|
| أوباما ونجاد |
هناك العديد من التحليلات والدراسات التي تحاول إلقاء الضوء على السياسات الأمريكية تجاه إيران، إلا أنه لا يمكن القول إن القدر ذاته من الاهتمام يُعطى لسياسة إيران الخارجية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من أن إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة للعام 2006 قد أشارت إلى أن إيران تمثل التحدي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة من قبل دولة منفردة؛ فإن عدد الكتابات التي تتناول السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة لا يزال محدوداً على نحو لافت، ولا تتعدى التحليلات الموجودة في هذا السياق نطاق تغطية الطموحات النووية لإيران والملالي "المجانين" الذين تحركهم الأوهام الأيديولوجية؛ الأمر الذي يخلف انطباعاً بأن السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة هي سلسة من الاعتداءات العشوائية على المصالح والقيادات الأمريكية دونما رابط حقيقي فيما بينها.
وفي الحقيقة فإن السياسة الخارجية لطهرن لها منطقها الإستراتيجي الخاص، فهي ليست مبنية على تصورات "ملالي مجانين"، بل وفق حسابات خاصة مبنية على طموحات إيران ورؤيتها لما قد يشكل تهديدا لها. وهنا يمكن القول إن أهم أولويات إيران في الوقت الحالي هي الحفاظ على وجود الجمهورية الإسلامية بشكلها الحالي (المحرر: نشر المقال قبل أزمة الانتخابات الرئاسية الإيرانية)، إذ تنظر طهران للولايات المتحدة باعتبارها تهديدا مباشرا لوجودها، ولمواجهة ذلك التهديد ابتكرت إستراتيجية تستند إلى دعامتين هما: الردع، والمنافسة في الشرق الأوسط.
ولردع أي عمل عسكري محتمل من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، فإن إيران تقوم بما يلي: تحسين قدراتها الانتقامية بتطوير وسائل تمكنها من خوض حرب محدودة غير متكافئة داخل البلاد وخارجها، وتحديث أسلحتها، وبناء نظام خاص للصواريخ والصواريخ المضادة، وتطوير برنامج نووي، وفي الوقت ذاته إثارة الشكوك حول حدود قدراتها في هذا السياق.
أما جهود طهران لتحييد مساعي الولايات المتحدة لاحتوائها، فتشمل تقويض المصالح الأمريكية في مقابل زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة التي تمتد من الخليج الفارسي إلى القوقاز ووسط آسيا. وعلى الرغم من أن إيران تحاول تتجنب أي مواجهة مع الولايات المتحدة، فهي تسعى في الوقت ذاته إلى منع واشنطن من تكوين جبهة ضدها، وهي في ذلك تستخدم مصادر النفط والغاز لديها كوسيلة لمكافأة أصدقائها.
ويمكن القول إن السياسة الخارجية الإيرانية اليوم تتمحور حول الولايات المتحدة مثلما كانت تتمحور حولها قبل ثورة 1979، إذ اعتمد الشاه محمد رضا بهلوي على واشنطن لتأمين وتوسيع نطاق نفوذه. أما اليوم، تستغل الجمهورية الإسلامية معاداة أمريكا لتحقيق الأمر ذاته.
وقد ظلت سياسة العداء للولايات المتحدة ثابتة على مر السنين، وهو يمكن إرجاعه جزئياً إلى أن تلك السياسة ترسم من قبل القائد الأعلى علي خامنئي. ولعل سياسة المواجهة التي تبنتها إيران قد قوضت مصالح البلاد الوطنية بشكل ما، لكنها في الوقت نفسه زادت من أسهم آيات الله الذين يحكمون البلاد، وساعدتهم على الاستمرار في الحكم على مدار ثلاثة عقود صاخبة.
اليوم، يشغل آية الله السيد علي خامنئي منصب الزعيم الأعلى، وهو الذي يتخذ كل القرارات السياسية الرئيسية في البلاد، وهو ما يتم عادة بعد تحقيق التوافق بين مراكز القوة الرئيسية في إيران (بما في ذلك الرئاسة)، الأمر الذي يعني أن نتيجة الانتخابات الرئاسية يكون لها تأثير (وإن محدودا) على سياسة إيران الخارجية. فعلى الرغم من أنه بإمكان الرئيس الإيراني تغيير الجوانب التكتيكية في سياسة البلاد الخارجية، إلا أنه لا يمكنه منفردا أن يغير جوهرها، فوحده خامنئي يستطيع ذلك، وفي حالة ما إذا كان هذا التغيير لن يضر بصلاحياته وإذا ما حظي ذلك التغيير بدعم مراكز القوى الرئيسية.
الذئب الجائع والخراف السمينة
ترجع جذور معاداة أمريكا في إيران إلى انقلاب 1953 ضد محمد مصدق الذي تم بدعم من المخابرات الأمريكية والبريطانية. وقد تكرس الشعور المعادي لأمريكا عندما عارض آية الله الخميني في 1964 معاهدة تمنح حصانة قانونية للمستشارين العسكريين الأمريكيين في إيران، معتبرا أن إيران أَصبحت "مستعمرة أمريكية".
وبحلول عام 1979، كان الثوريون يصورون الملك الإيراني بأنه "شاه أمريكا" وجعلوا الاستقلال عنهما شعارا لحركتهم. ومنذ واقعة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران في العام ذاته أصبحت معاداة أمريكا ملمحا رئيسيا من أيديولوجية الجمهورية الإسلامية. ومنذ ذلك الحين، ربط الزعماء الإيرانيين بقاء الثورة الإسلامية باستقلال إيران، مؤكدين أن الولايات المتحدة تناقض وترفض كلا الأمرين. وكان الخميني أكثر من تبنى هذه الرؤية بشكل واضح، إذ دعا الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر"، وقارن علاقة أمريكا مع إيران بالعلاقة بين ذئب جائع وخراف سمينة. وبمرور الوقت أصبحت معاداة أمريكا والمشاعر المعادية لإيران جانبان لنفس العملة.
وعلى مدار عقود، استعمل النظام الإيراني معاداة أمريكا ذريعة لسحق معارضيه في الداخل وتوسيع نفوذه في الخارج؛ فبعد 1979، اعتبر التواصل مع الولايات المتحدة مبررا للتشهير وسجن بل ونفي مئات الإيرانيين. وخلال حربه مع العراق في الثمانيات، اتجه النظام الإيراني إلى تقوية الشعور بالعداء عبر ادعاءات بأن الحكومة الأمريكية تحاول تنظيم الانقلابات العسكرية في طهران لمنع إيران من ربح الحرب.
وتتباين أسباب العداء لأمريكا في المؤسسات الإيرانية المختلفة، فهو يرجع في بعض هذه المؤسسات إلى أسباب أيديولوجية بحتة، في حين يرجع عداء مؤسسات أخرى لأسباب اقتصادية، فلدى البعض مصلحة حقيقية في منع تطبيع العلاقات بين طهران وواشنطن، وذلك لأنهم يربحون من الأسواق السوداء المحلية وطرق التجارة الدولية التي أسست للتحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
وكما كان الحال في عهد الخميني، لا يزال العداء لأمريكا سائدا في إيران الآن وبدعم من القائد الأعلى خامنئي، الذي لا يزال يرى أن الولايات المتحدة تشكل تهديدا وجوديا لبلاده؛ فالولايات المتحدة تحيط إيران بالقواعد العسكرية في البحرين والكويت وقطر، فضلا عن قواتها الكبيرة في أفغانستان والعراق وحاملات الطائرات النووية المجهزة التي تقوم بدوريات في الخليج الفارسي. كما أنها تسعى لعقد صداقات مع زعماء الدول المجاورة لإيران.
ويرى خامنئي أن الولايات المتحدة تعزل إيران، وتخنقها بالعقوبات الاقتصادية، وتسعى لتخريب برنامجها النووي، وتدق طبول الحرب الوقائية. كما يرى أن واشنطن تسعى لتغيير النظام في طهران بتمويل معارضيه، وتأجيج النزاعات بين الأقليات العرقية في إيران، فضلا عن دعم المنظمات الانفصالية مثل مجموعة جند الله السنية المتمردة، التي قتلت أعدادا كبيرة من أعضاء الحرس الثوري.
تفضيل الردع
ترد طهران على سياسة "الاحتواء" التي تتبعتها واشنطن بإستراتيجية "الردع". ولقد طورت طهران هذه الإستراتيجية أولاً ضد العراق بعد غزوه لها في عام 1980، وبعدما قل خطر العراق، أعادت توجيه هذه السياسة نحو الولايات المتحدة. واليوم، يعاد هذا المنظور نتيجة لكل من إدراك إيران لنقاط ضعفها وللقيود المفروضة عليها من قبل المجتمع الدولي.
وتتكون إستراتيجية الردع الإيرانية من مكونات أربع؛ أولها: تطوير القدرة الإيرانية على خوض حرب محدودة غير متكافئة داخل وخارج حدودها. ففي السنوات الأخيرة، لاسيما بعد تواجد القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق، لعب الحرس الثوري دورا مهما جدا في الحفاظ على النظام الداخلي، كما لعب دورا في تحسين قدرات إيران الانتقامية في حالة تعرضها لغزو أَو لضربات جوية ضد مؤسساتها النووية أَو مقراها الأمنية. ويعد دعم إيران لبعض الجماعات الإرهابية التي تستهدف مصالح أمريكية في منطقة الشرق الأوسط جزءا من إستراتيجية إيران في هذا الصدد. وعلى سبيل المثال في عام 1983، وخلال الحرب الأهلية في لبنان، قامت جماعة ذات علاقة بحزب الله المدعوم إيرانيا بقتل 220 فردا من جنود البحرية الأمريكية.
المكون الثاني لإستراتيجية الردع الإيرانية، هو تحديث نظم الأسلحة. وقد أسهمت عقود الحظر الغربي على إيران في محدودية قدرة الأخيرة على الوصول لأسلحة متقدمة، إذ اضطرت إيران لشراء إمدادات محدودة من الأسلحة، وبين عامي 2002 و2006 أنفقت إيران 31 مليار دولار على التسليح، في مقابل 109 مليار دولار للسعودية و48 مليار للبحرين والكويت وعمان والإمارات. لكن هذه العقوبات أدت أيضا إلى تطوير صناعة عسكرية تحت سيطرة وتمويل الدولة الإيرانية ذاتها، وهو ما يوفر فرص عمل للآلاف، كما أنها على صلة بالجامعات الكبرى وبيوت الخبرة الرئيسية، والأهم أنها المسئولة عن البحث وتطوير نظم الصواريخ والتقنيات النووية الإيرانية.
وبالنسبة للدعامة الثالثة لإستراتيجية الردع الإيرانية، فهي تطوير نظام الصواريخ والصواريخ المضادة. بدأت طهران ببناء نظام الصواريخ الخاص بها أثناء الحرب مع العراق وعجلت برنامجها بعد "حرب المدن" في 1988، عندما أمطرت كلا الدولتين المدن الأخرى بالقذائف. وقد استعانت إيران بمساعدة تقنية من الصين وروسيا لتطوير تقنية صواريخها. وتقوم إيران الآن بتصنيع معظم احتياجاتها من الصواريخ، وتدعي أن نوعين من هذه الصواريخ (شهاب- قدر) يمكن أَن يصل مداهما لإسرائيل. وعلى الرغم من أن هذه الصواريخ معروفة بعدم دقتها وقدرتها الهجومية المحدودة، إلا أنها تعطي إيران القوة للرد على الهجمات، خصوصاً في الخليج الفارسي.
ويأتي البرنامج النووي الإيراني كرابع مكونات الإستراتيجية الإيرانية، حيث تدعي الحكومة الإيرانية أن برنامجها النووي ذو أغراض سلمية، في حين يتهم الغرب إيران بامتلاك برنامج سري لتصنيع قنبلة نووية. ولا يمكن التثبت من صحة أي من الادعاءين حتى الآن. وعلى الرغم من العقوبات الدولية، فإن إيران لا توقف نشاطها النووي، وهو ما يمكن إرجاعه لعدد من الأسباب، فمن خلال الإصرار على أن البرنامج النووي الإيراني مهم جدا لاحتياجات البلاد من الطاقة تمكنت إيران من تحويل المعارضة الأمريكية للبرنامج إلى قضية وطنية. ومن ناحية أخرى تعطي الورقة النووية قوة هائلة لموقف إيران التفاوضي خلال أي مفاوضات مستقبلية. ولعل هذا هو الدافع الرئيسي وراء توجه زعماء إيران لزرع الشكوك حول القدرات الفعلية للبلاد في هذا السياق.
الاحتواء المضاد
سعت الولايات المتحدة على مدار عقود ثلاثة إلى احتواء إيران وفرضت عليها العديد من العقوبات لتحقيق ذلك، ومن جانبها حاولت إيران التغلب على ذلك الوضع من خلال تحركات قياداتها لبناء التحالفات وتأكيد نفوذها على المستويين الإقليمي والعالمي.
أولا حاولت إيران خلق تصدع بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، حيث يعتقد الزعماء الإيرانيون بأن التجارة المتزايدة مع الاتحاد الأوروبي ستسمح لهم باستغلال الاختلافات بين أعضاء الاتحاد الـ27، وإعاقة الاتحاد عن دعم الاحتواء الكلي لإيران، أَو أي هجوم عسكري ضدها. ولكن على الجانب الآخر، فإن قيام فرنسا وألمانيا وبريطانيا بالموافقة على إحالة ملف إيران النووي من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 2005 أثبت وجود قيود على السياسة الإيرانية في هذا الصدد، إذ شكل هذا التحرك من قبل القوى الأوروبية الرئيسية لترويض طموحات إيران النووية هزيمة لطهران ونصرا واضحا لواشنطن.
أما ثاني مكونات إستراتيجية إيران لتحجيم سياسة واشنطن لاحتوائها، تتمثل في التحرك باتجاه الدول التي بإمكانها موازنة قوة الولايات المتحدة، إذ وقعت إيران اتفاقيات اقتصادية وعسكرية رئيسية مع الصين وروسيا، باعتبار هذين البلدين حليفين طبيعيين لها بسبب معارضتهما للأحادية الأمريكية. لكن حقيقة دعم البلدين لعقوبات الأمم المتحدة على طهران تثبت أنهما تحت الضغط سوف يميلان باتجاه واشنطن أكثر من طهران.
وتتمثل ثالث مكونات إستراتيجية إيران للاحتواء في استخدام مصادر النفط لديها لمكافأة حلفائها، إذ تعتمد إيران (أغنى دول العالم نفطيا) على ما يمكن تسميته دبلوماسية النفط منذ رئاسة رافسنجاني لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، إلا أن معارضة الكونجرس وجماعات الضغط الأمريكية حالت دون نجاح جهود إيران في هذا الصدد. بل إن إدارة بيل كلينتون أصدرت قرارا يفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تتعدى استثماراتها في قطاع النفط الإيراني 20 مليون دولا، ونتيجة لذلك حولت إيران تجارتها النفطية من الغرب إلى أسواق جديدة تتضمن اليابان، والصين، والهند، وكوريا الجنوبية. كما اتجهت طهران مؤخرا لاستعمال اليورو في تبادلاتها الدولية، على نحو أضعف الدولار. ولكن في الوقت ذاته أدت العقوبات على طهران إلى عدم تطوير صناعة النفط لديها بشكل كاف، ومن ثم يمكن القول إن العقوبات على طهران كانت سببا في خسائر اقتصادية واضحة لكل من إيران وأمريكا على السواء.
تصاعد قوة إيران الإقليمية
بعد ثلاثة عقود من سياسة الاحتواء التي اتبعتها واشنطن، برزت إيران كقوة إقليمية، إذ سمح انهيار الاتحاد السوفيتي لطهران بتوسيع نفوذها في الجمهوريات السوفيتية السابقة. وبعد ذلك ساعدت الولايات المتحدة إيران في توسيع نفوذها من خلال إسقاط نظامي طالبان وصدام حسين المعاديين لإيران، وأخفقت واشنطن في تنشيط عملية السلام العربية الإسرائيلية، فضلا عن مشكلات إدارة احتلال العراق. ومن ثم أصبح نفوذ إيران يمتد للمرة الأولى غربا وشمالا وشرقا حتى أن إيران تعتبر نفسها الآن لاعبا إقليميا لا غنى عنه.
ومن أهم عناصر إستراتيجية إيران لتحييد سياسة الاحتواء الأمريكية، خلق دوائر للنفوذ الإيراني في سوريا ولبنان وبين الفلسطينيين وكذلك في أفغانستان والعراق، وذلك عبر مساندة المنظمات والشبكات الموالية لها، فضلا عن دعم ما يعرف بجبهة الممانعة في الصراع العربي الإسرائيلي. وفي البداية كان دعم إيران لحزب الله والفلسطينيين على أساس أيديولوجي، أما الآن فهو يتم لأسباب إستراتيجية، إذ يعطي طهران عمقا إستراتيجيا في قلب العالم العربي السني، وفي الفناء الخلفي لإسرائيل.
ويلاحظ أن طهران على مدار قرون طويلة كانت غالبا ما تستغل نفوذها في صالح الشيعة، إلا أنها تتجه الآن وعلى نحو متزايد لتجاوز هذا التقسيم الطائفي، عبر دعم المجموعات السنية مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيين، الأمر الذي نتج عنه تقويض المكانة الإقليمية للدول السنية القوية كمصر والسعودية، سيما وأن النفوذ الإيراني في هذا الصدد لا يرجع إلى دعمها المادي فقط وإنما بسبب دعمها لنموذج المقاومة إذ ساعدت إيران حزب الله في تطوير نهجا يمزج بين التضامن الإسلامي، والشعبوية، وبعض ملامح الديمقراطية، والانضباط التنظيمي الصارم، والدعم الاقتصادي والاجتماعي الشامل للجماهير، فضلا عن مشاعر المعاداة للاستعمار وللغرب.
وقد ظهرت فعالية ذلك النموذج أثناء حرب الأيام الـ 34 التي خاضها حزب الله مع إسرائيل في 2006، إذ رفعت هذه الحرب من شعبية حزب الله في العديد من البلدان السنية، وأعطت إيران مصداقية أكثر في المنطقة، وقوضت مصداقية حلفاء واشنطن التقليديين (مصر والسعودية) والذين لم يدعموا حزب الله؛ الأمر الذي يغري طهران بالاعتقاد في أن نظاما جديدا يتكون الآن في الشرق الأوسط حيث تفقد الولايات المتحدة هيمنتها، وتلعب إيران دورا رئيسيا.
أين تكمن المشاكل؟
وبينما يظهر الخلاف بين أمريكا وإيران في المنطقة السابقة، تظهر الطبيعة المعقدة للعلاقة الإيرانية الأمريكية في أفغانستان والعراق، حيث تتقاطع وتتباين مصالح الجانبين بشكل واضح.
ففي أفغانستان، وعلى مدار التسعينات، ساعدت باكستان والسعودية حكومة طالبان التي تدعم القاعدة، في حين اتجهت طهران لخلق مجال المقاومة في أفغانستان عبر دعم تحالف الشمال في جهوده لتفكيك طالبان. وتجدر الإشارة إلى أن تحالف الشمال تعاون مع قوات الغزو الأمريكية في 2001 للقضاء على طالبان. بعبارة أخرى، دعمت طهران الحكومة الأمريكية بشكل فعال وصل إلى حد تزويدها بمعلومات استخباراتية للتخلص من طالبان. كما استمرت طهران في سياستها تجاه أفغانستان على الرغم من إدراجها من قبل إدارة بوش في "محور الشر"، بل وحافظت كذلك على علاقات جيدة بالرئيس الأفغاني حامد كرزاي الموالي لواشنطن.
ولا يزال التقاطع في المصالح الأمريكية والإيرانية في أفغانستان قائما؛ فكلاهما يريد إبقاء البلاد في حالة مستقرة ومنع عودة طالبان. وكلاهما يريد السيطرة على تهريب المخدرات التي تعد الدعامة الاقتصادية الرئيسية للإرهابيين وأمراء الحرب بالمنطقة، وكلاهما يريد هزيمة القاعدة (التي تعتبر الشيعية بدعة)، وكلاهما يريد إعادة أعمار أفغانستان في النهاية.
ولعل تدخل إيران الكثيف في عملية إعادة إعمار أفغانستان قد سمح لها بالسيطرة الاقتصادية في منطقة هرات، إحدى أكثر المناطق الناجحة في البلاد. كما تسعى إيران لأن تصبح المحور الأساسي لعبور السلع والخدمات بين الخليج الفارسي وأفغانستان وآسيا الوسطى، ومن المحتمل أيضا الصين. إلا أن هذا المسعى من قبل إيران يضعها في مواجهة الولايات المتحدة بشكل ما، إذ تتعارض هذه الطموحات الإيرانية مثلا مع إنشاء قواعد أمريكية دائمة في أفغانستان.
أما في العراق، فقد حاولت الولايات المتحدة وإيران الوصول لحالة أفضل من التوازن إلا أنهما لم تحققان نجاحا كبيرا، إذ أصبح العراق محطة مركزية للتنافس بينهما. وعلى الرغم من وجود أهداف مشتركة بين الجانبين، إلا أن نقاط التباين زادت من اختلافهما، إذ تكمن الأولوية الإستراتيجية لإيران في العراق في تأسيس حكومة صديقة (يفضل شيعية) تكون قوية بما فيه الكفاية لفرض النظام، لكنها ليست قوية على نحو يجعلها تشكل تهديدا أمنيا لإيران. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إيران كانت أولى دول المنطقة التي اعترفت بحكومة ما بعد صدام حسين الذي كان عدوا لدودا لها.
وفيما يخص العراق أيضا، تتفق طهران وواشنطن على معارضة بلقنة العراق، فمثل هذا التقسيم يمكن أَن يحرض حركات انفصالية بين الجماعات العرقية المتعددة بين سكان إيران. كما يتفق الجانبان في اعتبار أن تنظيم القاعدة في العراق يعد عدوا تجب إزالته.
وتبدو إيران متحمسة للمشاركة في إعادة إعمار العراق لخلق دائرة نفوذ اقتصادية في البلاد، خصوصاً في الجنوب الشيعي، إذ تبدو طهران مقتنعة بأن تواجدها هناك سوف يمكنها من خلق دولة داخل الدولة كما هو الحال في جنوب لبنان.
ويبدو كذلك أن طهران مصممة على منع واشنطن من إحراز نصر واضح في العراق، فقد أمدت طهران المتمردين الشيعة في العراق بالأسلحة التي استخدموها ضد القوات الأمريكية أثناء العنف الطائفي ما بين 2004 و2007، كما تعارض طهران إنشاء قواعد أمريكية دائمة في العراق خوفا من استخدامها لمهاجمة إيران.
ومن الواضح أن إيران تتصرف بشكل مؤذِ فقط عندما يكون هناك خطرا يهدد أمنها، إذ انخفضت معدلات العنف في العراق بعد بدء المفاوضات الأمنية بين واشنطن وطهران وتغيير واشنطن لإستراتيجيتها، بل إن إيران لعبت دورا في تحقيق الاستقرار في العراق من خلال الضغط على حلفائها للامتناع عن العنف.
الاشتباك الكامل
لا تعد معاداة أمريكا عقبة منيعة تحول دون تطبيع العلاقات بين طهران وواشنطن. فمن ناحية أولى، تفضل النخبة الإيرانية (والتي تنقسم إلى جناحين متنافسين) تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، فإن أكثر الزعماء الإيرانيين جمودا أيديولوجيا يفضلون نهجا رشيدا يعتمد على حسابات المكسب والخسارة (التكلفة والعائد) في اتخاذ القرارات، والدليل على ذلك أن الخميني لم يتردد في التعامل سرا مع تل أبيب وواشنطن عندما احتاجت بلاده لأسلحة متقدمة أثناء الحرب العراقية الإيرانية.
وعلى الرغم من معارضتها وجود القوات الأمريكية في المنطقة، ظلت طهران محايدة خلال حرب الخليج عام 1991، إذ اعتبرت ذلك فرصة لإضعاف عدوها اللدود صدام حسين وتحسين علاقاتها بالغرب. كما أن الحرس الثوري أكثر الجماعات تشددا أيديولوجيا في القوات المسلحة الإيرانية ساعد القوات الأمريكية في إسقاط طالبان في عام 2001.
ويمكن القول إن السياسة الإيرانية نحو الولايات المتحدة لها منطق ما، وهذا المنطق ليس نتاج فكر فئة بعينها ولا يدور حول قضية وحيدة، لكنه نتاج نظام مستقر ومؤسس على كل من الاستبداد والديمقراطية، كما يضع في اعتباره الأبعاد المحلية والتحالفات الدولية طويلة المدى.
هذا المنطق هو الذي جعل إيران قوة إقليمية قادرة على التأثير في أفغانستان، والعراق، ولبنان، والأراضي الفلسطينية، إلى جانب تأثيرها في ملايين المسلمين حول العالم. وهو الذي مكنها كذلك من تحقيق تقدم في الحرب غير المتكافئة فضلا عن تطوير التقنيات النووية، وتخصيب اليورانيوم، وتقنيات القمر الصناعي والصواريخ على الرغم من الضغط الدولية عليها.
وما لم تدرك واشنطن أن سياسة طهران تجاهها يحكمها هذا المنطق؛ فلن تتمكن من تطوير إستراتيجية معقولة إزائها، إذ أن غزو إيران ليس خيارا مجديا ولا الضربات الجوية ضد منشآتها النووية، حيث سيؤدي ذلك غالبا إلى قيام إيران بردود فعل انتقامية.
وعليه، يتمثل التحدي الأساسي أمام واشنطن في إعطاء حوافز لإيران لكي تقوم بإعادة تقييم إستراتيجيتها نحوها، ومن غير المحتمل أن تجدي سياسة العصا والجزرة واشنطن نفعا في هذا الصدد. كما أنه من غير المتوقع أن يفيد نهج دعم الديمقراطية، فمن المضلل الافتراض بأنه من الممكن استيراد أو فرض الديمقراطية على إيران، أو حتى الافتراض بأن إيران الديمقراطية سوف لن تكون لها طموحات نووية أو مشاكل مع واشنطن.
ولعل الإستراتيجية المثلى في هذا السياق هي الاشتباك الكامل، المبني على التزايد التدريجي في التبادل الاقتصادي والثقافي والتعليمي بين البلدين؛ واستغلال القواسم المشتركة بينهما، وإقامة آليات مؤسسية لإدارة الاختلافات بين الجانبين. يجب أن تدرك واشنطن أنه لا توجد عصا سحرية دبلوماسية لحل "المشكلة الإيرانية"، وأن تطبيع العلاقات بين الطرفين لن يتم إلا بقرار إستراتيجي من الجانبين.
كخطوة أولى، يجب أَن تهدئ واشنطن المخاوف الإيرانية بشأن الرغبة الأمريكية في تغيير النظام في طهران، ويمكن أَن يتم ذلك عبر الاعتراف الواضح بأن خامنئي هو مركز الثقل في عملية اتخاذ القرار في إيران والبدء بتأسيس خط اتصال بمكتبه، فضلا عن عقد مفاوضات مباشرة وشاملة وغير مشروطة مع الحكومة الإيرانية.
وفي الوقت ذاته، يجب أن تقوم واشنطن بطمأنة إسرائيل وحلفائها العرب بأن التقارب مع طهران لا يعني أن تلك الدول لن تكون في قلب الأجندة الأمريكية في المنطقة. وعلى إدارة أوباما عند مراجعة خياراتها بشأن إيران، أن تضع في اعتبارها جهود الرئيس ريتشارد نيكسون لإعادة الصين للمجتمع الدولي، إذ استغرق الأمر تقريباً ثماني سنوات فقط بعد الزيارة السرية لهنري كيسنجر إلى بكين في عام 1971 قبل أن تتم إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، في ذلك الوقت لم تتجه واشنطن لمعاقبة الصين على سياساتها في الماضي، بل أعطتها سببا لاتخاذ توجهات أفضل في المستقبل. ويمكن لواشنطن أن تفعل الشيء ذاته مع طهران اليوم عبر التأكيد على المصالح المشتركة بين الحكومتين لاسيما فيما يتعلق بالقضاء على تنظيم القاعدة وتحقيق الاستقرار في أفغانستان والعراق.
أستاذ العلوم السياسية بقسم الحكومة والشئون الدولية- جامعة جنوب فلوريدا- تامبا.
*موجز لدراسة تحت عنوان "إدراك إيران.. فهم السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة" ، نشرت على موقع مجلة "شئون خارجية"، عدد يوليو 2009.
|