|
| أحمدي نجاد |
مرت الأحزاب الإيرانية خلال العهد الجمهوري بثلاث مراحل: الأولى امتدت خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الثورة، بينما استمرت المرحلة الثانية حتى العام 1991، أما المرحلة الثالثة فقد بدأت منذ العام 1991 وحتى الوقت الحالي. شهدت المرحلة الأولى ظهور ما يزيد على ثمانين مجموعة تمثل مختلف الشرائح الاجتماعية، ويعكس هذا الرقم الكبير نسبيًا تعدد المصالح والاهتمامات التي حصلت على فرصة للتعبير عن نفسها خلال الثورة الإسلامية وبعدها.
من المفهوم بطبيعة الحال أن معظم تلك المجموعات كان هزيلاً من حيث الأيديولوجيات، ومن حيث التنظيم، إضافة إلى الأجندة السياسية، ولهذا يصعب وضع تصنيف مناسب للغالبية الساحقة من المجموعات السياسية التي ظهرت في تلك الحقبة. مع مرور الزمن، تلاشى الكثير من تلك الجماعات أو اندمجت، وظهرت عوضًا منها مجموعات أقل لكنها أقوى وأمتن، وبالتالي قابلية للتحديد والوصف والتصنيف.
إضافة إلى المجموعات الدينية، كان هناك أحزاب علمانية أو شبه علمانية قوية، يرجع وجود بعضها إلى ما قبل الثورة الإسلامية، وما زالت ناشطة حتى اليوم داخل إيران أو خارجها. وسينصب تركيز البحث هنا على الأحزاب الدينية الرئيسة، نظرًا إلى أن الدراسة تدور حول تطور الفكر السياسي في الإطار الديني الشيعي.
ظهر أول تجمع ديني سياسي كبير في إطار ما سمي بـ "خط الإمام"، وهو تحالف عريض جمع مؤيدي الأجندة السياسية لآية الله الخميني، باستثناء مجموعات صغيرة متفرقة، وكانت اليد العليا في "خط الإمام" لثلاثة أحزاب رئيس: الحزب الجمهوري الإسلامي، ومنظمة مجاهدين انقلاب، وجمعية علماء الدين المناضلين في طهران، ضم كل من الأحزاب الثلاثة جناحًا يمينيًا وآخر يساريًّا.
لكن اليد العليا في الحزب الأول كانت من نصيب الاتجاه البراجماتي بقيادة رئيس الحزب محمد حسين بهشتي، بينما كانت الهيمنة في مجاهدين انقلاب لليسار الذي يقوده بهزاد نبوي، وسيطر الخط اليميني على الحزب الثالث وتزعمه أمينه العام محمد رضا مهدوي كني. بطبيعة الحال، يختلف العمل الحزبي في إيران اليوم تمامًا عما كان عليه في أوائل الثمانينيات، لكن لا بد من الإشارة إلى أن عددًا كبيرًا من الشخصيات الفاعلة في الأحزاب الحالية بدأت مسارها السياسي وبلورت خبرتها في إطار الأحزاب الثلاثة المذكورة.
الحزب الجمهوري الإسلامي
طبقًا للرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، ولدت فكرة الحزب في الشهور القليلة التي سبقت انتصار الثورة الإسلامية، لكن آية الله الخميني أخر موافقته على تلك الفكرة إلى ما بعد الانتصار. كان الغرض من تأسيس الحزب هو جمع القوى الدينية وتنظيمها ضد منافسيها، لا سيما الليبراليين، واليسار الماركسي، ومنظمة مجاهدين خلق. وطبقًا لبهشتي، فقد أريد من الحزب أن يكون الذراع السياسية للروحانيين، وفي السياق نفسه، اعتبر كامروا، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا، تأسيس الحزب الجمهوري علامة على ميل الروحانيين إلى تحويل الحماسة الشعبية التي تفجرت خلال الثورة إلى قاعدة راسخة، ومنظمة لتأييد المشروع السياسي الديني، بحسب البرنامج المعلن للحزب، تتضمن أبرز أهدافه "إعادة صوغ المجتمع على نحو يجعل القيم والأوامر والقوانين الدينية المعيار الحاكم على كل العلاقات الاجتماعية".
رغم سيطرة الحزب على الحياة السياسية منذ تأسيسه في 1979، حتى حله في العام 1987، افتقر دائمًا إلى التماسك وحسن التنظيم والإدارة المركزية القوية، ولعل أفضل ما يوصف به أنه كان تحالفًا ضم شخصيات فاعلة، ومنظمات صغيرة يجمعها قاسم مشترك هو القبول بآية الله الخميني كزعيم وطني وتاريخي وحيد، ومن هذا المنظور، كان الحزب نموذجًا مصغرًا عن التيار الديني بكل اتجاهاته الفكرية، وانشغالاته السياسية، وخلفياته الاجتماعية.
ويقول رئيسه محمد حسين بهشتي إن الحزب قد عانى عيوبًا كثيرة، أبرزها افتقاره إلى أيديولوجيا متكاملة، وتنظيم متقن، وضعف إجراءات تجنيد الأعضاء، وضعف الانضباط الداخلي، وقد توسع الحزب بصورة شبه عشوائية، الأمر الذي جعل تنظيماته، حتى في المراكز العليا، مفتوحة أمام محاولات التسلل من جانب معارضيه، ويبدو أن عناصر الضعف هذه كانت هي السبب في القضاء على الحزب، حتى قبل إعلان حله رسميًا في يونيو 1981.
فقد تلقى الحزب ضربة موجعة حين انفجرت قنبلة زرعها عنصر متسلل من أعضاء منظمة مجاهدي خلق فق قاعة يجتمع فيها عدد من كبار زعماء البلاد، فأودت على الفور بحياة 72 من الحاضرين، بينهم رئيس الحزب وعدد من قادته، وبعدها بأسابيع قليلة نفذت المنظمة هجومًا مماثلاً راح ضحيته رئيسا الجمهورية والوزراء، وكلاهما من قادة الحزب، وأدت الحادثتان إلى تصديع بنيان الحزب، لكنهما جعلتاه، في الوقت نفسه أكثر تصميمًا على تعزيز بنية الدولة والقبض على أزمة الأمور، ولو على حساب إخلاء الساحة السياسية من جميع متنافسيه.
في الحقيقة إن تلك الأحداث أطلقت الإشارة لبرنامج واسع النطاق جرى تنفيذه بين عامي 1981ـ 1983، بهدف خلق نخبة سياسية جديدة، تتكون بصورة خاصة من التيار الديني المؤمن بولاية الفقيه، والدور المحوري لرجال الدين في النظام السياسي الجديد.
لكن من سخرية القدر أن نجاح هذا البرنامج شكل بداية النهاية للحزب، فبعد إخلاء الساحة السياسية من أي منافس جدي، تراجعت الحماسة وقوة الدفع بين أعضاء الحزب، وبالتدريج فقد الحزب مبرر وجوده الرئيس، كما يقول رفسنجاني، وفقد أعضاؤه الرغبة في مواصلة النشاط الحزبي. وأخيرًا قرر قادته إنهاء وجوده استجابة لنصيحة آية الله الخميني.
على أي حال، لم يكن الخميني سعيدًا بهيمنة الحزب على الحياة السياسية، ويبدو أن هذا الموقف كان نتيجة للممانعة التي أبداها الكثير من الروحانيين، لا سيما من الشريحة العليا، الذين شعروا بأن محاولة الحزب للاستئثار بالسلطة والنفوذ في المجتمع في آن واحد قد أساء إلى دورهم، ومن المحتمل أن هذا الانقسام قد شكل في نظر الخميني تهديدًا لوحدة التيار الديني في تلك المرحلة التأسيسية.
كما أشرنا سابقًا، ضم الحزب بين صفوفه ثلاثة أجنحة متمايزة: الجناح اليميني التقليدي، وجناح اليسار الديني، والجناح البراجماتي، وتمثلت هذه الأجنحة بنصيب مناسب في السلطة التنفيذية والبرلمان والمؤسسات الثورية، لكن العلاقة بينهما لم تكن صافية على الإطلاق، فمنذ بداية الأمر، ففي أكتوبر 1981، صوت البرلمان لمصلحة المرشح اليساري لرئاسة الوزراء مير حسين موسوي، ضد مرشح رئيس الجمهورية ذي الميول اليمينية، احتجاجًا على ميل الحكومة إلى اتخاذ إستراتيجية اقتصادية تتسم بالمركزية والتدخل في السوق، الطريف في الأمر أن الرئيس ورئيس الحكومة والوزراء المستقيلين كانوا جميعًا أعضاء قياديين في الحزب الجمهوري.
مع نهاية الحرب مع العراق، في أغسطس 1988، خففت الحكومة من القيود التي سبق فرضها على النشاط السياسي والاجتماعي المستقل. وأبرز الخطوات التي اتخذت في هذا الإطار كانت إعادة العمل بقانون الأحزاب الذي بقي مجمدًا منذ تشريعه في العام 1981.
لكن المسرح السياسي بقي راكدًا بصورة عامة حتى وفاة الخميني في يونيو 1989، والواضح أن غياب مؤسس النظام قد أزاح عقبة كبيرة من طريق العمل الحزبي، تمثلت في اعتبار الأحزاب، وبشكل عام النشاط العام المستقل عن الدولة، مضرة بالوحدة الوطنية أو وحدة التيار الديني على الأقل، بعد شعر على وفاة الخميني، حصلت أربعة تنظيمات على الترخيص الرسمي ضمن قانون الأحزاب.
تنتسب ثلاثة من بين المجموعات الأربع إلى تيار اليسار الديني، وهي جمعية نساء الجمهورية الإسلامية التي ترأسها زهراء مصطفوي، بنت آية الله الخميني، ومجمع روحانيون مبارز، وحزب فدائيان إسلام.
شهد العمل السياسي المستقل ازدهارًا ملحوظًا بعد انتخاب هاشمي رفسنجاني رئيسًا للجمهورية، ففي إطار إستراتيجيته المعروفة بـ "سياست تعديل"، أقرت الحكومة بالتعددية السياسية والثقافية، ووعدت بتخفيف القيود المفروضة على التنافس السياسي.
وشهدت السنوات التالية ظهور العديد من التنظيمات السياسية التي لعب بعضها دورًا فعالاً في إعادة صوغ المشهد السياسي، وترك علامات بارزة على صورة النظام الإسلامي.
أشرنا في البداية إلى ما جرت عليه العادة من تصنيف الأحزاب اليمينية يمينيًا ويسارًا، لكن منذ الانتخابات الرئاسية للعام 1997، أصبح الميل الغالب تصنيف تلك الأحزاب ضمن واحد من معسكرين: محافظ أو إصلاحي.
معسكر المحافظين
نشأ التيار المحافظ ضمن المجتمع الديني التقليدي، واستهدف التعبير عن تطلعاته إلى دولة دينية قائمة على أرضية المذهب الشيعي الإمامي بصيغته السائدة، وتألف في جوهره من تحالف بين الحوزة العلمية الدينية وتجار "البازار"، السوق التقليدية في طهران ومدن إيران الكبرى، وكان تحالف الفريقين قد مثل قوة المعارضة الكبرى للنظام الملكي السابق، لكن رغم هذا التحالف القوي والتاريخي، بقيت العلاقة بين الطرفين، حتى قيام الثورة الإسلامية على الأقل، غير محددة المعالم ومن دون جهاز تنظيمي واضح يمثل مصالحهما السياسية.
من المرجح أن "انجمن حجتيه" (جمعية الحجتية) كانت أول تنظيم للقوى الدينية يعمل على المستوى الوطني، رغم أنها اختارت تكريس نفسها للعمل الثقافي والديني، بعيدًا عن السياسة بالمعنى الفني، تأسست "انجمن حجتيه" في العام 1957م، من أجل مقاومة المذهب البهائي الذي كان يتوسع يومذاك.
والتزمت الجمعية التشيع في صيغته التقليدية، بما فيها الاعتقاد باعتزال السياسة حتى ظهور الإمام المهدي المنتظر، وبسبب تحريمها التدخل في السياسة، خلت علاقة الجمعية مع الخميني وتلاميذه من الود، لا سيما خلال العقد السابق للثورة الإسلامية.
وقد عاد عليها هذا الموقف بقدر من التسامح من الأجهزة الأمنية للنظام البهلوي من جهة، لكن بالعداء من الثوريين ومعارضي النظام من جهة أخرى. وشكل قيام الثورة صدمة مدمرة للجمعية وعقائدها وقادتها، ففي حمأة الحماسة الثورية تخلى عنها معظم أعضائها الذين انضموا إلى صفوف الثائرين، وفشلت محاولات زعيمها الشيخ محمود حلبي للمصالحة مع الخميني، ربما بسبب ارتياب الأخير بنيات الجمعية وعلاقاتها مع بعض رجال النظام السابق.
في نهاية المطاف قررت الجمعية حل نفسها في يوليو من العام 1983، بعدما انتقدها الخميني علانية، وانضم معظم أعضائها إلى الحكومة والتنظيمات المحافظة، ويعتقد على نطاق واسع بأن الجمعية ما زالت تمارس نشاطًا غير علني في الوقت الحاضر، رغم وفاة مؤسسها وزعيمها. وكان آية الله خزعلي، وهو من الشخصيات البارزة بين المحافظين التقليدية، ومن الذين حاولوا مصالحة زعيم الجمعية مع الخميني، قد أشار ضمنيًا على استمرار العمل السري للجمعية، لكن ضمن نطاق محدود بحسب تعبيره.
وقد أثارت العلاقة المحتملة بين المعسكر المحافظ وجمعية الحجتية اهتمامًا واسعًا في أوساط الباحثين الإيرانيين، لا سيما في أوائل الثمانينيات، ووصف بعضهم المجموعة النيابية المحافظة في البرلمان بجناح الحجتية، لكن هذه النسبة المحددة لم تعد رائجة اليوم، ومن المؤكد أن الساحة السياسية الإيرانية بمعسكريها قد تجاوزت الحجتية، ولم يعد لدى الأخيرة ما يغري بالتمسك بها، سواء على المستوى الأيديولوجي ـ الثقافي أو المستوى التنظيمي ـ العملي.
وعلى أي حال، لا ترجع أهمية "انجمن حجتية" إلى فاعليتها المباشرة، بل إلى الثقافة التي أسستها والتي أسهمت إلى حد كبير في صوغ التفكير السياسي للتيار الديني، ولا سيما مفهومه الخاص للتشيع الخالص، ومن المؤكد أن مبادئ "الأنجمن" قد أثرت بعمق في المعسكر المحافظ، وهو تأثير يمكن استجلاؤه من خلال تحليل استهدافات التيار المحافظ السياسية والقيم التي يروج لها، ونظرته إلى النظام الاجتماعي، مقارنة بتلك التي نادى بها التيار الثوري قبل الثورة وبعدها، ومن أبرزها:
- الالتزام المتشدد بالتشيع التقليدي الذي يتجلى أحيانًا في صيغة تشدد مذهبي معاد للمذاهب الإسلامية الأخرى، وتشدد مماثل ضد تيار الإصلاح الديني في التشيع نفسه.
- الإيمان العميق بنظرية المؤامرة واتخاذها أداة رئيسة لفهم العلاقة مع العالم الخارجي وتحليلها، والشعور المبالغ فيه بالتهديد، وهو ما يفسر التركيز المفرط في المعسكر المحافظة على السياسات الحمائية.
- الميل إلى ممارسة سلطة أوتوقراطية على المجتمع ككل لضمان التزامه السلوك السليم والأخلاقيات الفاضلة، مقارنة بإغفال شبه تام لحقوق الأفراد المدنية والحريات العامة، ويتجلى هذا الميل خصوصًا في السياسات المتشددة في قضايا مثل اللباس والمظهر الشخصي، وفي الأعمال ذات الطبيعة الترفيهية.
أعتقد أن كثيرًا من السياسات المتشددة التي تتخذها الحكومة الإيرانية، لا سيما في المجال الثقافي والاجتماعية، كذلك السياسات المتعلقة بالأقليات الإثنية والنساء، لا يمكن أن تفهم من دون اختبار جذورها الراسخة في نموذج التدين الذي روجت له "انجمن حجتية". ولا أظنني مبالغًا في القول إن قيم الأنجمن والمثاليات التي دافعت عنها لا تزال حية من خلال العشرات من أعضائها السابقين الذين وجدوا طريقهم إلى المراكز القيادية والمؤثرة في المعسكر المحافظ، إضافة إلى المؤسسات المختلفة ومراكز التأثير وصنع القرار في المجتمع والدولة.
يتألف المعسكر المحافظ من نحو خمسة عشر حزبًا ومنظمة حرفية، أبرزها جمعية رجال الدين المناضلين في طهران، وحزب مؤتلفه إسلامي، وائتلاف التنمية الحديث الولادة.
1- جامعة روحانيت مبارز تهران
تأسست جامعة روحانيت (جمعية رجال الدين المناضلين في طهران) في السنة السابقة لانتصار الثورة الإسلامية بغية توحيد النشاط السياسي للروحانيين تحت مظلة آية الله الخميني، ولعبت الجمعية دورا حاسمًا في تعبئة الجمهور الإيراني، وتحولت خلال وقت قصير إلى محور استقطاب رئيس للقوى الثورية.
|
|
علي أكبر ناطق نوري
|
واتسعت عضوية الجماعة بعد انتصار الثورة، رغم أن القرار الحاسم بقي في يد عدد صغير من كبار الروحانيين المؤسسين.
ورغم دورها المحوري في الحياة العامة، لا تعتبر الجماعة نفسها حزبًا سياسيًّا، وهي لم تسع للحصول على الترخيص الرسمي ضمن قانون الأحزاب، كما أنها لا تملك منبرًا رسميًا (صحيفة أو نشرة...) ينطق باسمها، عند تأسيسها، ضمت جامعة روحانيت بين صفوفها جناحًا يمينيًا وآخر يساريًا، لكن منذ العام 1984، أصبح جناح اليمين التقليدي أكثر تمايزًا حين أصدر أربعة من قادته البارزين صحيفة "رسالت" اليومية التي أصبحت فيما بعد المنبر الرئيس لهذا التيار.
وفي العام 1988، أصبحت الجمعية يمينية صافية بعدما انشق عنها الجناح اليساري ليؤسس جمعيته الخاصة، ترتبط جامعة روحانيت عضويًّا بجمعية مدرسي الحوزة العلمية في قُمّ (جامعة مدرسين حوزة علمية قم). وتشترك الجمعيتان في القيم الأساسية والتطلعات، إضافة إلى عدد من الأعضاء البارزين، وتحظى الأخيرة بما تشبه اعترافًا رسميًا بها من جانب الدولة كهيئة عليا في الحوزة العلمية، وثمة اعتقاد شائع بأن الأولى تمثل الواجهة السياسية للثانية، طبقًا لهاشمي رفسنجاني، الرئيس الأسبق والعضو البارز في جامعة روحانيت، معظم المواقف السياسية لجامعة روحانيت كان يتخذ بالتنسيق الكامل مع جمعية المدرسين، كذلك الأمر بالنسبة إلى اختيار مرشحي الجمعية في الانتخابات.
وتدعو "جامعة روحانيت" إلى اقتصاد حر، لكنها تميل إلى التشدد في الشئون الاجتماعية والثقافية، وتدعو إلى استخدام قوة الدولة ومؤسساتها لفرض انضباط ثقافي وسلوكي، وطالما عبرت عن القلق من انتشار الميول الليبرالية في المجتمع، ولا سيما خلال التسعينيات، وبحسب السيد رضا تقوي، المتحدث باسمها، فإن:
"الحراك الثقافي في البلاد فقد توازنه، وهو يتأرجح بين إفراط وتفريط، وإذا لم نعالج هذه العلة، فقد نواجه في المستقبل نتائج مؤسفة، لا يتفهم البعض مبادئ الحياة الاجتماعية وواقعياتها، أو لا يشعر بضرورة الالتزام بقواعدها، ولهذا فهو يدعو إلى حرية مطلقة، من دون أي ضابط أو قانون، بل حتى من دون احترام حرية الآخرين وحقوقهم.. ثمة أدلة على انهيارات ثقافية في البلاد سببها حضور بعض المثقفين المتغربين والخائنين ونشاطهم، إضافة إلى الغزو الثقافي للعدو الذي، لأسباب مختلفة، ترك تأثيرًا في بعض القطاعات".
بين عامي 1992 و1997، كان لجامعة روحانيت وحلفائها اليد العليا في البرلمان ومؤسسات الدولة، لكنها هزمت على يد منافسيها اليساريين (الإصلاحيين لاحقًا) في الانتخابات الرئاسية، ثم البلدية والبرلمانية في الأعوام 1997، 999م، 2000م على التوالي، ومنذئذ فقدت الجماعة تمامًا حماستها للصراع وطاقتها، فخلال الانتخابات الرئاسية للعام 2002، امتنعت عن تسمية مرشحها أو دعم أحد المتنافسين الآخرين.
وفي الانتخابات المحلية للعام 2003، والانتخابات التشريعية للعام 2004، لم تكن الجمعية محسوبة كقوة مهمة كما كان الحال في الثمانينيات والتسعينيات، فقد تخلت عن دورها للجيل الجديد من السياسيين المحافظين، ويميل الشعور السائد في الساحة السياسية الإيرانية إلى اعتبار "جامعة روحانيت" تاريخًا يوشك على الأفول، ولعل أبرز أسباب هذا التدهور هو عجزها عن تجديد نفسها، كما أن شيخوخة قادتها، وميل بعضهم إلى التفرغ للدراسة والعمل الديني والثقافي، قد أفرغاها عمليًا من قوة الحركة، في الوقت الذي لم تظهر اهتمامًا يذكر باستقطاب الجيل الجديد من الروحانيين، أو تطوير خطابها السياسي على الوجه الذي يكفل لها الاستمرار في بيئة سياسية سريعة التغير.
2- حزب مؤتلفه إسلامي
ينظر عدد من المحللين إلى "حزب مؤتلفه" كدينامو التيار المحافظ التقليدي. تشكل الحزب من تحالف بين جمعيات دينية تتولى النشاط الاجتماعي والثقافي في الأسواق التقليدية "البازار" في كل من طهران وأصفهان، وظهر أولاً باسم "جمعيت مؤتلفه" بعد انتفاضة خرداد في العام 1963، التي مثلت أول ظهور للخميني كزعيم معارض.
وتألف قوام الجمعية يومها من تجار وحرفيين صغار أو متوسطيين، وخلال السنوات التالية، تعرض الكثير من أعضائها للاعتقال وجمد نشاطها السياسي، لكن أعضاء آخرين واصلوا نشاطهم في المجال الثقافي والخيري بالتعاون مع رجال الدين.
ومع تفجر الثورة الإسلامية، عاد أولئك الأعضاء إلى العمل السياسي، وأقاموا خلايا عمل مؤثرة، لا سيما في سوقي طهران وأصفهان، وهذا ما يفسر ارتباط الحزب بالسوق.
بعد انتصار الثورة، انضمت الجمعية إلى الحزب الجمهوري الإسلامي حتى انحلاله في العام 1987، حين عادت إلى العمل كمنظمة مستقلة، حافظت الجمعية على دور مؤثر في السياسة الإيرانية، وبين عامي 1981 و1997 حصل خمسة من قادتها على مناصب وزارية، وحصل آخرون على مقاعد في البرلمان، وعضوية مجلس تشخيص مصلحة النظام، كما أن عددًا من المؤسسات الكبرى بقي زمنًا طويلاً تحت إدارة أعضاء من الجمعية، من بينها الجامعة المفتوحة، و"كميته إمداد إمام"، أضخم الجمعيات الخيرية في البلاد، وبنياد مستضعفان، وغرفة التجارة والصناعة الإيرانية. انعكس وجود قادة الحزب ضمن الطبقة السياسية العليا على مكانة أعضائه في السوق، فنمت مصالحهم وأصبح عدد ملحوظ منهم ضمن كبار رجال الأعمال على المستوى الوطني.
بسبب هيمنة كبار التجار على قيادته، كان حزب مؤتلفه على الدوام شديد الحساسية إزاء السياسات الحكومية المتعلقة بالسوق، في العام 1983 مثلاً، تخلى اثنان من أعضائه عن مناصبهم الوزارية احتجاجًا على تبني الحكومة خطة التنمية الخمسية الأولى التي تحمل صبغة يسارية فاقعة. وفي العموم، كان الحزب معارضًا عنيدًا لسياسات التخطيط المركزي التي تبنتها الحكومة بعد الثورة، ويبدو هذا التوجه متوافقًا مع ميول الإصلاحيين إلى تحرير السوق، ولا سيما دعوتهم إلى تعديل المادة الدستورية 44 والمواد الأخرى التي تقيد القطاع الخاص أو تعطي الدولة أفضلية في المجالات ذات الطبيعة التجارية.
على الصعيد السياسي، يؤيد الحزب بقوة نظرية ولاية الفقيه، ولا سيما تفسيرها التقليدي، باعتبار المعيار الأساس لشريعة النظام. ولهذا السبب، يميل الحزب إلى قصر تعامله على الجماعات التي تؤيد تلك النظرية بصورة كاملة ومطلقة، ويطلق الحزب على هذا النوع من الجماعات صفة "خودي" (الأهل) مقارنة بالجماعات التي لديها تحفظات عن ولاية الفقيه، والتي يصنفها كـ "غير خودي" (الأجانب).
وفي ضوء هذا التصنيف يحصر الحزب قبوله بفكرة التعددية السياسية ضمن النطاق الأول، أما غيرهم فلا ينبغي أن يسمح له بالمشاركة في القرار، على الصعيد الثقافي، يرفض الحزب فكرة التعددية الدينية، ويرى عباس بور، عضو اللجنة المركزية للحزب، أن:
"التعددية الدينية، سواء في إطار الإسلام أو خارجه، لا تتوافق مع مبادئ الإسلام المحمدي الأصيل، يجب على القائلين بهذه الأفكار أن يرجعوا إلى خبراء الشريعة الحقيقيين (الفقهاء)، وإلا فإن الشعب سينظر إليهم كمبتدعين في الدين، أي مفهوم أعوج هذا الذي يدعو إليه أولئك بكل جرأة حين يقولون أنه لا التشيع حق "مطلق" ولا التسنن حق "مطلق".
من الواضح أن مؤتلفه قد فقد جاذبيته منذ وقت طويل نسبيًا، ففي الانتخابات التشريعية للعام 1996، خسر ثلاثة من قادته البارزين مقاعدهم، رغم نجاح المعسكر المحافظ في كسب أكثرية البرلمان، وتكررت الخسارة في الانتخابات التالية، أما في الانتخابات التشريعية في العام 2004م، فقد أصر حلفاء مؤتلفه على حذف اسم رئيس الحزب واسم نائبه من قائمة المرشحين المحافظين خشية خسارة المقعدين، في إشارة إلى السقوط المريع لشعبية الحزب ونفوذه السياسي.
وخلال مؤتمره السنوي للعام 2004، دعا ناطق نوري، رئيس البرلمان السابق وأحد أبرز حلفاء الحزب، في خطاب افتتاحي القادة الكبار في السن إلى فسح المجال أمام جيل أكثر شبابًا، كما دعا إلى الأخذ بالأساليب الحديثة في العمل الحزبي، كطريق لا مفر منه للاحتفاظ بمكانته في الميدان السياسي.
يمثل تحالف الحزب مع الروحانيين استمرارًا لتقليد قديم من الاعتماد المتبادل بين البازار والمؤسسة الدينية، والحقيقة أن هذا الاعتماد كان عنصرًا مهمًا في احتفاظ الروحانيين باستقلاليتهم المالية، وبالتالي الاجتماعية والسياسية عن الدولة طوال التاريخ الإيراني، واستمر هذا التقليد حتى بعد قيام الجمهورية الإسلامية، إذ على الرغم من تولي عدد كبير من الروحانيين مناصب رفيعة في الحكومة، فهم يفضلون بشكل عام المحافظة على استقلال نشاطاتهم الثقافية والدينية، وبالتالي استقلال مصادرهم المالية.
ويتجلى ذلك بصورة أوضح في حالة مراجع التقليد، وكبار تلاميذهم وممثليهم المحليين الذين فضلوا عدم الانخراط في العمل الحكومي، وتمثل هذه الحالة واحدة من النقاط التي لا تخلو من طرافة في السلوك السياسي لرجال الدين الشيعة، فاعترافهم بشرعية الدولة لا ينطوي على تسليم لها أو اعتماد عليها، لا سيما في المجال المالي.
يوفر "حزب المؤتلفة" دعمًا ثابتًا للنشاطات الاجتماعية والثقافية للروحانيين، إضافة إلى الأعمال الخيرية بشكل عام، ولقادة الحزب اليد العليا في "كميته إمداد" أكبر جمعية خيرية في البلاد، وهم يمولون المئات من المدارس الدينية والمساجد، والبرامج الثقافية التطوعية، وغيرها، لكن المفارقة أن الحزب لم ينجح كثيرًا في تحويل هذه الأعمال الجليلة إلى رصيد سياسي يستثمره في الانتخابات العامة لإنجاح مرشحيه، أو دعم أجندته السياسية.
إن اعتماد الحزب على الروحانيين قد ساعده حتى الآن على تأمين موقع فاعل في النظام لا سيما في المؤسسات الخاضعة لإشراف الولي الفقيه.
لكن فشل الحزب في تطوير آلية عمل مستقلة، جعل مستقبله يبدو محاطًا بالكثير من الشكوك، وخاصة مع اضطرار عدد من مؤسسيه وقادته التاريخيين إلى اعتزال العمل العام خلال السنوات القليلة المقبلة بسبب تقدمهم في السن، نشير أيضًا إلى خروج حليفه الأساسي "جامعة روحانيت مبارز" من الساحة السياسية، وعدم اهتمام "تحالف التنمية" الذي ظهر حديثًا كممثل للجيل الجديد من المحافظين، بإقامة علاقات متينة معه، فهذه وتلك تقدمان إشارات عن المصير الذي ينتظر الحزب في المرحلة القادمة.
3- ائتلاف آبادكران إيران إسلامي
رغم حداثة عهده بالعمل السياسي، كان متوقعًا فوز "ائتلاف آبادكران" (تحالف تنمية إيران) بالأكثرية في الانتخابات التشريعية للعام 2004، ويرجع الفضل في هذا النجاح الباهر إلى قرار مجلس صيانة الدستور، وهو الهيئة العليا المشرفة على الانتخابات، حرمان حزب الغالبية في البرلمان السابق وحلفائه الإصلاحيين المشاركة في المنافسة الانتخابية.
ظهر ائتلاف التنمية للمرة الأولى عشية الانتخابات البلدية في العام 2003، وحقق نجاحًا فاجأ الكثيرين، وخاصة في إزاحة الإصلاحيين من مجلس العاصمة طهران، وهو فوز اعتبر مؤشرًا إلى التغير في موازين القوى في البلاد ككل، من الناحية الإحصائية البحتة، حصل الإصلاحيون على أكثرية المجالس البلدية في الأقاليم، لكنهم فشلوا في المدن الكبرى التي يكتسي التصويت فيها صبغة سياسية.
حصل الائتلاف على مقاعد مجلس العاصمة الثلاثين، وكان قد خاض الانتخابات بقائمة تضم أسماء غير معروفة، ما عدا اثنين من الأعضاء الجدد، مهدي شمران، وعباس شيباني، كان الآخرون جميعهم مجهولين في الساحة السياسية، وينطبق الأمر نفسه على عمدة العاصمة الجديد محمود أحمدي نجاد (الذي انتخب في يونيو عام 2005 رئيسًا للجمهورية).
ثمة تفسيرات متعددة لصعود تحالف التنمية "آبادكران" لعل أبرزها هو الذي يربطه بالتحول البنيوي داخل المعسكر المحافظ، هذا التحول هو أحد انعكاسات التغيير في البنية الاجتماعية للبلاد بشكل عام، وهو انعكاس لتغير البيئة السياسية خلال حكم الإصلاحيين بشكل خاص.
آثار الانتصار الساحق للإصلاحيين في انتخابات العام 1997 موجة من التذمر داخل المعسكر المحافظ إزاء خطابه السياسي وعلاقاته الداخلية، ولا سيما هيمنة الشخصيات التقليدية وكبار السن، وبلغ التذمر ذروته بعد الصدام بين الشرطة وطلبة جامعة طهران في يوليو 1999.
كانت هذه الحوادث صدمة مؤلمة للنظام، فقد جرت العادة على اعتبار موقف الطلبة الجامعيين مثل "بارومتر" لاتجاهات الرأي العام في البلاد ككل، وكانت المظاهرات الطلابية إشارة إلى تآكل التأييد الذي تمتعت به القيادة الدينية للنظام في الوسط الطلابي، ورغم إجماع المحافظين على إدانة الطلبة الذين شاركوا في تلك الحوادث، وجد فيها قطاع الشباب في التيار المحافظ إشارة إلى فشل القادة في استيعاب التحديات الجديدة التي أفرزها تغيير البيئة السياسية في البلاد، جاءت تلك الحوادث بعد أربعة أشهر فقط على هزيمة المحافظين في الانتخابات المحلية التي جرت في فبراير من العام نفسه، وتلتها هزيمة مماثلة في فبراير من العام 2000م، حين اكتسح الإصلاحيون غالبية مقاعد البرلمان الجديد.
وقد أضافت هذه الهزائم زيتًا إلى نار التذمر المتفاقم بين الجيل الجديد من المحافظين الذين شددوا على مطالبتهم للقادة المسنين بالتنحي وإعادة صوغ خطاب سياسي أكثر قبولاً من الجمهور، ولا سيما الأجيال الجديدة، ويعتقد بأن فشل المحافظين في انتخابات العام 2000، قد أدى عمليًا إلى إنهاء الوجود الفاعل للقيادة شبه الرسمية للتيار، والمعروفة بـ "ائتلاف خط إمام ورهبري" (خط الإمام والقائد)، وهو مجلس يضم كبار شخصيات التيار ورؤساء المنظمات الحليفة، وربما كانت الإشارة الأولى إلى تفكك هذا التحالف هي قرار آية الله مهدوي كني، رئيس "جامعة روحانيت مبارز"، اعتزال العمل السياسي، رغم أن هذا القرار برر حينا بتقدمه في السن وتدهور صحته.
انتقلت قيادة التيار المحافظ إلى مجلس جديد تحت اسم "ائتلاف نيروهاي انقلاب" (قوى الثورة)، ومنح الجيل الجديد من البيروقراطيين والأكاديميين دورًا أكبر على حساب كبار الروحانيين وزعماء الأحزاب التقليدية مثل مؤتلفه، ترأس المجلس الجديد حجة الإسلام علي أكبر ناطق نوري، المستشار الخاص لمرشد الجمهورية، وعين مديرًا له محمد رضا باهنر، رئيس الجمعية الإسلامية للمهندسين.
ولد نوري في العام 1943م، وتلقى تعليمه الديني في حوزة قم العلمية، عمل في الثمانينيات رئيسًا لمنظمة جهاد البناء، ثم وزيرًا للداخلية (1981 ـ 1985) ورئيسًا للبرلمان (1992 ـ 2000)، ثم اختير عضوًا في مجلس تشخيص مصلحة النظام، ويعرف كرجل دين متوسط المستوى، ذي مويل براجماتية، وعلى علاقة متينة بالبازار.
أما باهنر فهو من مواليد العام 1953، وخدم في عدد من المناصب المتوسطة، من بينها عضوية البرلمان ومجمع تشخيص مصلحة النظام، إلا أنه بقي غالبًا في ظل القادة الآخرين حتى توليه إدارة المجلس التنسيقي للمحافظين، ثم وصوله إلى البرلمان نائبًا للرئيس ورئيسًا لجناح الأكثرية النيابية.
خلال السنوات الأخيرة، كان نوري أحد أبرز المطالبين بالتغيير في داخل المعسكر المحافظ، واستثمر خطابه الافتتاحي لمؤتمر حزب المؤتلفة في فبراير 2004، لتوجيه نقد مباشر للحزب، ومطالبة صريحة لقادته بفسح المجال أمام الشباب لتولي المناصب القيادية، وتبني طرق العمل الحديثة في التنظيم الحزبي، بدلاً من الأساليب التقليدية والتمحور حول الأشخاص.
جرى تكرار هذه المطالب على لسان محمد جواد لاريجاني، المنظر الأبرز بين المحافظين، والذي نادى بمنح الشباب دورًا أكبر باعتباره ضرورة لتجديد النظام السياسي، وقد تركت هذه الدعوات تأثيرًا قويًا في التيار لكونها تحاكي مطالب متصاعدة في داخله، لا سيما في أوساط مؤيديه من الشباب والفاعلين في الوسط الشعبي، ولا نبالغ في القول إن الشهور الأخيرة من العام 2003، وهي الفترة التي جرى خلالها الإعداد للانتخابات النيابية في العام التالي، كانت فاصلة إذ شهدت أبرز تجسيدات التحول داخل المعسكر المحافظ، أي إبعاد الطبقة القديمة القيادية وصعود طبقة جديدة معظمها من الشباب.
في هذا الصدد فإن حسين صفار هرندي، الناشط السياسي في جماعة أنصار حزب الله ورئيس التحرير التنفيذي لصحيفة كيهان، عين لاحقًا وزيرًا للثقافة، ينظر إلى هذا التحول باعتباره نهاية سعيدة للعلاقة الصعبة بين قادة المعسكر المحافظ وأنصاره:
"الحدث المهم الذي شهدناه هذا العام هو أن رفاقنا استعادوا الثقة بأنفسهم، وعقولهم، ونجحوا في التخلص من هيمنة تلك المجموعة من الشخصيات المحترمة والجليلة، كنا مضطرين فيما مضى إلى بذل جهود كبيرة لإقناع هذه الشخصيات قبل الإقدام على أي عمل، فقد كان لهم تأثير كبير في معسكرنا بسبب ميلنا إلى احترام كبار السن وذوي السبق، وقد تخلت قوى حزب الله عن آرائها لمصلحة آراء أولئك في أحيان كثيرة، اليوم توصلنا إلى شيء آخر: إذا كان علينا أن نطيع أحدًا ما، فطاعتنا ستكون لشخص واحد فقط هو ولي الأمر. (...) مفهوم الولاية في الأصل هو أن تطيع وليًا واحدًا لا مجموعة أولياء، وللأسف فقد كنا حتى وقت قريب أسرى لطاعة عدد من الأولياء.
عشية هذه الانتخابات، فهمنا أن علينا تحرير أنفسنا من قيود ذلك التفكير الذي يفرض علينا الخضوع للأشخاص لمجرد أنهم بارزون وذوو أسماء لامعة، تنطوي على هذه الرؤية الجديدة على كسر للقوالب والعلاقات الجامدة، وهي تدعونا إلى التوقف عن الانبهار بالأسماء، والبحث، بدلاً من ذلك، عن الكفاءات المجهولة في أوساطنا، إلى متى يجب على الثورة أن تبقى في جلدها الأول وقالبها القديم؟ لماذا لا نكسر هذا القالب؟ حتى وقت قريب، كنا نلهث وراء منقذ لهذه البلاد، ولم تكن عيوننا لترى غير عشرة أسماء، وكان خيارنا الوحيد هو تأييد هؤلاء ودعمهم، اليوم وصل الأمر إلى القول إن كبارنا، الذين ما زالوا بطبيعة الحال محل إجلالنا واحترامنا ودعائنا لم يعودوا مناسبين لهذه المرحلة، سوف نحترمهم، ونضعهم في المكان المناسب كي يفكروا في مستقبل النظام، لكننا نقول لهم: لم تعودوا قادرين على قيادتنا أو تقدم صفوفنا أو تحديد اتجاه حركتنا".
تأسس ائتلاف التنمية "آبادكران" ضمن "تحالف قوى الثورة" الذي يتزعمه نوري وباهنر، وكان الغرض منه تجسيد المسار السياسي الجديد للمعسكر المحافظ، وبدا في أول الأمر أن القوة الفاعلة في الائتلاف هي "جمعيت ايثاركران انقلاب اسلامي" و"جمعية فدائيي الثورة الإسلامية"، إضافة إلى جمعية المهندسين المسلمين التي يرأسها باهنر.
|
|
غلام علي حداد عادل
|
تأسست جمعيت ايثاركران في العام 1996 لتمثيل مصالح قدامى المحاربين في الحرب العراقية ـ الإيرانية، ولا سيما أعضاء الحرس الثوري، وقوات التعبئة الشعبية (البسيج) وبقيت الجمعية مجهولة إلى حد كبير حتى اختيار محمود أحمدي نجاد، العضو القيادي فيها، عمدة للعاصمة طهران في العام 2003.
حتى هذا الوقت، كان الانطباع العام يميل إلى اعتبارها لاعبًا ثانويًا في الساحة السياسية، فنشاطها محصور إلى حد كبير في الأحياء الجنوبية من العاصمة، وهي مناطق يسكنها في الغالب مهاجرون من أصول فقيرة، وتنشط الجمعية في الوسط المحافظ وتتبنى آراء هذا التيار، لكن نائب رئيسها، علي دارابي، يشدد على أصولها الحداثية كعامل تمييز أساسي بينها وبين المجموعات ذات الميول التقليدية في المعسكر المحافظ، لا سيما مؤتلفة وروحانيت مبارز وجعية مدرسي الحوزة العلمية في قُم.
تنظر جمعية ايثاركران إلى مشكلات البلاد الراهنة باعتبارها ثمرة عجز في الإدارة، وهي تلقي باللوم على "السياسات غير الناضجة والإداريين غير الأكفاء".
وقد وضع المؤتمر الثاني للجمعية أجندة من خمسة عشر بندًا لحل أزمات البلاد، ركز تسعة منها على الإدارة الحكومية. طبقًا لأحمدي نجاد، يكمن حل تلك الأزمات في تولي القوى المؤمنة مقاليد الأمور في الدولة: "لقد شهدنا بالفعل تيار الفشل والهدم يتموج في كل موقع عمل هجرته قوى حزب الله". وترى الجمعية أن النظام الإسلامي لا يواجه أزمة شرعية ولا نقصًا في الأيديولوجيا السياسية، ولهذا فهي تعتبر الدعوة إلى احتذاء النموذج الليبرالي سخافة وعبثًا:
"تمثل نظرية ولاية الفقيه نهجًا جديدًا في الفلسفة السياسية والأساس المفهومي للحاكمية (...) مع انهيار الاشتراكية، يجد العالم نفسه أمام خيار بين (نموذجي) الديمقراطية الليبرالية والثورة الإسلامية، الخطاب الليبرالي يتهاوى بسبب عجزه عن فتح أفق جديد للإنسانية وفشله في تجديد أرضيته الفلسفية والفكرية، ولهذا فليس من المبالغة الادعاء أن خطاب الثورة الإسلامية يغزو عقول البشر المعاصرين وقلوبهم، حتى لو لم يشعروا بذلك".
ويشيد رئيس الجمعية حسين فدايي بما أثمره الحكم الإصلاحي من تطوير للبيئة السياسية حيث "أصبح الفضاء الاجتماعي أكثر انفتاحًا، واتسع دور الصحافة والأحزاب السياسية، كما تطورت الخبرة السياسية للمجتمع"، لكنه يعبر في الوقت نفسه عن ريبة في جدوى برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بشر به رفسنجاني، وكذلك برنامج الإصلاح السياسي الذي بشر به خاتمي، كما يعبر عن شكوك في مفاهيم الإصلاح والمجتمع المدني مشبهًا إياها بحجاب يخفي الفوضى، ويشدد على أن الدعوة إلى الحريات في تلك الحقبة قد ترافقت مع شيوع الهرج والمرج.
ويعبر فدايي عن قلقة وخصوصًا من عودة من يصفهم بقوى الثورة المضادة إلى واجهة الحياة العامة تحت مظلة المعسكر الإصلاحي وشعاراته. وطبقًا لما يقوله زعماء الجماعة، هي تسعى إلى التعاون مع من تصفه بالجناح الديني في التيار الإصلاح، ولا سيما روحانيون مبارز، لكنها ترفض التعاون مع حزب مشاركت الذي تعتبره علمانيًا ومضادًا للثورة، بكلمة أخرى، يفكر قادة الجماعة في عقد يجمع "الأفكار الجيدة" للإصلاحيين مع "الأشخاص الجيدين" في التيار المحافظ، من أجل تأسيس القوة الحقيقية التي ستصنع مستقبل إيران.
لعله من المبكر الحكم على برامج الجيل الجديد من المحافظين ووعوده، كما يعبر عنها من جانب آبادكران، لكن من المفيد الإشارة إلى أن تلك الدعاوى تنطوي على قدر من الاعتدال مقارنة بأسلافهم من المحافظين التقليديين، ويشدد ائتلاف آبادكران على هويته كـ "فريق عمل" وليس حزبًا سياسيًا أو واجهة لأيديولوجيا سياسية محددة، وقد عبر بعض زعمائه عن احترام للانفتاح السياسي الذي سعى إليه الإصلاحيون، لكنهم يشعرون في الوقت نفسه بالقلق إزاء شيوع ما يعتبرونه تراجعًا في التزام معايير السلوك الديني.
وبحسب تعبير حداد عادل، رئيس البرلمان السابق، فإن ائتلافه "لا يسعى إلى إعادة عقارب ساعة الإصلاح إلى الوراء، بل سيصحح موضع تلك العقارب فحسب"، فيما يتعلق بالاقتصاد، تؤيد آبادكران الاستمرار في سياسة الإصلاح الاقتصادي مع بعض التعديلات التي، بحسب تصريح أحمد توكلي، الاقتصادي الأبرز في الائتلاف، تستهدف على وجه الخصوص تعزيز دور الطبقة الوسطى وقدراتها.
يرجع محمد قوجاني السبب في تمايز الجيل الجديد من المحافظين عن سلفه إلى اختلاف خلفيتيهما الاجتماعيتين، ومصادر قوتيهما، ويرى أن تحالف العنصرين الرئيسين في الجناح التقليدي للمحافظين، أي "جامعة روحانيت مبارز" و"حزب مؤتلفة"، هو امتداد لتحالف تاريخي قام على وحدة المصالح بين كبار الملاك وكبار الروحانيين.
يستمد كلا الطرفين نفوذه السياسي من نظام مصالح يقع خارج إطار الدولة، لكنه يسعى إلى استثمار قوة الدولة لضمان المصالح وتعزيزها، في المقابل إن الجيل الجديد من المحافظين، كما يتمثل في ائتلاف التنمية "آبادكران" يتكون بالدرجة الرئيسة من صغار البرجوازيين الذين حصلوا على مكاسبهم الفعلية من خلال عملهم في الجهاز الحكومي، وبالتالي فإن مصدر قوتهم يكمن في الدولة نفسها وليس في الملكية أو الثروة، أو حتى النفوذ الاجتماعي، كما هو الحال في الجناح التقليدي.
من زاوية أخرى فإن هذا الفريق الذي حصل معظم أعضائه على تعليم جامعي حديث، لا ينظر إلى الروحانيين كطبقة مميزة أو نخبة سياسية بل كمجموعة حرفية "Professional Group" يرتبط دورها بالعمل الذي يؤديه أعضاؤها وليس بأشخاصهم في حقيقة الأمر، يعير جيل المحافظين الجديد عن ضيق لا يقل عن ذلك الذي عبر عنه الإصلاحيون إزاء الانخراط المكثف للروحانيين في العمل الحكومي، رغم أنهم يعبرون عن هذه المشاعر بصورة أقل صراحة وتحديدًا من نظرائهم الإصلاحيين، ولهذا لم يكن من المدهش أن ينتخب البرلمان السابق، الذي يسيطر عليه ائتلاف التنمية رئيسًا له من غير الروحانين، منهيًا بذلك تقليدًا استمر منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وقد أثارت هذه الخطوة انزعاج جمعية مدرسي الحوزة العلمية في قُم، الذين كانوا يأملون احتفاظ الروحانيين بهذا المنصب.
وتكرر الأمر في انتخابات الرئاسة (2005)، حيث لم يدعم هذا الجناح أي مرشح روحاني، فاتحًا الباب أمام إنهاء احتكار منصب رئاسة الجمهورية من قبل الروحانيين، وهو الاحتكار الذي استمر طوال الأربعة والعشرين عامًا السابقة.
يتفق ائتلاف التنمية مع أجنحة التيار المحافظ الأخرى في التشديد على الأساس الديني لشرعية الحكم، لكنه يقدم تصورًا مختلفًا لهذا المفهوم، مقارنة بالجناح التقليدي الذي يعتبر وجود الفقيه على رأس النظام معيارًا لإسلاميته، يربط الائتلاف الهوية الدينية للدولة بسعيها إلى تحقيق الأداف الدينية، لا سيما العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للموارد، ويكشف تركيز الائتلاف على العدالة الاجتماعية عن اهتمام خاص بالاقتصاد كمجال أساسي لتحقيق العدالة، خلافًا للجناح التقليدي الذي يركز جل اهتمامه على المسائل الثقافية.
في هذا الإطار، يشير حداد عادل، رئيس البرلمان (السابق)، إلى أن القضايا ذات الطبيعة الثقافية، مثل الحجاب لا تتمتع بأولوية ضمن اهتمامات البرلمان الجديد، كما أنها لا تثير اهتمامًا كبيرًا في المجتمع، القضايا التي تتمتع بأولوية، في رأي نائبه محمد رضا باهنر، هي تلك التي تؤثر مباشرة في معيشة الناس مثل البطالة، وانخافض الدخل الفردي، والفساد الإداري، ويذهب باهنر إلى مدى أبعد، فيقر بسلامة المبادئ التي قامت عليها السياسات الاقتصادية للإصلاحيين: "نشترك مع الإصلاحيين الدينيين (أي روحانيون مبارز) في القول إنالإصلاح الاقتصادي ينبغي أن يجري في إطار برنامج متكامل لزيادة الناتج الوطني، والتوزيع العادل للدخول، والمساواة، وتعزيز سيادة القانون"ز
مع الأخذ في الاعتبار تركيز الائتلاف على العدالة الاجتماعية من جهة، وعدم اهتمامه بالإصلاح السياسي من جهة ثانية، قد يكون ممكنًا تصنيفه كتيار براجماتي ذي ميول دولتية وبيروقراطية، وربما لهذا السبب مال بعض المحللين إلى اعتبار صعوده السياسي مؤشرًا إلى توجه لإعادة توحيد السلطة وتعزيز محوريتها في الحياة العامة، بعد الحقبة الإصلاحية التي شهدت تفاقمًا في قوة المجتمع الأهلي، وظهور ما يمكن اعتباره ثنائية في السلطة بين البرلمان والحكومة التي يسيطر عليهما الإصلاحيون من جهة، ومؤسسات الدولة الخاضعة لإشراف مرشد الجمهورية من جهة أخرى، جدير بالذكر أن ذلك الاتجاه البراجماتي المتوازي مع التشديد على محورية الدولة، هو أيضًا السمة الغالبة على شخصية مرشد الثورة آية الله خامنئي.
كاتب وباحث - السعودية.
*عرض مختصر للفصل السادس من كتاب "حدود الديمقراطية الدينية.. دراسة في تجربة إيران منذ 1979"، للكاتب توفيق السيف، والصادر عن دار الساقي اللبنانية، 2008.
|