|
| جانب من وقائع ندوة مركز الجزيرة للدراسات |
تباينت رؤى محللين ومفكرين عرب وإيرانيين حول تداعيات الاحتجاجات التي شهدتها إيران عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية على دورها في المحيط الإقليمي والدولي، ففيما ذهب البعض إلى أن إيران ستنكفئ على الداخل لحل مشاكلها، رأى آخرون أن سياسة إيران الخارجية ستشهد المزيد من الحراك في عدد من الملفات لإصلاح صورتها بالخارج.
التباين ذاته انعكس على تحليل ما جرى من احتجاجات، ففيما فسر خبير إيراني إصلاحي ما جرى على أنه ناتج عن عسكرة السلطة ورفض الحرس الثوري تسليم الحكم للمدنيين، اتهم باحث إيراني "محافظ" أمريكا وجهات غربية بلعب دور فيما جرى.
جاء ذلك في الندوة الشهرية التي عقدها مركز الجزيرة للدراسات مساء الأربعاء 1 يوليو 2009، تحت عنوان "إيران.. أزمة نظام أم أزمة مجتمع؟"، وشارك فيها كل من: ماشاء الله شمس الواعظين مستشار مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية بطهران، وعلي أصغر محمدي سيجاني الكاتب والباحث الإيراني، ود. ميشيل نوفل الخبير في الشئون الإيرانية، والكاتب والمحلل السياسي المصري فهمي هويدي، وقد أدار الندوة الدكتور مصطفى المرابط مدير مركز الجزيرة للدراسات.
وفي بداية الندوة، حاول المرابط تقديم صورة كلية للوضع الراهن في إيران كمقدمة لرسم السيناريوهات الممكنة لما بعد الأزمة واستشراف البدائل المتاحة أمام مؤسسة الحكم للتعاطي مع معضلات الداخل وتحدياته، ومواجهة آثار الأزمة على سياسة إيران الخارجية، ومراجعة رهاناتها، الإقليمية منها والدولية.
وأشار المرابط إلى أنه بعد التراجع النسبي لموجة الاحتجاجات التي انطلقت بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الايرانية والتمكن من احتوائها إلى حد كبير، وبعودة الهدوء إلى الشارع، وخفوت حدة الجدل الإعلامي داخل البلاد وخارجها؛ أصبح من الممكن فتح نقاش أكثر موضوعية وتوازنا لقراءة وتحليل هذه الأزمة التي خدشت صورة الجمهورية الإسلامية وأطلقت توقعات، تتراوح بين الاتزان والجموح، حول مصير نظامها.
وأكد أن المراقبين والخبراء أجمعوا على أن الأحداث التي شهدتها إيران مؤخرا ستترك آثارها على هذا البلد المهم إقليميا وعالميا، سواء على مستوى النظام أو المجتمع، وأنه سيشهد في المستقبل تغيرات عميقة سواء على مستوى الفكر أو الممارسة السياسية.
وأشار إلى أن الاحتجاجات التي شهدتها شوارع طهران أبانت، في بعض جوانبها، أن المسألة لم تكن مجرد موقف احتجاجي على نتيجة انتخابات، يعتقد البعض أنها زورت، وإنما القضية- كما كشفت عنها الأحداث- أعمق من ذلك بكثير. وتساءل: في ظل ما جرى، هل لا يزال تصنيف الفاعلين الأساسيين في الواقع السياسي الايراني إلى إصلاحيين ومحافظين مناسبا ودقيقا، خاصة مع ما شاهده العالم من بروز لافت وحضور مؤثر لجيل شباب ما بعد الثورة الذين تظاهروا مع أو ضد هذا الطرف أو ذاك.
عسكرة الحقل السياسي
من جانبه، اعتبر شمس الواعظين أن الدخول في تفاصيل نتائج الانتخابات هو بمثابة الدخول في متاهات كثيرة، مشيراً إلى أن أي ادعاء بالتزوير يمكن أن يواجه بادعاء آخر، ولكنه طرح رؤية تعين في فهم ما جرى معتبرا أنه تم عسكرة السلطة عبر الحرس الثوري، ومن ثم ما جرى هو رفض المؤسسة العسكرية –أي الحرس الثوري وليس الجيش- تسليم السلطة للمدنيين.
وأوضح شمس الواعظين أن الحرس الثوري لا يرغب بتسليم السلطة إلى المدنيين بعد أن "تربع" على مصادر إنتاج الثروة والقوة في المجتمع الإيراني وأتى بممثله السياسي الرئيس أحمدي نجاد. وأضاف قائلا: "الحرس الثوري عمل على عسكرة الحقل السياسي لولائه للنظام السياسي ولضمان ديمومته في المستقبل"، ودلل على ذلك بأن "63% من أعضاء البرلمان الإيراني الحالي لهم خلفيات عسكرية في الحرس الثوري".
وأوضح أن المؤسسة العسكرية في ايران (الحرس الثوري) حظي بدعم لا مثيل له في الولاية الأولى للرئيس أحمدي نجاد، على اعتبار أنه الطبقة الحاملة للمشروع السياسي الإيراني، مشيرا إلى أن القطاعات الاقتصادية والمنشآت والتجارة وحقول النفط والغاز كلها تقع تقريبا تحت سيطرة الحرس الثوري.
ورأى شمس الواعظين أنه في أي مجتمع لابد من أن تكون هناك طبقة حاملة للمشروع السياسي، وهذه الطبقة يكون لها الولاء المطلق للنظام الحاكم، إلا أن ايران كانت تفتقر لوجود هذه الطبقة، وكان من المتوقع أن يتبوأ رجال الدين هذه الطبقة، إلا أنهم في إيران مستهلكو ثورة وليسوا منتجين لها، إضافة إلى وجود خلافات بين رجال الدين في الفقه الشيعي لأنهم أحرار في الاجتهاد.
وأضاف أن "هذه الطبقة أتت بالمؤسسة العسكرية الأكثر ولاء، وليس الجيش، للنظام السياسي للحفاظ على إنجازات الثورة من ناحية وللدفاع عنها في حال وجود أي خطر يهدد أمن النظام السياسي كما حدث في الأحداث الأخيرة بصدور بيان تحذيري يهدد بقمع أي حركة احتجاجية تريد النيل من الجمهورية الاسلامية". وشدد شمس الواعظين على أن "الحرس الثوري الإيراني -الجهة العسكرية الأكثر نفوذا حسب تعبيره- قد نفذت ما يمكن تسميته "شبه انقلاب عسكري" عبر مساندتها الرئيس محمود أحمدي نجاد ومنعها حركات الاحتجاج، مشيرا في هذا الصدد إلى حملة الاعتقالت الواسعة في صفوف المعارضة وإغلاق الصحف والمواقع الإلكترونية، ونزول العسكر للشارع".
ليست ثورة مخملية
وفي المقابل رفض سيجاني هذه الرؤية، معتبراً أن جهات خارجية أملت بإحداث "ثورة مخملية" تطيح بالنظام على غرار ما جرى في جورجيا بدعم من الغرب، واعتبر ما يجرى في إيران ليس أزمة نظام أو أزمة مجتمع إنما وصفه بأنه "ألم المخاض". وشدد على أن سياسة الرئيس الأمريكي أوباما –عبر مستشاره المسئول عن الملف الإيراني دينس روس- تريد إضعاف إيران كما أن أمريكا لم تقبل التعايش مع النظام الإيراني.
لكن سيجاني نفى في الوقت نفسه تهمة التآمر عن القيادات الإصلاحية الخاسرة في الانتخابات مثل مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وقال إن "80% من تلك القيادات الإصلاحية قد خرجت من الحرس الثوري المحافظ نفسه، لكن جهات داخل التيار الإصلاحي العريض -لم يسمها- هي من تتمنى تغيير نظام الجمهورية الإسلامية".
وقلل سيجاني من شأن وجود أزمة في النظام والمجتمع الإيرانيين، ووصف ما يجري بأنه "ألم مخاض" يرافق تحولات الثورة وتحديات بناء نظام إسلامي ديمقراطي يجمع الشرعية الشعبية والدينية معا. وأوضح أن "الثورة قدمت نظاما جديدا يريد تقديم نموذج جديد يتبنى الإطار الإسلامي، وفي نفس الوقت يحترم الديمقراطية.. وهو نموذج جديد، ومن ثم هناك الكثير من التجارب الصحيحة والخاطئة".
وأضاف أن هذا النظام يواجه العديد من الأزمات منذ ولادته، مشيرا إلى أن الانتخابات دائما ما تشهد رفض الخاسر للنتيجة كما حدث عام 1988 حين سقط التيار المحافظ في الانتخابات التي نجح التيار الإصلاحي فيها، ولم يقبل الطرف الآخر بالنتيجة حتى تدخل الإمام الخميني بنفسه وأيًد نتيجة الانتخابات، وتكرر الأمر في رئاسة الجمهورية عندما لم يقتنع التيار المحافظ بأن الانتخابات حدثت بصورة نزيهة، وكذلك في انتخابات المجلس السادس عندما انتخب التيار الإصلاحي وهي النتيجة التي لم يقبل بها التيار المحافظ حتى تدخل المرشد وأيد الانتخابات.
تناقض بين أهل النظام الواحد
أما د. ميشيل نوفل، فقد اعتبر أن الأزمة الإيرانية الحالية في أحد أسبابها هي انعكاس لزيادة الهوة بين مصدري الشرعية في إيران، حيث الشرعية في إيران كـ"جمهورية إسلامية" تستمد من مصدرين هما: السيادة الشعبية عبر الانتخابات كـ "جمهورية"، والمصدر الثاني يعتمد على ولاية الفقيه الذي هو فوق الجميع كـ" إسلامية"، أي أن الشرعية هنا مزدوجة. وأشار نوفل إلى أن "الإمام الخميني الراحل كان يستطيع الموازنة بين المصدرين، لكن الآن الهوة تزداد بين الشرعيتين الشعبية والدينية".
وبيًن نوفل أنه لا يمكن الفصل بين أزمة النظام وأزمة المجتمع؛ فقد أظهرت الانتخابات تناقضات كثيرة، حيث أظهرت أن هناك قطاعا شعبيا واسعا يتألف من الفئات المتوسطة يريد إصلاحا ديمقراطيا للنظام ويريد مزيدا من الحريات على صعيد المجتمع، وهو القطاع الشعبي الذي صوت للتغيير ولمزيد من الديمقراطية، وهو يواجه معارضة من قبل القوى المحافظة التي تمسك بالنظام.
كما أشار نوفل إلى قطاع آخر أسماه رجال النظام وخاصة الإصلاحيين ومنهم مير حسين موسوي ود. خاتمي وكروبي وغيرهم كثيرون يرون أن هذا النظام الإسلامي كما هو منصوص عليه في دستور الجمهورية الإسلامية ما زال يحتمل التغيير من الداخل، ولذلك خاضوا المعركة على أساس الإصلاح الديمقراطي للنظام من الداخل، وهو تناقض بين أهل البيت الواحد أو بين أهل النظام؛ وهذا يشرح البعد الثاني من الأزمة التي خرجت إلى الشارع ثم عادت مجددا إلى المؤسسة، أي إلى رجالات النظام.
أما التناقض الثالث برأي نوفل، فهو ذاك الجيل الجديد من الشباب والنساء دون الثلاثين عاما، وهم يشكلون حوالي 70% من التكوين السكاني، فأكثرهم يريد الذهاب أبعد من الإصلاحيين، وهم لديهم لغة ومطالب وحاجات لم يعد النظام القائم يفهمها. ويرى البعض أن تصورهم لإيران هو إيران أخرى غير تلك التي تأسست على أيدي الإمام الخميني، ومن ثم يجوز القول إن هناك أزمة نظام وأزمة مجتمع على ثلاثة مستويات تقود جميعا إلى مصدر الشرعية للنظام.
ووصف نوفل ما جرى بأنه "انقلاب أبيض" ضد رغبة الجماهير الإيرانية التي التفتت إلى الرسائل الأمريكية حول الحوار بعد قدوم أوباما؛ فصوتت لصالح الانفتاح، ما أخاف أحمدي نجاد ومرشد الجمهورية علي خامنئي.
الشأن الخارجي
من جهته اعتبر المفكر المصري فهمي هويدي، أن ما يحدث في إيران يحسب للنظام الإيراني لا عليه، معتبرا أن ما يحدث في إيران رغم ما يثار حوله من ضجيج هو أفضل بكثير جدا مما يحدث في أغلب الدول العربية. ورأى هويدي أن "ثمة معركة حقيقية وأن الصراع بين قوى ليست هينة في المجتمع، وهو ما يحسب للنظام الإيراني الذي أتاح لقوى سياسية أن تنضج وتتصارع وتشتبك، مع خروج مظاهرات الإصلاحيين السلمية برغم بعض الحوادث".
وأوضح هويدي أن كلاً من الإصلاحيين والمحافظين يتحركان ضمن قيم الثورة وثوابتها، لكن الخلاف يجري بينهما حول المطالبة بالمزيد من الحريات، ونفى وجود خلاف حول مسألة دور الولي الفقيه وإنما الاختلاف متركز حول مدى صلاحيات ذلك الفقيه. إلا أنه أشار إلى أن ما حدث مؤخرا في إيران استباح فكرة الدخول في التفاصيل برغم ما يحدث من حالات مشابهة في أماكن عدة في العالم ومنها أمريكا نفسها، فآل جور اتهم بوش بتزوير الانتخابات، والشكوك في الفوز الذي حققه بوش كانت حقيقية.
وشدد هويدي على ضرورة التفريق بين الشأن الداخلي والشأن الخارجي، مشيرا إلى أن ما يهمنا هو الشأن الخارجي الإيراني وموقف هذا الطرف أو ذلك من قضية الاستقلال الوطني ومن العلاقات العربية الإيرانية ومن الولايات المتحدة وإسرائيل.
وحول مستقبل وطريقة تعاطي إيران مع دورها السياسي في الإقليم والعالم، طرح شمس الواعظين سيناريوهين حيال السياسة الخارجية المقبلة؛ فإما أن تنكفئ إيران إلى الداخل للملمة الجراح المفتوحة، أو تعود إلى مقارعة الغرب بقوة وتزيد من تصعيد مواقفها الخارجية لتقطف ثمار ذلك في المفاوضات مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي.
أما هويدي، فقد أوضح أن المشكلات الداخلية تحتاج وقتا طويلا لحلها، وخططا ستستمر لسنوات، وبالتالي فإن السلطة لن تتمكن من الحضور الفاعل داخلياً، ولكن يمكنها التركيز في المحاولات الخارجية لأن مردودها أسرع، سواء فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني والتعاون الإقليمي والحوار الفلسطيني. وعلى ذلك يرجح هويدي أن تواصل إيران تثبيت حضورها خارجيا لتنفي أن ما جرى قد ألحق ضررا بصورتها الدولية والإقليمية، مؤكدا على أن المواطن العربي يرى في بعض مواقف إيران ما يريح ضميره العربي، وينظر لما تقوم به على أساس أنه سيغير موازين القوى مع الكيان الصهيوني.
|