|
| البشير وسلفاكير |
انتهت أحدث جولة حوار بين حزب "المؤتمر الوطني" الحاكم في السودان وحزب "الحركة الشعبية" المهيمن على الجنوب، والتي عقدت في واشنطن يوم 23 يونيو 2009 بالفشل، ودون التوصل لاتفاق بين "شريكي الحكم" حول أهم نقطتي خلاف، وهما "تعداد السكان" الذي سيجري علي أساسه انتخابات برلمان فبراير 2009، و"ترسيم الحدود" بين الشمال والجنوب التي بموجبها سيتم تحديد نصيب كل طرف من عوائد النفط، وربما حدود دولة الجنوب في حالة الانفصال.
هذا الفشل دفع الوسيط الأمريكي لترتيب لقاءين آخرين في يوليو وأغسطس بين "الخصمين" في الخرطوم وجوبا عاصمة الجنوب على التوالي، أملاً في حل نقاط الخلاف المتبقية، بيد أن الخلاف الحقيقي بين الطرفين يتمثل في عدم الثقة وتصاعد حملات الهجوم بين أنصار الفريقين لحد الحديث عن احتمالات عودة الحرب بين الشمال والجنوب وبين الجنوبيين أنفسهم، بصورة قد لا تؤدي لانفصال الجنوب فقط، بل وتفتت هذا الجنوب إلى أقاليم متنازعة بين القبائل الجنوبية –المتحاربة حاليا- على أسس قبلية.
تعداد السكان.. ذهول جنوبي!
والحقيقة أن مشكلة التعداد السكاني انتهت من الوجهة القانونية والسياسية بعدما اعتمدت نتيجتها رسميا يوم 6 مايو الماضي 2009 "مؤسسة الرئاسة" المكونة من الرئيس البشير ونائبيه الفريق سلفاكير وعلي عثمان محمد طه، وهذا ما نص عليه قانون الإحصاء المأخوذ من الدستور الانتقالي سنة 2005 والدستور الانتقالي نفسه مأخوذ من اتفاقية سلام نيفاشا؛ ولذلك فإن اعتراض الجنوبيين على نتيجة الاستفتاء بعد قبوله رسميا ووصفه بأنه مزور يثير مشكلات وتساؤلات عن سر تراجع الجنوبيين عن قبول نتائج التعداد.
فقد أكد مجلس الإحصاء الرسمي أن عدد سكان السودان يبلغ 39.15 مليونا (نسبة الشماليين 76،8% مقابل 21،9% للجنوب)، وجاءت ولاية الخرطوم في المرتبة الاولى (5 ملايين و274 ألف منهم 250 ألف جنوبي فقط)، تليها ولاية جنوب دارفور، والجزيرة وشمال دارفور، فيما بلغ سكان الجنوب 8.2 ملايين نسمة (حوالي 21%)، في حين كان الجنوبيون يتوقعون أن تكون نسبتهم في الجنوب 15 مليونا (أي أكثر من ثلث عدد السكان) بل وهددوا بعدم قبول التعداد ما لم يكن تعداد الجنوب 15 مليونا!.
وقد أثارت هذه النتائج ما يشبه الصدمة والذهول لدى قيادات الحركة الشعبية الجنوبية لأنها ستحرم قيادات الحركة والجنوب عموما من امتيازات مالية ومناصب سياسية؛ فتقسيمات السلطة والثروة في اتفاقية نيفاشا جرت على افتراض أن الجنوب يمثل ثلث (33%) تعداد السكان، وبالتالي أسند لوزراء الجنوب نسبة 33% من مقاعد الحكومة والبرلمان وحصل الجنوب على 50% من عوائد النفط. ولو جرى اعتماد نتائج هذا التعداد السكاني الجديد –الذي حدد نسبة الجنوبيين بـ 21% فقط - في انتخابات 2009 البرلمانية والرئاسية؛ فلن يكون من حق الجنوبيين سوى خمس المقاعد في الحكومة المقبلة لا الثلث وقد يتقلص حق الجنوب من عائدات النفط.
وقد لخص "أزايا شول" رئيس مفوضية الإحصاء والتقويم بجنوب السودان أضرار قبولهم بالتعداد بقوله: "إذا تمت الموافقة على نتيجة التعداد كما جاء في إعلان رئيس مجلس الإحصاء أخيرا، فإن النتيجة ستبني عقبات حقيقية أمام جنوب السودان من ناحية التنمية".
والحقيقية، كما يقول الباحث الجنوبي "بيتر قاتكوث وانجانق"، أن هناك أسباب منطقية وراء قلة تعداد عدد سكان الجنوب الذي تفاجأت به الحركة الشعبية بعد ظهور نتائج الاستفتاء منها: الحروب في الجنوب وخصوصا بين الحركة الشعبية وخصومها الجنوبيين (لا صراعها مع الشمال فقط)؛ مما أدى إلى فقدان ما يقارب ٥ ملايين جنوبي منذ عام 1983 حتى الآن وتشريد وتهجير عدد كبير من أبناء الجنوب إلى البلاد الأجنبية المجاورة، وهجرة المسلمين من أبناء الجنوب وأبناء الشمال التجار من الجنوب إلى الشمال هرباً من الموت والنهب، وفشل الحركة في برنامج إعادة الجنوبيين من المهاجر إلى الجنوب منذ توقيع اتفاقية السلام عام 2005.
وخطورة هذا الرفض من جانب الحركة الشعبية لنتائج التعداد بعد قبولها به أنه عطل كل إجراءات تحديد الدوائر الانتخابية استعدادا لانتخابات البرلمان التي تأجلت من يوليو 2009 إلى فبراير 2010، كما أنه سيعطل كل مسيرة السلام بين الطرفين؛ مما يجعل كل خطوات تنفيذ اتفاقية نيفاشا معطلة، ويقرب بالتالي موعد الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب (انفصالا أو وحدة) في عام 2011!.
وربما لهذا اتهم البروفيسور إبراهيم غندور رئيس لجنة الانتخابات بالمؤتمر الوطني الحركة الشعبية بأنها غير راغبة في قيام الانتخابات، واتهمها بـ "وضع العراقيل أمام التحول الديمقراطي، وبحثها عن الأعذار التي تحول دون إجراء الانتخابات".
وزاد هذه الشكوك من جانب الخرطوم أن الحركة الشعبية عرضت على الحزب الحاكم حلولا غير منطقية والتفافية، مثل دعوة الخرطوم تارةً لاعتماد نتيجة تعداد 2003 بدلا من تعداد 2009 الأخير لأنه حدد تعداد الجنوب بنسبة أعلى، ودعوة الخرطوم تارةً أخرى لاعتماد نسبة (الثلث) كرقم محدد لعدد الجنوبيين في السودان في الانتخابات المقبلة، والهدف هو الإبقاء على مكاسب الجنوب التي جناها بدون وجه حق من اتفاقية نيفاشا ماديا وسلطويا.
توترات وتهديدات بالحرب!
وما زاد الأزمة بين الشمال والجنوب سخونة وجعل أجواء السلام محتقنة وغير فعالة أن هناك عصبية زائدة وحساسية في سلوك الطرفين تجاه الآخر، خصوصا الحركة الشعبية الجنوبية بعد غياب الرمز الكاريزما (جون قرنق)، والتي لم تكتف برفضها نتائج تعداد السكان، لكنها هددت –على لسان رموزها- بشن حرب على الحكومة السودانية ما لم تنفذ ما تطلبه الحركة، بل ووصل الأمر في الأسابيع الأخيرة لاتهام الحركة الشعبية لحكومة الخرطوم والحزب "الوطني" الحاكم بدعم قوى جنوبية قبلية مناهضة للحركة الشعبية في الجنوب بالسلاح بهدف خلق حرب أهلية في الجنوب والتأثير على حق تقرير المصير، حتى أن بعض قادتها قال إنه "شاهد بنفسه الطائرات الحكومية تلقي السلح لجيش الرب الأوغندي والقبائل الجنوبية التي تعادي الحركة الشعبية".
وزاد من هذا التوتر الخلاف حول قضايا مصيرية مثل قضايا: التدخل الأجنبي في درافور (الذي أيدته الحركة الجنوبية)، وطلب المحكمة الجنائية الدولية -التي أيدت الحركة الشعبية التعامل معها- محاكمة الرئيس البشير، إلى حد بلغ مطالبة قادة جنوبيين البشير بتسليم نفسه للمحكمة الجنائية.
ويرى شماليون أن سلسلة الاتهامات التي وجهها رئيس المحكمة الجنائية الدولية إلى الرئيس السوداني عمر البشير وبعض المسئولين المقربين منه كان أحد أهدافها التأثير في نتيجة الانتخابات المقبلة بإزاحة البشير لترك المجال مفتوحا أمام الجنوبيين للفوز بالانتخابات والسيطرة على جنوب البلاد وشماله.
أيضا تصاعدت الخلافات بصورة أكبر بعدما اشتكى الحزب الحاكم في الشمال من التضييق عليه في الجنوب، واشتكت الحركة الشعبية الجنوبية من تدخل الخرطوم بمد "متمردين" جنوبيين بالسلاح لضرب الاستقرار في الجنوب وعدم إعطاء الحركة الشعبية فرصة السيطرة على الجنوب؛ فالرئيس السوداني عمر البشير اتهم الحركة الشعبية ضمنا يوم 31 مايو الماضي باحتكار العمل في الجنوب والتضييق على حزب المؤتمر الحاكم، واتهمت الحركة الخرطوم بالسعي لخلخلة حكمها في الجنوب بدعم خصومها.
ورد البشير بالتهديد باتباع حق المعاملة بالمثل للحركة الشعبية، أي منع نشاطها الحزبي في الخرطوم، إذا ما استمرت في سياساتها في غلق الجنوب في وجه القوى السياسية بجنوب السودان في ذات الوقت الذي تأخذ حريتها فيه بالشمال، مؤكدا أن "المعاملة ستكون بالمثل.. العين بالعين والسن بالسن".
تقسيم الحدود
والقضية الثانية، والأخطر على مستقبل السلام بين الشمال والجنوب، هي قضية ترسيم الحدود؛ فالحدود الحالية بين الشمال والجنوب هي الحدود التي وضعها المستعمر الإنجليزي، والمعروفة بحدود عام 1956، أي الحدود التي تركها الإنجليز حين خرجوا من السودان في هذا العام.
وقد أقر اتفاق السلام الموقع عام 2005 بإعادة ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، قبل إجراء الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان (الوحدة أو الانفصال) في عام 2011، حسب الاتفاق. وجرى تشكيل مفوضية تضم الطرفين لترسيم الحدود، وانبثقت عنها لجنة فنية مشتركة لترسيم الحدود من المفترض أن تنهي عملها في ديسمبر المقبل، ولكن حتى الآن لا يزال الحذر والغموض والبطء يصاحب عمل المفوضية، وتشير تسريبات إلى أن هناك نحو 7 مواقع خلافية بين الطرفين على طول الحدود.
وأكثر نقطة عليها خلافات هي بلدة "أبيي" الحدودية بين الشمال والجنوب، حيث يطالب كل من شمال السودان وجنوبه بأجزاء كبيرة من هذه المنطقة التي تضم حقولا نفطية وخط أنابيب رئيسي، وقد اشتبكت قواتهما هناك منذ اتفاق عام 2005 عدة مرات. ومن المقرر أن تصدر محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي حكماً في هذا النزاع تحديداً في وقت قريب، وهناك خطورة في أن يترتب على هذا الحكم اضطرابات سواء من الجنوبيين لو صدر الحكم لصالح الشمال والعكس.
هناك بالتالي مخاوف لو حكم بضم الأقليم (أبيي) للشمال أن يرفض الجنوبيون نتيجة الترسيم كما رفضوا نتيجة التعداد السكاني، وهناك أيضا مخاوف مماثلة أن يرفض الشماليون النتائج لو جاءت لصالح الجنوب، والخوف الأكبر هو من تجدد الاشتباكات بين قبائل الدينكا بور الإفريقية في المنطقة وقبائل المساليت (العربية) هناك.
ويتساءل الخبراء السودانيون حول من يضمن تنفيذ حكم محكمة لاهاي عندما يصدر، مؤكدين أن الثقة وحدها والرغبة في العيش المشترك هي من سيحكم المسألة ككل، كما أن استفتاء تقرير المصير كان من الممكن أن يحكم مصير أبيي أيضا.
وبرغم أن هاتين المشكلتين (التعداد وترسيم الحدود) تشكلان حربتين في قلب سلام السودان، فلا يجب أن ننسى أن هناك مشكلات أخرى ما تزال معلقة بين شريكي الحكم أخطرها صراع دارفور نفسه وخلافات الطرفين في كيفية معالجته، فضلا عن قوانين التحول الديمقراطي التي تصل لقرابة 65 قانوناً من بينها قانون جهاز الأمن السوداني، والنقابات. ويضاف لذلك الخلاف حول منطقتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق اللتين جرى الاتفاق حولهما في نيفاشا عبر بروتوكول منفصل يحمل اسم المنطقتين، إذ لا تزال هناك مشكلات تتعلق بهما ويمكن أن تؤدي أيضا لحرب بين الشمال والجنوب.
مفتاح حل مشاكل السلام في السودان هو بالتالي الثقة التي كانت هي العنوان الأول في تسوية نيفاشا عام 2005 حينما جرى الحديث عن "جعل خيار الوحدة جاذبا"، فإذا بنا نجد العكس بعد أربع سنوات من الاتفاقية وأن "خيار الانفصال" من جانب قيادات الحركة الشعبية هو الأكثر جاذبية!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|