|
| أوباما خاطب الأفارقة من غانا |
لفترة طويلة سيظل مواطنو غانا يتذكرون يوم 11 يوليو 2009، فهو اليوم الذي زار فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما بلادهم، من أجل مخاطبة القارة الأفريقية بأسرها. وتعد هذه الزيارة هي الأولى التي يقوم بها أوباما لدولة أفريقية في جنوب الصحراء منذ توليه الرئاسة. كما يعد أوباما ثالث رئيس للولايات المتحدة يزور غانا خلال العقد الأخير، حيث كانت هناك زيارتان من قبل قام بهما كل من الرئيس الأسبق بيل كلينتون عام 1998، والرئيس جورج بوش الابن عام 2008.
إفريقيا في الإستراتيجية الأمريكية
كانت القارة الأفريقية، ولا تزال، تحتل أهمية كبيرة في الإستراتيجية الأمريكية، حيث كانت القارة إحدى الساحات المهمة للتنافس الأمريكي مع الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الشرقية إبان الحرب الباردة. وفى ظل النظام العالمي الجديد استمرت إفريقيا أيضاً ساحة للتنافس بين القوى الكبرى في العالم، وفى مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين واليابان.
وبالنظر إلى مصفوفة المصالح الأمريكية في القارة، يأتي النفط واليورانيوم والذهب والماس والنحاس وغيرها من المعادن الإستراتيجية والموارد الزراعية في المقدمة، يلي ذلك السوق الأفريقية الكبيرة (945 مليون نسمة)، والثقل التصويتي للقارة في المحافل الدولية (53 دولة)، والرغبة في الاستفادة من الدور الأفريقي في الحرب ضد الإرهاب.
وقد حددت الإدارة الأمريكية إستراتيجيتها تجاه إفريقيا على أساس تحقيق مجموعة من الأهداف أهمها: السيطرة على موارد القارة، وفرض الخطاب الثقافي-الاجتماعي الأمريكي على شعوبها، وتحويل القوة التصويتية الأفريقية في المنظمات الدولية لصالح التوجهات الأمريكية.
وعلى خلفية تلك الأهداف، سعت الدبلوماسية الأمريكية إلى تأسيس ما يمكن أن نطلق عليه "جدول أعمال إفريقيا"، والذي يتضمن، من بين أمور عدة، الأجندة الآتية:
- القضاء على نفوذ القوى الدولية المنافسة، خاصة فرنسا والصين.
- تكريس الوجود العسكري الأمريكي في القارة عن طريق إقامة القواعد العسكرية في دولها.
- نشر منظومة الشركات الأمريكية العابرة للقوميات في إفريقيا، بما يتيح ربط الأسواق الأفريقية بالسوق الأمريكي، والقضاء على منافسة الشركات الفرنسية والصينية والروسية.
- بناء التحالفات السياسية الأمريكية الأفريقية ضمن منظومات إقليمية فرعية داخل القارة، بما يمنع تحول القارة إلى كيان جيو- سياسي واحد، حيث تصر الولايات المتحدة على تقسيم إفريقيا إلى كيانين هما: إفريقيا شمال الصحراء وإفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يفسر استخدام مصطلح "إفريقيا السوداء" عند الحديث عن إفريقيا غير العربية.
وقد انعكس كل ذلك على السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا، حيث رفعت الولايات المتحدة شعار "التجارة بدلاً من المعونات" في تعاملها مع دول القارة، وجعلت التطور الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي شرطين أساسيين لحصولها على تلك المعونات، وأنشأت القيادة الأمريكية الأفريقية "أفريكوم"، والتي يوجد مقرها حالياً في ألمانيا بشكل مؤقت، إلى حين الاستقرار على مقر دائم لها في إفريقيا.
لماذا غانا؟
اكتفى الرئيس الأمريكي بزيارة غانا دون أن يزور دولاً أخرى أكثر أهمية بالنسبة للمصالح الأمريكية في إفريقيا، وفى مقدمتها نيجيريا وكينيا، خاصة وأن نيجيريا تقع على مرمى حجر من غانا، كما أنها تعد الدولة النفطية الأولى فس القارة، وسابع مٌصدر للبترول إلى الولايات المتحدة على مستوى العالم. كما أن كينيا تلعب دوراً مهماً في الإستراتيجية الأمريكية في القرن الأفريقي، وهى أيضاً مسقط رأس والد الرئيس الأمريكي.
ولكن يبدو أن هناك أبعاداً معينة لاختيار غانا من أهمها أن غانا هي أولى دول إفريقيا جنوب الصحراء حصولاً على الاستقلال، حيث استقلت عن بريطانيا في العام 1957، بعد تجربة مجيدة في الكفاح الوطني. كما كان للرئيس الغاني الأسبق "كوامى نكروما" دور بارز في إطار حركة "الجامعة الأفريقية"، إذ كان نكروما صاحب الفضل في نقلها من العالم الجديد إلى قلب إفريقيا، بالإضافة إلى دوره في إطار حركة الوحدة الأفريقية، عندما دعا نكروما إلى إنشاء "الولايات المتحدة الأفريقية" في مطلع الستينيات من القرن المنصرم.
وتمتلك غانا أيضاً رصيداً حافلاً في مجال الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي، خاصة خلال العقد الأخير، حيث أسفرت الانتخابات التي أجريت في ديسمبر 2008 عن فوز المعارضة بزعامة جون اتا-ميلز برئاسة البلاد والأغلبية البرلمانية. كما ساعدت الإصلاحات الاقتصادية في غانا المنتجة للكاكاو والذهب، والتي تستعد لبدء ضخ النفط خلال العام 2010، على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق معدلات نمو مرتفعة نسبياً، مقارنة بغيرها من الدول الأفريقية.
ولعل هذا ما يفسر قول أوباما إن "أحد أسباب زيارتنا إلى غانا هو وجود ديمقراطية فاعلة ف هذه الدولة، ووجود رئيس جاد في تقليص الفساد. كما أنها سجلت نمواً اقتصادياُ كبيراً"، مضيفاً أن "الولايات المتحدة تعتزم مكافأة أي حكومة مستقرة ولا تخوض نزاعات قبلية وتعطى الثقة والأمن لشعبها". كما اعتبر أوباما أن استقباله من جانب الرئيس الغاني السابق جون كوفور والرئيس الحالي يعد مؤشراً ذو دلالة واضحة على مدى التطور الديمقراطي الذي أحرزته غانا.
هذا وتنعم غانا بقدر يعتد به من الاستقرار السياسي والأمني، بالرغم من وقوعها في إقليم غرب إفريقيا المضطرب بالصراعات والحروب الأهلية، مثلما كان الحال في كل من ليبيريا وسيراليون وغينيا بيساو قبل نشر عمليات الأمم المتحدة لبناء السلم فيهم، ومثلما هو الوضع الآن في ساحل العاج ومنطقة دلتا النيجر. وهو ما يجعل غانا تتحدى الصورة النمطية لإفريقيا التي تحاصرها الصراعات والانقلابات والأزمات.
برنامج الزيارة وخطاب أوباما
وصل الرئيس أوباما إلى غانا في نهاية جولة خارجية زار خلالها روسيا ثم إيطاليا، حيث شارك في اجتماعات قمة الدول الثماني العظمى. وقد حرص الرئيس الأمريكي على اصطحاب أسرته معه خلال جولته الأفريقية، خاصة أن زوجته تنحدر من عائلة عانت من ويلات العبودية.
حظي أوباما باستقبال حافل، حيث قرعت الطبول الأفريقية التقليدية احتفاء به. وامتلأت العاصمة الغانية أكرا بعبارات الترحيب والصور العملاقة لأوباما والرئيس الغاني، مع شعار "مشاركة من أجل التغيير" . كما امتلأت المكتبات العامة بكتاب أوباما "جرأة الأمل". ويعكس ذلك الآمال المتزايدة لدى مواطني غانا في أن تجلب لهم تلك الزيارة خيراً وفيراً، بعد أن ألقت الأزمة الاقتصادية العالمية بظلالها الوخيمة عليهم، خاصة أن الأصول الأفريقية لأوباما، وزيارته السابقة لإفريقيا عندما كان عضواً فى مجلس الشيوخ، من المفترض أن تجعله أكثر تفهماً لاحتياجات الشعوب الأفريقية.
وقد تضمن برنامج زيارة أوباما: إجراء جلسة محادثات ثنائية مع الرئيس الغاني، وإلقاء خطاب إلى القارة الأفريقية من مقر البرلمان، وزيارة مستشفى لمرضى الملاريا، وزيارة قلعة "كيب كوست" التاريخية.
واصل أوباما نهج الدبلوماسية المفتوحة الذي يتبعه منذ أن تقلد الرئاسة في بلاده، حيث يحرص الرئيس الأمريكي دائما على الخروج من دائرة المحادثات الثنائية داخل القاعات المغلقة، إلى مخاطبة الرأي العام في الدول التي يزورها. ففي تركيا ألقى أوباما خطاباً شاملاً إلى أعضاء البرلمان، وفى مصر نجده يخاطب الصفوة المثقفة من منبر جامعة القاهرة العريقة، وفى غانا حرص أوباما على مخاطبة أعضاء البرلمان وكبار المسئولين في البلاد. وهو في كافة الأحوال يحرص على تضمين خطاباته رسائل واضحة إلى أطراف مقصودة بعينها، مثل قطاعات الشباب والنساء وتنظيمات المجتمع المدني، باعتبارها القطاعات القادرة على قيادة المسيرة نحو الديموقراطية والتنمية.
وكعادته، استهل أوباما خطابه بالحديث عن الروابط المشتركة التي تجمعه بأولئك المستهدفين برسائله، حيث تحدث خلال خطابه إلى العالم الإسلامي من القاهرة عن الروابط التي تربطه شخصياً، وتربط الولايات المتحدة بالإسلام والمسلمين، والمصالح المشتركة بين الجانبين. كما تحدث في غانا عن الآمال والتطلعات الأمريكية-الأفريقية، والروابط المشتركة بينه وبين إفريقيا، حيث تطرق إلى الحديث عن جده الذي كان يعمل طباخاً لدى القوات البريطانية في كينيا، وتحدث أيضاً عن والده الذي كان يعمل في رعى الأغنام في كينيا قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة.
وتضمن خطاب أوباما إلى إفريقيا أربعة محاور أساسية هي: الديمقراطية، والفرص، والصحة، والصراعات الأفريقية، مع التركيز على الارتباط القوى بين نهضة إفريقيا والولايات المتحدة.
بالنسبة للديمقراطية، دعا أوباما دول القارة إلى السير على طريق الإصلاح السياسي مثلما فعلت غانا وجنوب إفريقيا، بما يفضى في النهاية إلى إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية، تحقق الرفاهية للجميع، وتكفل حرية التعبير والتنظيم وحرية الصحافة، وذلك دون اشتراط شكل معين للتطبيق الديمقراطي، مؤكداً حاجة إفريقيا إلى بناء مؤسسات فاعلة أكثر من حاجتها إلى رجال أقوياء.
وفيما يختص بالفرص، أكد أوباما ثقته في قدرة الإنسان الأفريقي على العمل والإنجاز، مستشهداً بنجاح الأفارقة في الولايات المتحدة. ولكنه دعا إلى تغيير نمط الإنتاج التقليدي في إفريقيا، والذي يعتمد على إنتاج وتصدير مادة أولية ما في مقابل استيراد المنتجات الصناعية، وهو ما يجعل الاقتصاديات الأفريقية عرضة للتقلب المستمر، خاصة أن المستهلكين هم الذين يحددون أسعار المواد الأولية. وهنا ضرب أوباما المثل بكينيا التي كان متوسط دخل الفرد فيها يفوق نظيره في كوريا الجنوبية أثناء حياة والده، قبل أن يتبدل الحال تماماً في الوقت الراهن.
كما شدد أوباما على ضرورة خلق بيئة أفريقية جاذبة للاستثمارات الأجنبية. ويتصور أوباما أن محاربة الفساد وتحسين الإدارة سيكونان عاملين أساسيين في خلق تلك البيئة المنشودة، قائلا "إذا تحدثت إلى الناس في إفريقيا، وبالتأكيد في كينيا، فسيقولون أن جزءاً من المسألة هنا هو أن المؤسسات لا تعمل بالنسبة للناس العاديين، وبالتالي فان الإدارة الجيدة تمثل أمراً حيويا".
كما أكد أوباما التزام الولايات المتحدة بتحويل أزمة الطاقة الأفريقية إلى فرص سانحة، وكذا التزامها بدعم الاستثمار في إفريقيا، لا سيما الاستثمار في مجالات البنية التحتية وتنمية رأس المال البشرى، مثلما فعلت دول آسيوية عديدة مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية. وهنا أشار أوباما إلى أن المساعدات لا تمثل هدفاً في حد ذاتها، ولكنها تخلق الظروف المناسبة للنهوض الاقتصادي.
وبالنسبة للصحة في إفريقيا، أكد أوباما ضرورة النهوض بالأوضاع الصحية في القارة، حيث دعا إلى العمل الدءوب من أجل مكافحة الأوبئة والأمراض، وتعهد بتقديم 63 مليار دولار لمحاربة الأوبئة والأمراض في القارة، وفى مقدمتها الإيدز والملاريا والإيبولا وغيرها من الأمراض الاستوائية. ولم يفت أوباما في هذا المقام الإشادة بالتجربة المتميزة لنيجيريا في مكافحة الملاريا.
وكان أوباما قد ساهم في إقناع حوالي 30 دولة بتخصيص 20 مليار دولار على مدى ثلاثة أعوام لمكافحة الجوع في العالم، ومساعدة المزارعين على زيادة محاصيلهم في الدول النامية، حيث قال أوباما في خلال قمة دول الثمانية في إيطاليا "ليس هناك أي سبب يمنع إفريقيا من أن تحقق الاكتفاء الذاتي حين يتعلق الأمر بالغذاء"، مؤكداً أن ما ينقص القارة هو البذور المناسبة وأنظمة الري الملائمة، والمؤسسات التي تضمن للمزارع أنه سيكون قادرا على زراعة الحقول، وإيصال المحاصيل إلى الأسواق، والحصول على سعر مناسب مقابل ذلك. وكذا لم يغفل أوباما تأكيد المصلحة الأمريكية في تخفيف حدة الفقر في القارة السمراء، حيث أكد في خطابه أمام البرلمان الغاني أن الأفارقة الذين سيخرجون من دائرة الفقر المدقع سوف يصبحون أكثر قدرة على استهلاك المنتجات الأمريكية.
وبالنسبة للصراعات والحروب الأفريقية، تحدث أوباما عن الصراعات في السودان والصومال، معرباً عن ضرورة الوصول إلى تسويات سلمية لتلك الصراعات. بيد أن وصفه لما يحدث في إقليم دارفور بـ " الإبادة الجماعية " كان بمثابة إدانة جديدة للنظام السوداني، مما أثار ردود أفعال سودانية غاضبة على المستويين الرسمي والشعبي.
وقد احتلت مسألة العبودية أهمية خاصة في زيارة أوباما، الذي زار هو وأسرته قلعة "كيب كوست" على الساحل الغاني، التي تمثل رمزاً للعبودية، حيث كانت مركزاً لتجارة الذهب والعبيد في القرن السابع عشر، ومنها سيق مئات الآلاف من الأفارقة كعبيد إلى أوروبا وأمريكا وجزر الكاريبى في رحلة من دون عودة.
وفى هذا السياق شبه أوباما زيارته لقلعة "كيب كوست"، التي أدرجتها اليونسكو على قائمتها لمواقع التراث الإنساني العالمي منذ عام 1979، بتلك الزيارة التي قام بها في يونيو2009 لموقع معسكر "بوخنفالد " الذي استخدمه النازيون في ألمانيا، قائلا "إنها تذكرنا بقدرة البشر على ارتكاب شرور عظيمة". كما ذهب البعض إلى أن زيارة أوباما لتلك القلعة سيشجع كثير من مواطني الولايات المتحدة من ذوى الأصول الأفريقية على المجيء إلى غانا بحثا عن جذورهم.
إعلان حسن نوايا
وختاماً، فإن خطاب أوباما إلى إفريقيا بالرغم مما تضمنه من بشائر بتحقيق السلم والرخاء الاقتصادي، إلا أن الكثيرين يعتبرونه مجرد إعلان عن "نوايا طيبة" لطالما اعتاد الأفارقة على سماعها من الرؤساء الأمريكيين، الذين لا يملون من تكرار أحاديثهم الجوفاء عن ضرورة تخفيض ديون القارة، ومحاربة ثالوث الجهل والفقر والمرض فيها، وتسوية صراعاتها وحروبها الأهلية، في الوقت الذي يثبت فيه ضلوع الولايات والمتحدة وحلفاؤها في استنزاف ثروات القارة وإثارة وتأجيج صراعاتها.
وبالرغم من ذلك فقد رحب البعض بالخطاب باعتباره منعطفاً مهماً في العلاقات الأميركية- الأفريقية باتجاه تبنى مشاركة تعتمد على علاقات التكافؤ أكثر من الاستعلاء. بل إن البعض أكد أن هذا الخطاب جاء ليلبى حاجة ملحة تماماً كما لبى خطاب مارثن لوثر كينج حاجة عصره".
بيد أن القراءة الصحيحة لهذا الخطاب تقتضى التعامل معه في سياق الواقع الأفريقي، والممارسات الفعلية للولايات المتحدة في القارة، والخروج به عن نطاق الانبهار بالكاريزما الشخصية للرئيس الأمريكي والعواطف التي سعى أوباما من خلالها صوب تحريك وجدان الأفارقة، فالدوافع النبيلة لم تكن في يوم ما محدداً للسياسة الخارجية إزاء إفريقيا أو غيرها.
فخطاب أوباما إلى إفريقيا جاء عاماً، وترك الكثير من الفراغات، فهو لم يرسم صورة واضحة عما ستقوم به الولايات المتحدة لحل الصراعات الأفريقية. كما تحدث عن قضايا إدارة الصراعات في القارة دون أن يتطرق إلى انخراط القوات الأميركية في عمليات عسكرية بإفريقيا.
كما أن المساعدات التي بشر بها أوباما في خطابه ليست من قبيل الأعمال الخيرية، بقدر ما هي وسيلة لترغيب الدول الأفريقية الفقيرة للقبول أكثر فأكثر بالنفوذ الأمريكي وإقناعها بأن تستبدل بجلودها الفرانكفونية والأنجلوفونية جلوداً أمريكية.
وحتى بالنسبة لزيارة أوباما لقلعة العبيد في غانا، فيبدو أنها تمثل تقليداً اعتاده الرؤساء الأمريكيون خلال جولاتهم الأفريقية، حيث سبق للرئيسين كلينتون وبوش الابن زيارة جزيرة "جورو" في السنغال، التي كانت تعرف ببوابة العبيد. وبالرغم من أن الرؤساء الأمريكيين كانوا يبدون بعض التعاطف مع آلام العبيد، إلا أنهم دأبوا جميعاً على رفض الاعتذار عما اقترفه أسلافهم من جرائم في حق الأفارقة خلال تلك المرحلة المهينة للإنسان الأفريقي، الذي تحول على أيدي تجار الرقيق من إنسان حر إلى عبد لا يتورعون عن الإلقاء به لأسماك القرش في المحيط الأطلنطي إذا تمرد على العبودية أو إذا شاء حظه العاثر أن يمرض قبل الوصول إلى شواطئ العالم الجديد.
فإذا كانت الإدارة الأمريكية حريصة بالفعل على تأسيس مشاركة حقيقية مع إفريقيا، فمن اللازم
أن يتبع خطاب أوباما سياسات إيجابية من جانب واشنطن إزاء القارة الأفريقية، خاصة فيما يتعلق بدعم جهود التنمية وزيادة تدفقات الاستثمار إلى القارة، حتى لا تتحول أحلام الأفارقة بمستقبل أفضل إلى سراب، مثلما حدث من قبل عندما تعهدت الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية بتخفيض ديون القارة، ومحاربة الأوبئة فيها، ودعم مبادرة المشاركة الجديدة لتنمية إفريقيا "نيباد" ثم نكثت بوعودها.
وعلى الولايات المتحدة أيضاً إثبات جديتها في تسوية الصراعات الأفريقية، لا سيما في ظل الاتهامات الموجهة إليها بتصعيد تلك الصراعات وتعقيد إمكانيات تسويتها، بغية استخدامها في تدعيم مصالحها في القارة. ومن ذلك مسارعة واشنطن بتوصيف الصراع في إقليم دار فور على أنه إبادة جماعية، ودعمها العسكري والسياسي للمتمردين، وإفشال مهمة الاتحاد الأفريقي لأجل نشر قوات دولية في الإقليم. وكذا أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإثيوبيا للتدخل العسكري في الصومال، وإعادة الأمور فيها إلى المربع صفر، عندما أوشك اتحاد المحاكم الإسلامية على السيطرة على البلاد في نهاية العام 2006.
وفى الصحراء الغربية أيضاً، تعمل الولايات المتحدة على عرقلة الوصول إلى تسوية سلمية لأجل الحصول على مكاسب عديدة من الحكومتين المغربية والجزائرية، وضمان تعاون الدولتين معها في حربها ضد الإرهاب، وإقناع المملكة المغربية باستضافة مقر القيادة الأمريكية الجديدة في إفريقيا.
بيد أن مطالبة الولايات المتحدة بتبني سياسات أكثر إيجابية إزاء إفريقيا، لا يعفى دول القارة من المسئولية، فالاستمرار في تبرير تخلف القارة الأفريقية بالسياسات الاستعمارية لا يعدو أن يكون مجرد ستار تتوارى خلفه عوامل عديدة أخرى أهمها: الاستبداد السياسي، واستشراء الفساد داخل النخب الحاكمة، وسوء الإدارة الاقتصادية.
ولعل ذلك يجعل القارة الأفريقية مطالبة باستثمار خطاب أوباما في العمل من أجل تحسين القدرات الأفريقية على التعامل مع الولايات المتحدة بشكل يعظم من مكاسب القارة، خاصة في ظل تناقص هامش المناورة الإستراتيجي المتاح لإفريقيا في التعامل مع الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة. وربما يكون تنسيق المواقف الأفريقية في المحافل الدولية، والتفاوض الجماعي للأفارقة مع الولايات المتحدة، وتنويع الشركاء الدوليين، وبناء القدرات الذاتية لإفريقيا من العوامل المهمة في هذا الصدد.
مدرس مساعد العلوم السياسية، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة.
|