English

 

الأحد. يونيو. 21, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

العولمة.. وصراع المصالح والأفكار في إيران

محمد جمال عرفة

Image
تظاهرات قرب مبنى الأمم المتحدة ضد أحمدي نجاد
أين حدث الخطأ فيما يجري في إيران؟!.. هذا هو السؤال الذي أصبح يتردد على ألسنة الجميع بعدما دخلت المظاهرات والاحتجاجات لأنصار المرشح الرئاسي الإيراني المهزوم مير حسين موسوي أسبوعها الثاني في تجرؤ غير مسبوق على دعوات الزعيم (المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي) بوقف مظاهر الاحتجاج، ما أدى إلى خلل في هيبته.

هل هو جيل الشباب الإيراني – عماد مظاهرات الشوارع – الذي لم يشهد ثورة الخميني التي مر عليها 30 عاما (اندلعت عام 1979)؛ فأصبحت بالنسبة لهذا الشباب مجرد ذكرى بعد أن تأثر بالعولمة الكونية (الفضائيات والإنترنت) بأكثر مما تأثر بأدبيات الثورة التي كانت؟...

أم هو الصراع بين المحافظين والمعتدلين الذي هو في حقيقة الأمر صراع بين المستفيدين من الثورة والمتضررين منها، ويتنافسان على المراكز والمناصب، ولكن أفكارهما واحدة تقريبا فيما يخص المرجعية الدينية، مع فارق ميل "المحافظين" للطابع "الأصولي" الرافض للتجديد وميل "الإصلاحيين" للطابع التجديدي كي تستمر الثورة مقبولة ومسيطرة بأفكارها؟...

صراع مصالح أم أفكار؟

هناك أيضا إشارات لأن يكون الصراع بين الفريقين له جذور اقتصادية تتعلق بإعادة توزيع الثروة وباستشراء الفساد، وتضرر أغنياء الإصلاحيين وتجار البازار – وبينهم أنصار رفسنجاني الذي هزمه نجاد من قبل - من خطط الرئيس أحمدي نجاد القائمة بشكل أساسي على نصرة الفقراء ضد الأغنياء والأخذ منهم للفقراء.

هنا لابد من الإشارة إلى أن معاقل المتظاهرين من أنصار موسوي تقع في المناطق النفطية الإيرانية الغنية في الشمال حيث الأحياء الراقية، في حين أن معاقل أنصار أحمدي نجاد تقع جنوب طهران، الأقل كثيرا في المستوى الاقتصادي. وقد ألمح مرشد الثورة خامنئي ضمنا في خطبة الجمعة الماضية لهذا الصراع بين الأغنياء والفقراء وما يتصل به من فساد، عندما تحدث عن وجود "فساد" في إشارة على ما يبدو لأسباب اعتراض هؤلاء الأغنياء على ما يفعله نجاد من خطط اقتصادية ربما لا تتماشى مع مصالحهم.

ولا ننسى أن هناك اتهامات وجهت من قبل محافظين بينهم الرئيس الحالي أحمدي نجاد للرئيس الأسبق رفسنجاني – أحد رموز هذا التيار الإصلاحي - وعائلته بالفساد؛ مما أثار شائعات بأن رفسنجاني قد يستقيل من رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يترأسه منذ عام 1997، فضلا عن مساندة غالبية الأثرياء لحملة موسوي.
 
وفي كل الأحوال لو تُرك "نجاد" يقود المرحلة الثانية من حملته للإصلاح الاقتصادي – بعد فوزه للمرة الثانية - والتي تستهدف صالح الفقراء بالدرجة الأساسية على حساب الأغنياء والمتهمين بالفساد، فسوف يؤثر هذا بقوة على مصالح هؤلاء "الإصلاحيين"، إذا جازت هذه التسمية (الغربية بالأساس)!.

هذا الرأي يؤيده د. عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، فهو أحد أبرز ما قد يفسر المشهد الإيراني الحالي، حيث "الصراع بين المنتفعين من الثورة والمضارين منها" بدأ يعبر عن نفسه بعد ثلاثين عاماً، وأن الانتخابات لم تكن سوى المناسبة التي فجرت هذا الصراع. ويدلل الأشعل على ذلك بأن أنصار موسوي كانوا مختلفين مع نجاد في وعوده الاقتصادية وفي مجال مكافحة الفساد خلال فترة الحملات الانتخابية.

أما د. مصطفى اللباد مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية والخبير في الشأن الإيراني، فيرى أن الخلفيات الاجتماعية للناخبين والانتماءات الطبقية بالتحديد جسدت الاستقطاب الأساسي بين مختلف الناخبين، وأنه على الرغم من أن هناك غالبية واضحة من الشرائح الاجتماعية المتوسطة والعليا في إيران حسمت خياراتها ناحية المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي بسبب الكفاءة الاقتصادية والإدارية المعروفة عنه إبان رئاسته للوزراء في الفترة من عام 1981 وحتى 1989؛ فإن الشرائح الأفقر ربما تكون أكثر انجذاباً نحو نجاد، وسياساته الاقتصادية، ومظهره المتقشف، فضلا عن مغازلته اللفظية لهذه الشرائح".

ويقترب د. محمد السعيد عبد المؤمن، أستاذ الدراسات الإيرانية بكلية الآداب جامعة عين شمس بالقاهرة، من هذا الرأي، إلا أنه يؤكد على أنه "لا يوجد صراع طبقي بالمعنى المعروف بين الطبقة الفقيرة والطبقة البرجوازية، ولكن ما تشهده إيران حاليا هو صراع ثقافي ذو جذور طبقية؛ إذ تأثر كلا الطرفين (نجاد وموسوي) بنشأته الطبقية، وهو ما انعكس في خططهما وبرامجهما الانتخابية، والفئات التي دعمت كلا منهما. ويقول: "نشأة نجاد في جنوب طهران منتميا إلى الطبقة الفقيرة أثرت في توجيه سياساته لتستهدف هذه الطبقة، بينما نشأة موسوي البرجوازية جعلت عماد مؤيديه من أبناء الطبقة المتوسطة من الشباب والجامعيين، والنخب الذين يتطلعون للتغيير في إطار النظام القائم لا خارجه".

والملفت هنا واقعيا أن هناك رابط بين المطالب ذات الطابع الاقتصادي لهؤلاء الإصلاحيين المعتدلين بزعامة موسوي ومعه رفسنجاني وخاتمي، والمعارضين لتوجهات نجاد من جهة، وبين مطالبهم الخاصة بالانفتاح على الغرب والتجاوب مع مبادرة الرئيس الأمريكي أوباما بالحوار من جهة أخرى.

فالانفتاح على أمريكا وتغيير اللهجة الإيرانية مع الغرب – وهو ما طالب به موسوي – له علاقة بالانفتاح الاقتصادي الإيراني أيضا مع الغرب ووقف العقوبات الغربية على إيران وإجهاض ضربة عسكرية سواء من أمريكا أو إسرائيل تضر الاقتصاد الإيراني، وهؤلاء يرون أن الاستقرار السياسي سيصب في النهاية في صالح استقرار اقتصادي ينعكس على هؤلاء الإصطلاحيين ومن يقفون خلفهم.

الوسيط التكنولوجي الغربي

وهنا نأتي لدور العامل الغربي الذي لا يمكن إغفاله في تضخيم هذه الأزمة، والغرب بالطبع ليس هو المشكلة الحقيقية أو هو المحرك للأزمة، لأن المشكلة "هيكلية" داخل النظام نفسه، أما أهمية الدور الغربي هنا فهي قيامه بلعب دور "المعجل" و"المنشط " للتوتر والإضراب الحالي – عبر تقنيات العولمة الحديثة التي يوفرها – بهدف تقويض إيران من الداخل والضغط عليها بعدما فشلت محاولات ضربها من الخارج.

ويبدو أن ثمة تأثير قوي لثلاثي (الدور العولمي للفضاء الكوني "الفضائيات والإنترنت"، وجيل شبابي جديد في إيران أصبحت الثورة بالنسبة له مجرد تراث، ومصالح الأغنياء والمتهمين بالفساد)، على معادلة الأحداث الأخيرة وإصرار المعارضة على إسقاط نجاد أو إعادة الانتخابات.

ولا يجب التغافل عن الجامع بين هذه العوامل الثلاثة؛ فمن يتداولون الإنترنت في إيران – شأن العالم العربي – هم غالبا شباب الأثرياء والطبقة الوسطى ومرتادو مواقع "فيس بوك" و"تويتر"، خصوصا التي ينقل من خلالها العالم ما يحدث في إيران بعد قطع الاتصالات الهاتفية، وهؤلاء أيضا هم أصحاب التعليم الأجنبي والأكثر تواصلا مع العالم الغربي والفضاء الإلكتروني والتليفزيوني من إيران، وهم أيضا الأكثر تغريباً عن واقع الثورة التي لم يعايشوها ولهم آراء مختلفة عن تطوير الواقع الإيراني نحو مزيد من الحريات بعد 30 عاما من الثورة.

والملاحظ هنا أن المدونات الإيرانية ومواقع المعارضة الإيرانية على المنتديات الاجتماعية السياسية على "فيس بوك" و"تويتر" و"يوتيوب" هي أكثر من أعطى زخما لإسقاط نجاد وفوز موسوي، ومن أعطي زخما أكبر للتظاهرات، وهو ما رد عليه أنصار نجاد في الساعات الأخيرة بحشد قواعدهم في الأحياء الفقيرة بقوة؛ ما أدى لتأجيل غلق صناديق الانتخابات ومدها لساعات أطول وجعل نسبة التصويت هي الأعلى في إيران بعدما صوت أكثر من ثلاثة أرباع الناخبين.

ومع استمرار الدعم الغربي الإعلامي وتشجيع أوروبيين وأمريكيين للمدونين الإيرانيين – بحسب اعتراف بعضهم على مدوناتهم – للمضي قدما في احتجاجهم وتصوير الأمر من قبل بعضهم على أنه ثورة جديدة مثل ثورة الخميني، أو أنه (كما قال أحد المدونين الإيرانيين في رأي غريب) يمثل تصديا للثورة أو الانقلاب الذي يقوم به نجاد على تعاليم الإمام الخميني(!)، فقد تصور هؤلاء أنهم قادرون على تحدي النظام.

والمشكلة الحقيقية التي ربما لم يدركها الساسة الإيرانيون إلا بعد وقوع هذه الاضطرابات هي أن هذه العولمة الإلكترونية وانفتاح إيران وشبابها على الخارج عبر مواقع الإنترنت لم تستطع الحواجز الأمنية والتضييق الإعلامي المحلي أن تقف أمامها. بعبارة أخرى أخرجت المخابرات الأمريكية والبيت الأبيض هذه الأسلحة الإلكترونية – المستخدمة بالفعل في خرق الحصار الداخلي ولأسباب تجسسية أيضا - للعلن لأول مرة بقوة عندما صدرت أوامر مباشرة لمواقع فيس بوك وتويتر وجوجل لتفعيل خدماتها الفارسية والترجمة من المدونات وتوسيع نطاقها، الأمر الذي حقق اختراقا غربيا للمحرمات الإيرانية وحقق مكاسب للإصلاحيين والطلاب وجعل إيران مكشوفة 24 ساعة تحت أنظار العالم، وهو ما ولد بذاته ضغوطا متواصلة على النظام كلما قمع مظاهرة!.

اهتزاز شرعية مرشد الثورة

ولعل أخطر ما ترتب على هذه الأضطربات واستمرارها أنها تحدت ضد مؤسسات الثورة والجمهورية والمرشد الأعلى نفسه. وقبل عدة سنوات كان من الطبيعي والمعتاد أن يؤدي صدور نداء من مرشد الثورة الأعلى للمتظاهرين بالتوقف أن تخلو معه شوارع طهران من هذه الاضطرابات. ولكن هذه المرة تجاهل هؤلاء الشباب من أنصار موسوي والإصلاحيين (ولدوا بعد ثورة الخميني بخمسة أو عشرة أعوام) لنداءات مرشد الثورة الإيرانية، الأمر الذي يثير تساؤل: هل يعني هذا تحديا وتقويضا لشرعية مرشد الثورة وشرعية الجمهورية الإسلامية برمتها؟.

المرشد الأعلى للثورة في العرف الإيراني والمرجعية الشيعية يعد بمثابة ممثل للقوة الإلهية على الأرض أي (الإمام الغائب) أو (ظل الإمام الغائب)، وقائداً للمسلمين حول العالم، ويمتلك سلطة إصدار أي فتاوى أو قرارات ولا ترد عليه (مثال فتوي الخميني بإعدام سلمان رشدي وجد الجميع صعوبة في إلغائها).

ولأن كلمته هي العليا في كل المسائل، فقد كان الجميع يتوقع أن تصمت المعارضة بعد خطاب خامنئي الأخير في صلاة الجمعة وتأييده لنجاد وتحذيره موسوي وأنصاره من إثارة الاضطرابات، ولكن ما حدث - بجانب كسر المتظاهرين للحاجز النفسي بينهم وبين قوات الحرس الثوري والباسيج التي هاجموها - أحدث شرحا كبيرا في شرعية المرشد والثورة نفسها وفكرة لاية الفقيه، ما تطلب ردا عنيفا من قبل النظام لحماية مؤسساته وإعطاء توجيهاته للشرطة بقمع المتظاهرين الخارجين على طاعة المرشد.

ولعل هذا يفسر أيضا تحذير المدعي العام لإقليم أصفهان بوسط إيران محمد رضا حبيبي للذين يقفون وراء التظاهرات بأنهم قد يواجهون عقوبة الإعدام طبقا للشريعة الإسلامية، وسخرية علي خامنئي من سعي المتظاهرين لثورة برتقالية أخرى على طريقة أوروبا الشرقية بعدما رفع المتظاهرون شعارات خضراء مشابهة.

لكن خامنئي نفسه هذه المرة هو من أعطى بنفسه الحجة لأنصار موسوي لتحديه عندما أيد نجاد وأشاد بفوزه واعتبره فوزه "نصراً من السماء"، وأصر على أنه لا تزوير، وأدخل نفسه في قلب اللعبة السياسية بدلا من أن يظل حكما ورمزا له هيبته التي فقد الكثير منها في هذه الأزمة وعرض بالتالي مشروع ولاية الفقيه نفسه لهزات – أساسها إلكترونية - استفاد منها الطلاب والمعارضون على السواء


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات