English

 

الخميس. يونيو. 18, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » الأقليات المسلمة

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

بعد نجاح اليمين المتطرف في الانتخابات الأوربية في بريطانيا

أنس التكريتي: المجتمع البريطاني المسلم في حاجة لمراجعة شاملة

هادي يحمد

أنس التكريتي
أنس التكريتي

في مقهى قريبا من محطة "فيكتوريا" للقطارات بقلب لندن، حدد لي الدكتور أنس التكريتي أحد أبرز قادة الجالية المسلمة ببريطانيا موعدا لمقابلته. وكان ذلك بعد يوم واحد من الإعلان عن نتائج الانتخابات الأوروبية التي نجح فيها اليمين المتطرف البريطاني في إحراز مقعدين لأول مرة في تاريخه. كان الأمر يتطلب وقفة وتمعن حول هذا الأمر وتداعياته على مسلمي بريطانيا.

التكريتي الذي كان أحد رؤساء الرابطة الإسلامية في بريطانيا ويرأس اليوم مؤسسة "قرطبة" للحوار والتعايش في لندن، لم يخف رغم ابتساماته التفاؤلية التي يبثها بين مقاطع هذا الحوار ضيقه وبعض التشاؤم إذا ما تواصل العمل داخل "المجتمع البريطاني المسلم على هذا النسق". لهذا لم يتردد أنس التكريتي إلى "الدعوة إلى مراجعة شاملة" لعمل الجالية المسلمة في بريطانيا؛ فهو وإن أعلن فشل أساليب العمل، لكنه يفتح نوافذ من أجل "الإنقاذ".

وفي ما يلي نص الحوار:

* اليمين الفاشي يطل برأسه انتخابيا لأول مرة في تاريخ بريطانيا.. كيف تستشعرون الأمر بصفتكم أحد قادة مسلمي بريطانيا؟

- نحن في فترة حرجة نشهد فيها تحديات كبيرة ليس بالنسبة للجالية المسلمة فحسب بل لجميع الجاليات والأقليات التي تقطن بريطانيا حيث إن نتائج الانتخابات الأوروبية مؤخرا أظهرت تقدما للأحزاب اليمينية التي حازت على جل أصوات الناخبين. ولأول مرة في تاريخ بريطانيا يصل عضوان من الحزب اليميني الفاشي "الحزب القومي البريطاني" إلى عضوية البرلمان الأوروبي، كما نجد أن الحزب اليميني الآخر والذي يحتل مساحة بين حزب المحافظين وبين "الحزب القومي البريطاني"، وهو "حزب الاستقلال البريطاني" الذي يدعو إلى الانفصال عن أوروبا يحل المرتبة الثانية بعد حزب المحافظين بل ويسبق حتى حزب العمال الحاكم.

وحقيقة فإن هذه النتائج تقدم تحديات كبيرة أمام الطبقة السياسية حيث عبرت جميع الأحزاب عن أسفها لنجاح "الحزب القومي البريطاني" باعتباره حزبا فاشيا وعنصريا متطرفا لا يستطيع أحد استساغة التعامل معه، ولكن في نهاية المطاف هذا هو الواقع، والناخب البريطاني عبر عن استياءه من الوضع السياسي الراهن بحركة احتجاجية. وهذا يضعنا في صورة جلية لما نحن فيه من حالة تحدي تقع أمامنا كمسلمين (وكذلك بالصورة الأعم كبريطانيين) بعد أن انعدمت الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة لدى الشارع البريطاني إثر "فضائح النفقات" لأعضاء البرلمان.

ولا شك أنه مع هذه التحديات ثمة فرص متاحة لنا لأن الجميع الآن في حالة مراجعة للنفس وللذات، وهذا ما يسمح لنا بأن نحتل مواقع جديدة وننخرط في خطاب ونقدم حلولا تسمع لها. وبالمجمل نحن اليوم نواصل تغيرات كبيرة حصلت خلال السنوات العشر الماضية، وخاصة بعد احداث 11 سبتمبر 2001 وتفجيرات لندن 2005، داخل المجتمع المسلم، وهي قد ادت إلى صعود الخط البياني حينا ونزوله أحيانا كثيرة.

* ولكن عمليا ما هي أهم التحديات التي يواجهها مسلمو بريطانيا؟

- أعتقد أن التحدي الأول هو معرفة الذات (ولا أقصد الهوية فقط؛ فالهوية لا شك هي السؤال المطروح أمام الجميع) ولا شك أن هناك من الجالية الهندية والكاريبية وغيرها من يسألون: هل أنتم بريطانيون بالفعل؟ وهل أنتم بريطانيون بما يكفي؟ وهل ولائكم مطلق لبريطانيا؟.. هذا سؤال يطرحه الجميع.

وبالنظر إلى الأحداث السياسية والصراع الفكري القائم على مستوى العالم يطرح هذا السؤال على المسلم أكثر من غيره. وأيضا هناك سؤال آخر يطرح أمام الجالية المسلمة ككل، بمؤسساتها وكياناتها وممثليها ومراكزها الإسلامية والناطقين باسمها. وهنا يكمن الإشكال لأن المجتمع المسلم البريطاني ليس كمسلمي فرنسا على سبيل المثال حيث ينحدر أغلب مسلميها من منطقة واحدة هي المغرب العربي وهو ما يسمح بنوع من التجانس وقدر ما من الانسجام نظرا لتقارب أسباب الهجرة.

أما أمر الجاليات المسلمة في بريطانيا فهو مختلف، حيث إن هذه الهجرات جاءت على فترات متباعدة بدأت من القرن الماضي من كل أنحاء العالم الإسلامي، من الجالية الهندية ثم اليمنية والشرق أوسطية ومن العالم العربي. وتعددت نتيجة لذلك الأسباب؛ فهناك سبب سياسي (وهو من أكبر دوافع الهجرة إلى بريطانيا) وهناك الهجرة الاقتصادية، وهناك الهجرة التعليمية التي جاءت بآلاف مؤلفة من الطلبة وخاصة من العرب والذين جاء بعضهم من أجل إنهاء دراستهم العليا وليجدوا أنفسهم فيما بعد وقد تزوجوا وأنجبوا أبناءً؛ فكان هذا ما جعل من بريطانيا بلد التنوع والتباين ووجود أقسام وأطياف مختلقة تشكل المجتمع المسلم، الأمر الذي يفرض على المجتمع المسلم البريطاني اليوم تحديد هويته وعلاقته بالضبط مع الكيان العام (أي بريطانيا) ونوعية الخطاب المطلوب إصداره.

* عذرا.. لماذا تصف مسلمي بريطانيا بكونهم "المجتمع المسلم ببريطانيا"؟

- نحن لم نختر هذا الوصف في يوم من الأيام، بل اختاره الرأي العام السياسي والإعلامي البريطاني، ولم نسأل بما نحب أن يسمونا أو يطلقوه علينا! ولم يسألنا أحد ولم نجتمع في يوم من الأيام حتى نحدد التسمية التي تناسبنا؛ فهذه التسمية أطلقها علينا الإعلام البريطاني إبان أزمة "سلمان رشدي" في بداية الثمانينات في القرن الماضي.

وواقعيا فإن تحديد الهوية والخطاب الذي يتبع الهوية يحتاج إلى نوع من التحديد بعيدا عن الشعارات العامة التي نعرفها جميعا كمسلمين بأننا بشر، وأن الإسلام جاء رحمة للعالمين والعيش مع الجار والحب للجميع.. والسؤال هو عن تحديد الممارسات التي تتبع هذه المعتقدات وهذا الشعور بالانتماء للبلد؛ فتحدي تحديد الذات هذا يتبعه تكريس برامج تدريبية وتعليمية في مدارس حفظ  القرآن والمدارس العربية وكذلك خطب الجمعة واللقاءات الاجتماعية والمراكز الإسلامية وما شابه ذلك حتى يتغلغل هذا الخطاب في كل أنحاء المجتمع ويصبح بعد ذلك طبيعي غير متكلف وغير مصطنع.

ونحن بحاجة إلى تحديد دورنا وطرح سؤال المستقبل.. فإذا قلنا بأننا جزء لا يتجزأ من الكيان البريطاني وبأن لنا حقوق فإذن علينا واجبات.. ثم ما هو تطلعنا إلى المستقبل من أجل صناعته على الصعيد السياسي والفكري والاجتماعي، والذي يتماشى مع هوية البلد وموقع بريطانيا في خريطة العالم، الأمر الذي يدفعنا إلى الفهم بأننا شركاء، والشعور بالشراكة هذا ينبغي أن ينبني عليه خطاب واضح، وهذا الأمر غير ملموس حتى الآن وغير واضح وغير جلي ولا تكفي النيات في ذلك من أجل تحقيقه.

ونعود للتحديات حيث التحدي الآخر هو إقناع الآخر بقبول فكرة الاندماج. والمقصد هنا أن بريطانيا أعلنت ومنذ سنوات وعقود بأن المجتمع هو مجتمع متنوع وثري باختلافه ومشاربه المتعددة التي يأتي منها الناس؛ فمن يأتي من الكاريبي ومن يأتي من إفريقيا ومن يأتي من دول الاتحاد السوفيتي السابق ومن يأتي من شمال أمريكا ومن يأتي من آسيا.. والمجتمع البريطاني يفخر بذلك، ويقول بأن هذا أمر يستعدنا جدا ويقول بأن التعدد الثقافي يصنع وجه بريطانيا الآن.

وتبعا للتعدد الثقافي هناك تعدد ديني دفع بالملكة بوصف بريطاني بـ "المدافعة عن العقيدة والمدافعة عن الدين". ومعروف أن الملكة توصف بكونها مدافعة عن الكنيسة، وها هي تصبح اليوم ملقبة بـ "المدافعة عن العقائد بشكل عام".. المجتمع البريطاني لم يعد كنيسة واحدة ولم يعد نصرانيا فقط بل أصبح مجتمعا يحتوي على كل الأديان الموجودة في العالم، فضلا عن الأشخاص الذين لا دين لهم، وبالتالي أصبح هناك إقرار واعتراف، وعلى صعد كثيرة جدا، بالاحتفاء بهذه التعددية الدينية الموجودة علاوة على التعددية الإثنية والعرقية.

ولكن نقول كما في حالة المجتمع المسلم، الشعار أمر يختلف عن الممارسة، والذي وجدناه من تحد وصعوبات يؤكد أن هذه الشعارات ناقصة.. وربما لم يعد أمام ذلك إلا تلقين الشاب المسلم ضرورة الاندماج، لكن السؤال ماذا لو ذهب هذا الشاب وطرق الباب، هل هناك من يسمع ويستجيب ويستقبل؟

نقول ذلك لأن الاندماج يفترض أن يكون موضوع اتفاق من طرفين، وربما الحماسة التي قد يبديها المسلمون لا تجد حماسة مشابهة من قبل المجتمع المضيف، وهذا يخلق تحديا آخر هو: كيف نقنع الطبقة السياسية والتشريعية والإعلامية من مثقفين وأكادميين ومنظمات مجتمع مدني بضرورة  ممارسة وتفعيل استقبال من أصبح جزءا من الكيان وتحقيق الفرص المتساوية في التوظيف وفي التعليم والرعاية الصحية والمواصلات وغير ذلك.

ولا زلنا نجد أن هذه الأقليات العرقية والدينية (وعلى رأسها المجتمع البريطاني المسلم) في أسفل السلم؛ أي ثمة إشكالية تضع أمامنا كمسلمين تحديا يمنعنا من مواصلة دفع عجلة الاندماج وإشعار المسلم كونه مواطنا حقا لأنه ليس هناك من يستقبل هذه الفورة وهذه العاطفة.

* في إطار مطلب المراجعات الذي تطرحه.. ألا تعتقد أن هناك حاجة ضرورية من أجل مراجعة قضية التمثيل، أي من يمثل المجتمع المسلم البريطاني؟

- لقد أدير نقاش طوال السنوات الماضية حول رغبة البعض حول هذا السؤال.. وبرأيي هذا سؤال ليس له حل.. ولو اتفقنا فعلا على تلك المسألة المهمة، وهي مطلب عام في كل حال؛ تبرز أسئلة أولها: كيف؟ وهناك مجتمع مسلم مشكل من عشرات إن لم يكن المئات من المذاهب والعرقيات والطوائف (والأفكار بالاطبع) وهذا أمر عرفته عن قرب حينما خضت الانتخابات الأورو في عام 2004، إذ  تعرفت عن كثب على هذا الواقع الذي لا يعرفه الكثيرون رغم أني ابن هذا البلد وترعرعت في بريطانيا، إلا أنني اكتشفت هذا لأول مرة في حياتي؛ فالمجتمع الآسيوي والذي نطلق عليه نحن هذه التسمية، يصعب داخله التفرقة بين المجتمع الباكستاني وبين المجتمع البنجلاديشي والهندي، فهي بدورها مجتمعات متعددة.. ومثلا المجتمع الباكستاني وحده مقسم إلى ما لا يقل ما بين 30 إلى 40 طيفا، ولا يقبل طيف أن يمثله طيف آخر.. بل إن أحد التساؤلات التي كنا نتعرض لها من قبل البعض حينما كنت مسئولا في الرابطة الإسلامية في بريطانيا وننتقد من أجلها أننا نحشد قوانا من أجل التظاهر فقط من أجل فلسطين أو العراق، ويقول الآخرون لنا "أنتم تهتمون فقط بالقضايا العربية"، وكان ردنا أنه "بودنا أن نخرج متظاهرين من أجل كشمير ولكن أين أنتم يا أهل باكستان ويا أهل كشمير من قضية كشمير، وهناك ما لا يقل عن خمسة أو ستة آراء متباينة ومتناقضة حول قضية كشمير؛ فأي الآراء نتبنى ومن يخرج للتظاهر  ومن أجل أي فكرة؟". بكلمات أخرى نحن لم نفرق بين قضية كشمير وقضية فلسطين التي تجمع الكل وقضية العراق التي جمعت الكل أيضا.

والحقيقة أنه بخصوص قضية التمثيلية هناك تباين واسع جدا، و أنا لو اتفقت معك على أنه من الضرورة بمكان أن نجد تمثيلية للمسلمين؛ فلن أستطيع بحال أن أمثل كل واحد، ولن أستطيع أن أمثل كل طيف.

* ولكن ألا تمثل التمثيلية النسبية في هذا المجال حلاً سيما وانكم تتحدثون عن ضرورة المراجعة لمواجهة التحديات الراهنة؟

- قضية النسبية (الكوتا) هي من المسائل التي يتناولها المجتمع المسلم البريطاني بشكل مستمر حتى داخل "المجلس الإسلامي البريطاني" -وأنا بالمناسبة لست جزءا منه- لأن هناك عروض قدمت وحلول حاولنا أن نقدمها مثلا بدلا من أن نقسم المجتمع المسلم على أساس انتمائه الطائفي. وقد حاول المجلس أن يجد بعض القواسم المشتركة؛ فقام بتقسيم المجتمع المسلم على أساس مؤسسات وجعل لكل مؤسسة بحسب حجمها تمثيلية. ولا ينظر في ذلك هل أن هذه المؤسسة أو تلك هل هي مشكلة من عرب أو باكستانيين أو من أكراد أو من بوسنيين، لكن المهم بالنسبة إليه أن هذه المؤسسة معبرة ومسجلة رسميا لدى الحكومة ولها أعضاء ونشاطات وإصدارات.

بيد أن السؤال المقابل هل تقبل كل المؤسسات أن تكون ضمن المجلس الإسلامي البريطاني؟ لا..  وهذا من أجل أن أوضح لك بأن سؤال التمثيلية يحتاج إلى مراجعة بدوره.. فهل نحن مضطرون أن نثبت أمام الحكومة أو المجتمع البريطاني أو أمام الإعلام بأننا يمكن أن نفرز هيئة أو لجنة أو مؤسسة أو مفوضية تتكلم عن المسلمين بشكل عام؟ أم أننا كمجتمع مسلم مختلفون وبيننا اختلافات كبيرة اقتصادية واجتماعية وطبقية كما هو الحال في المجتمع البريطاني ككل، وبالتالي لا داعي أن تفرض علي منطق (إما أن تتكلم بصوت واحد أو لا أسمع لك). هذا ما أريد الوصول إليه، وهو أن الذي أصر على قضية تمثيلية مسلمي بريطانيا أراد أن يضع العصا أمام العجلة على الدوام. لماذا؟ الجواب يتمثل على سبيل المثال في النظر إلى (مجلس مسلمي بريطانيا) الذي يمثل أكثر من 530 منظمة حيث يقال إن هذه المنظمات مجتمعة لا تمثل إلا 30 بالمائة من مسلمي بريطانيا.

ولهذا أقول بأن الحل عبر التمثيلية يكاد يكون مستحيلا، بل ويصبح سؤال التمثلية سؤالاً من أجل صناعة إشكالية لا أكثر ولا أقل. والأفضل من ذلك أن ينحو المسلم منحى القضية، أي لا نحاول تصنيف الشخص بل نصنف القضية. ومثلا قضية العراق مثلت حوالي تسعين بالمائة من مسلمي بريطانيا وقضية الإسلامفوبيا يندرج تحتها الجميع.

* إذا ما المقصود من المراجعات وفي أي السياقات والميادين تندرج؟

- هناك مسألتان: آليات العمل والخطاب الذي يوافق هذه الآليات. والمراجعات يجب أن تتم على عدة مستويات. وباعتباري أحد المسئولين عن المجتمع المسلم البريطاني، أؤكد على هذه المراجعات داخل المجتمع المسلم، وأطالب الآخر أن يقوم بهذه المراجعات ضمن دائرته. وأنا أخاطب الإعلام عن نوعية خطابه تجاه الإسلام والمسلمين في بريطانيا، وأخاطب الطبقة السياسية أين هي التشريعات والقوانين التي تؤدي إلى حصر وعزل العنصرية ودعم الاندماج؟ وأين هم من قضية محاربة التطرف التي ساهموا في زيادتها من خلال عزل الإنسان. وأقول لهم: (حينما تقولون لشخص أنه لا يعجبنا خطابك لأنك متطرف أو إرهابي أو أصولي.. فأنتم تصنفون الناس وتخلقون انعزالية لا يجد معها الشاب إلا التطرف ولا يجد له من ملاذ إلا لدى دعاة الغلو والانعزال ودعاة نبذ الآخر ونفيه).

* هل إنشائكم لمؤسسة قرطبة يندرج في هذا المسعى، أي القيام بالمراجعات لا من منطلق المسئولية ضمن منظمة إسلامية فحسب، ولكن ضمن إطار فكري وتربوي أكثر عمقا من العمل النضالي اليومي؟

- جاءت فلسفة قيام مؤسسة قرطبة بعد أن اقتنعت بأن هناك فراغا داخل الساحة، وبعد أن كنت أحد قادة مناهضي الحرب في بريطانيا ويعدني البعض أحد قادة المجتمع المسلم البريطاني، وجدت بعد سنوات أننا لم نصل إلى الغاية. ومع كل النجاحات التي تحققت لاحظنا أننا مازلنا بعيدين عن تحقيق الاندماج الكامل لأن اللحظة التي نندمج فيها هي اللحظة التي نتوقف فيها عن الحديث عن الاندماج.

وكانت مؤسسة قرطبة نتاج فكرة مع بعض الإخوة تبحث عن مصدر الإشكال الحقيقي. وأحد هذه الإشكاليات هي أننا لما كنا في الشارع نتظاهر ونلوم الساسة ونعتب عليهم نسينا أن ندخل إلى داخل أروقة صناعة القرار وأن نناقش الناس بهدوء على طاولات الحوار وأن نهمس في أذن البعض وخاصة أن أكثر الناس هم ليسوا أصحاب أجندات أو مؤدلجين أو خالين الذهن، ولو أسمعناهم همسا ودون تجريح أو لوم ربما نوصل لهم المعلومة الصحيحة ونوصل الصورة إلى مكاتبهم على حقيقتها، وربما بعد هذا نحقق ما لا تحققه الحشود الموجودة في الشارع.

والحقيقة نحن نحتاج إلى ذلك الأسلوب الشمولي، أي القيام بحملات ولكن يوازيها كذلك محاولة التواصل مع صناع القرار وتقديم المعلومة لهم بهدوء. وفي هذا السياق جاءت فكرة مؤسسة قرطبة التي تقوم على أن بيننا وبين الغرب تاريخ، وأن مسلك نفي الآخر إشكال لا يؤدي إلى نتيجة، ولم يكن الإسلام في يوم من الأيام يدع إلى هذا المسلك. حتى اختيار اسم "قرطبة" جاء ليؤكد على تواصل الحضارات. وتنطلق فلسفة من أن السياسة الفاسدة والخاطئة هي التي تبنى على معلومة فاسدة، وهمنا هو تقديم المعلومة بشكل جديد في إطار جديد من أجل تصحيح المعلومة، وحبذا بعد ذلك أن تصحح السياسة والقرار.

وأعتقد أن المؤسسة قد حققت خلال السنوات الأربعة الماضية نجاحات كبيرة واستطاعت أن تدخل إلى أروقة صانعي القرار في بريطانيا وحتى على المستوى الأوربي، ولكن الأمر لا يجب أن يتوقف عند هذا الحد لأن التحديات كثيرة. وبفضل العمل الذي نقوم به في المؤسسة اكتشفنا أن هناك مؤسسات أخرى تقوم بنفس الدور أو دور مشابه، وبتضافر الجهود مع هذه المؤسسات نستطيع مضاعفة العمل الذي يأتي من خلال هذا الجهد.


مراسل شبكة إسلام أون لاين. نت في فرنسا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات