|
| تيري كوفيل |
اعتبر "تيري كوفيل"، الخبير الفرنسي المتخصص في الشأن الإيراني وصاحب كتاب "إيران.. الثورة غير المرئية" الصادر عام 2007، أن الأزمة التي شهدتها إيران على خلفية الانتخابات الرئاسية الأخيرة قد "أعادت الأمل لدى مراكز الأبحاث الغربية بشأن أطروحة التغيير من الداخل"، مؤكدا أن ما حدث "قد أحدث شرخا في نظام الجمهورية الإسلامية ليس من السهل إصلاحه وربما يتطور في المستقبل إلى حركة تغيير غير محسوبة".
كما رفض الخبير الفرنسي، الذي يعمل مستشارا في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية بباريس، تصوير الصراع الدائر حاليا في إيران بأنه صراع طبقي، بين "طبقة بورجوازية" يمثلها الإصلاحيين، والمستضعفين من أنصار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، معللا ذلك بأن "فشل أحمدي نجاد اقتصاديا طيلة السنوات الماضية قد أجج الاحتجاجات الأخيرة ضده، علاوة على أن المحتجين هم من جميع الطبقات".
وشكك "كوفيل" في مصداقية نتائج الانتخابات الرئاسية، قائلا: "عندما ننظر إلى نتائج المرشح مهدي كروبي مثلا، فإننا نستغرب أن يحصل على أقل من واحد بالمائة من أصوات الناخبين، وهو الحاصل على 17 بالمائة في انتخابات 2005"، مضيفا "عندما يخاطر الناس ويخرجون إلى الشارع للاحتجاج بهذه الطريقة في نظام كالنظام الإيراني هذا في اعتقادي يدل على أن هناك خديعة كبرى حصلت في الانتخابات الأخيرة".
وفيما يلي نص الحوار
* قبيل الانتخابات الرئاسية في إيران كان الاعتقاد السائد لديكم أن الانتخابات لن تغير كثيرا من الوضع الداخلي في إيران، فهل بعد كل ما حدث من مواجهات بين أنصار التيار الإصلاحي والسلطة ما زلتم تحتفظون بنفس التوجه في التحليل؟
ما وقع تجاوز تحليلاتنا وتوقعاتنا وأعاد الأمل لدى مراكز الأبحاث الغربية فيما يتعلق بأطروحة التغيير من الداخل. فنحن لم نناقش وجود مساحة من الحرية داخل النظام الإيراني، رغم أن الأغلبية من المواطنين، في العادة، هي التي تقرر وعندما يريد النظام أن يخادع الأغلبية فإن حدود قدرته على المناورة ضيقة جدا وهامشية. فعندما انتخب محمد خاتمي والذي أعتقد أنه أكثر "راديكالية" في الجانب الإصلاحي من مير حسين موسوي، لم يستطع النظام إلا أن يقر بانتخابه. لكن هناك قناعة بأن صوت الأغلبية تم استبداله في الانتخابات الأخيرة نزولا على إرادة السلطة، وهم أمر لم يلقى قبولا لدى الغالبية من الشعب. ولا يعني هذا أن الشرعية السياسية في إيران لم يعد لها وجود بل إنها ستتواصل غير أن الأصوات غير الراضية بما حصل تأتي أيضا من داخل الجناح المحافظ.
* ولكن ما الذي تسندون إليه في القول بأن أصوات الأغلبية لم يتم احترامها؟
في البداية لما رأينا النتيجة اعتقدنا أنها ربما تكون صحيحة مع بعض التجاوزات الهامشية وبعد ساعتين وقع الإعلان عن نسبة المشاركة التي كانت قياسية في تاريخ إيران. لكن وزارة الداخلية لم تعلن نتائج الانتخابات في موعدها المحدد ولم يقم الحرس الثوري بتسجيل التجاوزات التي أعلنت عنها المعارضة. وعندما ننظر إلى نتائج المرشح مهدي كروبي مثلا، فإننا نستغرب أن يحصل على أقل من واحد بالمائة من أصوات الناخبين، وهو الحاصل على 17 بالمائة في انتخابات 2005. ومن ثم نحن بحاجة إلى تفسيرات توضح سبب انخفاض هذه النسبة من سبعة عشرة بالمائة من الأصوات إلى أقل من واحد بالمائة، فأين ذهبت أصواته؟ ولماذا وقع العشرات من المعارضين في ليلة إعلان النتائج؟
كل هذه الأسئلة تبعث على الريبة والشك مما حدث. وأعتقد أن النظام ارتكب أخطاء من أجل التغطية على هذه المغالطات، حينما نشرت صحيفة "كيهان" (أحد الصحف المحافظة) مقالا قالت فيه إنه في كل المدن التي ولد فيها المرشحين تمكن محمود أحمدي نجاد من الفوز بغالبية الأصوات, ويبدو هذا الأمر متناقضا مع المنطق الانتخابي في حدوده الدنيا. وعندما يقولون إن أحمدي نجاد قد حصل على 20 مليون صوت، يحق لنا أن نتساءل أين هؤلاء الناس الذين صوتوا له؟ لماذا لم يخرجوا للاحتجاج في مواجهة احتجاج الإصلاحيين؟. ما شاهدناه، وخاصة في الأيام الأولى، أن الشوارع كانت ممتلئة بالإصلاحيين وأنصارهم وكل الذين صوتوا لمير حسين موسوي. وعندما يخاطر الناس ويخرجون إلى الشارع للاحتجاج بهذه الطريقة في نظام كالنظام الإيراني هذا في اعتقادي يدل على أن هناك خديعة كبرى حصلت في الانتخابات الأخيرة.
* هل المواجهة الواقعة في الشارع الإيراني حاليا، هي بمثابة صراع طبقي، خاصة وأن البعض يذهب إلى القول بأننا أمام طبقة مترفة، تنتمي إلى البورجوازية الإيرانية وهي في الغالب داعمة للتيار الإصلاحي، تقف في مواجهة التوجهات "الشعبوية" لأحمدي نجاد والمعروف عنه مساندته للفقراء في إيران؟
هذا ما حاول ترويجه النظام الإيراني، وأنا اعتقد أنه تحليل مجانب للصواب، فالأرقام الرسمية تشير، وأنا ألفت كتابا منذ عامين بخصوص ذلك ولست الوحيد الذي يقول هذا، إلى أن التحديث قد دخل كافة المناطق الجغرافية الإيرانية، وتأثرت به الشرائح المختلفة للشعب الإيراني. وبالتالي لا يوجد في إيران في الوقت الحالي مناطق متخلفة مقابل مناطق بورجوازية مترفة. ومن ناحية أخرى، فان الإحصائيات تشير إلى أن 70% من مساحة إيران هي مناطق حضرية، كما أن فوز أحمدي نجاد بنسبة 64% من الأصوات يعني أنه حقق فوزا ساحقا في المناطق الريفية، وفاز بنصف عدد الأصوات في المدن وكلاهما أمر مستحيل تقريبا.
بالإضافة إلى أن المحتجين الذين خرجوا إلى الشارع كانوا أساسا من الطلاب وهم لا ينحدرون بالضرورة من الطبقة البورجوازية، كما شارك في الاحتجاجات الموظفون، والذين ينتمون بدورهم إلى الطبقة الوسطى، بالإضافة إلى العمال. ومن ثم يثور التساؤل: وسط كل المتظاهرين أين هم جمهور محمود أحمدي نجاد؟، وحتى المظاهرة التي تحدث عنها النظام، والتي خرجت مساندة لنجاد، كانت مكونة أساسا من قوات الباسيج بالزي المدني فأين هم أنصار نجاد؟
* لكن أحمدي نجاد، كما أشرتم في بعض التحليلات، له هذا البعد الشعبي في شخصيته، إلى جانب قيامه بالعديد من المبادرات في هذا الشأن منها توزيع الأموال مباشرة على الفقراء أثناء تنقلاته داخل المدن الإيرانية؟
نعم صحيح قام أحمدي نجاد بتوزيع الأموال ولكن على أي أساس؟ لم ينفق نجاد الأموال من أجل إقامة مشروعات اقتصادية أو بنية تحتية، ولكنه قام بتوزيع الأموال على الفقراء بصورة مباشرة وبطريقة بدائية غير مدروسة. كل هذا أدى إلى تضخم ارتفع من 10 إلى 20 بالمائة، كما أنه لم يحد من الارتفاع في عدد العاطلين عن العمل. لكن هل يعتبر هذا التوجه في شخصية نجاد الشعبوية كافيا من أجل أن يحصل على هذا العدد الأصوات؟.
* هل يعني ذلك فشل السياسات الاقتصادية التي اتبعها أحمدي نجاد؟
نعم هناك محدودية في نجاحه، رغم وعوده بتوزيع أموال النفط على الفقراء، أثناء حملته الانتخابية عام 2005. فما قام به منذ ذلك الحين هو تبذير أموال النفط بشكل ملحوظ. ومع الانخفاض الكبير في أسعار النفط نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، تناقص الاحتياطي النفطي الإيراني بشكل كبير مقارنة بدول أخرى، ووصلت معدلات التضخم إلى أرقام قياسية، وارتفع عدد العاطلين عن العمل وخاصة في صفوف الذين تخرجوا حديثا من الجامعات. كما وجدت الطبقات غير المرتبطة بالنظام مباشرة نفسها في وضعية صعبة.
بالإضافة إلى أن السياسة الشعبوية التي اعتمدها نجاد، والمتمثلة في توزيع الأموال في رحلاته على المزارعين ورفع مرتبات الموظفين في الدولة والمتقاعدين، ليست سياسة اقتصادية مدروسة، وهي أشبه بـ"الهروب الأمام". كما تشير المؤشرات إلى وجود إرهاصات لتفاوت طبقي داخل المجتمع الإيراني، وبشكل خاص داخل المدن، نتيجة هذه السياسة. وباختصار هناك عدم رضا عام تجاه سياسة أحمدي نجاد الاقتصادية.
* فيما يتعلق بالمرشح الإصلاحي "مير حسين موسوي"، تقولون إنه ينتمي إلى تيار "اليسار الإسلامي"، رغم أنه طرح في برنامجه الانتخابي خصخصة بعض القطاعات, فهل هناك تعارض بين الأمرين؟
تبنى "اليسار الإسلامي" في إيران في السنوات الأولى من الثورة سياسات قائمة على التضامن وتقسيم الثورة، متأثرا في ذلك بأطروحات "على شريعتي" الاقتصادية الاشتراكية، وهو طرح يتبنى "تأميم" كل مراكز الاقتصاد وأدوات الإنتاج و الثروة و تشجيع دور الدولة و تدخلها في الحياة الاقتصادية.
وشهد هذا التيار، الذي نشط في سنوات الثمانينيات، انحدارا و تراجعا في نهاية عقد الثمانينات وبداية التسعينات. ومع سقوط النظام السوفيتي وحائط برلين، ابتعد هذا التيار عن مراكز السلطة في إيران وتحول تدريجيا إلى تبني نوع من الليبرالية الاشتراكية على غرار الحزب الاشتراكي بفرنسا، وتبنى هذا التيار مبادئ جديدة جعلته يجدد في أطروحاته، وبدأ يتحدث عن "المجتمع المدني" و "الديمقراطية" والليبرالية على صعيد الأطروحات الفكرية، ودفعت هذه المبادئ الجديدة التيار، الذي يعتبر خاتمي أحد رموزه، إلى تبني الليبرالية الاقتصادية كرها، ومن ثم احتوى برنامج موسوي على جانب ليبرالي يتعلق بدعم الفاعلين الأساسيين في المجتمع المدني عن طريق دعم الجمعيات وإعطاء دور أكبر للنقابات المهنية.
* هل يمكن القول بأن حركة موسوي تمثل تهديدا النظام، وهي التي ولدت من رحمه؟
أقول نعم بتحفظ، مع ضرورة انتظار ما قد سوف يحدث. فهذه الحركة مرتبطة برموز آخرين مثل رفسنجاني، الذين أدركوا ضرورة تلبية تطلعات الشارع نحو التغيير. غير أنه وفي كل الأحوال فإن ما حدث قد أحدث شرخا في نظام الجمهورية الإسلامية ليس من السهل إصلاحه وربما يتطور في المستقبل إلى حركة تغيير غير محسوبة.
* سؤالي الأخير, كيف تنظرون إلى ردة الفعل الفرنسية والأوروبية بشكل عام مما يحدث في إيران، وكيف تقيمون هذا التعامل؟
ردة الفعل الأوربية الحالية مرتبطة بالموقف الأوربي من الملف النووي الإيراني، فمنذ بداية أزمة الملف النووي الإيراني، يميل الموقف الأوروبي بشكل عام، والفرنسي بشكل خاص، إلى عقاب إيران اقتصاديا، على حساب خيار الحوار والتفاوض. وأعتقد أن خطأ الأوروبيين يكمن في أنهم لم يستطيعوا التركيز بشكل كامل على أحد الخيارين إما العقوبات الاقتصادية أو الحوار والتفاوض مما شتت جهودهم، ومن ثم يريدون، في الأزمة الحالية، استدراك ما حصل من أخطاء. أما الولايات المتحدة وإدارة أوباما، فمن الواضح أن هناك تعاملا جديدا أوقع النظام الإيراني في حرج لأنه أربك حسابات المحافظين الذين كانوا دائما ينتظرون ردة فعل من البيت الأبيض متشددة.
|