، من بينهم أخوه محمد، وابنته فائزة، وصهره حسين مرعشي. وتتألف لجنته المركزية من مساعدي الرئيس ووزرائه السابقين في الحكومة، ويقر مهاجراني بأن الحزب يحترم آراء رفسنجاني لا سيما في القضايا الرئيسة، لكنه لا يعتبره أبًا روحيًا. جدير بالذكر أنه رغم المكانة الرفيعة التي يحتلها رفسنجاني في النظام، لم يستطع حماية قادة الحزب من هجمات المحافظين، ولم يفلح في تسهيل نفوذهم إلى مؤسسات الدولة التي يسيطر عليها أولئك، مثل القضاء والقوات المسلحة وما إليها.
مجاهدين انقلاب إسلامي
تأسست منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية في العام 1980، كثمرة لاندماج سبع مجموعات صغيرة، ويبدو أن الغرض من ذلك الاندماج كان مواجهة التحدي المتمثل يومئذ في منظمة مجاهدين خلق المسلحة التي عارضت النظام الجديد انطلاقًا من رؤية إسلامية ـ ماركسية.
وخلال العقد الأول من عمر الجمهورية الإسلامية، كان للمنظمة حضور قوي في مؤسسات الدولة، ولا سيما في القوات المسلحة وأجهزة الأمن، كما احتل أعضاؤها مناصب وزارية وأكاديمية ومقاعد برلمانية. وبشكل عام كان ينظر إلى المنظمة كدينامو لتيار اليسار الإسلامي المهيمن على الحياة السياسية يومئذ، الأمر الذي جلب لها عداوة التيارين البراجماتي والمحافظ على السواء.
منذ العام 1982، عانت المنظمة مصاعب تنظيمية وخلافات داخلية، بدأت مع قرار آية الله الخميني بمنع العسكريين من عضوية الأحزاب، الأمر الذي اضطر عشرات من كوادرها البارزين إلى التخلي عنها، وفي العالم التالي، استقال ثلاثون من كوادرها الرئيسة في غمرة خلافات داخلية حول توجهاتها اليسارية، ولا سيما تمجيدها لفكر الدكتور علي شريعتي المناوئ لسلطة رجال الدين، وأخيرًا جرى حل المنظمة تبعًا لرأي حجة الإسلام راستي كاشاني الذي كان قد عينه الخميني للإشراف على نشاطاتها.
وفي العام 1991، استعادت المنظمة نشاطها على يد الجناح اليساري الذي كان على حاشية المسرح السياسي خلال هذه الفترة، وفي العام 1994، أصدرت صحيفة "عصر ما" نصف الشهرية التي سرعان ما احتلت مكانة مؤثرة بين نظيراتها، واشتهرت الصحيفة بتحليلاتها المعمقة في القضايا التي ظلت خلال السنوات الماضية مكتومة أو مهملة رغم أهميتها، ومن بينها العلاقة بين الدين والدولة، وبين الدين والمجتمع، وتحولات الفكر السياسي الديني خلال العهد الجمهوري، إضافة إلى تحليل مكونات المشهد السياسي الإيراني وتحديد الخلفتين الاجتماعية والأيديولوجية لكل من الجماعات المشاركة فيه، وعلاقة ذلك بمواقفها السياسية وتطلعاتها المستقبلية.
وقد مهدت تلك الصحيفة الطريق أمام الموجة التالية من الكتابات التي عالجت مسائل مثل الديمقراطية والحريات المدنية ودور النخب الحديثة في صنع السياسة وما إلى ذلك، وبسبب الجدل الذي أثارته، تعرضت الصحيفة للإغلاق على يد القضاء الذي يسيطر عليه المحافظون في مارس 2002، ورغم قصر المدة التي شهدت انتشارها، حفرت "عصر ما" مكانة بارزة لها في تاريخ الصحافة الإيرانية خلال ربع القرن الأخير، ولا شك في أنها لعبت دورًا حاسمًا في تطوير الخطاب الإصلاحي وإشاعة الثقافة الديمقراطية وبالتالي تحويل القوة الاجتماعية التي اعتادت تأييد اليسار الإسلامي إلى قوة إصلاحية.
رغم احتفاظها بطابعها اليساري، تخلت "مجاهدين انقلاب" عن معظم المبادئ التي تبنتها في بداية الثمانينيات، فهي تدعو اليوم إلى اقتصاد السوق، وتربط مشروعية النظام السياسي بتمثيله الصريح للرأي العام وليس برئاسة الفقيه له، كما استبدل تفسيرها المتشدد للدين بآخر أكثر ليبرالية وقبولاً بتعدد الاجتهادات والقراءات.
منذ إعادة تنظيمها في منتصف التسعينيات، تعرضت المنظمة لمعاملة قاسية من جانب المحافظين الذين وسموها بالعلمانية (وهي تساوي عندهم الخروج على الإسلام)، وفي العام 2002، أصدرت جمعية مدرسي الحوزة العلمية في قُم بيانًا يعتبر المنظمة غير شرعية ويحذر المؤمنين من التعاون معها. وصدر هذا البيان على خلفية محاضرة ألقاها هاشم أغاجري، العضو القيادي في المنظمة، انتقد فيها نمط التدين السائد، والعلاقة السلبية بين مراجع الدين ومقلديهم، وإثر المحاضرة، اعتقل أغاجري وحكم عليه لاحقًا بالإعدام بتهمة الردة والسخرية من العقائد الدينية.
أسهمت المنظمة بفاعلية في صعود المعسكر الإصلاحي، وشاركت في الحكومة والبرلمان (بعد انتخابات 2000)، ولعل هذه المشاركة هي التي حملت منافسيها المحافظين على اعتبارها القوة الحقيقية وراء الحركة الإصلاحية، ولا سيما حزبها الرئيس "جبهة مشاركت" وخاصة أن عددًا من قادة الحزب الأخير هم أعضاء سابقون في مجاهدين انقلاب.
لم تضم المنظمة بين أعضائها أي رجل دين، ربما بسبب التوجهات المعارضة للروحانيين الشائعة بين التيار المتأثر بفكر شريعتي، وتماثل المنظمة حزب كاركزاران في تركيبتها النخبوية، ولهذا بقيت محصورة في عدد صغير من المفكرين والسياسيين، كما تماثله في التشديد على محورية الاقتصاد الصناعي وتهتم خصوصًا بقطاع الصناعة الميكانيكية والثقيلة، في مقابل هيمنة التجارة التقليدية، فيما يتصل بعلاقة المجتمع بالدولة، يماثل معظم رؤى المنظمة تلك التي يتبناها حزب مشاركت كما ستعرض لاحقًا.
وقد منع أعضاء المنظمة من المشاركة في الانتخابات التشريعية للعام 2004، كما حصل مع حزب مشاركت، ومنذئذ هي تسعى للخروج من عباءتها النخبوية التقليدية وحجاب السرية الذي يحيط بنشاطاتها، باتجاه التحول إلى حزب جماهيري، وقد أعلن هذا التوجه في المؤتمر السابع للمنظمة، وهو أول مؤتمر يعقد في العلن في نيسان / إبريل 2004.
مجمع روحانيون مبارز
يمثل مجمع رجال الدين المناضلين الجناح الروحاني ذا الميول اليسارية، وقبل تأسيس الحزب، كان هذا الجناح ينشط ضمن "جامعة روحانيت مبارز" على الرغم من الخلافات التي ما كانت تهدأ إلا لتعود مجددًا بين الجناحين اليميني واليساري، ووصلت العلاقة بين الفريقين إلى طريق مسدود قبيل الانتخابات النيابية للعام 1988. وطبقًا لرفسنجاني جاء دعم الخميني للمجمع بتأثير ابنه ومساعده الخاص، أحمد الذي يعتقد أنه كان الرئيس غير الرسمي للمجمع، ويبدو أن المجمع كان الحزب الوحيد الذي حظي تأسيسه بموافقة علنية من جانب الخميني، وليس في الأمر ما يثير الاستغراب، فثمة بين مؤسسيه السبعة والعشرين، عشرة أعضاء في مكتب الخميني وستة آخرون من ممثليه الشخصيين.
|
|
مهدي كروبي.. أحد مؤسسي روحانيون مبارز
|
مثل كاركزاران، يفتقر مجمع روحانيون إلى قوة بشرية كبيرة أو بنية تنظيمية كالتي نجدها في الأحزاب الاعتيادية، كما يفتقر إلى أيديولوجيا متميزة، بل يفتقر إلى وحدة في الموقف من القضايا المختلفة، وقد كشف في البيان الختامي الذي صدر عن مؤتمره الأول نوفمبر 2003، عن قلق عميق إزاء اتجاه المحافظين نحو الهيمنة الكاملة وإقصاء القوى السياسية الأخرى، وشدد على التزام المجمع الإصلاح السياسي. لكن من ناحية أخرى كان الموقف إزاء عدد من القضايا الأخرى المثيرة للجدل غامضًا في الغالب ويفتقر إلى التحديد، وتكشف الآراء التي يعبر عنها أعضاء المجمع عن اختلاف كبير بينهم في التحليل وقراءة الأحداث، هو ثمرة لافتقاره إلى أيديولوجيا سياسية متينة تقوم عليها وحدة الموقف والتحليل، لا سيما إزاء القضايا الكبرى، أو تلك التي تثير الجدل في الساحة.
ويتمتع المجمع، لا سيما رئيسه الحالي موسوي خوئيني (المحرر: رئيس المجمع الحالي هو محمد خاتمي) بعلاقة متينة مع جمعيات الطلبة الجامعيين التي كانت عونًا كبيرًا له في المنافسات السياسية، لكن يبدو أن هذه العلاقة بدأت تميل إلى الوهن منذ العام 2002، بسبب تصاعد الخلافات داخل الجسم الطلابي من جهة، وتصاعد النزعة العلمانية من جهة ثانية، وفشل الحكومة الإصلاحية في حماية الطلبة من عسف المحافظين من جهة ثالثة.
في العام 2004، منع مجلس صيانة الدستور عددًا من مرشحي المجمع من خوض الانتخابات النيابية، ومني الآخرون الذين دخلوها بالهزيمة، بمن فيهم رئيس المجمع وقتئذ مهدي كروبي، ومجيد أنصاري العضو البارز ذو الميول البراجماتية، وقد ألقى الرجلان باللوم في هذا الفشل على انسحاب الإصلاحيين من ساحة الصراع، لكن يبدو لي أن السبب الرئيس يرجع إلى عدم قابلية المجمع لكسب أية معركة بالاعتماد على قوته الخاصة، ولهذا فإن انسحاب شركائه الأكثر شبابًا قد تركه من دون غطاء تقريبًا، ومن دون قوة منظمة تخوض المعركة لمصلحته.
حزب مشاركت إيران إسلامي
رغم عمره القصير نسبيًا، كشف حزب المشاركة عن كفاية عالية في حشد الجمهور وراء طروحاته وإدارة معاركه السياسية، فبعد ستة أشهر على تأسيسه، نجح الحزب في حصد غالبية الأصوات في الانتخابات المحلية للعام 1999، وأعقبه بانتصار مماثل في الانتخابات النيابية في العام التالي، الأمر الذي أعطاه اليد العليا في البرلمان والحكومة.
ويصنف الحزب ضمن يسار الوسط، ويتبنى النموذج الديمقراطي الليبرالي باعتباره المثال الأرقى للسلطة السياسية، ويصنفه بعض المحللين الإيرانيين ضمن اليسار الجديد، ربما بسبب مزجه بين الأجندة الليبرالية والخلفية اليسارية لعدد من مؤسسيه.
ولدت فكرة حزب المشاركة في "حلقة آيين"، وهي مجموعة من المفكرين كانت منشغلة خلال الفترة من 1994 ـ 1995، بالإعداد لإصدار مجلة فكرية جديدة ذات توجه ديني ـ ليبرالي، لكن بعد تسمية رئيس الحلقة محمد خاتمي مرشحًا لليسار الديني، واليمين الجديد "كاركزاران" للانتخابات الرئاسية الوشيكة، تحولت الحلقة إلى ما يشبه مركز الحملة الانتخابية لخاتمي. بعد فوزه الباهر بالرئاسة في مايو 1997، اتجه أعضاء الحلقة إلى تأسيس حزب سياسي يعمل على تطبيق أجندة الإصلاح السياسي التي حملت خاتمي إلى الرئاسة، وقع بيان تأسيس الحزب 110 من السياسيين والأكاديميين والإداريين، وفي هذه المرحلة المبكرة، كان ينظر إلى سعيد حجاريان باعتباره العقل المفكر للحزب، بل إن كثيرًا من الإصلاحيين يصفه بالمنظر الأول لحركة الإصلاح السياسي في إيران المعاصرة، مثل كثير من قادة الحزب الآخرين، كان حجاريان عضوًا في منظمة مجاهدين انقلاب، وما زال الحزبان قريبين أحدهما من الآخر إلى درجة أن المحافظين يصفون مشاركت بأنه مجرد واجهة لمجاهدين انقلاب، أو أن الأخيرة هي العقل المستخفي في الأول.
من المعتقد بأن مشاركت هو الحزب الأكبر في إيران حاليًا من حيث عدد الأعضاء والانتشار الجغرافي. وقبل إغلاقها في يوليو 2002م على يد القضاء الذي يسيطر عليه المحافظون كانت "نوروز" الصحيفة شبه الرسمية للحزب واحدة من أكثر الصحف اليومية توزيعًا.
وبحسب المحلل الإيراني علوي تبار، يضم الحزب ثلاثة أجنحة رئيسة:
1- اليسار الديني التقليدي الذي ترجع جذوره إلى تحالف "خط الأمام" الذي ظهر في السنوات الأولى من الثورة، وركز في العقد الثاني على المطالبة بمشاركة شعبية واسعة ومنافسة سياسية في إطار التيار الديني.
2- يسار الوسط الذي ترجع جذوره إلى تيار المفكرين الإسلاميين من دعاة المفكرين الإسلاميين من دعاة الإصلاح الديني، وهو يدعو إلى ديمقراطية شبه علمانية.
3- السياسيون المحترفون الذين يحملون ميولاً براجماتية ليبرالية، ويتبنون سلوكًا دينيًا معتدلاً.
ويعتقد علوي تبار أن التيار الأخير هو الذي سيقرر اتجاه الحزب في المستقبل، وإذا جرى الأمر على هذا النحو، فإن حزب مشاركت سوف يتحول إلى حزب سياسي محترف، يتركز اهتمامه على المنافسة على السلطة.
ويظهر حتى الآن أن دعاوى الحزب تحظى بشعبية جيدة في الوسط الاجتماعي، ولا سيما الأجيال الجديدة، كما كان لشعاره المحوري "إيران لكل الإيرانيين" وقع قوي بين الشرائح الاجتماعية التي كانت تشعر بالتهميش في السنوات السابقة، لا سيما الشباب والنساء. ويذكر أن سيدتين من أعضاء الحزب قد شاركتا في حكومة خاتمي، وهي المرة الأولى في العهد الجمهوري، التي تصل النساء فيها إلى الوزارة، ومن المؤكد أن تركيز الحزب على مشاركة جميع الإيرانيين في السلطة والسياسة قد أقنع شرائح كثيرة بالمشاركة في الحياة السياسية بعد زمن من إهمالها أو اعتزالها.
وكشفت استطلاعات للرأي العام عن استمرار شعبية الحزب رغم النكسات السياسية التي مني بها، ولا سيما إغلاق جميع مطبوعاته وحرمانه من التواصل مع الجمهور من خلال القنوات لأخرى كالإذاعة والتليفزيون اللذين يسيطر عليهما المحافظون. وعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع رسمي للرأي أجري في يناير 2004، قبيل الانتخابات النيابية، أن الحزب كان المرشح المفضل عند الناخبين، رغم عدم رضاهم عن أداء البرلمان المنصرف الذي كان للحزب فيه أكثرية المقاعد.
|
|
محمد رضا خاتمي
|
يمثل الإصلاح السياسي أبرز انشغالات حزب مشاركت، فهو يعتقد أن الظرف السياسي ـ الاجتماعي للبلاد، إضافة إلى التحولات التي تطبع العالم منذ نهاية الحرب الباردة، تتطلب إعادة نظر شاملة في الثقافة والمعادلات الاجتماعية، ومعايير العمل المتبعة في الدولة الإسلامية، ويرى الحزب أن الديمقراطية الليبرالية هي النموذج الأمثل للحكم الصالح والقادر على استيعاب ومعالجة التحديات التي فرضها تغير البيئة السياسية للعالم ونظام العلاقات الدولية في العقد الأخير، ويشدد في هذا الإطار على مفاهيم مثل الحقوق الدستورية، والحريات المدنية، وحاكمية الشعب كأساس للشرعية السياسية، وسيادة القانون، والشفافية، والمحاسبة، ويعتبر إرساخ هذه المفاهيم وتطبيقها في الحياة السياسية الغرض الأسمى للحركة الإصلاحية، ويرى الحزب أن ظهور هذه الحركة هو تعبير عن تحول الحراك الشعبي الذي ولد من رحم الثورة الإسلامية إلى حراك عقلاني واقعي، يتطور كنسق عمل سلمي في إطار الدستور والقانون الوطني.
ويجادل محمد رضا خاتمي، رئيس الحزب، في أن الحركة الإصلاحية تقدم البديل الواقعي من الدعاوى المثالية غير القابلة للتنفيذ في الواقع الإيراني، وهي أيضًا البديل الحلي القابل للحياة والتجذر من التطلعات اليائسة للمجموعات العلمانية التي تراهن على تدخل من جانب القوى الأجنبية لفرض الديمقراطية في البلاد.
واجه الحزب، والحركة الإصلاحية بشكل عام، نكسات مؤلمة، وفي العام 2003، كان الشعور العام بين الإصلاحيين يذهب إلى أن المحافظين قد نجحوا تمامًا في سد كل الطرق أمامهم، وانعكس هذا الشعور بقوة على مؤتمر الحزب الخامس الذي عقد في العام 2003، وتوقع بعض المحللين أن يتخذ المؤتمر اتجاهًا أكثر حدة، لكن البيان الختامي عاد إلى التشديد على المبادئ السابقة، ولا سيما مواصلة الصراع السياسي السلمي ضمن الحدود التي يسمح بها الدستور وقوانين البلاد.
ويبدو أن الحزب أراد من وراء هذا التأكيد تمييز نفسه عن مجموعات المعارضة التي تسعى إلى إسقاط النظام كليًا، وفي الوقت نفسه تمييز موقفه من موقف أصدقائه وحلفائه الذين لا يرون أية إمكانية للإصلاح الديمقراطي في ظل معادلات القوة السائدة.
ويعتقد الحزب أن الصلاحيات المطلقة لمرشد الجمهورية، في غياب نظام متين للرقابة والمحاسبة، تجعل إساءة استعمال السلطة أمرًا محتملاً على الدوام، وبناءً على هذه الرؤية، اجتهد الحزب من خلال البرلمان والحكومة لإصلاح النظام القانوني ومعادلات القوة، بما يتيح مجالاً أوسع للمجتمع المدني ليمارس الرقابة على عمل الهيئات الحكومية، وبسبب هذه المساعي، شهدت الدورة البرلمانية السادسة (2000ـ 2004) نزاعات متواصلة بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.
وتشهد القائمة الطويلة لمشاريع القوانين البرلمانية التي رفضها مجلس الصيانة، على ضخامة الجهد الذي بذله الإصلاحيون في ذلك السبيل، كما تشهد على التصميم الشديد للمحافظين على تعطيل الحركة الإصلاحية مهما كان الثمن، ورغم اعتقاد الحزب بأن دستور الجمهورية الإسلامية ينطوي على عيوب أساسية، لم تكن هذه العيوب سبب تعثر مسيرة الإصلاح السياسي، ويقول رضا خاتمي في هذا الصدد:
"نعتقد أن الدستور القائم ينطوي على إشكالات جدية من بينها افتقاره إلى التعريف الدقيق لهيكلية النظام، والعلاقات بين أركانه، ومنح صلاحيات من دون مسئولية لهيئات غير منتخبة، إضافة إلى طريقة تشكيل هذه الهيئات (...) لكننا، مع ذلك لا نرى أن تقدم مسار الإصلاح متوقف على تغيير الدستور (...) نعتقد أن المشكل الأساسي في البلاد هو غياب حاكمية القانون، وليس غياب القانون نفسه أو قصوره (...) من هنا فإن الوظيفة المحورية للحركة الإصلاحية هي فرض حاكمية القانون وإرساخها وإلزام الحاكمين بالخضوع له".
ويرى الحزب أن نجاح التحول الديمقراطي يتوقف على تغييرات هيكلية في النظام تؤدي إلى تعديل توازن القوى بين المجتمع والدولة لمصلحة الأول. وفي هذا الإطار شهد المؤتمر السابع للحزب، وهو الأول بعد خروجه من السلطة، اتجاهًا قويًا إلى التركيز على دور القوى الأهلية، لا سيما الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني باعتبارها الوسيط الرئيس لتحويل الرأي العام إلى قوة سياسية مؤثرة.
يصنف الحزب نفسه ضمن تيار الإصلاح الدين، وهو يدعو إلى دور واسع للدين في المجالين العام والخاص، لكنه يرفض أن تمتد القداسة التي تمتع بها الدين إلى الدولة، وهو يتعامل مع مؤسسات الدولة ذات الصبغة الدينية، بما فيها ولاية الفقيه ومجلس صيانة الدستور، على أساس قانوني بحت، أي باعتبارها هيئات قانونية، أو سياسية، أو هيئات دينية.
من ناحية أخرى، لا يرى الحزب الدين موضوعًا لعمل الدولة أو وظيفة من وظائفها، ويدعو بدلاً من ذلك إلى الفصل بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الدولة، على نحو لا يتيح لأي من المؤسستين استخدام الثانية.
قبل اختتام هذا العرض، نشير إلى العلاقة الخاصة بين الرئيس خاتمي وحزب مشاركت، والتي تشبه علاقة كاركزاران مع رفسنجاني من حيث احتوائها على جوانب تداخل وجوانب تخارج في الوقت نفسه، الأمر الذي حمل بعض المحللين على الظن بأن خاتمي هو أشبه بالأب الروحي للحزب. من الناحية الرسمية، خاتمي هو عضو في مجمع روحانيون وليس مشاركت، لكن أفكاره وأجندته الانتخابية تحتل موضعًا محوريًا بين أدبيات حزب مشاركت وشعاراته. نضيف أيضًا ما سبقت الإشارة إليه من أن عددًا ملحوظًا من مؤسسي حزب مشاركت وقادته كانوا بين المنظمين الرئيسين لحملة خاتمي الانتخابية، والمشاركين لاحقًا في حكومته. من المفيد على أي حال الإشارة إلى عاملين يساعدان على الظن بأن صنع الرأي، وبالتالي الموقف والقرار، داخل الحزب يتأثر بالمداولات الجماعية بدرجة أكبر من الكاريزما الشخصية لشخص واحد ومجموعة صغيرة من الأشخاص.
العامل الأول: ضخامة الحجم العددي للحزب وانتشاره الجغرافي، الأمر الذي يتيح للمنظمات الحزبية لعب دور حاسم، وقد ظهر هذا بوضوح خلال المؤتمر السابع الحزب (يوليو 2004).
العامل الثاني: يمتاز مشاركت عن سائر الأحزاب الإيرانية بأنه يضم بين صفوفه عددًا كبيرًا نسبيًا من المفكرين والمحترفين والسياسيين، كما يمتاز بانفتاحه على المفكرين الذين همشوا من جانب التيار السياسي الرسمي، والذين تظهر آراؤهم في مطبوعات الحزب واجتماعاته، الأمر الذي يجعل تعدد الأفكار والآراء سمة غالبة في منظماته.
كاتب وباحث - السعودية.
*عرض مختصر للفصل السادس من كتاب "حدود الديمقراطية الدينية.. دراسة في تجربة إيران منذ 1979"، للكاتب توفيق السيف، والصادر عن دار الساقي اللبنانية، 2008.
|