English

 

الثلاثاء. يوليو. 21, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أبيي.. تضيء سماء السودان بالسلام أم تشعله حربا؟

محمد جمال عرفة

Image
أبيي
أيا كان الحكم الذي سوف تصدره محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، غدا الأربعاء 22 يوليو 2009، بشأن الخلاف القائم حول منطقة (أبيي) النفطية المتنازع عليها بين شمال وجنوب السودان، فإنه سيكون حكما تاريخيا يضيء سماء السودان كله بالسلام أو يشعله حربا.

فالحكم، برغم تعهد شريكي الحكم (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) بقبوله بوصفه "نهائيا وملزما"، لن يتقبله - غالبا- من هم على الأرض من سكان المنطقة من قبائل "المسيرية" أو "الدينكا نقوك". ولو اعترض عليه بضعة عشرات منهم وحدث أي صدام، فقد يتحول الأمر لنشوب حرب بين جيشي الشمال والجنوب، قد تمتد لكل أنحاء السودان.

طالع أيضا:
أبيي.. الموقع الجغرافي والمساحة

صراع حول أبيي

فـ(العرب المسيرية) سبق أن رفضوا تقرير لجنة الخبراء التي ترأسها المبعوث الأمريكي للسودان، عندما قرر ضم أبيي للجنوب لا للشمال، ووصفوه بأنه محاولة لانتزاع أرضهم التي استوطنوها قبل أكثر من ثلاثمائة عام، وذلك قبل مجيء "الدينكا نقوك"، الذين ألجأتهم حروبهم مع القبائل الزنجية، بل حتى مع فروع الدينكا الأخرى، إلى الاحتماء بهم في هذه المنطقة.

ويقول "المسيرية" إنهم استضافوا قبيلة الدينكا، وتعايشوا معها في سلام طيلة تلك القرون حتى اندلعت حرب الجنوب الأخيرة، فانضم بعض الدينكا لحركة التمرد الجنوبية ومن ثم اتسم الصراع بالطابع السياسي.

وبالمقابل يقول أبناء قبيلة "دينكا نقوك" أن أجدادهم هم أول من استعمر هذه المنطقة وأن "المسيرية" جاءوا لاحقاً بعد استيطان أجدادهم، ولكنهم لا يقدمون وثيقة واحدة تدل على أسبقية وجودهم التاريخي في تلك المنطقة، بينما يقدم "المسيرية" دلائل تاريخية متمثلة في معارك خاضوها في تلك المنطقة مع سلاطين كردفان في القرن الثامن عشر.

وما يزيد الأجواء احتقانا أن هناك حالة من تزايد عدم الثقة بين الشمال والجنوب في الآونة الأخيرة بصورة مبالغ فيها، وعمليات تخزين غير عادية للسلاح وخرق لاتفاق أبيي، خصوصا من قبل الجيش الشعبي الجنوبي، فضلا عن وجود نوايا انفصالية باتت أكثر صراحة بدعوي عدم توفر أجواء الوحدة.

فنشرة "جينز" الدفاعية الأسبوعية قالت، في 9 يوليو الجاري، أن صفقة الدبابات الأوكرانية (تي-72)، التي جري كشفها العام الماضي بعد احتجاز قراصنة صوماليون للسفينة، ذهبت إلى الحركة الشعبية. وأكد "أشرف قاضي"، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السودان إلى بلدة أبيي، أنه تلقى تقارير خلال الأسابيع الماضية تشير إلى وجود جنود وعناصر تابعة لشرطة جنوب السودان في المنطقة، خاصة في "آجوك" ومحيطها، بالمخالفة لاتفاق خارطة طريق أبيي، ما قد يؤدي إلى تصاعد العنف إذا لم يتم ضبطه.

وتقوم الخرطوم، أيضا، بعملية تسلح كبيرة خصوصا من الصين، آخرها التعاقد على شحنة من راجمات الصواريخ (دبليو اس تو) متعددة الأغراض، ولا يعرف هل هي ضمن استعدادات لحرب مقبلة، أم للتصدي لتشاد التي تناوش السودان بتحريض فرنسي.

وتظهر الخبرة التاريخية أن هذه المنطقة الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها 1% من مساحة السودان ككل و3% من مساحة جنوب السودان، سبق لها أن نسفت اتفاقات سلام سودانية سابقة لتوحيد البلاد من قبل وكان لها أثرا كبيرا في انهيار اتفاقية أديس أبابا عام 1972، وكادت أن تعصف بمفاوضات السلام بضاحية نيفاشا الكينية في عام 2004. بل وأوشكت أن تنسف اتفاق السلام الأخير بعد القتال المباشر، الذي جرى في مايو الماضي 2008، بين قوات الجيش الشعبي الجنوبي وقوات الجيش السوداني وقتل فيه عشرات الجنود.

وما يثير المخاوف الآن بشأن عدم تقبل أي من طرفي النزاع، والقبائل الموالية لهما، لحكم محكمة لاهاي، هو هذه الخبرة التاريخية السلبية وكذا تصاعد أعمال العنف في هذه المنطقة في الأشهر الأخيرة بين العشائر التي تسعى إلى السيطرة على الموارد الطبيعية عند هذه المنطقة الحدودية بين شمال السودان وجنوبه.

ولا ننسي هنا أن أحد أبرز التساؤلات التي طرحت حول تداعيات اتفاق (خريطة طريق آبيي)، أن الاتفاق ظلم عرب "المسيرية"، الذين ينقسمون لقبلتين هناك، وجاء لحساب مشيخيات (عشائر) "الدينكا نقوك" السبعة في المنطقة، وذلك لأن عرب "المسيرية" يعود تاريخهم هناك لمنتصف القرن السابع عشر، وهم الذين استضافوا مشيخات الدينكا الفارة من حروب القبائل، ومع هذا فقد أصبحوا – وفق الاتفاق - أقلية رغم أنهم أغلبية، وأصبح رئيس إدارة آبيي الجديد "جنوبي دينكاوي"، ونائبه من "المسيرية"، ولم يعد لهم النصيب الأكبر من نفط المنطقة.

وقيل إن الاتفاق – الذي لم ينص على نسبة محددة تخصص لمنطقة أبيي من عائدات نفطها اقتصر على بند جاء فيه أن "تسهم حكومة الوحدة الوطنية وحكومة الجنوب بنسبة 50% و25% على التوالي من نصيبها في عائدات النفط بالمنطقة لصندوق تؤسسه الرئاسة لتنمية المناطق على طول حدود الشمال والجنوب"، قد أدى إلى "تمييع" القضية، واستهدف هذا البند الالتفاف على أي مطالبة مستقبلية من "المسيرية" بنصيب لهم من عائدات النفط.

وكل هذا أغضب قيادات "المسيرية"، الذين اشتكى بعضهم من تجاهلهم في المحادثات التي جرت بين شريكي الحكم مؤخراً، ولم يشارك حتى الذين يتمتعون منهم بعضوية المؤتمر الوطني فى المحادثات التى تمت بحضور الوفد الأمريكي أو التى تلتها. وذلك بالرغم من أن "دينكا نقوك" كانوا ممثلين فى المحادثات بوزير الخارجية "دينق ألور"، ووزير شئون رئاسة حكومة الجنوب لوكا بيونق.

ورغم أن مسئولين سودانيين قالوا إن الحكومة شاورت "المسيرية" قبل توقيع الاتفاق، ما يعني أنهم موافقون عليه، فقد أظهر احتجاج قبائل من "المسيرية" لاحقا ولقاءهم الرئيس البشير لنقل هذه الاحتجاجات على انتزاع إدارة المنطقة منهم، أن هناك قوى منهم ترفض الاتفاق، وأن من تمت مشاورتهم لا يمثلون كل عرب "المسيرية"، ما يثير مخاوف من أن ترفض هذه القوى نتائج التحكيم الدولي النهائية التي تحدد تبعية (آبيي) للشمال أم الجنوب وفق خرائط عام 1905.

ولكن بالمقابل هناك من يري أن "المسيرية" – مثلهم مثل الدينكا – قد يصبحوا الفائزين على المدى البعيد، لأن إحلال السلام في المنطقة سيعم على الجميع، كما أنهم مشاركون في إدارة الإقليم عبر نائب حاكم المنطقة وعبر لجنة إدارة المنطقة، والأهم أن الاتفاق يعزز سلطة الدولة المركزية وحكومة الخرطوم في نهاية المطاف.

السلام قد ينتصر

ولا يعني هذا بالضرورة أن الحكم الصادر سيكون مفتاحا لحرب جديدة بين الشمال والجنوب بعدما ذاق الطرفان، خصوصا الجنوبيين، حلاوة السلام وبدايات التنمية في الجنوب، ما يرجح توقعات أخرى بأن تشهد الفترة القصيرة التالية لصدور الحكم أعمال عنف متبادلة لفترات قصيرة، يضطر بعدها الطرف المتضرر لقبول الحكم أملا في تحقيق السلام الدائم في السودان.

وربما تفاديا للسيناريو الأسوأ، توصل شريكا الحكم في السودان إلى اتفاق إطاري - سيجري التصديق عليه في أغسطس المقبل - لحل القضايا العالقة التي تعرقل تنفيذ اتفاق السلام الشامل (الشمال والجنوب). وقال نائب رئيس الحركة والي النيل الأزرق، "مالك عقار"، إن الاتفاق الإطاري يتضمن 12 مسألة خاصة باتفاق السلام الشامل، أبرزها قضية أبيي، والتعداد السكاني، وتقسيم الثروة والسلطة وبروتوكولي النيل الأزرق وجبال النوبة والانتخابات والتحول الديمقراطي، والوحدة بين الشمال والجنوب، والاستفتاء وقضية دارفور.

سيناريوهات مستقبل آبيي

يمكن القول إن هناك عدة سيناريوهات متوقعة عقب صدور حكم محكمة لاهاي المقرر في 22 يوليه 2009 على النحو التالي:

1- ألا يقبل أي من الطرفين – وتحديدا قبيلتي المسيرية والدينكا - الحكم ويتطور الصراع المسلح المتقطع بين القبيلتين، ومن خلفهما جيش الخرطوم والجيش الجنوبي، إلي صراع دائم مستمر ويتم استئناف حرب الجنوب من جديد، ويزيد من خطر هذا الاحتمال أن معارك أبيي الأخيرة مايو 2008، شهدت قصفا جنوبيا لحاميات الجيش السوداني لأول مرة منذ وقف الحرب.

2- أن تحاول حكومة الخرطوم وحكومة الجنوب التمسك بالسلام دون سعي حقيقي لوقف تداعيات المصادمات القبلية التي قد يتبعها صدام مسلح بين الخرطوم والجنوب، وأن تُلقى بأعباء المشكلة على "ميلشيات" من المسيرية أو الدينكا التي يجري دعمها من الطرفين في الخفاء بالسلاح والعتاد، ما سيؤدي لتنامى حركات التمرد والعصيان بين أوساط عرب المسيرية وبين أوساط الدينكا أيضا. والخطورة هنا قد تزداد إذا اتحدت هذه الحركات المتمردة، خصوصا من المسيرية الغاضبين على صمت الخرطوم على اعتداءات الجيش الجنوبي وميليشيا الدينكا، مع حركات أخرى في غرب السودان، أو أن تتسع دائرة النزاع العربي- الأفريقي ليشمل مجموعة الرزيقات بجانب المسيرية، و"الدينكا ملوال" بجانب "الدينكا نقوك"، وخاصة أن هناك مصالح غريبة في تغذية الصراع.

3- يبقي سيناريو السلام واحتمالية أن تنجح مساعي وجهود حكومة الوحدة الوطنية بدعم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في تنفيذ الاتفاق بدون مشكلات والسيطرة على السلاح، وتوفير الأمن والمشاريع التنموية للمواطنين، فيقبل العرب المسيرية حقيقة أنهم "عرب الجنوب" – لو صدر الحكم لصالح الجنوب- أو يقبل "الدينكا نقوك" هذا الواقع باعتبارهم جزءً من الشمال، بعيدا عن الاستقطاب السياسي، فتعيش المجموعتان بسلام في منطقة أبيى في حالة انفصال جنوب السودان عن شماله أو عدم انفصاله.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات