English

 

الأربعاء. يونيو. 17, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

مخاطر الثورة على الثورة الإيرانية

نبيل شبيب

Image
موسوي وسط حشود من المحتجين
ما يجري في إيران بعد انتخابات الرئاسة لعام 2009 أخطر عليها داخليا وأخطر إقليميا من جميع ما شهدته بعد ثورتها على الشاه وارتباطه بالعجلة الأمريكية قبل ثلاثين عاما، بما في ذلك الحرب العراقية-الإيرانية بدعم غربي وإقليمي للعراق آنذاك.

ومن أهم ما تكشف عنه مظاهرات مئات الألوف في طهران وبعض المدن الإيرانية الأخرى، أن كلمة الخامنئي، المرشد العام للثورة، ولي الفقيه، وصاحب السلطة شبه المطلقة بحكم الدستور، لم تعد مسموعة عند نسبة عالية من الإيرانيين، وأن التعامل مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة وما أظهره الخامنئي بصورة غير مباشرة، وأظهره بعض أعضاء هيئة "صيانة الدستور" علنا من تأييد لطرف على حساب طرف آخر، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير داخليا، ويمكن أن تفضي إلى ثورة على الثورة، وسيان بعد ذلك هل ينجح الثائرون في تحقيق الهدف المعلن، وهو إعادة الانتخابات نفسها، أم يتم إخماد تحركهم بقوة السلطة؛ فلن تبقى آثار الأحداث الجارية محدودة على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الإقليمي على السواء.

مرجعية الإسلام.. وهيئة صيانة الدستور

ينبغي في البحث عن مكمن المشكلة داخليا التمييز بين المرجعية الإسلامية للحكم وفق الرؤية المذهبية السائدة في إيران، وبين الآلية التنفيذية المقررة لذلك وفق ما يعرف بولاية الفقيه، لتحديد ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى الانتخابات وممارسة السلطة.

في هذا الإطار لا مجال لقبول حجج من ينتقدون الأوضاع الإيرانية من خارج إيران ومن خارج المنطلق الإسلامي، ويركزون في ذلك على رفضهم تثبيت الإسلام مرجعية للسلطة، فبغض النظر عن المسألة المذهبية بين سنة وشيعة، لا يكمن الفارق الحاسم في فصل السلطات، فهو مطلوب على جميع الأحوال، ولا في سيادة القانون واستقلال القضاء، ولا في التعددية وتداول السلطة داخل نطاق المرجعية المشتركة، فجميع ذلك من شروط أي حكم عادل وقويم، بل يكمن الفارق الحاسم بين حكم إسلامي وحكم علماني في كلمة "المرجعية"، ولا يمكن أن يقبل أصحاب المنطلق الإسلامي في الحياة والحكم بأن تكون العلمانية هي مرجعية حكم إسلامي كما أن العلمانيين لا يقبلون بأن يكون الإسلام هو مرجعية حكم علماني.

وإيران مثل سواها من البلدان الإسلامية، لا ينبغي التردد في رؤية الإيجابيات ورؤية السلبيات في سياساتها وممارساتها، واتخاذ المواقف القويمة المتوازنة تبعا لذلك، وكثير من الأطراف المعادية لإيران لا ينطلق عداؤها من سياساتها وممارساتها الآنية قدر ما ينطلق من العداء للإسلام نفسه باعتبار الحكم القائم فيها يحمل عنوان الإسلام بصورة مباشرة، وكثير ممن يوظفون الخلاف المذهبي في هذا العداء لا ينطلقون من دفاع عن السنة تجاه الشيعة، بل ينأون بأنفسهم ابتداء عن الأخذ بالإسلام نفسه بمختلف مذاهبه واجتهادات حركاته وآراء مفكريه والصور الممكنة لتطبيقه في الحياة والحكم، وقد يكون فيهم من يرفعه شعارا ويستغله أو يعاديه واقعا.

إن تثبيت المرجعية بوسيلة مضمونة شكلا وموضوعا هو المدخل الحاسم في التعبير عن إرادة الشعب وحكمه لنفسه بنفسه، وقد كانت الثورة الإيرانية التعبير عن هذا الاختيار الشعبي قبل ثلاثين عاما، بغض النظر عن السياسات والممارسات التالية لها.

ويبقى التمييز من بعد ذلك قائما وواجبا ما بين المرجعية بحد ذاتها، وآليات التنفيذ لممارسة السلطة عبر أجهزة الحكم. وفي هذه الآليات وفق المرجعية الإسلامية بمنظورها الشيعي، زرعت الثورة الإيرانية بذور الأزمة من البداية، وكان لا بد أن توصل في مرحلة من المراحل إلى ما نشهده في الوقت الحاضر أو ما يشابهه، وما كانت الانتخابات الرئاسية سوى الشرارة الأخيرة له بعد احتقان طويل.

لا يمكن ضمان الالتزام بالمرجعية من فوق مختلف الأجهزة والأفراد في دولة من الدول إلا بوجود جهاز مرجعي دستوري مستقل عن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، لا يقوم بأسلوب التعيين سواء من جانب مرشد ثورة، أو رئيس جمهورية، أو ملك أو أمير، ولا يكون تشكيله وتبديل أعضائه خاضعا لتقلبات الغالبية والأقلية في المجلس المنتخب باسم مجلس نيابي أو مجلس الشعب أو مجلس الأمة، بل ينبغي أن يثبت الدستور طريقة تشكيل ذلك الجهاز المرجعي وصلاحياته والتزام مختلف السلطات والأفراد بأحكامه وقراراته، وما يكفي من الضمانات الحائلة دون تسييسه أو وقوعه تحت تأثير أي جهة من الجهات المشاركة في السلطات الثلاث، وعندما ينحاز أحد أعضاء ذلك الجهاز لجهة من الجهات السياسية الداخلية أو الخارجية على حساب المرجعية الإسلامية العليا في البلاد، يفقد مشروعية بقائه عضوا فيه.

جهاز المرجعية هو ما يحمل في بعض البلدان الديمقراطية الغربية اسم المحكمة الدستورية أو المحكمة العليا، وهو ما يُفترض أن تمثله هيئة صيانة الدستور في إيران، إنما لم تكن شروط تشكيل هذه الهيئة، ولا ممارساتها الفعلية في السنوات الماضية، تثبت مثل تلك الضمانات لتكون مرجعية تطمئن الغالبية الكبرى من السكان، والتيارات والأحزاب والسلطات، إلى نزاهة حكمها، وحيادها، والتزامها بالمرجعية الإسلامية، وبالدستور، ليكون اللجوء إليها في مثل الأزمة الناشبة عن الانتخابات الرئاسية الأخيرة أمرا مفروغا منه ومرضيا لجميع الأطراف.

بين حل جذري وإخماد وقتي

الخروج من الأزمة بعد اندلاعها أصعب من الوقاية منها للحيلولة دون نشوبها، وما يوصف الآن بتنازل قدمه مرشد الثورة لمرشح "الإصلاحيين" موسوي وسواه، بصدد تكليف هيئة صيانة الدستور بالنظر في اعتراضاتهم والوصول إلى قرار بصددها خلال عشرة أيام، لا يكفي لمعالجة الأزمة نفسها ولمنع استفحالها وربما تكرارها مستقبلا. ولا يعود ذلك فقط إلى أن الطرف الذي يشكو من وقوع تجاوزات كبيرة أو صغيرة أثناء الانتخابات لم يعد مطمئنا إلى حكم هيئة صيانة الدستور، بل يعود إلى ضرورة إدخال تعديلات جذرية على تشكيل هذه الهيئة نفسها ليكون الاحتكام إليها مقبولا.

قد لا تكون التجاوزات إن صح وقوعها كبيرة إلى درجة تؤثر تأثيرا حاسما على نتائج الانتخابات نفسها، ولكن وقوعها أصلا مرفوض ابتداء، وقد يكون أحمدي نجاد هو الرئيس المفضل عند غالبية سكان إيران استنادا إلى ما حققه من إنجازات في نظرهم واستنادا إلى شكوكهم تجاه الآخرين، ولكن انحياز المرجعية العليا إليه هو المرفوض ابتداء، وما لم يصدر موقف رسمي علني صريح ينطوي على الإقرار بعدم صحة هذا الانحياز، وعلى الاستعداد لإجراء التعديل الدستوري الجذري المطلوب وتشكيل المرجعية العليا بصورة قويمة، فلا يبدو أن الأزمة الحالية ستجد حلا لها، وإن وجدت فسيكون تكرارها بشكل أو بآخر مسألة زمن فحسب.

وقد يوجد في نطاق ما يوصف بالتيار الإصلاحي من له ارتباطات بدول أجنبية حسب اتهامات بعض الجهات لساسته، وربما كان لبعض تلك الدول دور استخباراتي ما في زيادة حدة التعبير عن غضب فريق من الناخبين، ولكن القاعدة العامة التي تسري على البلدان الإسلامية الأخرى تسري على إيران أيضا، وهي أن القوى الخارجية لا تستطيع تحريك الجماهير على نطاق واسع، لولا وجود ركائز داخلية مع انتشار درجة عالية من السخط توجد البيئة التي تسمح بذلك. ومن مصلحة إيران أن يبحث المسئولون عن الأسباب الداخلية فهي الأهم، ولا يكتفوا بتوجيه أصابع الاتهام لجهات خارجية، أو يتبعوا أساليب تخوين الطرف الآخر داخل البلد الواحد، فضلا عن أن استخدام قوة القمع لتهدئة الأحداث لا يؤدي إلى حل الأزمة بل يسبب تصعيدها وربما العجز عن السيطرة عليها وعلى نتائجها.

لا بد للمسئولين في إيران، في السلطة وفي المعارضة، من يوصف منهم بالمحافظين ومن يوصف بالإصلاحيين، أن يخرجوا بأنفسهم من النظر إلى الأزمة القائمة في بلادهم على ضوء المواقف الدولية والإقليمية إزاءها، فسيان ما هي تلك المواقف وما هي الغايات منها، وما مدى تأثيرها على الوضع الداخلي، يبقى مستقبل إيران ومستقبل ثورتها ومستقبل السلطة فيها، قضية مشتركة بين أهلها أولا، ونتائج الأزمة تلحق الأضرار بجميع الأطراف، وكل أزمة داخلية في بلد من البلدان لا يمكن أن تسفر عن كاسب وخاسر، بل عن أطراف خاسرة فقط، ما لم يتم علاجها من الجذور، بما يحق المكاسب لجميع الأطراف.

مصلحة إيران مرتبطة بإرادة شعبها

إذا كان من مصلحة الدول الغربية التي تطلق احتجاجاتها على أسلوب تعامل السلطة مع الأحداث، أن تسود الفوضى في إيران، أو أن يصل إلى السلطة فيها من يكون أقرب إلى تلبية المطالب الغربية تجاه إيران في ملفها النووي وسياساتها الإقليمية، فليس من مصلحة إيران أن يتغلب فريق على فريق، ثم تعلق به شائبة الارتباط بقوى أجنبية، فذاك أخطر عليه من خطر الغضب الشعبي على الفريق الآخر، انطلاقا من رفض أوضاع من شأنها بقاء السلطة بصورة "مؤبدة" في أيدي طرف من الأطراف.

ليست ثورة إيران -بغض النظر عن الموقف العربي والإسلامي الرسمي أو الشعبي منها- ملكا لأصحاب السلطة في إيران، بل هي ملك شعب إيران بمجموعه. وليست سياسات إيران إيرانية عندما تمثل وجهة نظر فريق دون فريق، بل هي إيرانية بمقدار ما تمثل الغالبية الكبرى من شعب إيران بمجموعه.

وليس نشوب الفوضى في إيران من مصلحة أي دولة إقليمية ولا سيما الدول العربية، ناهيك أن يكون النكوص إلى حكم تابع للقوى الغربية كما كانت إيران في عهد الشاه، يمثل مصلحة إقليمية، وإن مارست بعض الأنظمة سياسات توحي بذلك، فاستقلال المنطقة عن مفعول الضغوط الأجنبية مرتبط باستقلال المزيد من دولها عن التأثر بتلك الضغوط مهما كانت طبيعتها وغاياتها، وقوة المنطقة مرتبطة بقوة كل دولة من دولها، وليس بضعف هذه الدولة أو تلك وفتح الأبواب بذلك أمام مزيد من الهيمنة الأجنبية.

ومهما كانت طبيعة الأزمة الحالية في إيران، ومهما كانت المآخذ المحقة على طبيعة الحكم القائم فيها وآلياته، يبقى مما يلفت النظر أن الأزمة فيها أزمة انتخابات يشك بعض الأطراف في نزاهتها، بينما أصبحت أزمة الأزمات في معظم بلدان المنطقة كامنة في تغييب إرادة الشعب وتغييب التعبير عن تلك الإرادة عبر انتخابات حقيقية، وكثير مما يجري تحت عنوان انتخابات واستفتاءات بات أزمة بحد ذاته، أو صورة من صور غياب أي مرجعية من المرجعيات تستند إلى إرادة الشعوب وليس تغييب مرجعية الإسلام فقط، وهو -إن كان الأخذ به وبمرجعيته سليما قويما- ما يضمن تحقيق المصلحة العليا لجميع الأطراف، وتحرير إرادة جميع الأطراف من مختلف أشكال عبودية العباد للعباد، من داخل الحدود ومن خارج الحدود على السواء.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات