English

 

الخميس. يوليو. 23, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

حكم أبيي.. نصف انتصار للشماليين والجنوبيين

محمد جمال عرفة

أبيي

اضغط للتكبير

الحكم أرضى الطرفين، ليس مائة في المائة، ولكنه على الأقل قسم المنطقة وحقوق النفط فيها بينهما بنسب معقولة قد يراها الشمال ظلماً له لأنه كان يطالب بـ 75% منها مقابل 25% للجنوب، وقد يراها الجنوب بنفس المنظار، لكن حكم المحكمة الدولية في لاهاي قسمها بنسب متساوية تقريبا؛ فجعل "أبيي" منطقة مملوكة للشمال والجنوب على السواء، فأرضى الطرفين.

هذا هو ملخص الحكم الذي أصدرته محكمة التحكيم الدولية في لاهاي يوم الأربعاء 22 يوليو الجاري 2009، والذي نزع فتيل حرب كان من الممكن أن تندلع بين الشمال والجنوب رغم اتفاق السلام الموقع بينهما في عام 2005.

ومن حيث لا تدري، أسهمت محكمة التحكيم الدولية في لاهاي في تعزيز السلام في السودان بين شماله وجنوبه عندما أصدرت حكمها الذي أنصفت فيه الخرطوم ومن خلفها قبائل (المسيرية) العربية، وأعطت للجنوب ومن خلفه قبائل (الدينكا نوك) حقهم في الأرض وزيادة.

بعبارة أخرى يمكن القول إن حكم أبيي جاء لينقذ عملية السلام المحتضرة في السودان؛ في وقت تقبع بينهما العلاقات عند الحالة "ج" أي السيئة للغاية بين طرفي الحكم، والجنوبيون كانوا يتحدثون علنا عن انفصال وشيك للجنوب في الاستفتاء الذي سيجري في غضون 17 شهرا لتقرير مصير الجنوب، وتسلح الطرفين كاد أن يبلغ أسنانهما. بل إن ما قرره حكم محكمة لاهاي فيما يخص النفط كأبرز نقاط الخلاف السياسية يفرض على الطرفين الوحدة أكثر من الانفصال.. فحقول النفط التي تقارب الـ 104 حقل قسمت تقريبا بينهما بنسبة شبه متقاربة –الكبيرة للخرطوم والصغيرة للجنوب- وبعض الحقول يقع على خط تقسيم الحدود، ما يصعب مهمة تقسيمه أو الانفصال.

ومعلوم أنه قبل صدور هذا الحكم كانت الخرطوم ترفض تقرير لجنة الخبراء الأجنبية التي لم تكتف بإعطاء منطقة "أبيي" بحقولها النفطية للجنوب، ولكنها زادت مساحتها من عشرة آلاف كلم مربع إلى قرابة 18.5 ألف كلم مربع، وضمت لها مناطق نفطية لم تكن الحركة الشعبية الجنوبية تحلم أصلا بها أو تطالب بها ولكنها تمسكت بها طالما حكم لها الخبراء الأوروبيون بذلك!

أما بعد صدور حكم محكمة التحكيم الدولية فقد عادت الأمور لنصابها؛ فالحكم تراجع قليلا عن الحلول التي وضعتها لجنة الخبراء، والتي كان يرفضها المؤتمر الوطني، حيث أقرت المحكمة بوجود تجاوز جزئي من لجنة الخبراء في الحدود الشمالية، وقضت بأنها تقف عند خط 10- 10، ولا تمتد عند خط 10- 35؛ وبالتالي استبعد تبعية حقول النفط الكبري في منطقة "هجليج" خارج أبيي، وأعادها للشمال، ما أرضى الخرطوم قليلا وليس كليا.

قرار المحكمة قضى بالتالي بتقليص حدود منطقة أبيي من 18500 كلم مربع الى 10 آلاف كلم مربع، بحسب خريطة أصدرتها المحكمة، وعليه باتت الحدود الشمالية للمنطقة عند خط العرض 10 درجات و10 دقائق، وأصبح حقلا النفط المهمين (هجليج وبامبو) خارج أبيي ليصبحا ضمن ولاية جنوب كردفان التابعة لشمال السودان.

ولو جاز أن نصف النتيجة بمنطق الخسارة والمكسب للطرفين المتنازعين بعد صدور هذا الحكم القضائي الدولي المعقد، نقول أن ما حدث هو نصف انتصار لكلا الطرفين ونصف هزيمة، فلا الخرطوم ولا الحركة الشعبية حققا انتصارا كاملا ولا هما خسرا تماما المنطقة. أما الفائز الأكبر فهو السودان ككل، لأن منطقة أبيي بعد الحكم لم تطير في الهواء وإنما هي لا تزال في قلب السودان تشكل حلقة ورابط وصل بين الشمال والجنوب، وكل ما في الأمر أن الاستفتاء الخاص بها عام 2011 قد يلحقها بالجنوب أو يبقيها كما هي في الشمال في حالة واحدة هي لو قرر الجنوب الانفصال بدولة منفصلة، أما لو قرر الجنوب الوحدة، فستصبح أبيي للشمال والجنوب والسودان كله.

أخطاء الخبراء الأجانب

عندما فشل شريكا الحكم في التوصل لاتفاق حول تبعية منطقة "أبيي" للشمال أو الجنوب قبل التوقيع على اتفاق سلام نيفاشا 2005، أسندا الأمر للجنة من الخبراء الأجانب برئاسة "دونالد بترسون" رئيس مفوضية ترسيم حدود أبيي، وانتها الأمر بالخبراء في يوم 7/7/2008 للقرار التالي:

1) إن لقبيلة "دينكا نوك" مطالبة مشروعة بالسيطرة على المنطقة من حدود كردفان ـ بحر العرب شمالاً إلى خط عرض 10 درجات و10 دقائق شمالاً الممتدة من الحدود مع دارفور ـ إلى الحدود مع أعالي النيل كما كانت عليه تلك الحدود في 1956. وهذه النقطة أقرتها محكمة لاهاي.

2) يشترك "دينكا نوك" و"المسيرية" في المنطقة الواقعة شمال خط العرض 10 درجات و10 دقائق شمالاً على طول القوز حتى تبلدية (شمال خط عرض 10 درجات و35 دقيقة شمالاً) وتشملها على حقوق استقرار منعزلة واستخدام للأرض. وهذه النقطة اعترضت عليها محكمة لاهاي واعتبرتها تجاوزا من اللجنة لأنها وسعت مساحة أبيي على حساب جنوب كردفان.

3) إن الطرفين يعرضان مطالبات متساوية للمناطق المشتركة، وتبعاً لذلك فمن المعقول والمنصف تقسيم القوز بينهما ووضع الحد الشمالي في خط مستقيم عند خط العرض 10 درجات و22 دقيقة و30 ثانية شمالاً بالتقريب. على أن يكون الحد الغربي هو حد كردفان (دارفور حسبما تم ترسيمه وتعيينه في الأول من يناير 1956) ويكون الحد الجنوبي هو حد كردفان (بحر الغزال ـ أعالي النيل حسبما تم ترسيمه وتعيينه في الأول من يناير 1956). ويمتد الحد الشرقي من خط حد كردفان ـ أعالي النيل عند خط الطول 29 درجة و32 دقيقة و15 ثانية تقريباً شرقاً ويتجه شمالاً حتى يلتقي مع خط العرض 10 درجات و22 دقيقة و30 ثانية شمالاً. وهذه النقطة أيضا اعترضت عليها المحكمة حيث قبلت فقط ما هو متعلق بحدود أبيي الشمالية والجنوبية ولكنها رفضت الحدود الغربية والشرقية التي تجور على حدود مناطق شمالية سودانية أخرى.

4) يحتفظ دينكا نوك والمسيرية بحقوقهم الثانوية المثبتة في استعمال الأراضي شمال وجنوب هذا الحد. وهذه النقطة أقرتها أيضا المحكمة الدولية.

ويجوز القول بالتالي إن ما فعلته محكمة التحكيم الدولية هو تحديد ما إذا كانت لجنة الترسيم الدولية قد تجاوزت صلاحيتها أم لا حسبما طالبت الخرطوم، ولهذا كانت سعادة الخرطوم كبيرة عندما أثبتت المحكمة أن لجنة التحكيم الدولية أخطات وتجاوزت اختصاصها، أما سعادة الجنوبيين فجاءت من إبقاء المحكمة على ما حكمت به لجنة الخبراء سابقا لهم من سيطرة وتملك لأراض في المنطقة لقبائل الدينكا نوك الجنوبية.

لقد قالت هيئة التحكيم الدولية بوضوح إن "لجنة الخبراء التي أوكل لها ترسيم الحدود بين الطرفين قد تجاوزت صلاحياتها جزئياً، ولم تتجاوز تفويضها في كل النزاع". وأوضح قاضي المحكمة أن "لجنة الخبراء قد تجاوزت صلاحياتها في ترسيم الحدود الشرقية والغربية لأبيي ولكنها لم تتجاوز صلاحياتها في ترسيم الحدود الجنوبية والشمالية"، وهو ما يعني أن مناطق قبائل المسيرية والحدود المشتركة بين كردفان ودارفور قد أخرجت من منطقة أبيي، كما أن مناطق استخراج النفط وآباره التي كانت موضعاً للنزاع ألحقها قرار المحكمة بشمال السودان.

السلام على مرمى البصر

قرار المحكمة الدولية سيعطي بلا شك دفعة قوية للسلام المترنح بين الشمال والجنوب، وقد يعطي زخما أكبر باتجاه الوحدة لا الانفصال بين شمال وجنوب السودان في الاستفتاء المقبل... وصحيح أن الفترة المتبقية قليلة والمؤشرات تدل على دفع قادة الحركة الشعبية –بخلاف القواعد الشعبية والقبائل– باتجاه الانفصال، ولكن حل معضلة أبيي التي اشتبك بسببها جيشا الطرفين عدة مرات سيساعد كثيرا في تبريد حالة الاحتقان وكل النقاط العالقة الباقية، بما قد يسهل إجراء انتخابات إبريل 2010 ثم استفتاء 2011.

ولكن هذا لا يمنع من القلق حيال سعي كل طرف للترويج لانتصاره على الآخر في هذه القضية لتسجيل موقف رغم أن كلاهما رابح وخاسر في آن واحد.. بعبارة أخرى لو سعى كل طرف لتروييج مقولة: "من المنتصر ومن الخاسر؟" سيدخل سلام السودان في دوامة جديدة خصوصا أن قبائل المنطقة لا تتفهم طبيعة هذا الحكم المعقد بعد، وقد تعترض عليه –خصوصا المسيرية– عندما تدرك تفاصيله على أرض الواقع.

ويكمن الحل بالتالي في التحرك السريع لشريكي الحكم للبناء علي هذا الحكم الهام وتعويض ما خسره سلام السودان منذ توقيع اتفاقية سلام نيفاشا قبل أربع سنوات ، والأهم أن يجري دفع الجهود بقوة للضغط علي حركات التمرد في دارفور للحاق بعملية السلام وبانتخابات 2010 كي يخرج السودان معاف من المؤامرات الأجنبية الطامعة في أرضه ونفطه وموقعه الاستراتيجي!


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات