|
| أوباما.. هل يصلح ما أفسده بوش؟ |
إن دلالات الاقتراب الكلي (الذي تم بحث جانب منه في الجزي الثاني من هذه الدراسة) يمكن أن تزداد وضوحاً على ضوء بعض المقولات التي تسربت بنعومة في ثنايا الخطاب، سواء في مقدمته العامة أو عند تناول القضايا الخمسة الرئيسية، إما بعبارة واضحة وصريحة وإما بطريقة ضمنية. وهذه المقولات تدعو للتفكير في مجموعات من الثنائيات التي أثارها طرح أوباما في خطابه. وهذه الثنائيات، ومهما كان ما تثيره من تعليقات من اتجاهات مختلفة، إلا أنها في مجموعها تعني أن أوباما قد استعد جيداً لمخاطبة المسلمين، من داخل دائرتهم (على الأقل كما فهمها أوباما)، وهذا ينطبق على الثلث الأول من الخطاب بصفة عامة، وبعض الدلالات المتفرقة في الجزء الثاني.
ومن أبرز المقولات الصريحة الواضحة ما يلي:
(1) المقابلة بين الأزهر وجامعة القاهرة: "الأزهر منارة التعليم الإسلامي.. وجامعة القاهرة مصدر لتقدم مصر، وكلاهما معاً يمثلان التجانس بين التقليد (Tradition) وبين التقدم". هذه العبارة تحمل مغزى هاما خاصا بالعالم الإسلامي الراهن، وهي الجمع بين "الديني" وبين "المدني"، ولكن في مؤسسات مختلفة، وعبارة أوباما تكرس هذه الثنائية التي وصل إليها الحال، ولم يكن من طبائع أمور الخلافة الإسلامية أو رؤية الإسلام للعالم ذلك الفصل، أو على الأقل التمييز بين الديني والمدني والسياسي.
(2) المقابلة بين الإسلام والولايات المتحدة في معظم الأحوال، وليس فقط بين تلك الأخيرة أو الغرب وبين العالم الإسلامى أو المسلمين. كما استخدم أوباما مصطلح (توتر) وليس (صراع) لوصف العلاقة المعاصرة بين المسلمين وبين الغرب، كما لم يستخدم كلمة الإرهاب أو الحرب على الإرهاب ولكن استخدم دوماً العنف المتطرف أو المتطرفين Violent Extremist or Extremism.
وبعد الإشارة إلى الأسباب التي تولد الرؤى المتبادلة عن العداء والكره، وبعد أن رسم خريطة التحديات المشتركة، أفرط أوباما في استخدام مصطلحات (المصلحة المتبادلة، والاحترام المتبادل، والمشاركة في القيم والمبادئ عن العدالة والتقدم والتسامح والكرامة الانسانية، والحديث المتبادل بصراحه والجهد الدؤوب للاستماع المتبادل والتعلم من بعضنا البعض واحترام بعضنا البعض، والبحث عن أرضية مشتركة..). وجميع هذه المفردات تمثل منظومة مشتقة من الحوار ومرتبطة به. وبذا فقد ارتبط حديث أوباما عن الإسلام والمسلمين بمفهوم الحوار وآلياته، باعتباره سبيلاً لإدارة التوتر، ودون أن يحدد أسباب هذا التوتر، مفضلاً التركيز على القواسم المشتركة وليس الاختلافات.
(3) بعد قوله إنه يحمل التحية من "الجماعات المسلمة في بلده وهي تحيي (السلام عليكم)، وحين اقترب أوباما من خبرته الشخصية (باعتبارها مصدرا من مصادر قناعته بضرورة العمل المشترك وتجاوز كل القوى التي تبعد الجانبين عن بعضهما) حدد أوباما هويته قائلاً: "أنا مسيحي" ولكن من أب ينتمي إلى عائلة كينية تتضمن أجيالا من المسلمين".
ومن ثم فإن بقية مصادر خبرته بالإسلام والمسلمين، التي حرص على أن يبدأ بها حديثه عن رؤيته لدور الإسلام الحضارى ومبادئه.. هذه الخبرة وموضعها من بدايات خطابه تمثل مغناطيس جذب آذان المسلمين، كما لابد وأن تمثل مغناطيس نقد واتهام من جانب تيار كبير داخل الولايات المتحدة والغرب، وهو تيار التعصب ضد تاريخ الإسلام والمسلمين.
(4) "الاسلام كان دائماً جزءاً من قصة أمريكا... ليس هناك شك، الإسلام هو جزء من أمريكا"... عبارتان فصلت بينهما عدة جمل ليست أقل أهمية وإثارة للنقاش.
الأولى: هي إعلان أوباما أن جزءاً من مسئوليته كرئيس للولايات المتحدة هو محاربة الصور النمطية السلبية عن الإسلام أينما ظهرت. والثانية: هي رفض أوباما أن يكون لدى المسلمين صورة نمطية قاسية عن أمريكا، ومن ثم جاء استعراضه لقيم النموذج الأمريكي عن المساواة والحرية والفرص، سابقاً لشرحه وضع المسلمين في أمريكا، واصلاً إلى عبارته السابق الاشارة إليها "لا شك أن الإسلام جزء من أمريكا".
وبالتالي كان حديثه عن الإسلام في أمريكا بعد حديثه عن الإسلام في العالم والتاريخ، تمهيداً طبيعياً للحديث عن التحديات المشتركة الراهنة التي تفرض الاعتماد المتبادل والبحث عن القواسم المشتركة.
ولكن من ناحية أخرى: فإلى أي حد يمثل هذا الاعتراف من الرئيس الأمريكي بأن الإسلام جزء من تاريخ أمريكا جديدا بالنسبة لوضع المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما الذي سيترتب عليه وخاصة على ضوء إشارته إلى مشاكل مسلمي أمريكا مع دفع الصدقات والزكاة؟ وأين ما يتصل بحقوقهم المدنية وحرياتهم المدنية التي تم انتهاكها في ظل إدارتي بوش، في إطار ما يسمى قانون باتريوت Patriot Act.
(5) كانت بداية خطاب أوباما مجرد منطلق لجذب قلوب وعقول المسلمين في العالم الإسلامي كتمهيد لما سيطلبه منهم بعد ذلك. حيث إن خطاب أوباما لم يكن خطاباً لتحسين صورة الولايات المتحدة فقط في نظر المسلمين، ولكنه سبيل لمساعدة الولايات المتحدة في علاج ما تواجهه من مشاكل في العالم الإسلامي، ولم تستطع القوة العسكرية المفرطة أو خطاب صدام الأديان والحضارات أو سياسات الحرب العالمية على الإرهاب أن تحل هذه المشاكل. ومن ثم فإن خطاب أوباما هو تدشين لإستراتيجية جديدة –ولو قولية– يعبأ من خلالها مساندة المسلمين بعضهم ضد بعض في هذه المساندة.
وهنا تبرز دلالة ثلاثة عبارات ولو متباعدة:
ـ العبارة الأولى: "المتطرفون مستخدمو العنف استغلوا هذه التوترات (الاستعمار، والحرب الباردة، والحداثة) في نطاق أقلية صغيرة ولكن متمكنة من المسلمين"...
ـ العبارة الثانية: "الإيمان العميق لدى بليون مسلم هو أكبر بكثير من الحقد المحدود لدى قلة، فالإسلام ليس جزءاُ من المشكلة عند محاربة التطرف العنيف، ولكن هو جزء أساسي من دعم السلام"...
ـ العبارة الثالثة: "امريكا ستدافع عن نفسها، محترمة سيادة الدول وحكم القانون. وسنعمل ذلك أيضاً بمشاركة مع المجتمعات الإسلامية التي تتعرض للتهديد أيضاً، وكلما تم عزل المتطرفين بسرعة وعدم الترحيب بهم في المجتمعات الإسلامية، كلما أسرع شعورنا بالأمن".
لقد توالت هذه العبارات الثلاثة عبر شرح أوباما لمصدري التوتر الأساسيين المرتبطين بالتطرف والعنف وهما أفغانستان والعراق... إذن هو يعول على المجتمعات المسلمة من داخلها لفرز وعزل المتطرفين... فعلى من يعّول المسلمون لحماية حرياتهم واستقلالهم؟!
(6) كل ما سبق لم يمنع أن يتعهد الرئيس الأمريكي بمسئوليته عن أمرين: حماية أمن الشعب الأمريكي ومحاربة الصور النمطية عن الإسلام. ويفترض الأمر الأول مكافحة عنف المتطرفين، ويتطلب الثاني مشاركة بين المسلمين والولايات المتحدة حول ما هو من الإسلام وليس حول ما ليس في الإسلام أو منه.
كذلك تضمن خطابه التزاما صريحا بمعاقبة من يتعرض للمرأة المسلمة بشأن حجابها. وإذا كان تعهد أوباما بحماية أمن الأمريكيين قد جعله يرى في احتلال العراق ضرورة لا مفر منها، جعلته يستمر على نهج إدارة بوش في الاعتماد على القوة العسكرية في أفغانستان، فهل حماية المسلمين لأمنهم واستقلالهم لا يقتضي منهم استخدام القوة العسكرية أيضاً؟ إذن لماذا هذا الرفض من جانب أوباما لكل صور المقاومة العنيفة من جانب الفلسطينيين أو العراقيين أو الأفغان واعتبارها جميعاً (دون تمييز بين ما هو مقاومة لمحتل وما بين ما هو عمل عنف ضد مدنيين)؟ وهل يعتقد أوباما أن على المسلمين الرضاء بمجرد تعهد الرئيس الأمريكي بالكفاح ضد الصور النمطية السلبية عن الإسلام؟ ومن يدافع إذن عن حقوق ومصالح الشعوب المسلمة؟!
(7) مفهوم أوباما عن التاريخ وتأثيره يبدو متناقضاً عبر أرجاء خطابه؛ فهو يستدعيه لما فيه من إيجابيات ويطلب في أحيان أخرى تجاوزه ونسيان ما يحمله من مصادر للتوتر والعداء... يقول أوباما:
ـ "التوتر متجذر في قوى تاريخية تتجاوز أي نقاش سياسي راهن"،
ـ "كدارس للتاريخ فإننى أعرف فضل الإسلام على الحضارة، الإسلام في أماكن مثل الأزهر هو الذي حمل منارة العلم عبر قرون عديدة، ممهداً الطريق للنهضة الأوروبية والتنوير..."،
ـ "تاريخ الإنسانية كان غالباً سجلاً لأمم وقبائل بل وأديان تخضع بعضها البعض بحثاً عن مصالحها الخاصة.. ومهما كان تفكيرنا في الماضي، فيجب ألا نكون أسرى له".
ومما لا شك فيه أن هذا التناقض يزداد وضوحاً على ضوء ما يستهل به حديثه عن الصراع العربي الإسرائيلي حين أشار إلى الروابط التاريخية والثقافية بين إسرائيل والولايات المتحدة باعتبارها روابط غير قابلة للانكسار.
(8) ملمح جديد على الفكر الليبرالي الذي ينتمى إليه أوباما، وهو ملمح يستدعي البعد المعياري المتصل بالثقافة والدين باعتبارهما لا يمثلان عائقاً أمام التقدم أو الحرية. وبرز هذا الملمح حين الحديث عن الحريات الدينية ثم المرأة ثم التنمية. ومن هنا كانت المقولات التالية:
ـ "لا يمكن إخفاء العداء تجاه أى دين وراء الليبرالية"،
ـ "أرفض رأي البعض في الغرب أن المرأة التي تغطى شعرها هي أقل تساوياً. ولكن أعتقد أن المرأة التي تُحرم من التعليم تحرم عندئذ من المساواة"،
ـ "لا أعتقد أن النساء يجب أن يتخذن نفس اختيارات الرجال ليصبحن متساويات. وأحترم النساء اللاتي يخترن أن يعشن حياتهن في أدوار تقليدية، شريطة أن يكون هذا اختيارهن"،
ـ "ليس هناك تناقض بين التنمية والتقاليد".
(9) تضمن الخطاب استشهادين ببعض الحالات عن أمرين: الحريات الدينية، والمذابح التي يتعرض لها المدنيون. ولم يخل الاستشهادان من تحيزات غير مبررة، وإن كانا يعكسان مواقف رسمية أمريكية.
الأمر الأول: في معرض تناوله للتحديات التي يواجهها العالم أشار إلى أنه حين يُذبح الأبرياء في البوسنة ودارفور، فهذه وصمة في ضميرنا الجماعي". وإذا كان المجتمع الدولي قد توافق على أن ما حدث في البوسنة وغيرها من أرجاء البلقان هو حرب إبادة وتطهير عرقي ضد المسلمين، مما استوجب تدخلاً دولياً ولو متأخراً لوقف هذه الإبادة، إلا أن الوضع في دارفور ليس مناظراً لوضع البوسنة على الإطلاق. كذلك أين مناطق أخرى يتم فيها ذبح الأبرياء ولا تعيرها السياسة الأمريكية أو الأوروبية انتباها بل تكون متواطئة أو مسئولة عن هذا العنف، مثلاً في الشيشان، وفلسطين، والصومال، والعراق، وأفغانستان وباكستان.
الأمر الثانى: حين الحديث عن الحرية الدينية، كانت إحالة أوباما إلى حالتي أقباط مصر والموارنة في لبنان، إحالة مجتزأة وانتقائية، وتدعو للتساؤل لماذا هاتين الحالتين كمثالين في قول أوباما على ضرورة الحفاظ على ثراء التنوع الديني؟ ألا يعني هذا موقفاً من أن هاتين الجماعتين تواجهان ما يعرض وجودهما ذاته للخطر؟ وأليست هذه وجهة نظر غير متوافق عليها من داخل لبنان ومصر أو خارجها؟ بل هي في الواقع وجهة نظر من يفاقم في تصوير مسألة الأقليات الدينية ويستدعي الخارج للتدخل لحمايتهم تحت ذريعة أنهم يتعرضون للاضطهاد؟.
حقيقة اقترنت هذه الرؤية بأخرى عن مسلمي أمريكا وعن المرأة المحجبة، وهي رؤية إيجابية عن ضرورة تمكين المسلمين من دفع زكاتهم وصدقاتهم وعدم تعرض المسلمات لأية ضغوط بشان لباسهن، إلا أن أوباما – الديمقراطي الليبرالي- نسي الإشارة إلى تعرض الحريات المدنية للمسلمين للانتهاكات بحكم كونهم مسلمين، وأن الحريات الدينية للأقباط والمارونين مكفولة تماماً.
ومن ناحية أخرى وبشأن الحريات الدينية، أشار أوباما إلى قيام الولايات المتحدة بإرساء مشروعات خدمة للجمع بين مسلمي ومسيحي ويهود أمريكا. إلا أنه سرعان ما استدعى الترحيب بمبادرة الملك عبد الله لحوار الأديان ومبادرة تركيا لتحالف الحضارات. وشتان بين حوار الأديان في الولايات المتحدة ذاتها وبين المبادرتين الأخيرتين، بل فيما بين المبادرتين التركية والسعودية ذاتهما؛ فالمبادرة في الولايات المتحدة هي مبادرة للتعاون بين أهل الأديان للمشاركة في حل ما يواجههم من مشاكل باعتبارهم مواطني دولة واحدة تجمع بين هذه الأديان على أساس المساواة والحرية وحكم القانون في إطار ديمقراطي.
ولكن مبادرة الملك عبد الله هي مبادرة تطبيع سياسية، مبادرة رسمية شارك فيها الحكام والقادة. وكانت هذه المبادرة، سواء في منشأها في مكة (يونيو 2008) أو في خطوتها التحضيرية (في مدريد: يوليو 2008) أو تدشينها الرسمي (في نيويورك: نوفمبر 2008)، ذات أهداف سياسية تندرج في سياق التطبيع بين العرب وإسرائيل الجاري الآن الضغط من أجله بكل السبل، كشرط مسبق لإعادة التفاوض مع الفلسطينيين. ومن ثم فهذه المبادرة السعودية جزء من الاستجابات العربية الرسمية للضغوط البارزة من جديد من أجل فرض التطبيع كشرط مسبق على استكمال مسيرة التسوية، ولقد تعددت المؤشرات على ذلك طوال عام 2008، بل إن أوباما ذاته، حين تناول قضية العلاقة بين العرب وإسرائيل أشار إلى أن مبادرة السلام العربية ليست كافية بمفردها... وهذا يقودنا إلى آخر محطاتنا النوعية ومقولاتها.
(10) وأخيراً، أصل إلى ما أسماه أوباما قضية العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين والعالم العربي، ولا أتوقف فقط عند بعض ما طرحه أوباما من مقولات نوعية، ولكن أتوقف لما تستدعيه هذه القضية من كل المقولات النوعية السابق التعليق عليها. فهي لا تمثل لدينا مجرد القضية الثالثة في أولويات أوباما، بل هي تمثل قضية جامعة تطرح خيوطا ناظمة بين جميع القضايا التي طرحها أوباما، ناهيك عما تطرحه من خصوصيتها.
ولقد تضمن طرح أوباما مجموعة مقولات متراكمة بين الأمور التالية:
من ناحية: أن الروابط بين إسرائيل وأمريكا ليست مجرد مصالح تقليدية ولكنها لا تنكسر لأنها تستند إلى روابط ثقافية تاريخية.
ومن ناحية أخرى: بدأ أوباما بالإشارة إلى الهولوكوست ومعاناة اليهود عبر تاريخهم، واعتبر ذلك أساس شرعية إسرائيل وحق اليهود في "وطن".
ومن ناحية ثالثة: اعترف أوباما بمعاناة الفلسطينيين ولكن ليس بدرجة تعاطفه وتضامنه مع اليهود وإسرائيل، وبدون التفرقة بين المعتدي والمعتدى عليه، بين صاحب الأرض وبين مغتصبها.
ومن ناحية رابعة: لم يصف أوباما حركة حماس بالإرهاب، لكنه لم يعترف أيضا بأنها قوة اجتماعية وسياسية حازت أغلبية في انتخابات حرة.
ومن ناحية خامسة: لم يضع أوباما إصبعه إلا على المستوطنات؛ فهو وإن اعترف بعدم شرعيتها وضرورة وقفها، إلا أنه اختزل كل القضية في هذا الجانب، وهو أمر يقود الوضع إلى متاهة جديدة: هل سيضغط أوباما ضد المستوطنات، وأي المستوطنات وكيف؟ وأية دولة فلسطينية يقصد أو يؤيد؟ وما تداعيات المنعطف الجديد الذي قاده رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو إليه، أي "الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية"؟... وهكذا...إلخ من تساؤلات تحذرنا من خطورة اختزال قضية مركبة مثل الصراع العربي الإسرائيلي في بعد واحد مهما كانت أهميته في نظر أوباما وفي نظرنا.
ومن ناحية أخيرة: التحالف الأمريكي الصهيوني (قبل أوباما ومعه) ليس ظاهراً حول فلسطين فقط ولكن حول أفغانستان والعراق ودارفور ولبنان وإيران وحول قضايا الديمقراطية والتنمية.
ولهذا فإن الدعوة للسلام ونبذ العنف التي انتشرت في الخطاب، والتي ربطها أوباما بقيم الإسلام، هذه الدعوة امتدت للفلسطينيين مع رفض أوباما كل صور المقاومة العنيفة من جانب الفلسطينيين. ناهيك عن إشارته إلى أن مبادرة السلام العربية غير كافية، مما يفصح عن دعوة للتطبيع مع إسرائيل، تقترن بوقف العنف ضدها.
إن كل هذا يبين كيف أن الرسالة الضمنية والصريحة التي ينضح بها خطاب أوباما، لا تنفصل على الإطلاق عن رؤيته لمستقبل إسرائيل في المنطقة، أي درجة قبولها والتطبيع معها والاكتفاء بما ترضى به من ترتيبات (ولا أقول حقوق مشروعة) للفلسطينيين. وهذا ما سأطرحه في خلاصه جامعة عن نتائج قراءتي خطاب أوباما في سياقه الإقليمي والعالمي.
أستاذ العلاقات الدولية، ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
*الجزء الثالث من دراسة تحمل عنوان ("ظاهرة" التوقعات من أوباما: حول الحاضر الغائب منذ حفل تنصيبه رئيساً إلى خطابه للعالم الإسلامي في القاهرة)، تحلل فيها د. نادية مصطفى خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي.
|