English

 

السبت. يوليو. 18, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

خطبة رفسنجاني.. إعادة الاعتبار لـ"الجمهورية"

محمود عبده علي

Image
رفسنجاني
تكتسب خطبة الجمعة التي ألقاها أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلسي الخبراء ومجمع تشخيص مصلحة النظام، بالأمس (الجمعة 17 يوليو 2009) أهميتها من اعتبارين أساسيين الأول: موضوع وتوقيت الخطبة؛ فهي أول خطبة جمعة يلقيها رفسنجاني منذ اندلاع الأزمة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية، كما أنها قد شهدت أول ظهور علني للمرشح الإصلاحي مير حسن موسوي بعد مقاطعته لخطبة الجمعة التي كان يلقيها مرشد الجمهورية علي خامنئي.

أما الاعتبار الثاني فهو شخص هاشمي رفسنجاني نفسه، فهو يعد الرجل الثاني في الجمهورية الإسلامية، بعد المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، نظرا للدور التاريخي الذي لعبه في الثورة الإسلامية وللموقع الذي يشغله في النظام السياسي الإيراني.

ثقل سياسي

يعتبر هاشمي رفسنجاني من الرعيل الأول للثورة، وكان من المقربين للإمام الخميني. كما تقلب في معظم المناصب الهامة في الجمهورية الإسلامية عدا منصب الإرشاد، فقد تولى منصب رئاسة مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وقيادة القوات المسلحة طيلة الحرب العراقية الإيرانية، وتولى أيضا رئاسة الجمهورية لمدة 8 سنوات (1989-1997).

وبجانب مناصبه السابقة، يترأس رفسنجاني حاليا اثنين من أهم المؤسسات في النظام السياسي الإيراني: مجلس الخبراء الذي لديه صلاحية تعيين المرشد الأعلى للجمهورية ويملك نظريا عزله، ومجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يفصل بين المنازعات بين مجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور، كما يتمتع بصلاحية التشاور مع مرشد الجمهورية بشأن السياسات العامة للدولة. وفضلا عن هذه المناصب الرسمية، يتمتع رفسنجاني بشبكة علاقات واسعة مع طبقة تجار البازار، ومراجع الدين في قم.

لكل الاعتبارات السابقة، تكتسب كلمات رفسنجاني حول الأزمة الحالية أهمية خاصة، وتزداد هذه الأهمية بالنظر إلى أن رفسنجاني كان أحد أطراف الأزمة الحالية، فهو قد ساند بقوة المرشح مير حسين موسوي ودخل في صراع علني مع الرئيس أحمدي نجاد على خلفية اتهامات الأخير له ولأفراد أسرته بالفساد.

انتقادات قوية

من يعرف هاشمي رفسنجاني يدرك أنه لا يميل إلى اتخاذ مواقف راديكالية سواء مع هذا الطرف أو ذاك بل هو سياسي محنك يعمد دائما إلى اتخاذ مواقف متوازنة من الأزمات. ولذا لم ينتظر أحد من رفسنجاني أن يتحدث بلغة جارحة أو أن يكيل الاتهامات لأشخاص بعينهم.

لكن، ورغم حرصه على اختيار الكلمات وعدم التعرض بصورة مباشرة لمرشد الجمهورية علي خامنئي، فقد وجه رفسنجاني انتقادات شديدة لتعامل خامنئي والمؤسسات الرسمية، خاصة أجهزة الأمن ومجلس صيانة الدستور، مع الأزمة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية.

قدم رفسنجاني توصيفا مختلفا لطبيعة الأزمة التي شهدتها إيران، عكس التوصيفات التي قدمتها وسائل الإعلام الرسمية وأجهزة الأمن وقوى كثيرة داخل التيار المحافظ، والتي تقوم على أن إيران تواجه "مؤامرة" تحاك من قبل قوى عالمية للإطاحة بالنظام، ومن ثم فإن المحتجين على نتائج الانتخابات ليسوا سوى مجموعة من "العملاء" أو "المغرر بهم" من قبل هذه القوى العالمية.

فقد أرجع رفسنجاني الأزمة التي تشهدها البلاد إلى شكوك الكثيرين حول نتائج الانتخابات الرئاسية قائلا إن "عددا كبيرا من حكماء البلاد قالوا إن لديهم شكوكا" حيال نتائج الانتخابات، وأضاف "علينا إذن أن نعمل من أجل الرد على شكوكهم". وبناء على ذلك أعلن رفسنجاني بوضوح أن "الذين تظاهروا في الشوارع ليسوا أعداء النظام بل أبنائه"، وذلك في تعارض واضح مع الموقف الذي تبناه مرشد الجمهورية علي خامنئي منذ اندلاع الأزمة، والذي شدد فيه على أن نتائج الانتخابات سليمة وأنه لم يحدث هناك أي حالات للتزوير، وأن بعض القوى تخطط لإثارة الفوضى في إيران.

ولم تقتصر انتقادات رفسنجاني على طريقة النظر للأزمة، بل وجه انتقادات لعدد من المؤسسات التي انخرطت في إدارة أزمة ما بعد الانتخابات على رأسها أجهزة الأمن. فقد أعلن رفسنجاني عدم رضاه عن الطريقة التي تعاملت بها قوات الأمن مع المحتجين، وأشار إلى أن ذلك لم يكن نهج الإمام الخميني على الإطلاق، قائلا "أتكلم كشخص عايش الثورة يوما بيوم، كنا نعرف ما يريده الإمام الخميني. لم يكن يريد استخدام الإرهاب أو السلاح حتى في المعارك من أجل الثورة". وبجانب أجهزة الأمن، وجه رفسنجاني انتقاداته لمجلس صيانة الدستور، الذي كان معنيا بإدارة العملية الانتخابية وتلقي الشكاوى حول حدوث عمليات تزوير.

"الجمهورية" مقابل "الإسلامية"

غير أن أهم النقاط التي حرص رفسنجاني على التأكيد عليها هي دور الشعب في الجمهورية الإسلامية. هذا التأكيد على أهمية الشعب ودوره في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يحظى بأهمية خاصة لدى الإيرانيين.

ولا يمكن فهم الدلالات من وراء إصرار رفسنجاني على التأكيد على الدور المحوري للشعب دون فهم الأسس النظرية التي قام عليها النظام السياسي الإيراني، فالنظام الإيراني يقوم على مزيج فريد من الديمقراطية والتسلطية، أو بعبارة أخرى يستند النظام السياسي على نوعين من الشرعية؛ إحداهما دينية بالمفهوم الشيعي الاثنا عشري (ولاية الفقيه)، والأخرى شعبية تستند على رضا المواطنين. وتظهر هذه الازدواجية بوضوح في مؤسسات النظام السياسي؛ فهناك مؤسسات تنتخب ديمقراطيا من قبل الشعب (منصب رئيس الجمهورية- مجلس الشورى الإسلامي- مجلس الخبراء)، إلا أنه في الوقت نفسه هناك مؤسسات مستندة على شرعية دينية (أهمها على الإطلاق منصب الولي الفقيه- مجلس صيانة الدستور).

هذا المزيج الفريد كان نتاجا طبيعيا للاختلافات الواضحة بين الأطياف التي قامت بالثورة الإيرانية، فلم يكن رجال الدين، عكس ما يتصور الكثيرون، هم وحدهم الذين قاموا بالثورة، بل جمعت الثورة ضد الشاه شرائح اجتماعية متباينة هي تمثيل نموذجي للتنوع الاجتماعي الثقافي في إيران، فمن رجال الدين ذوي التوجهات اليسارية إلى التقليديين وحلفائهم في البازار، ومن الأحزاب الليبرالية إلى الحركات المسلحة، ومن الطبقات الكادحة والريفية إلى الأكاديميين والطبقة الوسطى. وكان يجمع بين هذه القوى هدف واحد هو الإطاحة بالشاه.

ومع سقوط الشاه، بدأت الخلافات تنشب بين شرائح الثورة المختلفة حول شكل الجمهورية الوليدة، واحتدمت الاختلافات مع طرح الخميني لفكرة ولاية الفقيه كإطار عام للنظام السياسي الإيراني. ومن ثم لجأ رجال الدين للتوفيق بين هذه الآراء حول تأسيس نظام يجمع بين الشرعيتين، وجاء الاسم الرسمي لإيران (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) ليعبر عن هذا المزيج الفريد؛ فكلمة (الإسلامية) تشير إلى المرتكز الديني للنظام الجديد القائم على نظرية ولاية الفقيه، وكلمة (الجمهورية) لا تشير إلى نوع معين من النظم السياسية بقدر ما تشير إلى محورية إرادة المواطنين في النظام السياسي، أو ما يمكن تسميته بالشرعية الشعبية.

وطيلة السنوات الثلاثين من عمر الثورة، شهدت إيران صراعا بين فكرتي (الجمهورية) و (الإسلامية)، وبلغ هذا الصراع ذروته في حقبة الرئيس خاتمي، لكن اليد العليا كانت دائما للشرعية الدينية (ولاية الفقيه)، مع ترك المساحة في الوقت ذاته للمواطنين لكي يعبروا عن آرائهم ومواقفهم عبر انتخابات نظمت بصف دورية دون انقطاع وبقدر لا بأس به من النزاهة والشفافية، أهمها انتخابات مجلس الشورى ورئاسة الجمهورية (أجريت في إيران عشر انتخابات رئاسية وثماني انتخابات برلمانية منذ عام 1979).

لكن انتخابات عام 2009 قد مثلت إخلالا بهذا التوازن بين الشرعيتين، فما حدث هو أن المرتكز الديني للنظام أراد أن يلغي تماما المرتكز الشعبي، بمعنى أن الولي الفقيه (علي خامنئي) حاول أن يفرض إرادته ويحدد الرئيس بغض النظر عن آراء المواطنين، لأول مرة منذ قيام الثورة.

وبالتالي حاول هاشمي رفسنجاني في خطبته أن يعيد الاعتبار لفكرة "الجمهورية"، كأحد المرتكزات التي يقوم عليها نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد أكد على ضرورة الاحتكام إلى الشعب وكسب ثقته. وأشار إلى أن ذلك كان نهج الإمام الخميني، حيث قال "في عهد الإمام الخميني كنا نعتمد على الشعب بشكل مباشر، وكل المجالس الشعبية التي طرحت في ذلك التوقيت كانت بدعم من الإمام". بل إن رفسنجاني جعل رضا الشعب هو معيار شرعية الحكومة، قائلا إن "سخط الشعب يفقد أي حكومة شرعيتها، وأن رضا الشعب من شروط الولاية عليه".

وذهب إلى أبعد من ذلك، عندما أشار إلى أن نظام الجمهورية الإسلامية قد ارتكز منذ البداية على دعم الشعب قائلا "قمنا بترتيب الدولة اعتمادا على رأي الشعب.. البرلمان ينتخب من قبل الشعب، ورئيس الجمهورية ينتخب من قبل الشعب. صحيح أنها حكومة دينية ولكنها جمهورية".

"السياسي الحكيم"

وختاما، يمكن القول إن رفسنجاني - بتقمصه لدور الولي الفقيه، وحرصه على أن يظهر نفسه في صورة المدافع عن حقوق الشعب، والحريص، في نفس الوقت، على بقاء الجمهورية الإسلامية- قد اكتسب، بلا شك، مزيدا من القوة في "صراع النفوذ" الدائر حاليا في إيران، ونجح إلى حد ما في أن يزيح صورة "السياسي الفاسد" جانبا، ليظهر بمظهر "السياسي الحكيم" المهموم ببقاء النظام الإسلامي.

وإذا كانت الأزمة التي شهدتها إيران عقب الانتخابات الرئاسية قد هزت النظام الإسلامي بقوة وأعادت إلى الواجهة الجدل حول سلطات الولي الفقيه ودور الشعب، فإن مثل هذا الموقف المتوازن الذي تبناه رفسنجاني قد يمكنه من أن يلعب دور "الموزان" بين الأجنحة والتيارات السياسية المختلفة، وهو الدور الذي كان يؤديه خامنئي قبل اندلاع الأزمة الحالية.


باحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات