English

 

الأحد. يوليو. 12, 2009

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

في ظل تحولات عميقة

الصيف.. وطقس الهروب الكبير

سعيد أبو معلا

Image
لا مهرب سوى البحر في الصيف
لا يمكن لنا أن نستمع لأغاني السيدة فيروز ثم لا نقع في غرام هذه الأغاني، غرام مبعثه الزمان والمكان اللذين جاءت الأغنية منهما، وهو ما يدفع بالمستمع إلى مزيد من التمني تارة والترحم تارة أخرى.

لا يحصل ذلك غالبا من منطلق مفهوم "الزمن الجميل" المفترض، والذي هو زمن خيالي وغير حقيقي، لكن من باب أن الأغنية تفتح أبوابا كثيرة وكبيرة للتأويل والمقارنة.

يحدث هذا عندما نستمع في أيامنا هذه مثلا إلى أغنية "صيف.. يا صيف"، فلوهلة أولى نعتقد أن فيروز تشتكي من هذا الصيف ومن أحوالنا فيه، ومن حجم التغييرات التي نعيشها، لكننا عندما ندخل جو الأغنية نجدها مليئة بالخير والأمل والثمر، نتلهى بكل ذلك على أمل أن تدخلنا نصال الخير التي تتشبع الأغنية فيها، ومن ثم نقلب الصفحة لنتأمل مشهد الصيف في يومياتنا.

احتباسان

الصيف الفيروزي عبارة عن حلم بالعودة، وحالة مليئة بالفرح والمتعة، وشمس تحرض على البهجة، وكروم من عنب وزيتون.. إلخ من مشهد كبير ترسمه الأغنية، مشهد يبدو قرويا ودافئا وحميميا.

لكن ماذا عن مشهد الصيف في يومنا الحار جدا والمشبع بالرطوبة الثقيلة والمشبعة بالملح؟

صيفنا مغاير لأغنية فيروز حتما، ليس بفعل الفرق الزمني بين الأغنية ولحظتنا المعاصرة فقط، بل لأن الصيف اختلف عميقا، بدءا من حرارته التي تصبها الشمس علينا بفعل احتباس حراري، العالم كله شركاء في نصيب الأذى منه، ووصولا بتفاصيل حياتنا التي أخذت تقترن مجرياتها بالإجازة والتصييف والسفر بشكل غير مسبوق، وهي قضايا أصبحت جزءا لا يتجزأ من الصيف وعيش تفاصيله، وهو ما أصبح يحتاج لإعداد العدة والكثير من التحضيرات، وهو ما يتطلب مزيدا من الالتزامات المالية التي تطول ولا تقصر.

يأتي ذلك رغم أن "احتباسا ماليا" يترافق مع الاحتباس الحراري -بحسب توصيف الزميلة "أمينة خيري"- وهو ما يقود إلى الحد من سقف طموحات المواطنين من فصلهم الذي خصصوه للراحة والترفيه والاستمتاع والهروب من ضغوط الحياة الثقيلة، وهذا معطى حديث يعمل على قمع طموحات الناس ولجمها، كون الواقع الاقتصادي المتردي في ظل ارتفاع أسعار مواد أساسية ترفض الانخفاض مهما كانت تحولات السوق تجعل الصيف هنا يتحول إلى كابوس حقيقي، أو هكذا يفترض أن يكون.

تسليم الذات

لكن السبب ذاته نراه عاملا معمقا ومكرسا لفكرة التصييف والتعامل المغاير مع هذا الصيف، فالبشر يحتاجون دوما إلى شيء ما يرتمون فيه، يريحون فيه تفكيرهم من قضايا تمس حياتهم، والبحر هو لاعب أساسي في هذا الحراك الإنساني الفصلي.

يأتي المصطافون للبحر من كل حدب، يجلسون أمامه، يرمون خلفهم تلك القصص والأحداث والمشاكل، مادام التفكير فيها لا يدفع إلى حلها، ليكون تجاهلها رغبة في التخلص منها مؤقتا هو جزء من حلها المؤقت، وهو فعل هروب إيجابي بامتياز.

كما أن البعض يصل البحر بمشاكله وهمومه وقلقه، لكن البحر يدفع مرتاديه إلى الحكي في مشهد اعترافي طويل، فالحكي للبحر هو جزء أصيل من الرغبة في التخلص من الهموم والقلق، ومن يقوم بهذا الدور أكثر من البحر صاحب الأسرار ومبتلعها تماما كما يبتلع السفن والبشر، في هدوء نراه يفعل ذلك، فأمواج البحر الهادئة تبدو كمن يطلب من هؤلاء المتعبين التأمل فيه، الحكي معه، وإيداعه الأسرار والحكايات، يرمون أسرارهم تماما كما يفعل الغالبية عندما يقذفون حجارتهم الصغيرة في جوفه، وكل حسب حكايته، لكن البحر أبدا القادر على استيعابها ومن دون مقاطعة إطلاقا.

فالبحر في الصيف يتحول لكائن جبار وعملاق لكنه وديع ومغر هذه المرة، يتقن تأدية دوره، كما يتقن المصطافون أدوارهم بالضرورة في الحكي والتأمل والهروب، ليتم طقس الهروب الكبير، أو طقس الخلاص المؤقت.

ومن يقف على الشطوط ويتأمل تعامل البشر المنهكون والمتعبون مع البحر سيجد أن هناك ما هو أعمق من فكرة السباحة أو الارتماء فيه أو الجلوس على أطرافه، كما أن عنف المصطافين في سباحتهم وارتماءهم بالماء وصراخهم في وجه البحر يؤكد ذلك، فهو المستقبل لهم دون رد، والصامت بإيماءات ومن دون مقاطعة.فهم يسلمونه قصصهم، وهو يفرد لهم أمواجه بهدوء يليق بتعبهم وصعوبة حياتهم.

هجوم شرس

في الصيف أيضا تتغير إعلانات الشوارع وشاشات الفضائيات، فهناك زائر جديد على شكل إعلانات يومية تغزو المشاهدين، فالشوارع وشاشات التلفزة لا ترحم أحدا، ويبدو أنها لا تعترف بواقع جيوب المواطنين البسطاء الذين ينصرفون للشواطئ المجانية لتحقيق أمانيهم، لتهجم إعلانات المدن السياحية الحديثة والشواطئ المغلقة، والدول التي تقدم نفسها على أنها واجهة وقبلة للمصطافين من كل أنحاء العالم.

وهو ما يتلقفه الأغنياء وذوو الدخل المرتفع لتبرز الفروق الطبقية وتحضر أيما حضور، شطوط الأغنياء لها قوانين وضوابط ترتبط بالشكل واللبس والخدمات، أما الأخرى فهي مفتوحة لكل تأويل وتجريب وربما تخريب.

ليبدو أن فرصة الاستراحة من جزء بسيط من مشاكل الحياة لا يستقيم، فالصيف يحفر عميقا في وعي المواطنين ليكون لاعبا رئيسيا لكشف وإبراز الفروق المجتمعية وطبيعة التحولات التي تشهدها المدينة العربية، والدول العربية والمواطن العربي أيضا.

صنبور فعاليات

الدولة ذاتها التي تكتشف نفسها في فصل الصيف على أنها قبلة للمصطافين تحاول أن تنفتح على شعوبها أيضا في الصيف انفتاحا له أهداف كثيرة، من بينها أن يكون لمؤسسات الدولة دور رئيسي في التأثير على وعي مواطنيها، وهذه المرة عبر مجانية الترفيه، فتشهد الدول العربية آلاف الفعاليات الفنية والموسيقية المجانية.

فتقرأ مراسيم تقر تحويل الحدائق العامة إلى مسارح مفتوحة للغناء والترفيه المجاني، وفعاليات فنية كثيرة في مراكز ثقافية رسمية كانت دوما بمال لتصبح مجانية على مدى شهور الصيف.

لتبدو للمدقق أن ما يجري هو محاولة متأخرة من مؤسسات الدولة لتقدم خطابا ومضمونا ترفيهيا وثقافيا لمواطن فُقدت السيطرة عليه، إنها محاولة متأخرة جدا للإمساك أو للمشاركة في صنع عقل المواطن الذي بات يتحرك بعيدا عن كل ما له علاقة بما تنتجه هذه المؤسسات.

بقي أن نقول إنه شتان بين صيف وصيف.. صيفنا اليوم فيه الكثير من التغييرات، إنه موسم نتجاوز فيه أنفسنا، من البحر إلى الليل فالتأمل، نعيشه بكل ما يشهد من مخاضات ومحاولة الفكاك من هموم لا آخر لها.

وهذا الصيف ككل صيف.. قد يكتسب أهمية مضاعفة لو تأملناه انطلاقا من أغنية فيروز هذه المرة.


  محرر بنطاق ثقافة وفن في شبكة إسلام اون لاين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم