English

 

الاثنين. يونيو. 22, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » شؤون إسلامية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الدلالات الكامنة في ظاهرة التوقعات من أوباما *

د. نادية مصطفى

Image
د. نادية مصطفى
لمدة ستة أشهر منذ تنصيب أوباما رئيساً للولايات المتحدة، أحجَمتُ عن قبول دعوات متكررة للمشاركة إما في التعقيب على مدلول خطاب التنصيب عن موضع العالم الإسلامي من إستراتيجيته، أو المشاركة في تحليل ملامح الاستمرارية والتغير في سياسة إدارته بعد أن عين مبعوثين خاصين لمناطق أزمات العالم الإسلامي، في فلسطين، وفي أفغانستان، وفي دارفور...، أو المشاركة في التوقعات حول خطابه المزمع في القاهرة.

ولم يكن رفضي إلا إحجاماً عن المشاركة في ظاهرة "زفة" التوقعات التي نجيدها مع كل تغيير في الإدارة الأمريكية أو الحكومة الإسرائيلية، دون أن نحظى بفرصة مناظرة مع تغير أكيد في أوضاعنا السياسية والاقتصادية، لأن هذه الأوضاع أسيرة جمود استبداد السلطة وفسادها. ومع تسارع زخم ووتيرة الاهتمام بخطاب أوباما في القاهرة، أضحى الوضع "مرضياً"، حيث شارك فيه الجميع بحماس شديد سواء من يعرفون ومن لا يعرفون، المتخصصون وغير المتخصصين...الخ

لذا وجدتني قبل عدة أيام من إلقاء أوباما خطابه الذي حظي قبل حدوثه بشهرة هائلة في أوساطنا نحن المكلومين بالسياسات الأمريكية، وجدتني أتساءل: ما الدلالات الكلية لهذه الظاهرة فيما انشغل الناس؟ وما الدلالات الكامنة في النقاش الظاهر أو الغائبة عنه، وكيف سيختبر خطاب أوباما ذاته هذه الدلالات؟.

ومن هنا جاءت هذه الرؤية عن ما قبل الخطاب وما بعده.

العالم الإسلامي حاضر دائماً في الإسترتيجية الأمريكية العالمية منذ ما قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001، إلا أن تلك الأخيرة استحضرته إلى قلب الاهتمام الإستراتيجي، بعد أن كانت نهاية الحرب الباردة والثنائية القطبية قد أفصحت عن مؤشرات هذا الاستحضار.

وقد أضفت إدارتا بوش- وعبر ثماني سنوات – على الإستراتيجية الأمريكية تجاه العالم الإسلامي صبغة صراعية مباشرة على نحو يبدو غير مسبوق في السياسات الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، والتي لم تخل أبداً من التوجهات الصراعية. ولقد وظفت إدارتا بوش كل أبعاد القوة الرخوة والصلدة كما استدعت كل الدوافع والمبررات السياسية وغيرها لتضفي الشرعية على ما يسمى "الحرب الدولية ضد الإرهاب".

وهذا الأمر أفرز التساؤل: كيف تصبح صراعات القوى والمصالح والهيمنة صراعات دينية أو ثقافية أو حضارية أو على الأقل ترتدي هذه الأقنعة؟ حيث إن توجه إدارة بوش للعالم الإسلامي لم يخل من اتهام دين وثقافة وحضارة هذا العالم، وعلى نحو أيضاً غير مسبوق من حيث الفجاجة ورفع الأقنعة الدبلوماسية.

وبالرغم من أن هذا البعد الديني- الثقافي الحضاري لم يكن غائباً أبداً عن حسابات القوى الكبرى التي توالت عبر أكثر من ثلاثة قرون على استعمار العالم الإسلامي (منذ أن وطأت الحملة الفرنسية أرض مصر) أو تسابقت على الهيمنة عليه في مرحلة ما بعد الاستقلال، إلا أن العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين قد اتسما بفجاجة التوظيف والاستخدام الأمريكي لهذه الأبعاد الدينية والثقافية والحضارية سواء من أجل تبرير هجومها متعدد المستويات على العالم الإسلامي، أو سواء من أجل تصميم سياسات تدخلية عديدة ابتداء من القوة المسلحة لضرب ما يسمى "الإرهاب" الإسلامي أو جذوره، وصولاً لأدوات القوة الناعمة لإعادة تشكيل العقول والقلوب في إطار ما يسمى بالدبلوماسية العامة الأمريكية التي تهدف إلى إحداث تغيير ثقافي في العالم الإسلامي، باعتباره – كما يدعون- أساساً من أسس التغيير السياسي الذي ينشدونه وليس الذي تنشده شعوب هذا العالم وبعض نظمه.

بعبارة موجزة، تحت سطوة ووطأة التدخلات العسكرية والاحتلال العسكري الأمريكي  المباشر والمقنع بأردية متعددة الأطراف، لم تنقطع توجهات الولايات المتحدة للدعوة للحوار مع العالم الإسلامي، سواء لتحسين صورتها، أو لإحداث تغيير في المسلمين المتهمين دائماً بكل ما تتخذه إدارة بوش مبرراً وذريعة للتدخل الأمريكي. وهنا كانت أدوات القوة الناعمة في خدمة القوة الصلدة، وإن ظلت الأخيرة الأعلى صوتاً والأكثر وضوحاً وتأثيراً من أجل فرض سياسات الأمر الواقع.

ومن ثم فإن استحضار أوباما للعالم الإسلامي في إستراتيجيته ليس بالأمر العجب، فهو تقليد مستمر في السياسة الأمريكية، ولكن العجيب هذه الآونة أن هذا الاستحضار محمل بالتوقعات عن قدر ما سيحدثه أوباما من تغيرات سريعة وجذرية في سياسة إدارتي بوش وخاصة من حيث منطلقاتها الكلية تجاه العالم الإسلامي. وكانت هذه التوقعات من الضخامة والتنوع بحيث تمثل في حد ذاتها حالة أو ظاهرة تستحق الرصد والتدبر والتعليق.

إن ظاهرة أو حالة التوقعات هذه تتعدد المؤشرات عليها على النحو التالي:

1- الترحيب الشديد بفوز أوباما في انتخابات الرئاسة، والذي عبرت عنه دوائر شعبية ومدنية وإعلامية عديدة عبر العالم الإسلامي في مقابل إما تحفظات محدودة تحذر من الإفراط في التفاؤل أو في مقابل دعوات محدودة أيضاً لانتظار ما ستسفر عنه الأفعال وليس مجرد الأقوال، وخاصة أن محطة اختبار مبكرة وهامة قد واجهت صورة أوباما لدى الشارع العربي والإسلامي، وهي موقفه من العدوان على غزة، حيث أحجم عن اتخاذ مواقف بحجة أنه لم يتول السلطة فعلياً.

2- توقف المراقبين والمعلقين - وبطريقة ملفتة - عند مصطلح (العالم الإسلامي) الذي ورد في خطاب أوباما الذي توجه به لأمته والعالم خلال حفل تنصيبه رئيساً، حيث حظت هذه الفقرة بزخم شديد من التعليقات والتحليلات محورها: هل تنتقل علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم الإسلامي من صراع الحضارات إلى حوار الحضارات، وهل سيمثل أوباما صفحة جديدة في سياسة الولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي؟

3- وأخيراً محطة الإعلان عن توجيه أوباما خطابا للعالم الإسلامي من القاهرة، وهي المحطة التي أثارت بدورها موجة من التعليقات حول ثلاثة أمور. من ناحية: لماذا مصر بالذات؟ ومن ناحية ثانية، ما الذي يعنيه هذا الخطاب بالنسبة لتوجه الولايات المتحدة نحو العالم الإسلامي، هل تحرك من الحرب على الإرهاب إلى الحوار والتفاهم؟ ومن ناحية ثالثة: ما الجديد بشأن القضايا الخطيرة التي تعيد الإدارة الأمريكية تشكيل مواقفها تجاهها؟.

ومما يمكن الإشارة إليه – دون ادعاء الاستناد إلى أدلة علمية – أن زخم هذه التوقعات كان ظاهرة مصرية وعربية وإسلامية أكثر منه ظاهرة أمريكية وأوروبية حيث إن أجندة أولويات الأمريكيين أو الأوربيين بل وكبار القوى الآسيوية، لم تكن تتركز على العالم الإسلامي فقط ولكن على عواقب الأزمة المالية العالمية وما تستدعيه من أشكال التغيير السياسي والاقتصادي والمجتمعي في النظم الغربية. ومن ثم فإن الاهتمام بالعالم الإسلامي هو بقدر اتصاله بهذا المناخ العالمي المتأزم.

من هنا يمكن القول إن التوقعات من أوباما تبرز أساساً بين حنايا الأمة وعلى نحو يمثل ظاهرة لها أكثر من سبب وأكثر من وجه وأكثر من دلالة. وهي تستدعي التوقف عندها للكشف عما أسميته الغائب في هذه الظاهرة الحاضرة، التي أضحت هدفاً في حد ذاتها. ومن مؤشرات هذه الظاهرة ما يلي:

حماسة الشعوب للتغيير

من ناحية أولى: حماسة الشعوب وترحيبها بفوز أوباما بالرئاسة، وهو وضع يحمل إسقاطاً لأكثر من أمر تفتقده معظم هذه الشعوب مع استثناءات قليلة. ومن أهم هذه الأمور تطلع الشعوب إلى مناخ تعددي ديموقراطي حقيقي يحدث فيه تداول للسلطة على أسس تنافسية تسمح بالوصول إلى السلطة لمن هو الأصلح والأقدر على الاستجابة لتطلعات الشعوب وتحقيق مصالحها وتقطع الطريق على احتكار من هو الأقدر على الفساد والاستبداد؛ فمما لا شك فيه أن معركة الانتخابات التي خاضها أوباما سواء في مواجهة كلينتون أولاً ثم ماكين ثانياً، قد ألقت الضوء على قيادة شابة متعلمة ذات سجل أكاديمي وعملي جاد ورصين، وذات رؤية إستراتيجية عما يجب أن تكون عليه أمريكا في عالم تتزايد فيه المنافسة لانفرادها السابق بالدور القيادي.

والأهم من ذلك أنها أول قيادة من أصول ملونة، غير بيضاء تصل للرئاسة بعد علو نفوذ اليمين الجمهوري المحافظ وسطوته. ولذا فإن هذا الوصول في حد ذاته – إلى جانب طبيعة هذه القيادة – كان بمثابة علامة تغيير أساسية في توجه المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة، في وقت تزامنت فيه أزمة الاقتصاد والمال العالمية مع أزمة السياسة الأمريكية في العالم وتدهور صورتها وتزايد تأثيراتها السلبية على الاستقرار والأمن العالمي.
 
إذن الحماسة لأوباما ليست حماسة فقط لما قد يحدثه من تغيير ولكن هي حماسة لما يمثله في حد ذاته من تغيير تعجز عن تحقيقه شعوب المنطقة مع نظمها.

ولذا لابد أن نتساءل: هل كانت حماسة النظم بنفس حماسة الشعوب في العالم الإسلامي لوصول أوباما للبيت الأبيض، وماذا بصفة خاصة عن النظم التي تحالفت مع إدارة بوش وسياساته ولم تكن تجرؤ على نقدها أو مناهضتها، كما يبدو الآن، حيث يتزامن مع ترحيب هذه النظم بإدارة أوباما إرهاصات انتقادات لسياسات إدارة بوش، ما كانت تظهر خلال توليها السلطة.

أول دعوة تصالح من رئيس أمريكي

ومن ناحية ثانية: ومع استمرار التوقعات حول ما قد يحدثه أوباما من تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي كان السؤال الرئيسي المطروح هو هل سيدشن أوباما توجهاً إستراتيجياً جديداً أم سيعيد تشكيل أسلوب نفس التوجه ليصبح أكثر تصالحية وأقل صدامية  استمراراً في خدمة المصالح الأمريكية بالأساس؟. والغائب هنا في كل الإجابات حول هذا السؤال، والتي تراوحت ما بين اختيار وآخر، هذا الغائب هو أن الحوار ليس نقيض الصراع ولكنه مجرد أداة من أدوات إدارة الصراعات، ومن ثم إن كانت لغة إدارة أوباما تبدو مغايرة للغة إدارة بوش تجاه العالم الإسلامي، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة انقلاباً جذرياً في السياسات ذاتها، ذلك لأن ما دشنه بوش لا يمكن الخروج عنه بسهوله وبسرعة، حتى لو أراد أوباما ذلك.

 

باراك أوباما

ويرجع ذلك لأمرين: الأمر الأول هو توازنات القوى الأمريكية الداخلية التي تشكل التوجهات في دولة عظمى تصنع سياساتها وتتخذ قراراتها مؤسسات ذات تقاليد، لا يستطيع أي رئيس أمريكي مهما بلغت كاريزميته أن يخترقها بمفرده أو بسهولة. والأمر الثاني هو حسابات المصالح الأمريكية ذاتها التي تحققها السياسات الأمريكية تجاه قضايا العالم الإسلامي المختلفة، وهي المصالح التي تمت حمايتها دائماً وعبر عقود ممتدة بسياسات صراعات القوى التقليدية.

ولهذا كله فإن من الأوجب السؤال: كيف سيدير أوباما عواقب سياسات بوش على صورة أمريكا ومصالحها؟ وليس كيف سيحقق أوباما مصالح العالم الإسلامي؟ حيث إن الانفتاح والتصالح والحوار ليست – كما سبق القول- إلا أدوات لإدارة علاقات وصراعات المصالح وتحسين مناخ هذه الإدارة. ولقد استخدمت إدارة بوش ذاتها نفس هذه الأدوات حيث تسارعت مبادرات وجولات الحوارات الرسمية وغير الرسمية، بل إن العقد الأول من القرن العشرين يمكن تسميته عقد الحوارات.

لكن الجديد في هذه المرة -منذ حفل تنصيب أوباما وعبر الأشهر الستة حتى خطاب القاهرة- هو أن الدعوة إلى الانفتاح أو التصالح أو الحوار مع العالم الإسلامي تأتي من الرئيس الأمريكي ذاته، وكمبادرة شخصية وصلت به إلى القدوم بذاته إلى مصر لتوجيه خطابه الذي كان يمكن أن يوجهه من الولايات المتحدة ذاتها. ولكنه أراد أن يكون للخطاب مغزى مباشرا وواضحا وصريحا. ولهذا لا عجب أن أضحى هذا الخطاب ومنذ الإعلان عن توقيته ومكان إلقائه موضعاً لتحليلات متنامية، جعلت منه في حد ذاته، وقبل معرفة مضمونه، حدثاً وظاهرة بل وهدفاً في حد ذاته.

كل ذلك كان يجري في نفس الوقت الذي كانت فيه بوادر سياسات إدارة أوباما تتجلى رويداً رويداً، سواء تجاه أفغانستان وباكستان، و تجاه العراق، وتجاه إيران، وتجاه إسرائيل وفلسطين، وأخيراً تجاه قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية... فهل كانت تعكس جديداً؟ وما قدر الاستمرارية والتغير؟.
 
                                نظرة أوباما للعالم الإسلامي             

ومن ناحية ثالثة: توجه أوباما في خطاباته إلى "العالم الإسلامي"، باعتباره كياناً واحداً أو كلياً، وإن احتوى قضايا عديدة شائكة تقع في أقاليمه المختلفة عرقياً أو قومياً أو مذهبياً... وهذا النمط من التوجه للعالم الإسلامي برمته يحمل دلالات هامة ظلت غائبة عن زخم التعليقات والتحليلات. ومن أهمها (أنهم) ينظرون (إلينا) ككل ونحن لا نريد أو لا نعرف أن نعمل على هذا الأساس أو انطلاقاً منه. وهذا النمط من التوجه ليس جديداً على الدوائر الأمريكية المختلفة، وخاصة مراكز الفكر الإستراتيجي الأمريكية، والوثائق الإستراتيجية الأمريكية والأدبيات الفكرية والأكاديمية، بل والمعالجات الإعلامية والخطابات السياسية.

والتوجه هذا يعني أمرين: من ناحية الاعتراف بأن الانتماء للإسلام عقيدة ودين يخلق مشتركاً ثقافياً بل وسياسياً أيضاً يجب اكتشافه بقدر ما يجب اكتشاف الاختلافات النابعة عن الزمان والمكان. ومن ناحية أخرى يعني أن قضايا هذا العالم الإسلامي في مجملها تمثل للسياسات الغربية إما تحديات أو تهديدات يجب التعامل معها على مستوى البرامج والخطط والأفعال وليس مجرد جدال الأفكار والخطابات. وجميع هذه الأمور لا يمكن أن تكتفي باستحضار العوامل المادية فقط مجردة بما يتصل بالإسلام.

ولقد حملت مبادرة أوباما –ابتداء من حفل تنصيبه إلى خطاب القاهرة- جديداً إلى هذه التقاليد، ذلك لأنها انطلقت من الرئاسة الأمريكية ذاتها، ومن أوباما بصفة خاصة، والذي اعتبر الكثيرون أن تكوينه وخبرته وفكره وشخصيته تمثل رصيداً لإمكانيات الانفتاح على العالم الإسلامي بأسلوب جديد يقوم على أسس الاحترام المتبادل وليس الشك أو الكره المتبادل.

فهل تذكرنا هذه المبادرات بسوابق تاريخية مناظرة أو شبيهة؟ حقيقة كانت زيارة نيكسون إلى مصر زيارة تاريخية ولكنها كانت قاصرة على مصر وتجاه دائرة الصراع العربي الإسرائيلي فقط (مهما قيل عن محوريته بين دوائر الصراعات الأخرى في العالم الإسلامي). كذلك فإن بوش ذاته قد استخدم مفهوم "الشرق الأوسط الكبير" عوضاً عن العالم الإسلامي، وإن كان النطاقان الجغرافيان يتطابقان، إلا أن الدلالات المفاهيمية لكل منهما تختلف بالضرورة.

ومن ثم فإن كان خطاب أوباما قد انطلق من القاهرة، إلا أنه اتجه إلى العالم الإسلامي ومقدماً رؤية أمريكا الإستراتيجية عن خريطة قضايا هذا العالم وأولويات الأجندة الأمريكية، وعلى نحو يمكن معه أن نربط بين هذه القضايا بخيط ناظم، كما سنرى لاحقاً... فهل ندرك نحن شعوب ونخب ونظم هذا الواقع الذي يدركه عنا آخرون وهو: أننا عرب وغير عرب نمثل كياناً كلياً يسميه أوباما العالم الإسلامي ونسميه نحن (الأمة الإسلامية)، والأخيرة مفهوماً عقدياً اجتماعياً حضارياً، في حين أن العالم الإسلامي يعكس الواقع الجيوبوليتكي الراهن لشعوب هذه الأمة والدول القومية التي تنتظم في إطارها، بعد أن كانت تنتظم في دولة خلافة واحدة ثم اعتراها التعدد والتجزئة تدريجياً حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.

حقيقة فإن واقع العالم الإسلامي، واقع مجزء متعدد إلا أنه ما زال يبقى فيه ما يجعله في نظر القوى الكبرى كياناً كلياً يقتضي اقتراباً إستراتيجياً كلياً إلى جانب ما يقتضيه من اقترابات أخرى جزئية ونوعية؛ فالمشترك الآن هو أن العالم الإسلامي يمثل ساحة استهداف أساسية من جانب السياسات الغربية والأمريكية، وليس هذا بجديد تاريخياً، وإن كان الجديد هو الأطر والقضايا. كما أن العالم الإسلامي –وخاصة على مستوى الشعوب والنخب- يعتريه حالة غضب عارمة على الولايات المتحدة، وليس حالة كرة حضاري أو ثقافي هيكلي كما يدعي البعض من أصحاب رؤى صراع الحضارات، ولكن من ناحية أخرى، ما يصدق على شعوب العالم الإسلامي لا يصدق بالضرورة على كل نظمها أو كل نخبها. فها هي إسرائيل وإدارة بوش قد نجحتا في استعداء نظم عربية على إيران؛ فجعلتها العدو عوضاً عن إسرائيل، وها هي المخاوف من تهم الإرهاب والعنف قد أعمت العيون عن حقوق المقاومة المشروعة ضد الاحتلال، فأضحت طالبان وحماس وحزب الله من قوى الإرهاب التي تهدد الأمن الأمريكي وأمن بعض النظم العربية وكذلك الإسلامية مثل باكستان، وها هي القدرة النووية الإيرانية أضحت بمثابة تهديد وليست مكسباً للقدرات الإسلامية في مجموعها، أياً كانت رؤيتنا لدرجة التنافس الإيراني مع دول عربية حول الدور الإقليمي القائد في المنطقة.

تثبيت فكرة اعتمادنا على الخارج

ومن ناحية رابعة وأخيرة: إن تعاظم التوقعات سلباً أو إيجاباً من أوباما، إنما تعني مدى ما وصل إليه اعتمادنا على الخارج لإيجاد الحلول لمشاكلنا. فلم يكن الحديث عما يجب أن نفعله تجاه توجه أوباما نحونا لنعظم مكاسبنا أكثر من الحديث عما ننتظر أن يفعله أوباما من أجل قضايانا، ولذا لا عجب إن وقعنا في أوهام آمال التغيير القادمة من الخارج. حقيقة لا تخفي هذه الحالة العقلية والنفسية، قدر ما أضحى عليه التدخل الخارجي في شئوننا وقدر ما أضحت عليه وطأته على استقلالنا ومصائرنا، إلا أن تكريسها على هذا النحو يزيد من مخاطر استحكام هذا التدخل الخارجي، كما يعني هذا التكريس مزيدا من الاعتراف بعدم القدرة على الفعل أو على الأقل عدم الرغبة إلا في التغيير من الخارج وبأيدٍ خارجية، دون أن نولي قدرا وافيا من الاهتمام بما يجب أن نحدثه نحن في أنفسنا من تغيير، أو بما يجب أن نعبئه من أوراق ضغط لحفز التوجه الجديد لدى الإدارة الأمريكية.

هذا ويوجد لهذه العملة وجه آخر، ألا وهو أن النظم التي ما كانت لتوجه انتقادات أو اتهامات علنية وسافرة لبوش وإدارته بل وتتحالف معهم في كثير من الأمور، هي الآن التي تستقبل أوباما وتستمع إليه وهو يتحدث عن كيفية بدء صفحة جديدة من العلاقات بعدما شابها من توتر وتصادم خلال السنوات الماضية... فهل النظم إذن أم الشعوب هي الأجدر بالاهتمام بتوجهات التغيير لدى أوباما؟ وهل سيقل تحالف أوباما مع تلك النظم التي تستبد بشعوبها وتحتكر السلطة لنفسها وتبرر لأمريكا مخاطر التغيرات الداخلية السريعة؟

وأخيراً ، واستكمالاً لما تمثله التوقعات من أوباما من اعتماد على الغير، تبقى الإشارة إلى ما يلي: إذا كان توجه أوباما مغايراً لتوجه بوش- بالمعنى السابق شرحه، والمعتمد أساساً على التغير في الأسلوب وليس في المضمون (على الأقل حتى الآن)، وإذا كان هذا التوجه ينطلق أيضاً من حماية ودعم المصالح الأمريكية، كما تعرفها القيادة الجديدة واتساقاً مع الثوابت في هذه المصالح والتي توافقت حولها الإدارات السابقة، فأين هو مفهومنا عن مصالحنا التي نريد حمايتها أو دعمها من خلال دور أمريكي؟ أم هناك مجرد مصالح النظم والتي تساير المفهوم الأمريكي عن المصالح الأمريكية، وذلك في مقابل مصالح الشعوب وأهدافها، والتي عادة ما تعبر عنها نخب المعارضة والحركات الاجتماعية المقيدة الدور والحركة، بل والتي تتهمها النظم بعدم الرشادة وأحياناً بعدم الواقعية وعدم البرجماتية وعدم القدرة على الاستجابة لضغوط الواقع ومتغيراته؟..

فهل مصلحتنا أن تأتي الولايات المتحدة بعدتها وعتادها لتضرب طالبان والقاعدة في أفغانستان وباكستان حماية لأمن الشعب الأمريكي في الولايات المتحدة؟ وهل كانت مصلحتنا أن نراقب إسقاط نظام صدام حسين، مهما كانت مواقفنا من درجة استبداده التي لم يفق فيها غيره من مستبدي المنطقة؟..

وهل من مصلحتنا أن نحاصر حركات المقاومة المسلحة ضد إسرائيل أمام أوهام السلام وفق رؤية إسرائيلية أمريكية...إلخ من مسلسل الحالات التي تتناقض فيها مفاهيم المصالح الوطنية بين النظم وبين الشعوب وبين السياسة الأمريكية.

إذا كان أوباما قد جاء لمصلحة أمريكا، ولو برداء تصالحي وانفتاحي وحواري جديد، وإذا كنا ما زلنا نتجه إليه ليجد لنا حلولاً لمشاكلنا المستعصية.. فهل بمقدورنا أن نفكر في هذه المصالح من منظور جديد؟.

إن هذه الدلالات الغائبة عن أو الكامنة وراء حالة أو ظاهرة التوقعات من أوباما، والتي تنامت طوال ستة أشهر لتصل إلى قمتها مع حدث خطاب القاهرة، قد تبدو في نظر البعض من الكليات والمجردات المتكررة دوماً وليست قاصرة على حالة أوباما فقط، إلا أنني قد استدعيتها لتمثل إطار أو خلفية الاستماع إلى خطاب أوباما في جامعة القاهرة، والاقتراب منه في ظل السياق –المصري- الذي أحاط به استعداداً ليومه أو خلال هذا اليوم... فماذا عن مضمون الخطاب؟. وقبل هذا، ماذا عن سياق الإعداد ليومه وكذلك سياق يوم إلقائة؟ فلا يمكن قراءة خطاب منفصلاً عن سياقه المباشر وغير المباشر، فما بالك بخطاب أوباما في القاهرة؟!


أستاذ العلاقات الدولية، ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

*الجزء الأول من دراسة تحمل عنوان ("ظاهرة" التوقعات من أوباما: حول الحاضر الغائب منذ حفل تنصيبه رئيساً إلى خطابه للعالم الإسلامي في القاهرة)، تحلل فيها د. نادية مصطفى خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي. وقد قامت المؤلفة بكتابة هذا الجزء يوم 2 يونيو 2009، قبل خطاب أوباما في القاهرة بيومين.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات