English

 

السبت. يونيو. 27, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » عمليات التسوية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

خطاب مشعل.. واقعية سياسية محكومة بالثوابت

محمد جمعة

Image
خالد مشعل
مثلما كان متوقعا، لم يأت خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس بجديد في خطابه الذي ألقاه مساء الخميس (25 يونيو الجاري) من العاصمة السورية دمشق, سواء لجهة القضايا التي اشتمل عليها الخطاب, أو لجهة مواقف الحركة إزاء تلك القضايا.

إذ لم يكن متوقعا أن يبدى مشعل مرونة مبالغا فيها في ظل الموقف الإسرائيلي المتشدد، الذي عبر عنه نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطابه الأخير في جامعة "بار إيلان", وترحيب إدارة أوباما بذلك الخطاب, الأمر الذي أثار العديد من الشكوك حول قدرة واشنطن على الضغط على تل أبيب.

 
تضمن خطاب مشعل ثلاثة محاور رئيسية أولها: توجيه رسالة إلى الرئيس أوباما تنطوي على الرغبة في فتح صفحة للحوار على قاعدة احترام الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني وإنهاء الحصار. وهو ما عبر عنه مشعل بالقول "إننا نقدر لغة أوباما الجديدة تجاه حماس, وهي خطوة أولى في الاتجاه الصحيح نحو الحوار المباشر بلا شروط"، مضيفا أن "التعامل مع حماس يجب أن يكون على أساس احترام إرادة الشعب الفلسطيني واختياره الديمقراطي وليس من خلال فرض الشروط كشروط الرباعية".

وثانيهما: الرد على خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل غير مختلف عليه في الساحة الفلسطينية وبما ينسجم مع مواقف جميع القوى والفصائل الفلسطينية بما فيها حركة فتح.

وثالثهما: حول الحوار الوطني الفلسطيني من خلال وضع محددات المصالحة الفلسطينية.

ضمن هذه المحاور الثلاث جاءت رسائل مشعل لتحمل معاني مزدوجة تجمع بين النوايا الطيبة والأيدي الممدودة والمواقف الإيجابية، كون الحركة مستعدة لأن تكون جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة (إن تلقفت الأطراف الدولية والإقليمية رسائلها واعترفت بوجودها, وكف الجميع عن نبذها وإقصائها)، وبين التأكيد على حق المقاومة والاستعداد لممارستها بما في ذلك المقاومة العسكرية, بل والذهاب إلى أبعد من ذلك بقلب الطاولة على رؤوس الجميع إن أصرت تلك الأطراف على محاصرتها وحشرها في الزاوية, وتعاطت معها وفق منطق "البحر من أمامكم والعدو من خلفكم".

مشعل وأوباما

على صعيد إدارة أوباما والحراك السياسي الذي تبديه واشنطن في الآونة الأخيرة, لم يتوان مشعل عن توجيه رسائل "إيجابية"، فتحدث عن اللغة الجديدة في خطاب أوباما, لكنه دعا إلى تحويل الكلام إلى أفعال, والنوايا الطيبة إلى سياسات. ولم تفت مشعل الإشارة إلى التعهد بعدم عرقلة قيام دولة فلسطينية على الأرض المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس, من خلال قوله بأن "البرنامج الذي يمثل الحد الأدنى لشعبنا وقبلناه في وثيقة الوفاق الوطني كبرنامج سياسي مشترك لمجمل القوى الفلسطينية هو قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس ذات سيادة كاملة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967 بعد انسحاب قوات الاحتلال وإزالة جميع المستوطنات منها, وإنجاز حق العودة".

وفي ذلك رسالة إلى إدارة أوباما, أو محاولة رد التحية بمثلها وعلى قدرها. فالرئيس الأمريكي  في خطاب القاهرة لم يربط حماس بالإرهاب, وقال إنها تمثل جزءا من الشعب الفلسطيني, ودعاها إلى تحمل مسئولياتها في تلبية تطلعات الشعب الفلسطيني واستعادة وحدته. وهو موقف، وإن كان غير كاف من وجهة نظر حماس ووجهة نظر الكثيرين غيرها, إلا أنه يمكن أن يؤسس لبداية حوار وأن يفتح صفحة جديدة. ولهذا جاء رد فعل مشعل مساويا في المقدار, ومتسقا مع الاتجاه الذي ذهب إليه أوباما.

وفي السياق ذاته, حرص مشعل على عدم رفض شروط الرباعية بشكل صريح, وإن كان قد رفضها ضمنيا (يفهم هذا من سياق ومجمل الخطاب), لإدراكه بأن ذلك معناه البقاء في نفس الدائرة, حيث صعوبة كسر الحصار وتأجيل العملية السياسية، وتركيز الضغط على الفلسطينيين كأنهم الطرف الذي يرفض إنهاء الاحتلال وليس حكومات إسرائيل المتعاقبة.

ولكنه في الوقت ذاته لم يسعه الموافقة على تلك الشروط، ليس لأسباب أيديولوجية فقط، وإنما سياسية أيضا. لأن الموافقة على تلك الشروط معناه تقديم كل شيء تقريبا لإسرائيل دون مقابل, ومن ثم الوقوع في شراك تجربة منظمة التحرير. ناهيك عن أن الموافقة على شروط الرباعية في وقت يتربع على رئاسة وزراء إسرائيل من يريد من الشعب الفلسطيني التخلي عن القدس وحق العودة والإقرار بشرعية المستوطنات القائمة وفوق ذلك الإقرار بيهودية دولة خمس سكانها من العرب مسلمين ومسيحيين, معناه استدعاء المزيد من الشروط الإسرائيلية التي تهدف إلى استسلام الفلسطينيين وليس السلام.

إذن، بين تجنب الرفض الصريح وعدم الاستسلام، صاغ مشعل خطابه, وبلورت حماس موقفها، علها بذلك تعطي انطباعا بأن لديها من الواقعية السياسية التي يبحث الغرب عنها، لفتح قنوات اتصال رسمية معها, ولإدعاء جاهزية الحركة للتسوية, ولكن دون التنازل عما أسماه خالد مشعل بـ "برنامج الحد الأدنى" وهو الدولة في حدود الـ 67 وعاصمتها القدس مع حق العودة.

هذا الموقف من حماس جاء بناء على تقدير خاص لديها مفاده أنه لو كانت لدى الغرب نوايا طيبة إزاءها وإزاء القضية الفلسطينية لأكتفى بما تبديه حماس من موافقة على إقامة الدولة على حدود الـ 67, في وقت لا تظهر فيه إسرائيل سوى المزيد من التشدد. وأن الغرب لو كان يستهدف فعلا حلحلة المواقف, لا استدراج الحركة "وتشليحها ثوابتها" كتمهيد لإقصائها, لقرأ مواقفها وممارساتها على نحو مختلف؛ فالقبول بالهدنة طويلة الأمد (من 10: 15 عاما)  يعادل نبذ العنف (الشرط الأول)، والقبول بدولة فلسطينية في حدود الـرابع من يونيو يعادل الاعتراف بإسرائيل على أراضي الـ 48 (الشرط الثاني)، واحترام الاتفاقيات  السابقة وقبول المشاركة في مخرجاتها (السلطة الفلسطينية) يعادل  الالتزام بها (الشرط الثالث).

لكن أما وأن الغرب لم يقرأ تلك المواقف على هذا النحو السالف, وفي ذات الوقت لم يدر ظهره لحماس بالكلية, فإن الحركة تؤثر الانتظار لاختبار نوايا التغيير الذي لم يتعد حتى اللحظة حدود اللغة, هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى لأنها، أي حماس، "لا تشترى الأوهام والوعود", سيما وأن نتنياهو وأركان حكومته "قلبوا الطاولة في وجوه الجميع.. فلماذا إذا تظهر حماس حقيقة مواقفها على الطاولة, ولماذا تبقى خياراتها مكشوفة بلا هامش في المناورة أو رصيد من أوراق القوة".. هكذا تحدث مشعل.

وفي السياق ذاته، فإن إشارة مشعل إلى أن التغيير الذي حدث في لغة الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه المنطقة, إنما يعود الفضل فيه لقوى الممانعة, أو على حد قوله "للصمود العنيد لشعوب المنطقة الحية حين قاومت في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان". ولا يعود "لأولئك الذين قبلوا سياسة الإدارة الأمريكية السابقة وتساوقوا معها..". هذه الإشارة تترجم إلى حد كبير حسابات حماس وتقديراتها بشأن علاقاتها بالغرب وتوقعاتها لمستقبل تلك العلاقة.

إذ يبدو أن لدي حماس قناعة مفادها أن الغرب الذي قبل التعامل مباشرة مع حزب الله أو عبر وساطة حكومة السنيورة، ويبحث عن معتدلين في طالبان ليحلوا محل نظام كرزاي. ويري أن "شيخ شريف شيخ أحمد" معقد آمال لاستعادة الصومال وضرب القرصنة والإرهاب. ولا يكف عن توجيه الرسائل لدمشق وطهران، وكان آخرها قرار عودة السفير الأمريكي إلي دمشق بعد غياب استمر أربع سنوات.. هذا  الغرب لن يقف عند عتبات حركة حماس ويدير ظهره لها، وأنه سيجد نفسه مضطراً في النهاية للانفتاح عليها ,مثلما انفتح علي حلفائها، ومن هم علي طرازها وعلي شاكلتها سياسيا وفكرياً.

وبغض النظر عن صحة تلك الحسابات لدي حماس، واتفاق البعض أو اختلافهم معها بشأنها, فإن الشيء المؤكد أن الحركة- كما يفهم من سياق خطاب مشغل –  ليست بوادر دفع الثمن مقدماً مقابل الاعتراف بها.

الرد علي نتنياهو

كان الرفض المطلق لما جاء في خطاب نتنياهو أمراً متوقعاً من حماس، وهو في كل الأحوال موقف لم تنفرد به الحركة، بل شكل ذلك قاسماً مشتركا لجميع القوي الفلسطينية، بل وحتى الأنظمة العربية أيضاً. لكن الجديد أن مشعل استغل ما جاء علي لسان نتنياهو للتدليل علي صحة توجه حركته، وللنيل من المواقف السياسة للأطراف الأخرى، مستعينا علي ذلك بالإشارة إلي أن "الاعتدال الفلسطيني والعربي لم يقابل باعتدال إسرائيلي، وإنما بالمزيد من التشدد الذي أوصل عصابات من طراز ليبرمان إلي سدة الحكم، فيما أوصل ياسر عرفات إلي الحصار والاغتيال". وزاد مشعل علي ذلك بأن دعا إلي اعتماد "إستراتيجية فلسطينية عربية جديدة تفتح الخيارات، وتجمع بين المقاومة والسياسة، وتستجمع أوراق القوة اللازمة".

ملف المصالحة

وخصص مشعل الجزء الثالث من خطابه لتناول ملف الحوار والمصالحة الفلسطينية، بشكل أعاد التأكيد فيه من جديد علي موقف حماس التقليدي المتمثل في إنجاز ملفات الحوار كرزمة متكاملة تطبق في الضفة والقطاع علي حد سواء.

ونظراً لما تتوقعه حماس من ضغوط مصرية وعربية هذه المرة, كون الحوار وصل إلي محطته الأخيرة، فيما يبدو، فقد أسهب مشعل في الحديث عن ملف الاعتقالات السياسة لعناصر الحركة وكوادرها في الضفة الغربية علي أيدي الأجهزة الأمنية لحكومة سلام فياض، معتبراً إياه "عقبة رئيسية تعرقل جهود المصالحة", الأمر الذي يكشف عن تكتيك حماس المتوقع إزاء الحوار, حيث من المتوقع أن تجعل حماس من هذا الملف (الاعتقالات) حائط  الصد  الذي تتمترس خلفه في مواجهة الضغوط المتوقعة، لاسيما وأنها قد مهدت لذلك عبر عمل دبلوماسي مارسته حماس تجاه العواصم العربية المعنية. هذا ما كشف عنه مشعل من خلال إشارته، قائلا "لقد أرسلنا لزعماء الأمة ومسئوليها مذكرة مؤلمة عن تلك الممارسات القمعية".

وفي الحاصل الأخير فإن المعني المترتب علي كل ذلك, هو أن الجولة الحالية من الحوار لا يتوفر لها أيضا سوي القليل من فرص النجاح.

ويبقي التنويه إلي أن الاستنتاج الأساسي لمجمل ما ورد في خطاب مشعل, هو أن حماس أعادت التأكيد علي ثوابتها (وإن كان ذلك بمفردات مختلفة تحاكي التغيير الذي حدث في لغة الإدارة الأمريكية) تجاه ما عرض عليها من مبادرات أو إغراءات، سواء غربية أو عربية, دون أن تظهر برجماتية سياسية كان البعض يراهن عليها.


باحث متخصص في الشئون الفلسطينية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات