|
| أوباما ملقيا خطابه من جامعة القاهرة |
قبل أسبوعين من خطاب أوباما في القاهرة، ومع غمرة الاستعدادات لامتحانات نهاية الفصل الدراسي الثاني، وجدت جامعة القاهرة نفسها في المأزق الناجم عن وقوع الاختيار عليها ليوجه أوباما من قاعتها الكبرى "خطابه التاريخي لفتح حوار مع العالم الإسلامي، وإذا بنا أعضاء هيئة التدريس في الجامعة وطلابها نجد أنفسنا أمام حملة تجميل وتنظيف لساحة الجامعة الرئيسية ومداخلها وللشوارع والميادين المؤدية إليها. ولقد أدى هذا الوضع إلى إرباك في حركة المرور وفي مواعيد الامتحانات، (حيث تم تأجيل امتحانات يومي 3 و4 إلى 21 و22 يونيو)، ناهيك عن الإجراءات الأمنية.
ولقد حملت هذه الصورة أكثر من دلالة، من ناحية: عدم مراعاة ظروف جامعة القاهرة وقت الامتحانات واضطرارها إلى تنفيذ القرارات العليا؛ مما يعكس من جديد مركزية إصدار القرارات استجابة لحسابات لا تشارك في وضعها أو مناقشتها الجامعة. ومن ناحية ثانية: إن تجميل حرم الجامعة وتنظيم المرور منه وإليه مطالب بُحت أصوات أعضاء هيئة التدريس بها دون استجابة بحجة الموارد المالية أو بحجة الاعتبارات الأمنية.
ولكن فجأة واستجابة لمتطلبات زيارة أوباما، توافرت الموارد اللازمة، سواء من الوقت أو المال، لتنفيذ هذا التجميل وفي وقت قياسي غير مسبوق. وعلى العكس كانت عدم الاستجابة لمطالب أعضاء هيئة التدريس بزيادة المرتبات ولو في ظل شروط نظام الجودة.
ولقد تكرر سيناريو جامعة القاهرة مع مواقع أخرى في القاهرة تجميلاً وتنظيماً، مما دفع بالعديد من أصحاب العلم والفكر والرأي للتساؤل، إما استعجاباً أو استنكاراً أو انزعاجاً من أن الاستجابة لمطالبنا في التغير والإصلاح –ولو الشكلي- لا تتحقق إلا تحت ضغوط المواءمات مع الخارج، وكما لو أن التجميل والتنظيم والنظافة لم تعد حقاً من حقوقنا نحن مواطنو وأهل البلد، بقدر ما هي تصبح حقاً للوجاهة والمنظرة أمام الضيوف، ناسين أو متناسين أن هؤلاء الضيوف يدركون حقيقة الوضع هذا.
ومن ناحية ثالثة: وبدلاً من أن تستقبل جامعة القاهرة بطلابها وأعضاء هيئة تدريسها أوباما استقبالاً طبيعياً حياً، وبدلاً من أن تستقبل القاهرة بأهلها هذا الضيف العزيز على بلادنا، فإذا بإجراءات الاستقبال تتحول إلى مسرحية أمنية كبيرة، مجردة من المشاعر والانفعالات، إلا المخاوف الأمنية- التي جعلت من أوباما وموكبة أسرى خطط سرية للتنقل ومجرد الظهور في أماكن محددة، بلا ناس، كما لو أن القاهرة عاصمة الـ 20 مليون نسمة قد هجرها أهلها، في حين كان يمكن أن يكون مشهد الزيارة أكثر إنسانية وأكثر شعبية، إلا أن الاعتبارات الأمنية قد علت فوق أي اعتبار، وذلك خلال زيارة من المفترض فيها أنها ذات أبعاد إنسانية وثقافية وحضارية يتجه بها رئيس الولايات المتحدة إلى شعوب العالم الإسلامي وليس حكامه ونخبه فقط... فلماذا جاءت هذه الصورة "الميتة" لهذه الزيارة، بحيث يمكن القول إن زيارة أوباما للقاهرة لم تكن إلا باعتبارها منصة يلقي منها خطابه ويزور خلالها بعض المعالم الأثرية التاريخية، وهي رغم أهميتها تفتقد حس الواقع وحس الشارع، وهذا الأخير هو ما كان لابد وأن يشعر به أوباما حيث إن التصفيق المتكرر خلال خطابه، من نخب متنوعة، لم يكن يعبر عن نبض الشارع والمواطن، حيث تفاوتت مواطن الخطاب التي استجابت لها النخب المختلفة تصفيقاً أو مقاطعة.
إذن لماذا كان هذا السياق المحمل برائحة الأمن؟
هل كانت مطالب أمنية أمريكية؟ وهل استجابت لها مصر على النحو الذي أفقد الزيارة – ولو من أجل إلقاء الخطاب – مغزاها، وهو المغزى المفترض أن يمهد لمضمون الخطاب ذاته، بل ويعد جزءاً أساسياً من هذا المضمون. وفي هذه الحالة أليس هذا السيناريو يعني عدم ثقة أمريكية في حالة الأمن في مصر أم هي مجرد رغبة أمريكية في بيان أن مصر لم تكن إلا منصة لإلقاء خطاب من المفترض أنه موجه إلى العالم الإسلامي برمته؟..
وهل تقاربت الرؤى الأمنية المصرية مع الأمريكية مخافة أن تؤدي مشاركة شعبية في استقبال أوباما إلى مظاهرات قد تندد بأمريكا أو قد تندد بمساندة سياساتها للنظام في مصر أو ..إلخ من مواطن الهجوم على السياسة الأمريكية في العالم الإسلامي وخاصة تجاه القضية الفلسطينية؟؟
ليس لدي بالطبع إجابة محددة وصريحة عن هذه الأسئلة، وأيا كانت هذه الإجابات، فهي لن تغير من حقيقة هامة مؤداها أن سياق الاستعدادات للزيارة من ناحية، وسياق يوم الزيارة ذاتها من ناحية أخرى، قد أصابا الخطاب بهزة قبل التعرف على مضمونه ورسالته.
اقترابان للخطاب.. كلي وجزئي
فماذا عن هذا المضمون وما يبثه من رسائل وما يكشف عنه أو ما يسكت عنه؟
عادة ما لا يكون الاقتراب من الخطابات التاريخية مركزاً فقط على تفاصيل القضايا الرئيسية، ومن ثم فإن الاقتراب الأكثر ملائمة لتحليل مضمون خطاب أوباما، هو الاقتراب الكلي الشامل أولاً والذي يمكن ثانياً على ضوئه الاقتراب من القضايا الجزئية.
والمقصود بالاقتراب الكلي ومن ثم الشامل أمران؛ الأول: هيكل الخطاب، أي من أين بدأ وكيف توالى وإلى أين وصل؟ وما مدلول هذا الهيكل بالنسبة للرسالة التي يقدمها الخطاب في مجمله؟. الأمر الثاني: الخيط الناظم بين مكونات هيكل الخطاب وطبيعة الرؤية التي يعكسها، وخاصة من حيث العلاقة بين الأبعاد القيمية المعيارية والأبعاد السياسية، أي العلاقة بين الأبعاد الثقافية – الحضارية وبين الأبعاد السياسية.
هذان الأمران يحققان هدفاً أساسياًً في قراءتي خطاب أوباما، وهو الإجابة على السؤال التالي: ألا وهو كيف قرأ الإسلام وكيف قرأ العالم الإسلامي؟ وكيف انعكست هذه القراءة على موقفه من قضايا العالم الإسلامي؟..
أما الاقتراب الثاني، فهو الاقتراب الجزئي الذي يتوقف عند هيكل كل قضية من قضايا الخطاب، أي القضايا التي على السياسة الامريكية أن تتخذ حيالها مواقف تحقق انفتاحاً في العلاقات مع العالم الإسلامي. ومما لاشك فيه أن الاقترابين الكلي والجزئي متكاملان، الأول يمثل إطار فهم وتحليل القضايا، والثاني يختبر مصداقية إطار النظر ورؤية أوباما.
إن تحليل الخطاب من خلال هذين الاقترابين وإن بدا أنه عمل علمي منظم أو نظري لأنه يركز على الخطاب ذاته، إلا أن التحليل لن ينفصل عن توجهات وحقائق السياسات Policies الأمريكية على أرض الواقع، عبر خمسة أشهر تقريباً، ذلك لأن النظر إلى هذا الخطاب إنما تم في نطاق حدود معينة تعترف من ناحية بأنه خطاب وليس ممارسة، إنه إعلان عن رؤى كلية وقواعد عامة وليس تفاصيل سياسات، إلا أنه من ناحية أخرى لا يصبح له مغزى ووجود وتأثير إذا اقتطع من سياقه الحاضر والمستقبلي.
ومن هنا ضرورة تحليله، قبولاً أو نقداً، على ضوء وقائع الأحداث والممارسات والمواقف الأمريكية، وهذا المنهج الذي يربط بين الخطاب وسياقه يعد من أهم ضوابط عدم الإفراط في التشاؤم والنقد السلبي أو الإفراط في التفاؤل والترحيب.
ولعل أوباما ذاته كان مدركاً لهذا حين أشار إلى أن خطابه وإن كان قد حاز شهرة، إلا أنه ليس متوقعاً أن يقدم حلولاً لكل المشاكل في هذا الخطاب.
وأخيراً، قبل الدخول في تفاصيل قراءة الخطاب، لابد من التوقف عند بعض الأمور التي لم تختلف عليها التحليلات وإن كانت تفاوتت في مغزاها وتأثيرها على مضمون الخطاب؛ فلقد كان نهج أوباما في إلقاء الخطاب، متميزاً من حيث اللغة والأسلوب والتوجه المباشر للمستمعين، وهو الأمر الذي أكد أنه نموذجاً للقيادة الشابة الكاريزمية ذات الرؤية والوجهة والذي يخوض معركة وراء معركة مصحوباً بمبادئه ومتفاعلاً بمرونة ومتوازناً بواقعية مع السياق المحيط داخلياً وخارجياً. ولذا فابتداء يمكن القول إن خطاب أوباما لم يكن من الممكن قبوله أو رفضه تماماً في مجمله، فلقد وجد فيه الجميع أموراً يؤيدونها وأخرى يرفضونها أو ينتقدونها.
ومن ناحية أخرى، فهذا خطاب من رئيس أمريكي يلقيه من خارج دولته ومتجهاً لمنطقة إستراتيجية وفي مرحلة خطيرة من التأزم العالمي؛ مما يعني أنه لابد وأن يؤخذ هذا الخطاب بجدية أيا كانت النظرة التقيمية لمضمونه سلباً أو إيجاباً. بل يدفعنا هذا الوضع إلى التساؤل عن السوابق المناظرة في تاريخ السياسة الأمريكية وما حاق بنتائجها والتوقعات منها؟.
فمما لاشك فيه أن استدعاء ذاكرة خطابات رؤساء الولايات المتحدة إلى أمم أخرى، عبر القرن السابق على الأقل، لابد وأن تقدم لنا الكثير عن مغزى خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي في تلك المرحلة من تطور النظام العالمي. ومهما اختلفنا حول ماهيه صورة أوباما ذاته لدى المسلمين، ودوافعه ومبرراته لإلقاء هذا الخطاب...إلخ، فمما لاشك فيه أنه لابد من التوافق حول أنه – من حيث التوقيت والأسلوب والمضمون في مجمله – يمثل (أي الخطاب) نقله نوعية (ولو على مستوى القول) – في التوجه الإستراتيجي الأمريكي نحو العالم الإسلامي، وهو توجه وإن ظل يؤكد مركزية هذا العالم في هذه الإستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة، إلا أنه يبين أيضاً كيف أن نمط هذا التوجه قد تحول عبر عقدين من التربص (1991-2001) إلى الصدام (2001-2008) إلى محاولة التطبيع (2008-).
وفي جميع هذه المراحل مارست العلاقة بين الأبعاد الدينية – الثقافية الحضارية وبين الأبعاد السياسية العسكرية وغيرها تأثيراتها على تشكيل السياسات. ولم يلق الاهتمام بالعلاقة بين هاتين المجموعتين من الأبعاد ترحيباً من كل المحللين أو المراقبين، حيث رفض البعض الاعتراف بالدوافع والأهداف والأدوات الثقافية والحضارية للسياسة الأمريكية، على أساس أنها تحول النظر عن نظائرها الحقيقية، أي الأبعاد الإستراتيجية لصراع القوى التقليدية.
ولهذا فإن تيارا من الناقدين لخطاب أوباما – كحدث في حد ذاته – قد رفض انطلاق الخطاب من الحديث عن الإسلام والحوار مع العالم الإسلامي بصفته هذه. وعلى العكس فإن البعض الآخر رفض مجرد الاهتمام بالخطاب لمجرد أنه ينطلق من الإسلام ويتجه للمسلمين، معتبرين إياه أمراً لابد وأن يهم الغرب ذاته وليس العالم الإسلامي الذي اكتوى بنار السياسات الأمريكية –مدافعة عن أو متهمة الإسلام–، ولهذا فلم يعتبروا أوباما إلا مجرد حلقة في سلسلة متصلة من التلاعب بالعالم الإسلامي، شعوباً ونظماً مرة من خلال لغة الصدام وأخرى باسم لغة الحوار.
وعلى ضوء ما سبق من تمهيد، فسنركز على القراءة في خطاب أوباما من الاقتراب الكلي أساساً، وبدون إسقاط الاقتراب الجزئي تماماً، فسيتم الاستعانة به دعماً لبعض تحليلات الإطار الكلي.
ينتج عن هذا الاقتراب ثلاثة مجموعات من النتائج (طبيعة الرسالة الموجهة، وهيكل الخطاب والخيط الناظم بين قضاياه، مقولات وقضايا نوعية في الخطاب "سيتم عرضها في جزء منفصل").
طبيعة رسالة الخطاب
طبيعة الرسالة ذات مغزى هام بالنسبة للمستهدفين من الخطاب وبالنسبة لطبيعة رؤية أوباما ومنظورة الفكري والسياسي. الثلث الأول من الخطاب، هو خطاب للناس في العالم الإسلامي، محمل بالأبعاد القيمية والمعيارية، والمدعم بالتاريخ، وهو في كلياته ذو فحوى شديدة الإيجابية عن الإسلام وعن الحضارة الإسلامية وعن المسلمين في الولايات المتحدة.
|
|
دول منظمة المؤتمر الإسلامي
|
ولقد بدأ الخطاب بنقد ذاتي شديد الوضوح – من شأنه أن يشد آذان الإنسان المسلم الذي عانى بأشكال مختلفة وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تحيز وظلم السياسات الأمريكية والغربية بصفة عامة– ذلك لأن أوباما ذكّر بمسئولية الاستعمار والحرب الباردة والحداثة وعواقبهم على العالم الإسلامي.
واستكمالاً للتواصل –مع الناس ومع الشعوب- استحضر أوباما خبرته الشخصية مع الإسلام، التي كانت جزءاً ركيناً من أركان انجذاب شعوب العالم الإسلامي إليه طوال معركته الانتخابية، إلا أنه ربطها بسياق أعم ألا وهو أن الإسلام هو جزء من قصة أمريكا. ولقد استحضر هذه الرابطة وهو يتحدث عن مزايا النموذج الأمريكي.
وأنهى أوباما هذا الثلث من خطابه بأن الجميع يواجه نفس التحديات وأن الفشل في مواجهتها سيؤذي الجميع. ولذا فإن هذا الجزء من الخطاب مليء بعبارات: الإنسانية المشتركة، والمشاركة.. إذن هو تركيز على المشتركات وليس على الاختلافات أراد أن يبرز أنها أوجه الاعتماد المتبادل الذي يدفع إلى اعتماد أساليب حل النزاعات السلمية وليس أساليب القوة المسلحة.
إلا أن الجدير بالملاحظة هنا أن أوباما في هذا الجانب المعياري القيمي من ثلث الخطاب الأول كان يتحدث عن الاسلام في مقابل الولايات المتحدة، ومن ثم يستحضر قيم الإسلام في مقابل قيم النموذج الأمريكي، وباعتبار أن الاسلام وأمريكا ليسا في تنافس بل وأن المشاركة بين أمريكا والإسلام يجب أن تقوم على ماهية الإسلام وليس على ما ليس فيه.
كذلك الجدير بالإشارة هنا أن هذة المقابلة بين الإسلام (ديناً وحضارة وثقافة وتاريخا سياسيا) وبين الولايات المتحدة من حيث منظومة القيم التي يقوم عليها النموذج الأمريكي، إنما تستدعي التأمل بل والنقد؛ فالنماذج التاريخية التي جسدت مرجعية إسلامية هي نماذج عديدة ومتنوعة، ولذا لا يقاس النموذج الأمريكي ذو المائتي عام بها أو عليها، ناهيك عن أن الاقتصار على المشترك، مهما كان جديراً بالاهتمام، لا يمكن أن ينهي الاختلافات، كما أن النظر إلى هذه الاختلافات لا يعني بالضرورة تزكية الكره والصراع، كما قال أوباما في بداية كلمته، مشيراً عندئذ إلى القلة من المسلمين المتطرفين بعنف. ذلك لأن الاختلافات من طبائع الأمور، ويمكن ألا تعوق التعاون، ولذا يصبح من الضروري أن نعرف لماذا قاد الاختلاف هؤلاء المتطرفين إلى الكره والعنف، هل الأمر يرجع إلى ماهيه إدراكهم للآخر بصورة مطلقة؟ أم يرجع إلى سياسات هذا الآخر وليس مجرد دينه أو ثقافته المختلفة؟.
بعبارة أخرى تحمل حجج أوباما في ذاتها بعض متناقضاتها، ومهما حسنت نواياه تجاه الإسلام والمسلمين، فلا يمكن تسطيح الموضوع وتبسيطه على هذا النحو، كما لو كان أن ما يتصل بقيم الإسلام من تسامح وسلام ولا عنف لم يكن معروفاً من قبل.
ومع الأخذ في الاعتبار هذه التحليلات لمنطق حجج أوباما الداخلي، إلا أنه لا يمكن إنكار قيمة هذا الجانب من الخطاب، وهو يأتي على لسان رئيس أكبر دولة في العالم بعد أن قام على رئاستها ولمدة ثماني سنوات من كان يغذي كل الصور النمطية السلبية ضد الإسلام ويوظفها كمبررات ودوافع لسياساته التوسعية تجاه العالم الإسلامي. ولذا لا عجب أن نلحظ أن خطاب أوباما قد خلى من مفاهيم عزيزة على إدارة بوش (الارهاب، والقاعدة، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، والاصلاح).
هذا الوجه الأول للعملة من خطاب أوباما -أى الوجه المعياري القيمي الموجه للناس- هو الذي وصفه كثيرون بأنه دغدغة للمشاعر أو حملة دبلوماسية أو علاقات عامة، أو أنه وسيلة لإعادة إصلاح ما شوهته سياسات بوش، أو أنه سبيل لتحسين صورة أمريكا.
وحقيقة لا تخل كل هذه الصفات من حقيقة أو صواب، ولكن مضمون هذا الجزأ المعياري يعكس في ذاته قدراً كبيراً من خطاب الاتجاهات المعتدلة المتوازنة المحايدة الموضوعية الغربية التي تحدثت من قبل أوباما ضد خطابات صراع الحضارات المليئة بالصور النمطية السلبية ضد الإسلام والمسلمين، وعلى رأسها الاتهام بالإرهاب ورفض الآخر. وهذه الاتجاهات هي الاتجاهات الليبرالية التي شعرت بمخاطر رؤى اليمين الأصولي الأمريكي المتحالف مع المحافظين الجدد، ليس على مصير العلاقة مع العالم الإسلامي فقط، ولكن على مصير النموذج الأمريكي ذاته كما وصفه أوباما، نموذج المساواة، والحرية والفرص للجميع ونموذج الجميع في واحد. كما أن هذه الاتجاهات هي التى وجهت أيضاً انتقادات شديدة، بل وأحياناً هجوما على سياسات إدارة بوش، وذلك حين وظفت الأبعاد الثقافية الحضارية لخدمة ودعم الأبعاد الصلدة للقوة الأمريكية.
وهذا ما فعله أوباما في نهاية الثلث الأول من خطابه حيث اعترف بواقعية "أنها مسئولية صعبة للقيام بها (مسئولية التصدي للتحديات المشتركة والمسئولية المتبادلة بين البشر) لأن التاريخ الإنساني هو عادةً تاريخ الأمم والقبائل والأديان التي أخضعت بعضها البعض من أجل مصالحهم الخاصة.. يجب ألا نهمل مصادر التوتر". كذلك فإن أوباما، بعد عرضه مواقف أمريكا من أفغانستان والعراق، خلص إلى ما يلي: "كما أن أمريكا لا تستطيع أبداً التسامح مع عنف المتطرفين، فيجب ألا ننسى أبداً مبادئنا. الحادي عشر من سبتمبر كانت مأساة هائلة مرت بها بلادنا. ويمكن فهم الخوف والغضب التي فجرتهم. ولكن في بعض الحالات، قادتنا للحركة عكس تقاليدنا ومبادئنا".
هذا ولقد وصل أوباما إلى الخمس قضايا الرئيسية التي أسماها مصادر التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، وذلك بعد أن دعا إلى التعامل مع هذه المشاكل من خلال المشاركةpartnership .
ولكن أين تكمن آفاق المشاركة بين الجانبين في حل هذه القضايا؟
هل خطاب أوباما تحدث عما يجب أن تفعله الولايات المتحدة فقط أو ما تطالب به الولايات المتحدة غيرها أن يفعلوه؟ أم تحدث أيضاً عن مسئوليات الجانب الآخر كشريك فعلي؟ وأين هو هذا الشريك الذي هو مفعول به بكل الأدوات العسكرية وغيرها؟
وفي نهاية هذا الجانب من الطرح الكلي عن التوجه العام لخطاب أوباما ورسالته يمكن أن نقول إن البداية كانت مفعمة بالإيجابية، وإن تسربت فيها بعض التناقضات (كما سنرى لاحقاً بتفصيل أكثر). كذلك فإن رؤية الاعتماد المتبادل، ورؤية الإنسانية المشتركة سرعان ما تبخرتا حين وطأت قدما أوباما مستنقع سياسات القوى؛ فسرعان ما بدأ العقل يعمل بعد أن نجح أوباما ولمدة 15 دقيقة أن يكسب القلوب وجانبا من العقول، إلا أن سرعان ما تحفزت العقول حين بدأ أوباما في تناول مواطن ومكامن غضب العالم الإسلامي من الولايات المتحدة: (أفغانستان، العراق، فلسطين، الديموقراطية والمرأة والبيئة المجتمعية) ولدرجة دفعت إلى التساؤل، ماذا بعد البداية المشجعة، وهل سيعقبها جديد حول موقف الولايات المتحدة من هذه القضايا؟ هل سيعلن مثلاً انسحابا أمريكيا من أفغانستان، هل سيدعو إلى فك الحصار عن غزة، هل سيدين الأنظمة المستبدة في المنطقة (وغيرها من التوقعات عالية السقف التي ترددت قبل أسبوع من الخطاب)؟ أم لن تكون هذه البداية إلا مجرد "مساج جديد" لتخفيف توتر الشعوب وغضبها والاعتذار لها ولو بطريقة ضمنية؟ في حين تظل السياسات وحسابات المصالح تلعب أدوارها؟ أم أن المطلوب بالفعل من العالم الإسلامي- وفق هذه الرؤية لأوباما عن الإسلام باعتباره تسامح وسلام- أن يكف عن المقاومة والرفض أو ما أسماه أوباما "التطرف بالعنف"؟
هيكل الخطاب والخيط الناظم بين قضاياه
وفي أولى خطوات الإجابة على الأسئلة السابقة، ومن واقع خطاب أوباما حول القضايا الخمسة، يجدر ابتداءً القول إن هيكل تناول هذه القضايا ذو مغزى هام يجدر الانتباه إليه من ناحيه، وكذلك الخيط الناظم أيضاً بين هذه القضايا من ناحيه أخرى، ناهيك عن الخيط الناظم بين الجزئين الثقافي والسياسي؛ فلقد أجمل أوباما تحت عنوان التطرف العنيف Violent Extremism قضيتا أفغانستان والعراق، ثم اعتبر أن المصدر الثاني الأساسي للتوتر هو الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربي.
وكانت القضية الثالثة هي ملف إيران النووي، ثم جاءت قضايا القوة الناعمة: (الديمقراطية، المرأة، التنمية). إذن فلقد عكس هذا الترتيب أجندة القضايا التي انتُخب من أجلها أوباما، فهل تعكس نفس الأولويات في العالم الإسلامي كله؟ كذلك فإن القضايا الثلاث الأولى هي قضايا القوة الصلدة والصراعات التي تديرها القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم.
وليس فقط ما أسماهم أوباما المتطرفون هم الذين يستخدمون العنف. والملاحظ أن أوباما لم يستخدم كلمة الإرهاب ولو مرة واحدة عند معالجة القضايا الخمسة؛ مما يعني فصلاً– ولو في الخطاب ومن ثم في ذهن المسلمين – بين إستراتيجية إدارته وبين إستراتيجية إدارة بوش الشهيرة، أي إستراتيجية الحرب العالمية ضد الإرهاب.
وفي المقابل اتضح في نفس الوقت اتجاه أوباما لتبرير أو تفسير استخدام القوة العسكرية في الحالة الأفغانية والعراقية، مبيناً أن الأولى كانت ضرورة لحماية أمن الأمريكيين في حين أن الثانية كانت اختياراً أثار اختلافات كبيرة حوله، على نحو ذكّر أمريكا بالحاجة لاستخدام الدبلوماسية وبناء التوافق الدولي لحل المشاكل كلما أمكن.
كذلك فإن أوباما أكد على أن استخدام القوة العسكرية بمفردها لا يحل المشكلات، ولذا استدعى خلال تناوله الموقف من العراق وأفغانستان مقولة توماس جيفرسون التالية: "آمل أن تنمو حكمتنا مع نمو قوتنا وأن تعلمنا أنه كلما قل استخدامنا لقوتنا، كلما عظمت هذه القوة".
وبالرغم من أن الخمس قضايا تقع في فئتين هما (القوة الصلدة والقوة الناعمة)، إلا أن الخيط الناظم بينهم جميعاً يتمثل في جانبين أساسيين: استحضار الإسلام وقيمه عند تناول كيفية إدارتها أو التعامل معها، ابتداءً بما يتصل بالعنف المتطرف إلى المرأة والتعليم، ومن ناحية أخرى التاكيد على منظومة القيم الأمريكية وعدم التخلي عنها، ومن ثم عدم التسامح مع العنف المتطرف ضد المدنيين. في نفس الوقت يعترف أوباما بأن الممارسات تقود أمريكا في بعض الحالات إلى التصرف على النحو المتعارض مع تقاليدها ومثالياتها، وفي هذا إشارة ضمنية وصريحة أيضاً، إلى أن سياسات القوى والمصالح لا تتوافق دائماً وبالضرورة مع منظومات القيم والمبادئ.
وبهذا فإن خطاب أوباما من واقع مجمل هيكله والخيط الناظم بين جزئيه وكذلك فيما بين قضايا التوتر الأساسية التي طرحها، إنما يعكس هذه الإشكالية في العلاقة بين الثقافي والسياسي (أى العلاقة بين القيمي والمصلحي)، وكيف تصبح القيم والمبادئ منطلقاً ومبرراً لبعض السياسات كما تصبح بعض السياسات اختباراً لمدى التمسك بهذه القيم والمبادئ. وبذلك فإن خطاب أوباما جسد حقيقة ما أضحى عليه، بل وما كان عليه، الاختلاف بين الجمهوريين والديموقراطيين من ناحية وحول موضع القيم والمبادئ من السياسة من ناحية أخرى، سواء على مستوى التبرير أو التفسير.
وفي كلتا الحالتين، فإن الثنائية واضحة، وهي ثنائية تفتعلها المنظورات الغربية، في حين أن رؤية الإسلام الذي انطلق منه خطاب أوباما –أياً كانت غايته– ولا أقول خطابات المسلمين– تتجاوز بالأساس هذه الثنائية التقليدية بين القيمي والواقعي المصلحي، التي لا ترى في القيم إلا إطاراً وليس من المصلحة ذاتها أو في صميمها.
ولهذا فإن طرح أوباما قد أسقط مثلاً –عن قصد أو غير قصد – قيم الجهاد وهي بمثابة قيم المقاومة المشروعة ضد الاحتلال والتي يقرها القانون الدولي، وذلك حين رفض أي صورة للمقاومة بالعنف يقوم بها الفلسطينيون، ناهيك بالطبع عن مجمل رؤيته عن موضع الولايات المتحدة بين إسرائيل والفلسطينيين والتى اتسمت بتحيز واضح لحقوق اليهود على حساب حقوق الفلسطينيين (كما سنرى لاحقاً).
خلاصة القول إن الاقتراب الكلي الشامل من خطاب أوباما إنما يقوم على استدعاء قضايا كبرى معرفية وفكرية ينطلق منها الخطاب وينبني عليها، وبقدر ما يمثل هذا قيمة للخطاب ذاته، حيث أنه بمثابة متن متراص من الأفكار والرؤى، بقدر ما يبين كيف أن بنية الخطاب وإن حاولت أن تكتسب من البداية قلوب المسلمين، وقد نجح في ذلك من الوهلة الأولى، إلا أن استرجاع المعاني والدلالات تمثل تحدياً لأصحاب العقول، كما لابد وأن يمثل شخص وأسلوب ومنهج أوباما عند إلقاء خطابه تحدياً لأنماط وفئات الساسة العرب والمسلمين؛ فهو قائد لبلده يحق لناخبيه الثقة فيه واحترامه أيا كان موقفه من قضايانا، هو في البداية والنهاية رئيس أكبر دولة في العالم تمثل سياساتها تحدياً كبيراً لكل المسلمين وليس فقط للقلة المتمكنة من المتطرفين الذين نوه اليهم أوباما بالتحديد مميزاً بينهم وبين بقية المسلمين والإسلام.
أستاذ العلاقات الدولية، ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
*الجزء الثاني من دراسة تحمل عنوان ("ظاهرة" التوقعات من أوباما: حول الحاضر الغائب منذ حفل تنصيبه رئيساً إلى خطابه للعالم الإسلامي في القاهرة)، تحلل فيها د. نادية مصطفى خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي.
|