English

 

الاثنين. يوليو. 20, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أفريقيا وأمريكا اللاتينية » إفريقيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

إفريقيا بين "المفوضية" و"السلطة"

بدر حسن شافعي

Image
القذافي
بالرغم من أن القمة الإفريقية الثالثة عشرة التي استضافتها ليبيا أوائل يوليو الحالي بدلا من مدغشقر كانت مخصصة بالأساس للبحث في موضوع رئيسي هو الاستثمار في قطاع الزراعة من أجل تحقيق النمو الاقتصادي والأمن الغذائي، إلا أنه وكعادة القمم الإفريقية منذ نشأة الاتحاد الإفريقي في عام 2002، استحوذت القضايا السياسية والأمنية التي شهدت مناقشات حامية الوطيس على جدول الأعمال، حتى إنها ساهمت في عدم صدور البيان الختامي حتى كتابة هذه السطور.

ويعزي السبب وراء وجود خلافات في مشكلة الصياغة لاسيما فيما يتعلق بالطرح الليبي الخاص بتحويل مفوضية الاتحاد "السكرتارية" إلى "سلطة الاتحاد" تكون معنية بقضايا السياسة الخارجية والدفاع على غرار مفوضية الاتحاد الأوروبي مع وجود منسق أعلى للسياسة الخارجية والأمنية الإفريقية يناظر خافيير سولانا الأوروبي، وهي الخطوة الأولى في طريق حكومة الوحدة الإفريقية التي اقترحتها ليبيا منذ قمة أبوجا عام 2005، ولا تزال تدافع عنها حتى الآن، تمهيدا لإقامة الولايات المتحدة الإفريقية.

وكانت هذه القمة الإفريقية العادية قد انعقدت وسط مجموعة من المتغيرات التي سيطرت على مجريات القضايا التي تمت مناقشتها، والقرارات ذات الصلة التي تم اتخاذها في هذا الشأن.

من ناحية أولى تعد القمة هي الأولى التي تعقد بعد صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية في 4 مارس الماضي بشأن اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وهو الحكم الذي يعد سابقة أولى من نوعه ضد رئيس لا يزال في الحكم ويتمتع بحصانة الرؤساء وفق قواعد القانون الدولي العرفي، ومن ثم كان لا بد للقمة من اتخاذ موقف صريح من التعامل مع المحكمة، خاصة في ظل تمتع 30 دولة إفريقية من إجمالي 53 دولة بعضوية المحكمة.

ومن ناحية ثانية، جاء توقيت انعقاد القمة قبل أيام قليلة من قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى التي استضافتها إيطاليا، وكان يفترض أن يتم عرض وجهة النظر الإفريقية على هذه القمة خاصة في ظل مشاركة عدد من رؤساء الدول الإفريقية بها، وفي مقدمتها الرئيس المصري حسني مبارك.

ومن ناحية ثالثة كانت هناك مجموعة من الأجواء السلبية المحيطة بالقمة، والتي ألقت بظلالها عليها، ونقصد بذلك تحديدا الوضع المأساوي في الصومال وتعرض الحكومة المنتخبة بزعامة شيخ شريف شيخ أحمد للسقوط على أيدي حركة شباب المجاهدين والحزب الإسلامي المتحالف معها؛ فهذه الأزمة أثارت الحديث مرة أخرى عن جدوى قوات الاتحاد الإفريقي الموجودة هناك (4300 جندي من بوروندي وأوغندا)، وهل من سبيل لزيادة عدد هذه القوات حسب قرار الاتحاد قبل أكثر من عامين، والذي نص على تشكيلها من ثمانية آلاف جندي، كما تطلب الأمر ضرورة النظر في التفويض الممنوح لها، وهل سيستمر في إطار عمليات حفظ السلام والقيام بالمهام الدفاعية، أم سيتم تغيير هذا التفويض ليتضمن القيام بمهام هجومية في إطار ما يعرف باسم فرض السلام.

وإذا كانت الأزمة الصومالية قد شكلت تحديا كبيرا للقمة، فإن الأزمة الموريتانية في المقابل شهدت انفراجة هامة بتوصل الفرقاء لاتفاق داكار بشأن تقاسم السلطة خلال فترة انتقالية لا تزيد عن شهر ونصف، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في 18 يوليو، وهو ما سمح بمشاركة موريتانيا في هذه القمة بعد تعليق عضويتها في قمة أديس أبابا السابقة، كما تم رفع الحظر الذي فرضه مجلس السلم والأمن على المجلس العسكري والمدنيين المتعاونين معه.

تاريخ فكرة الحكومة الإفريقية

تعد فكرة الحكومة الإفريقية التي أثارتها ليبيا في القمة الأخيرة فكرة ليست جديدة، وإنما هي فكرة ترجع إلى ما قبل التحرر الإفريقي عن الاستعمار، حيث ظهرت فكرة الوحدة الإفريقية أواخر القرن التاسع عشر خارج القارة الإفريقية في الولايات المتحدة "العالم الجديد آنذاك" على يد الدكتور وليام ديبوا من الكاريبي، وماركوس جارفي من السود الأمريكيين، ولقد كان جارفي أول من استخدم شعار الولايات المتحدة الإفريقية في عام 1924، وكان لأفكاره دورا هاما في نشأة حركة الجامعة الإفريقية PAN AFRICANISM في أوائل العشرينات من القرن الماضي، لكن ظلت فكرة الوحدة الإفريقية مجرد شعار وحلم فقط، حيث كانت القضية الأساسية في حينها هي التحرر من الاستعمار والحصول على الاستقلال والتمتع بالسيادة الوطنية.

ومع استقلال معظم الدول الإفريقية أوائل الستينات، بدأ الحديث عن الفكرة مجددا، وكان قائد الفكرة الرئيس الغاني في حينها كوامي نكروما، وكانت تقوم فكرته التي عبر عنها في كتاب له بعنوان "يجب أن تتوحد إفريقيا" على إقامة تنظيم فيدرالي متحد يضم مجلسا للشيوخ وآخر للنواب على مستوى القارة ككل، تكون لهما سلطة وضع سياسة خارجية مشتركة، كذلك وضع تخطيط قاري مشترك للتنمية الاقتصادية والصناعية مع وجود عملة إفريقية وبنك مركزي مشترك، فضلا عن وجود جيش موحد للقارة ككل.

وقد ظهرت في حينها ثلاث رؤى مختلفة بشأن اقتراح نكروما:ـ

الأولى مثلتها مجموعة الدار البيضاء "المغرب".. وكانت تضم كلا من غانا، مصر، المغرب، الحكومة الجزائرية المؤقتة، غينيا، ومالي. هذه الدول كانت تؤيد فكرة قيام اتحاد سياسي بين الدول الإفريقية، وكان ميثاق هذه المجموعة التي تأسست عام 1960 بمثابة المحاولة أولى لتحقيق الوحدة الإفريقية، وبداية لمساع عديدة أدت لقيام منظمة الوحدة الإفريقية في عام 1963.

الرؤية الثانية مثلتها مجموعة "مونروفيا" عاصمة ليبيريا.. وتكونت تلك المجموعة في عام 1961، وضمت كلا من إثيوبيا، نيجيريا، السودان، تونس، الصومال، وليبيريا. وكانت تؤيد فكرة الوحدة الإفريقية، وقيام الولايات المتحدة الإفريقية، لكن بصورة تدريجية عكس المجموعة الأولى، ومن ثم فقد اقترحت دخول الدول الإفريقية في ترتيبات مشتركة تدريجية نحو الوحدة، ولقد سادت رؤية هذه المجموعة بعد ذلك خاصة مع إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية.

أما الرؤية الثالثة، فكانت مجموعة "برازفيل" عاصمة الكونجو.. وتضم الدول التي كانت خاضعة للاحتلال الفرنسي مثل الكاميرون، تشاد، إفريقيا الوسطى، وغيرها. وكانت هذه المجموعة لا تميل إلى الوحدة سواء الفردية أو المتدرجة، ولكن كانت تميل إلى فكرة التحالف الخارجي خاصة مع فرنسا.

ويلاحظ أن الدول الإفريقية وافقت في نهاية المطاف على الاقتراح الثاني بشأن إقامة تنظيم قاري يحتفظ لكل دولة باستقلالها، مع الالتزام بالعمل على تحقيق الوحدة بشكل تدريجي، ومن ثم كانت منظمة الوحدة الإفريقية بمثابة الحل الوسط بين فكرة الوحدة الإفريقية وفكرة التعاون الإفريقي، مع ملاحظة أن المنظمة انفردت في اسمها بلفظ "الوحدة" إرضاءً للرئيس نكروما.

حكومة إفريقية في إطار اتحاد إفريقي

وقد ورث الاتحاد الأفريقي وحل محل منظمة الوحدة الأفريقية منذ عام 2002، إذ أكد ميثاقه على فكرة الوحدة الإفريقية والاندماج القاري بصورة أكبر من تلك التي نص عليها ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية؛ ففي المادة الثالثة الخاصة بأهداف الاتحاد تم النص في الفقرة "ج" على "التعجيل بتكامل القارة السياسي والاجتماعي والاقتصادي". ومن ثم تبنت ليبيا منذ قمة أبوجا يناير 2005 فكرة الحكومة الإفريقية التي تعد نواة لإقامة الولايات المتحدة الإفريقية التي أطلقها نكروما من قبل.

وفي قمة بانجول (يوليو 2006)  اقترحت ليبيا الفكرة، وكانت تنص على إقامة حكومة إفريقية موحدة مع التركيز على بعض الوزارات هي الخارجية، الدفاع، المالية، التجارة الخارجية، والنقل والمواصلات. كما اقترحت الإزالة الفورية للحواجز الجمركية بين الدول الأعضاء، وتم الاتفاق في حينها على مناقشة الفكرة بالتفصيل في قمة أكرا (يوليو 2007).

وقد برز وقتها ثلاثة مواقف رئيسية:

الموقف الأول تمثله ليبيا وبعض دول شمال وغرب إفريقيا من أبرزهم السنغال. وترى هذه الدول ضرورة قيام الحكومة الإفريقية فورا على اعتبار أن هذا هو السبيل لنهضة إفريقيا.

الموقف الثاني تمثله جنوب إفريقيا ومعها دول جماعة السادك، بالإضافة إلى نيجيريا في غرب إفريقيا، والدول الناطقة بالإنجليزية في شرق إفريقيا (كينيا، وتنزانيا)، حيث تعارض هذه الدول الفكرة، وذلك بسبب اعتبارات السيادة الوطنية.

أما الموقف الثالث، فهو الموقف المصري، حيث ترى مصر أهمية للحكومة الإفريقية والسعي لتحقيقها ولكن بالتدريج، وذلك من خلال مجموعة من الخطوات أبرزها: ضرورة تشجيع التكامل الاقتصادي عبر المنظمات الفرعية الإفريقية باعتبار أن ذلك هو الخطوة الأولى نحو تحقيق التكامل الاقتصادي على مستوى القارة ككل، ثم دمج مبادرة الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا "النيباد" في هياكل ومؤسسات الاتحاد واعتبارها قاطرة التكامل الاقتصادي الإفريقي، واستتباب السلم والأمن في القارة عبر تشكيل القوات الإفريقية الجاهزة للتدخل والتي تتشكل من خمس وحدات في أقاليم القارة الخمسة، وكل وحدة تتشكل من ثلاثة آلاف جندي، وبحيث تعد هذه القوات النواة الأولى نحو تشكيل جيش إفريقي مشترك وفق الاقتراح الليبي.

ويلاحظ أن نفس هذا الانقسام هو الذي ساد في قمة "أديس أبابا 2008" حيث تم إرجاء الفكرة مرة ثانية، مع الاتفاق على ضرورة توسيع صلاحيات مفوضية الاتحاد "السكرتارية" لتصبح "سلطة الاتحاد" على غرار ما هو حادث في الاتحاد الأوروبي، مع بحث زيادة هذه الصلاحيات المخولة لها، واعتبار أن هذا الاقتراح بمثابة حل وسط بين طموحات القذافي والواقع الإفريقي، على أن يعقد المجلس التنفيذي اجتماعا استثنائيا خلال ثلاثة أشهر لبحث صلاحيات المفوضية الجديدة، ورفع تقرير بذلك لقمة سرت.

ولعل هذا يفسر أسباب استمرار الخلاف حول صلاحيات السلطة الجديدة، وهل تعتبر بمثابة سلطة تنسيقية فقط، أم لها صلاحيات واسعة نيابة عن الدول الإفريقية في مجال السياسة الخارجية، واعتبار رئيس السلطة بمثابة وزير الخارجية في حكومة الاتحاد، ورئيس النيباد التي ستدمج في أجهزة الاتحاد بمثابة وزير المالية والتجارة الخارجية، في حين يتحول مجلس السلم والأمن إلى مجلس دفاع إفريقي يرأسه وزير دفاع نيابة عن دول الاتحاد؛ وبالتالي نصبح أمام ثلاث حقائب وزارية سيادية هامة كخطوة أولى نحو تحقيق الحكومة الإفريقية.

وبالنظر لتلك المسألة فقد اصطدمت الطموحات الليبية مرة جديدة باعتراض العديد من الدول مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا على اعتبار أن هذه المقترحات تمس صميم السيادة الداخلية، وهو ما دفع مصر إلى التدخل بحل توفيقي يتضمن أن تكون مهمة السلطة تنسيقية فقط خلال المرحلة الأولى، أي ليس لها سلطة اتخاذ قرارات، كما تم الاتفاق على أن يتم أخذ موافقة برلمانات الدول الإفريقية على فكرة التحول من المفوضية إلى السلطة والتنازل عن جزء من السيادة خلال ست سنوات، لأن الأمر يتطلب تعديل الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي.

قرارات هامة.. وتحدي الجنائية الدولية

وإذا كان هذا هو الموضوع الأهم الذي فرض نفسه على القمة، فإنها من ناحية أخرى قد اتخذت عدة قرارات هامة لعل أبرزها ما يلي:ـ

1 ـ رفض التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية بشأن محاكمة البشير. ومعنى هذا أن الدول الـ 30 الأعضاء في المحكمة لن تنفذ قرارات المحكمة التي تلزمها بالقبض على البشير حال هبوطه على أراضيها، ولعل سبب هذا الموقف الإفريقي "الجريء" يرجع إلى رفض مجلس الأمن طلب الدول الإفريقية إرجاء قرار الاعتقال لمدة عام بموجب المادة 16 من قانون المحكمة.

وبالرغم من أهمية هذا القرار لما يعطيه من حرية حركة للبشير في كل ربوع القارة، إلا أن أوغندا وجهت طعنة كبيرة لهذا التحدي الإفريقي بإعلانها إمكانية اعتقال البشير امتثالا لقرارات المحكمة باعتبارها دولة عضو بها.

2 ـ زيادة عدد القوات الإفريقية في الصومال إلى ثمانية آلاف جندي، مع زيادة التفويض الممنوح لها ليتضمن القيام بمهام قتالية في إطار عمليات فرض السلام. وبالرغم مما يمثله هذا القرار من دعم لحكومة شيخ شريف، إلا أن هذا يتطلب أولاً زيادة تسليح هذه القوات لأن الأمر يتطلب مستوى عال من التسليح على عكس مهام حفظ السلام، كما يتطلب سرعة نشر باقي القوات على اعتبار أن هذا القرار قد يستفز المعارضة الصومالية التي قد تعمل على سرعة إسقاط الحكومة وفرض سياسة الأمر الواقع.

3 ـ مطالبة مجلس الأمن بفرض عقوبات على إريتريا بسبب دعمها للمعارضة الصومالية. وهنا يلاحظ أن الاتحاد الإفريقي لم يقم هو بفرض عقوبات على أسمرة، وذلك استجابة للطلب الليبي على اعتبار أن فرض عقوبات إفريقية على أسمرة قد يؤدي إلى استفزازها، ومن ثم إمكانية تراجعها عن دور الوساطة في الأزمة السودانية.

4 ـ رفع العقوبات المفروضة على موريتانيا، وتشجيع إجراء انتخابات رئاسية حرة كما اتفق فرقاء موريتانيا في داكار.


باحث دكتوراه بمعهد البحوث الأفريقية -جامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات