English

 

الخميس. يوليو. 16, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » الأقليات المسلمة

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

شينجيانج.. الحدث ودلالاته

مطيع الله تائب

Image
قوات الأمن الصينية
الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة "أورومتشي" الصينية، عاصمة إقليم شينجيانج" يوم 5 يوليو الجاري، سلطت الأضواء على أوضاع الإيجور المسلمين الذين يشكلون 46% من سكان ذلك الإقليم اليوم، بعد أن كانوا أكثر من 90% من سكانه عام  1949 حينما ضمته الصين الشيوعية إليها وبدأت عملية توطين "الهان " الذين أصبحوا اليوم يشكلون 40% من السكان، بعد أن كانوا 6%، ويسيطرون على غالبية مقاليد الأمور السياسية والاقتصادية في هذا الإقليم الغني بالموارد الطبيعية والذي يتمتع بموقع استراتيجي هام نظرا لحدوده المتاخمة مع 8 دول أخرى.

ويبدو أن الحدث شكل مصدر قلق كبير للصين حيث قام الرئيس الصيني هوجينتاو بترك اجتماع الدول الثمانية في إيطاليا، وأرسلت بكين الآلاف من قوات الأمن للسيطرة على الأوضاع في "أورومتشي"، ومنعت إقامة صلاة الجمعة في المدينة، واتهمت "الانفصاليين الإيجور" بالوقوف وراء الأحداث.

طالع أيضا:
مسلمو الإيجور.. أزمة عابرة أم لحظة فارقة؟ (ملف)

الحدث وتبعاته الإعلامية والسياسية، وفر للعالم فرصة سماع روايات أخرى غير تلك التي يسمعها من العاصمة الصينية، تتحدث عن "الاضطهاد" العرقي، بل "إبادة جماعية" ومحاولة طمس الهوية الإيجورية الثقافية والدينية منذ ستين عاما.

الصين.. حصار المقاومة

هناك أكثر من 56 عرقية تعيش في الصين اليوم، وفي حين يشكل "الهان" 91% من سكان الصين، تشكل العرقيات الأخرى 9% من بقية السكان، غير أن العرقيات الأساسية مثل الإيجور و"الهوي" و"المنغول" و"التبتيون" يشكلون أرقاما كبيرة في أقاليمهم الأساسية، وحسب الدستور الصيني فإن "جميع القوميات متساوية في جمهورية الصين الشعبية. وتحمي الدولة الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الأقليات القومية، وتعزز علاقات المساواة والوحدة والتعاون المتبادل بين  جميع القوميات".

غير أن الواقع الذي تتحدث عنه المجموعات الإيجورية والتبتية المستقرة خارج الصين، يخالف الصورة الجميلة التي تتحدث عنها بكين عن وجود تناغم في علاقة أكثرية "الهان" مع الأقليات الأخرى، خصوصا في أكبر إقليمين يشهدان كفاحا ثقافيا وسياسيا لمزيد من الحريات أو الاستقلال وهما شينجيانج، الذي تم ضمه إلى الصين عام 1949، والتبت الذي تم ضمه إلى الصين عام 1952.

وتسعى الصين، بعد الانفتاح على العالم، لاحتواء الموقف خصوصا فيما يتعلق بالتعامل مع ما يعرف بـ"تركستان الشرقية"، عبر ترسيخ علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول الجوار وعمل تحالفات إستراتيجية إقليمية، وهو ما ظهر جليا في منظمة شنغهاي للتعاون الذي تقودها الصين مع روسيا وتؤكد على محاربة مثلث " الإرهاب – الأصولية – الانفصالية" في بعدها الأمني.

وتحت محاربة هذا المثلث، تسعى بكين لتبرير كل ما تقوم به في إقليم شينجيانج، لدحر واستئصال المجموعات الإيجورية التي تناوئ السيطرة الصينية، أكانت مجموعات إسلامية التوجه أو القومية العلمانية.

وظهر هذا الاتجاه المتشدد تجاه الحركات الإيجورية التحررية مع هبوب رياح التغيير في الاتحاد السوفيتي والانهيار الشيوعي، وظهور الدول المستقلة في آسيا الوسطى عام 1992 خصوصا تلك التي تتاخم إقليم شينجيانج وتضم امتدادات عرقية إيجورية مثل قزاقستان وقرغيزستان، حيث بدأت المجموعات الإيجورية نشاطاتها المناوئة للصين والداعمة لاستقلال "تركستان الشرقية".

واستطاعت الصين عبر علاقاتها الاقتصادية والأمنية القريبة مع دول آسيا الوسطى أن توقف نشاطات المجموعات الإيجورية في تلك الدول، ودفعها إلى إدارة أنشطتها الإعلامية والسياسية من تركيا ودول أوروبية وأمريكا الشمالية.

وأما باكستان التي تعتبر حليفة قوية لبكين، شهدت حضورا إيجوريا لأغراض التعليم والتجارة، وفر فرصة لظهور جيل أيجوري يؤمن بالجهاد، ومع قدوم شخصيات إيجورية إسلامية مثل حسن مخدوم عام 1997، وتأسيس الحزب الإسلامي التركستاني في الخارج، وجدت الحركة الإيجورية التحررية بعدا جديدا، وبدأت تتحرك لتكوين نفسها عسكريا وفكريا في ظل حكومة طالبان. غير أن الحركة تلقت ضربة قوية عام 2003، بعد أن لجأت إلى مناطق القبائل الباكستانية بعد سقوط نظام طالبان، حيث قتل زعيم الحزب "حسن مخدوم" في مواجهات مع الجيش الباكستاني، ويبدو أن الحزب فقد بعض كوادره في معارك أفغانستان، وكذلك في منطقة القبائل الباكستانية بعد سقوط طالبان، ما بين قتيل وأسير حيث وصل أكثر من 20 منهم إلى معتقل جوانتانامو. وبناءا على هذه الضغوط يعتقد أن الحزب نقل جزءا من نشاطاته داخل إقليم شينجيانج وهو ما ظهر في العمليات التي استهدفت الشرطة الصينية في مدينة كاشغر في قبيل الألعاب الأولمبية في بكين في أغسطس 2008.

و تعتبر باكستان حليفة إقليمية قوية لبكين، وهو ما انعكس في موقفها الداعم للموقف الصيني تجاه الأحداث الأخيرة، ومن غير المتوقع أن يجد الإيجور المسلمين دعما رسميا من باكستان وإن كان هناك دعما شعبيا لهم داخل باكستان خصوصا من قبل التيارات الإسلامية.

وتحركت الصين، وبعد أحداث 11 سبتمبر لربط "الحركة الإسلامية للتركستان الشرقية" بالقاعدة، وعبر اللوبي الصيني تم إدراج الحركة ضمن الحركات الإرهابية على قائمة الأمم المتحدة والقائمة الأمريكية، كما استطاعت الصين إدراج اسم "منظمة تحرير التركستان الشرقية" كجماعة إرهابية لدى دول منظمة شنغهاي، غير أن جهودها فشلت في إضافة اسم هذه المنظمة لدى القائمة الأمريكية.

أوراق صينية

لقد فرضت حركة الاستيطان الصيني لقومية "الهان" في إقليم شينجيانج وضعا ديموغرافيا جديدا ومعقدا يجعل من حلم "تركستان الشرقية" ما يشبه المستحيل من وجهة النظر الصينية، وبجانب استمرار الضغوط الداخلية لأي توجهات تحررية سياسية كانت أم ثقافية أو دينية تسعى الصين لقطع علاقة إيجور الداخل بمنظماته السياسية والثقافية التي تكافح خارج الصين، ومحاولة نزع أي شرعية لأنشطتها عبر لوبي صيني إقليمي ودولي يسعى لتكريس الوضع الموجود وتخفيف التعاطف الشعبي مع الشعب الإيجوري في كفاحه لاستعادة حقوقه أو نيل حريته الكاملة.

عالميا، من المتوقع أن تستمر بكين في اتهام "مجلس الإيجور العالمي" بقيادة رابعة قدير بالتخطيط لهذه الأحداث وتستمر في الحديث عن خططها لفصل الإقليم عن الصين، وبأنها لا تمثل الإيجور، كما أنها تستمر في استغلال المناخ الدولي المناسب لمزيد من الضغط على التوجهات الإسلامية والجهادية وربط حركات المقاومة المسلحة داخل إقليم شينجيانج بالقاعدة والإرهاب، الأمر الذي وجد صدى إيجابيا إقليميا ودوليا وما زال نغمة مقبولة، وهو ما يظهر كذلك على قلة التفاعل الغربي مع قضية "تركستان الشرقية" على خلاف قضية التبت التي تحولت إلى رأس حربة في خاصرة الصين وتتحرك من أجلها العديد من المجموعات المدنية الغربية بجانب الحكومات والمؤسسات الرسمية في أوروبا وأمريكا وهو ما تبين واضحا أثناء ثورة الرهبان في التبت العام الماضي.

وتستغل بكين حالة الضعف والتخبط السياسي الذي يعيشه العالم الإسلامي في التعامل مع قضاياه العديدة، ففي عصر التفرد الأمريكي يتطلع كثيرون في العالم الإسلامي إلى ظهور أقطاب عالمية أخرى تفتح مجالا للحركة والمناورة السياسية والاقتصادية وينظرون إلى الصين أو المحور الصيني الروسي بهذه النظرة، وبالتالي يجدون في إضعاف هذا المحور دعما للخطط الأمريكية للاستمرار بالسيطرة والتفرد بالنفوذ.

وهذا ما عكس من ردة فعل العالم الإسلامي خصوصا الرسمي – ما عدا تركيا - حيث لم يجد الإيجور دعما سياسيا وأدبيا إسلاميا كافيا لمعاناتهم، وما ارتفعت من الأصوات على استحياء من هنا أو هناك والتي تطالب الصين باحترام حقوق المسلمين الإيجور وعدم القيام بعقابهم جماعيا تحت مسمى مكافحة المجموعات الإرهابية والانفصالية، كلها أصوات قد لا تمثل أهمية تدفع الصينيين لتغيير سياساتهم ضد الإيجور.

وفي ظل العلاقات الصينية القريبة مع دول آسيا الوسطى وروسيا (عبر منظمة شنغهاي) وعلاقات إستراتيجية مع باكستان وإيران، وفي ظل العلاقات الاقتصادية القوية مع أفغانستان ودول الخليج ومصر والسودان، تسد بكين كل المنافذ الرسمية أمام الصوت الإيجوري أن يجد صدى إيجابيا يصل لحد ممارسة ضغوط حقيقية على الصين.

معركة تدويل المعاناة

بالنسبة للجماعات الإيجورية الناشطة خارج الصين، يعتبر نقل المعاناة إلى الوعي العالمي هي المعركة الأساسية التي تسخر لها كل جهودها، وقد أعطت أحداث "أورومتشي" الأخيرة فرصة نادرة لها للتعريف بقضية الشعب الإيجوري المسلم في إقليم شينجيانج الصيني، كما أن ظهور رابعة قدير كشخصية محورية تم اتهامها من قبل الصين، أعطى للكفاح الإيجوري خارج الصين فرصة لخلق واجهة مقبولة عالميا قادرة على لم شمل الشتات الإيجوري الذي يعاني من عدم وجود وجه قيادي يرمز للقضية كما هو الحال بالنسبة للقضية التبتية وشخصية دالاي لاما.

ووسط استماتة السلطات الصينية لتقزيم دور رابعة قدير واتهامها المستمر بالعمالة ونياتها الانفصالية، من المتوقع أن يكسب " مجلس الإيجور العالمي " وزعيمته دورا هاما في معركة نقل المعاناة الإيجورية إلى العالم، نظرا للاحتفاء البالغ من الإعلام والمجتمع المدني الغربي لها، وكذلك عدم وجود قيادات إيجورية أخرى قوية تنافسها في الخارج.

وسف يتركز النشاط الإيجوري الإعلامي حاليا على نقل المعاناة الإنسانية للإيجور إلى الوعي العالمي، مثل هضم حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية من قبل السلطات الصينية واستئثار قومية "الهان" لمقاليد السياسة والثروة في ذلك الإقليم الغني بالثروات والهام استراتيجيا. وقد يتجه الإيجور في المرحلة الحالية نحو التخفيف من اللهجة الانفصالية في خطابها الإعلامي لحساب المطالبة بالحريات الدينية والثقافية والحقوق السياسية والاقتصادية للإيجور.

الغرب..وثغرة شينجيانج

مع توجه التنين الصيني غربا نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط وإفريقيا، وظهور الصين كقوة اقتصادية عالمية في ظل الركود الاقتصادي الغربي، يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يفقدون الكثير من أوراق المساومة مع بكين وهذا قد يفسر الاهتمام الغربي بالأحداث التي شهدتها مدينة أورومتشي عاصمة إقليم شينجيانج، لتضاف ورقة الإيجور إلى ورقة التبت لممارسة الضغوط على الصين للتفاهم حول ملفات هامة إقليمية ودولية مثل الملف النووي الإيراني ودارفور والتوازن التجاري الصيني الأوروبي ومخاطر تحويل الاحتياطي الصيني من الدولار إلى العملات الأخرى، بجانب أزمة صواريخ كوريا الشمالية ومشكلة تايوان.

ويتوقع المراقبون، وفي ظل استمرار الضغط على معاقل طالبان والقاعدة في مناطق القبائل الباكستانية، أن تتجه المجموعات الإسلامية المسلحة القادمة من آسيا الوسطى وتركستان الشرقية نحو بلدانها الأصلية لفتح جبهات قتالية هناك وهو ما برزت مؤخرا في مخاوف محلية وأخرى غربية بعد حدوث عمليات عسكرية في قرغيزستان وطاجكستان وتقارير تتحدث عن انتقال المقاتلين من باكستان إلى تلك المناطق.

ومع استمرار الحرب ضد القاعدة وطالبان في أفغانستان وباكستان، يزداد القلق الصيني والروسي حول الأهداف الحقيقية للوجود العسكري الغربي، وكانت الصين وعبر بيانات قمم منظمة شنغهاي عبرت عن هذه المخاوف وطالبت برحيل هذه القوات في أقرب فرصة ممكنة، وقد ظهرت الجهود الروسية والصينية في إغلاق القاعدة الأمريكية في قرغيزستان ضمن تصفية حسابات بين المحورين في منطقة شهدت في السابق " اللعبة الكبرى" بين روسيا وبريطانيا.

ومن غير المتوقع أن تستجيب بكين لأي ضغوط خارجية إعلامية أو سياسية لإرخاء قبضتها الحديدية ليشهد الإقليم الحريات المنشودة من قبل الإيجور، وتحاول جاهدة الاستمرار لضبط الوضع الأمني لمنع حدوث أي عمليات عسكرية من قبل المجموعات الإيجورية المسلحة.

كما أن الصين قد تسعى لتحسين صورتها عبر الاهتمام بالإسلام والمسلمين في الصين بشكل عام وإقليم شينجيانج بشكل خاص عبر القيام بحملة علاقات عامة مع العالم لا سيما الإسلامي لإزالة الصورة التي تركتها أحداث "أورومتشي"، مع التركيز على تصوير الكفاح الإيجوري بالانفصالي أو الأصولي أو الإرهابي.

وفي الطرف الآخر، يستمر الإيجور في ثوراتهم كما يبينها تاريخهم النضالي خلال ستين عاما الماضية، بحثا عن حقوقهم الضائعة أو حلم قيام دولة مستقلة ولو بدا مستحيلا في موازين قوى اليوم.


كاتب ومحلل سياسي أفغاني.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات