|
| حامد كرزاي |
من المتوقع أن يتجه أكثر من 15 مليون ناخب أفغاني يوم 20 أغسطس القادم نحو صناديق الاقتراع لانتخاب كل من رئيس الجمهورية ومجالس المحافظات، وذلك من بين 41 مرشحا رئاسيا وأكثر من 3 آلاف مرشحا للمجالس المحلية.
وتكتسب الانتخابات الرئاسية هذه المرة أهمية كبيرة، نظرا للظروف التي تعيشها البلاد داخليا وإقليما ودوليا، فدائرة العنف تتوسع ومعدل الضحايا المدنيين في ازدياد والتقارير عن استشراء الفساد تكثر، وفي الجوار هناك حالة حرب داخلية في المناطق الباكستانية المتاخمة، وتوترات سياسية في إيران، وعالميا تتحدث إدارة أوباما عن خطة إستراتيجية جديدة لأفغانستان والمنطقة فيما بدأ بعض دول الناتو يتساءل عن جدوى الحرب وأهدافها.
وهناك علامات استفهام كبيرة حول مدى حرية الانتخابات ونزاهتها في بلد يعاني من وجود عسكري أجنبي ضخم، ومقاومة عسكرية ضارية، واستشراء الفساد والفقر وأوضاع سياسية منقسمة على خطوط عرقية وقبلية ومذهبية، ومجموعات مصالح من لوردات حرب وتجار مخدرات وتدخل مؤسسات الدولة ومسئوليها في سير الانتخابات.
التحدي الأمني
من مجموع 390 مديرية في أفغانستان، تقع 11 مديرية تحت سيطرة طالبان بالكامل، وذلك طبقا لتقارير أفغانية مستقلة، فيما تعاني 112 مديرية أخرى من مشاكل أمنية من الممكن أن تؤثر سلبا على العملية الانتخابية.
وقد رفضت كل من حركة طالبان والحزب الإسلامي "حكمتيار" الدعوة للمشاركة في العملية الانتخابية واعتبراها ساقطة في ظل "الغزو الأمريكي"، وكذلك في ظل العمليات العسكرية الضخمة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في إقليم هلمند جنوب البلد، مما يزيد من مخاوف حدوث اختلال في سير الانتخابات في بعض مناطق الجنوب والشرق.
وأعلن زعيم الحزب الإسلامي "حكمتيار"، في تصريحات لصحيفة باكستانية، عن نيته عدم إخلال العملية الانتخابية رغم معارضته لها، واعتبرها "مسرحية درامية ". أما حركة طالبان، التي تعتبر الانتخابات "غير شرعية"، فقد طالبت الشعب الأفغاني بمقاطعتها، ووعدت بعرقلة العملية الانتخابية بكل الطرق الممكنة، غير أنها أكدت على لسان ناطقها ذبيح الله مجاهد بعدم مهاجمة مراكز الاقتراع أثناء تواجد المدنين.
ومن جهتهم يشعر العديد من المرشحين الرئاسيين، وكذلك المرشحين لمجالس المحافظات، بعدم الأمان في المناطق التي ينشط فيها طالبان أو قوات أخرى مناوئة لنظام الحكم، ويطالبون الحكومة والقوات الدولية بتأمين تحركاتهم خلال الحملات الانتخابية.
الشفافية والنزاهة
بخلاف المرتين السابقتين في 2004 و 2005، تتم إدارة العملية الانتخابية هذه المرة من قبل الأفغان أنفسهم حيث تقوم اللجنة الأفغانية المستقلة للانتخابات بإجراء الانتخابات الرئاسية ومجالس المحافظات. وقد اكتملت عملية تسجيل الناخبين حيث حصل أكثر من 15 مليون ناخب نصفهم من النساء على بطاقات التسجيل الانتخابي.
ويعتبر البعض هذه الخطوة انجازا كبيرا في سبيل بناء مؤسسات دولة وقدرة الأفغان على إدارة أمورهم، فيما يتخوف آخرون من أن يؤدي غياب الرقابة الدولية إلى حدوث خروقات وتلاعب في العملية الانتخابية نظرا لعدم نضج المؤسسات المستقلة ووجود فساد إداري كبير في مؤسسات الدولة.
وبعيدا عن هذه المخاوف، يرى عدد من المرشحين الرئاسيين أن وجود الرئيس كرزاي على رأس مؤسسات الدولة والحكومة أثناء إجراء الانتخابات، يهدد نزاهتها وشفافيتها حيث يعطيه الفرصة في التأثير على سير الانتخابات عبر استغلال موارد الحكومة لصالحه، ويفتح المجال للعب بالنتائج عبر وزارة الداخلية التي تشرف على تأمين مراكز وصناديق الاقتراع والتحكم في سجل الناخبين عبر مسئولي المحافظات والمديريات وقادة الشرطة.
وقد طالب الممثل الخاص للأمم المتحدة في أفغانستان "كاي إيدي"، في تصريحات له يوم 8 يوليو الجاري، ببقاء مؤسسات الدولة بعيدة عن العملية الانتخابية لضمان نزاهتها، حيث رصدت الأمم المتحدة مؤخرا محاولات عديدة للتأثير على سير العملية الانتخابية من قبل مسئولين حكوميين خصوصا مسئولي المحافظات.
حرية الاختيار والعزوف الانتخابي
لقد ساعدت الأنظمة المستبدة والحروب المتتالية في أفغانستان في تعميق الولاء العرقي والقبلي والمذهبي على حساب المواطنة، كما تمثل الأمية والفقر عراقيل أساسية أمام حرية الاختيار لدى الناخب الأفغاني وهو يتجه نحو صناديق الاقتراع خصوصا في المناطق الريفية التي يقطنها نسبة عالية سكان البلد. ويلعب القادة والمسئولون المحليون وأعيان القبائل وعمد القرى والعلماء دورا بارزا في التأثير على الناخب على خلاف المدن التي قد توجد فيها تنوعا فكريا وسياسيا تجاوز الحدود العرقية والقبلية وحرية تفكير تقاوم المؤثرات المجتمعية في عملية الاقتراع.
وإذا كانت قضية حرية الاختيار أحد مصادر القلق، فإن العزوف عن الانتخابات يعتبر هو الآخر أحد أهم القضايا التي تهدد العملية الانتخابية، سواء أكان هذا العزوف عن قناعة أو خوف. فرغم وجود توقعات بحصول نسبة عالية من المشاركة في الانتخابات نظرا للحمى الانتخابية التي يمر به الشارع الأفغاني حاليا، إلا أن بعض المراقبين يتوقعون نسبة متدنية للمشاركة هذه المرة قد لا تتجاوز 40% نظرا لحالة اليأس التي تسيطر على قطاعات كبيرة من الشعب لفشل الوعود الحكومية والدولية لمستقبل أفضل، وحالة الرعب والخوف التي تسيطر في المناطق المضطربة خصوصا في ظل تهديدات طالبان بإجبار الناس على عدم الاقتراع.
أبرز المرشحين للرئاسة
تشهد الانتخابات الرئاسية في أفغانستان هذه المرة، تنافسا بين 41 مرشحا بينهم امرأتان، غير أن العديد من هؤلاء المرشحين غير معروفين لدى عامة الشعب الأفغاني، و يبدو أن التنافس ينحصر بين ثلاثة مرشحين أساسيين يتصدرهم الرئيس الحالي حامد كرزاي ثم يليه عبد الله عبد الله وزير الخارجية السابق، ويأتي بعدهما وزير المالية الأسبق أشرف غني أحمد زي.
ويعتمد كرزاي على رصيد علاقاته في الداخل مع قادة الأحزاب السياسية والزعماء القبليين حيث يفتقر هو شخصيا إلى قاعدة شعبية سياسية أو خلفية قبلية قوية بين "البشتون" الذين ينحدر من بينهم، وبناء على هذا اختار نائبيه من بين القيادات السياسية ذوي النفوذ، مثل كريم خليلي الذي يرأس حزب الوحدة الشيعي ومحمد قسيم فهيم وزير الدفاع السابق الذي ينحدر من ولاية بنجشير، وذلك لضمان رأي الطاجيك.
وبجانب هذا يتمتع كرزاي بتأييد من زعماء آخرين مثل عبد رب الرسول سياف زعيم حزب الدعوة الإسلامية وصبغت الله مجددي رئيس مجلس الشيوخ وكلاهما من قادة المجاهدين سابقا، ومحمد محقق من حزب الوحدة الشيعي والنهضة القومية بزعامة الجنرال الأوزبكي عبد الرشيد دوستم. كما يعتمد كرزاي بشكل أساسي على مسئولي المحافظات والمديريات المعينين من قبله في تحركه الانتخابي رغم اعتراضات محلية ودولية على هذا الأمر وهو ما يرفضه هو بنفسه.
وأما عبد الله عبد الله الذي دخل كمنافس قوي إلى المعترك الرئاسي هذه المرة، فيعتمد على رصيده الجهادي مع قائد المجاهدين الراحل أحمد شاه مسعود، وتأييد جماهير الجمعية الإسلامية بقيادة الرئيس السابق برهان الدين رباني والتأييد الطاجيكي بالدرجة الأولى. كما أنه يسعى لحشد الرأي البشتوني والهزارة الشيعة. ونظرا لكونه من أب بشتوني من قندهار في الجنوب وأم طاجيكية من بنجشير في الشمال، يجد عبد الله نفسه شخصية مقبولة على المستوى الأفغاني، خصوصا عند سكان المدن الرئيسية.
وأما أشرف غني أحمد زاي الذي خدم في البنك الدولي وكان وزيرا للمالية في حكومة الرئيس كرزاي ، فينحدر من قبيلة أحمد زي أكبر قبائل البشتون في الشرق الأفغاني، ويدخل الانتخابات أيضا اعتمادا على الدعم البشتوني في الأرياف والمدن، حيث يشعر أن كرزاي لم يعد شخصية مقبولة لدى البشتون بشكل خاص ولدى الشعب الأفغاني بشكل عام.
وبجانب الشخصيات الثلاث الرئيسية، هناك عدد من الوجوه المعروفة سياسيا مثل "ميرويس ياسيني" الذي ينحدر من العرقية البشتونية في الشرق، وكان نائبا لرئيس البرلمان، و"شهنواز تاني بشتوني" من الشرق وخدم وزيرا للدفاع أثناء الحكم الشيوعي، و"ملا عبد السلام راكتي" أحد قادة طالبان السابقين و"رمضان بشر دوست" من وزراء كرزاي السابقين من عرقية الهزارة، و"لطيف بدرام" من القادة القوميين الليبراليين الطاجيك، و"عبد الجبار ثابت" المدعي العام حتى وقت قريب.
وأما عن محاور الصراع الانتخابي، فتشكل قضايا الأمن والاستقرار ومكافحة الفساد والفقر والبطالة ونشر العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة أهم القضايا التي تتردد في شعارات المرشحين، كما يشكل الحوار مع طالبان ومصالحة وطنية وتغيير النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني وإقامة نظام فيدرالي بدلا من النظام المركزي والاعتراف بخط ديوراند كحدود رسمية مع باكستان من ضمن القضايا الأخرى التي ترد في برامج و شعارات المرشحين.
المجالس المحلية
انتخابات المجالس المحلية التي يتنافس عليها أكثر من 3 آلاف مرشحا تكاد تختفي وراء الاهتمام المحلي والعالمي بالانتخابات الرئاسية، وهي انتخابات لا تخلو من أهمية رغم دور المجالس الضعيف في مراقبة ومحاسبة المسئولين الذين يتم تعيينهم من الحكومة المركزية، وهو ما يدفع البعض للمطالبة بدور أكبر لهذه المجالس بل جعل منصب المحافظ انتخابيا لإعطاء دور أكبر للشعب في إدارة أموره بنفسه. ويُمثل عدد من أعضاء مجالس المحافظات في مجلس الشيوخ حسب الدستور الأفغاني، مما يعطي أهمية إضافية في التمثيل السياسي الشعبي.
محطات انتخابية
تتميز الانتخابات الحالية بوجود مجموعة من الظواهر تختلف، في كثير من جوانبها، عما شهدته أفغانستان من انتخابات سابقا، وتتمثل أبرز هذه الظواهر في:
المشاركة النسائية: تتنافس 300 امرأة للحصول على مقاعد في المجالس المحلية، كما أن هناك مرشحتان رئاسيتان بجانب 5 نائبات لمرشحين رئاسيين آخرين، مما يعطي مؤشرا واضحا للتطلعات السياسية لدى المرأة الأفغانية وإن كانت التوقعات متدنية في مشاركة المرأة الفعالة في الحياة السياسية ويعتبرها الكثير من المراقبين شكلية فقط. ومن جهة أخرى هناك توقعات كبيرة للمشاركة النسائية في عملية الاقتراع نظرا للإقبال النسائي الكبير الذي شهدته عملية التسجيل للبطاقات الانتخابية في الشهور الماضية، وهو ما يدفع الكثير من المرشحين الرئاسيين إلى السعي لكسب أصواتهن.
دور الإعلام الجديد: لقد برز دور وسائل الإعلام في هذه الانتخابات بشكل كبير خلافا للمرات السابقة، فبجانب المواقع الخاصة للمرشحين أنفسهم على الشبكة العنكبوتية الدولية (الإنترنت) يشكل "الفيس بوك" و"اليوتيوب" أهم المواقع التي يستخدمها المرشحون وأنصارهم للدعاية الانتخابية، رغم محدودية استخدام (الانترنت) داخل أفغانستان.
وتشكل القنوات التلفزيونية المتعددة وإذاعات FM بجانب الإعلام المطبوع واللافتات الإعلانية الضخمة أدوات مؤثرة لدى المرشحين، الذين ضاقوا ذرعا بتمزيق صورهم الإعلانية فوق الجدران في المدن وحولها.
موسم جني أموال: وفرت الانتخابات فرصة ذهبية للعديد من المجالات التجارية المرتبطة بالدعايات الانتخابية من مطابع إلى شركات الإعلانات إلى إعلانات إذاعية ومتلفزة، وقبل ذلك كله أتاحت الفرصة لقطاعات من الشباب العاطل عن العمل، ممن يقوم بعملية وضع الملصقات الإعلانية وينضمون لقوافل الدعائية للمرشحين مقابل أجور يومية، رغم اعتماد بعض المرشحين على سياسة جذب المتطوعين للقيام بمثل هذه الأعمال.
التدخل الأمريكي: فقد أثارت لقاءات السفير الأمريكي في أفغانستان مع المرشحين الرئاسيين عبد الله عبد الله وأشرف غني أحمدزاي حفيظة الرئيس حامد كرزاي الذي طالب الولايات المتحدة بالبقاء بعيدة عن الصراع الانتخابي. ويبدو أن كرزاي يشعر أن مثل هذه اللقاءات تدعم موقف هذين المرشحين سياسيا وتعطي رسائل محددة حول التأييد الأمريكي والغربي لهما مقابل انخفاض مثل هذا التأييد له شخصيا.
وكانت مؤسسة بحثية أمريكية أجرت مؤخرا عملية استطلاع رأي للمرشحين الثلاث والتي حصل فيها الرئيس كرزاي على 31% من آراء المستطلعين فيما حصل عبد الله على 7% و أحمدزاي على 2%.
وفيما تستمر عملية " الخنجر" الأمريكية في الجنوب للقضاء على معاقل طالبان في ولايتي هلمند وقندهار، ما زال أمام الناخب الأفغاني 6 أسابيع من الانتظار ليقرر ما إذا كان يتوجه إلى صندوق الاقتراع أم لا، أو لمن يعطي رأيه لو قدر له أن يقف أمام صندوق الانتخاب.
كاتب ومحلل سياسي أفغاني.
|