English

 

الاثنين. يونيو. 15, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

بضاعة أمريكية قديمة في عبوة جديدة

د.إبراهيم البيومي غانم

Image
باراك أوباما
يخطئ كل من ظن أن خطاب أوباما في جامعة القاهرة، ومن قبله في تركيا، يحمل فقط نوايا حسنة تجاه العالم الإسلامي. ويخطئ مرة أخرى من ينتظر "الأفعال" لتصدق "الأقوال". وسبب هذا الخطأ في الفهم والإدراك واضح لا يحتاج إلى ذكاء غير عادي.

السبب هو أن لأوباما والإدارة الأمريكية الجديدة خطابان: الأول خطاب نظري عاطفي ناعم يلقيه على مسامعنا ويلهب به مشاعرنا، وخصوصاً مشايخنا عندما يأتي على معنى لآية قرآنية، أو يلقي تحية "السلام عليكم". والثاني خطاب عملي فعلي على أرض الواقع هناك في باكستان، وأفغانستان والعراق؛ حيث يجري حصد أرواح الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ، أو يتم تهجيرهم قسراً، وتشريدهم جبراً عنهم إلى حيث لا يعلمون، وإلى وقت لا يعرفون له نهاية.

أضف إلى ذلك خطاب القوة الإسرائيلية الوحشية التي هي جزء لا يتجزأ من خطاب القوة الأمريكية الفعلية، التي قال عنها أوباما تحت قبة جامعة القاهرة "إن علاقة أمريكا بإسرائيل غير قابلة للكسر"، ومعنى ذلك أن كل شيء آخر قابل للكسر، بما في ذلك رقاب من يحاول تغيير هذا التحيز الأمريكي الأعمى لإسرائيل.

هذان هما خطابا السيد أوباما: خطاب النوايا في واد، وخطاب الأفعال في واد آخر، وكلاهما حاضران عياناً بياناً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد... أم ترانا لا نعد باكستان وأفغانستان والعراق وفلسطين من العالم الإسلامي الذي قال أوباما "إن بلاده لم ولن تكون في حرب معه"!

علينا أن نقر طبعاً بأن أوباما نجح في امتحان جامعة القاهرة ـ التي هي غير مصنفة على أية حال ضمن أفضل خمسمائة جامعة في العالم ـ في كسب قلوب وعواطف أغلبية مستمعيه ومشاهديه في النصف ساعة الأولى من خطابه الخميس الماضي 4 يونيو، ولكنه في النصف ساعة الثانية من هذا الخطاب خسر عقولهم. وأغلب الظن أن ما خسره في النصف الثاني من خطابه سيمحو سريعاً ما كسبه في نصفه الأول ما لم يتدارك ما أخفق فيه، وإلا فإنه سيكتشف بعد وقت قليل أنه عاد "بخفي حنين" من رحلته الميمونة إلى "أم الدنيا"، و"بلد الأزهر الشريف"، و"قلب العالم الإسلامي".

وإليك حيثيات ما نجح وما لم ينجح فيه:

نصف ساعة "نجاح"

نجح أوباما في كسب العواطف والقلوب عندما استهل خطابه بإلقاء تحية الإسلام على مستمعيه قائلاً "السلام عليكم" مشيداً بالأزهر الشريف ذي الألف عام من العلم والمعرفة. وكسب أيضاً عندما استشهد سبع مرات بآيات من القرآن الكريم، وعندما استحضر صوراً مشرقة من التاريخ توضح إسهامات الحضارة الإسلامية في تقدم البشرية ورقيها بفضل "روح الابتكار والإبداع عند المسلمين" في مجالات العلم والمعرفة والآداب والموسيقى والحكمة والشعر.

أوباما نجح أيضاً ـ وفي النصف ساعة الأولى من خطابه ـ في خطف عواطف أغلب مستمعيه عندما أشار إلى معاناة الشعوب الإسلامية من الاستعمار الأجنبي خلال القرنين الماضيين، وكيف حرمت هذه الشعوب من حقوقها، وعوملت "كأنها دون تطلعات، أو ليس لها آمال في حياة حرة كريمة. وكسب عندما أشار إلى إيمانه بأن أساس العلاقات بين الشرق والغرب هو "الاحترام المتبادل، والثقة المتبادلة".
 
فاز أوباما كذلك بعواطف وقلوب مستمعيه عندما أدان "الصور النمطية السلبية" التي تروج في الغرب ضد الإسلام، ولم يستخدم مصطلح "الإرهاب"، ولا الحرب على الإرهاب، وإنما تحدث عن التطرف والتشدد، وتحدث أيضاً عن "الصور النمطية السلبية" التي تروج في العالم الإسلامي ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف أن "الإسلام يشكل جزءاً من أمريكا".

وكسب أوباما مرة أخرى عندما سرد ـ بكلمات موجزة ومعبرة ـ قصة نجاحه الشخصي حتى أصبح رئيساً لأكبر دولة في العالم، مؤكداً على اعتزازه بأن بعض أعضاء عائلته مسلمون، وأنه عاش فترة من حياته في إندونيسيا وهي أكبر دولة إسلامية في العالم؛ يسمع الآذان كل يوم من الفجر حتى العشاء، وأنه عرف على أرض الواقع الذي عاشه في إندونيسيا عظمة التسامح الإسلامي مع المسيحيين وغير المسلمين عامة، وعندما قال: "الإسلام كان دائماً جزءاً من حكايتي وقصة أمريكا".

كل تلك المعاني النبيلة التي تغطي مساحات واسعة من تاريخ الإنسانية، ومن جغرافية العالم القديم والحديث معاً لم يستغرق الرئيس أوباما في طرحها سوى أقل من نصف ساعة، وخلال تلك النصف ساعة استطاع أن يكسب قلوب مستمعيه وعواطفهم، وأن ينتزع عديداً من موجات التصفيق والاستحسان.

نصف ساعة "ألغت ما قبلها"

عند هذه الحدود العاطفية/ الوجدانية انتهى ـ في تقديرنا ـ مسار نجاح أوباما في ورقة الامتحان الأولى تحت قبة جامعة القاهرة، وبدأ مسار عكسي آخر في الورقة الثانية: هو مسار الخسارة، والإخفاق في كسب النصف الثاني من مهمته، وهي أن يفوز بعقول مستمعيه في العالم الإسلامي.

جاءت أول خطوة في مسار الإخفاق في خطاب أوباما عندما بدأ بقضية ما أسماه "التطرف والتشدد" معطياً لها أسبقية في الترتيب على القضية المركزية في قلوب وعقول المسلمين وجميع أحرار العالم وهي قضية فلسطين، ومأساة شعبها الممتدة.

هنا بدأ يتفكك التلاحم ويبتعد التقارب الذي أحدثه النصف الأول من خطابه. أوباما ناقض نفسه عندما أكد أن أمريكا اضطرت على غير رغبة منها لشن الحرب على أفغانستان، ثم قال إن الحرب على العراق "اخترناها نحن". وبينما برر الحرب على أفغانستان بأنها لحماية أمريكا من تشدد طالبان ومنع تكرار 11 سبتمبر، برر الحرب على العراق بأنها "لمساعدة العراق في بناء مستقبل أحسن"، ثم تجاوز الواقع عندما قال إن "العراق اليوم أفضل بعد الإطاحة بحكم صدام حسين".

ثم ناقض نفسه مرة أخرى ـ ومرات ومرات تحتاج لمقالة مستقلة ـ عندما أكد في حديثه عن الديمقراطية أنه لا يمكن فرضها، ولا يجوز فرض نظام حكم معين على أية دولة. ولم يسائل نفسه: ولماذا فرضته بلاده على العراق بالقوة؟ ولم يعتذر بكلمة للشعب العراقي عن الأخطاء الفادحة الأخرى التي ارتكبتها القوات الأمريكية، وخاصة الجرائم ضد الإنسانية في سجن أبو غريب، والضحايا العراقيين بلغ عددهم حسب إحصاءات الأمم المتحدة مليونا وسبعمائة ألف قتيل منذ بدية التسعينيات، ناهيك عن المشردين والمفقودين، والمشوهين بإصابات وعاهات مستديمة من جراء الأسلحة الفتاكة التي استخدمتها بلاده ضدهم، وهم لم يمارسوا إرهاباً، ولم يشاركوا ولو بفرد واحد في هجوم 11 سبتمبر!!.

الضربة القاضية للمسار التصاعدي لنجاح خطاب أوباما جاءت عندما أكد على أن "العلاقات الأمريكية الإسرائيلية غير قابلة للكسر". بتلك الكلمات وضع أوباما وراء ظهره كل ما ذكره قبل ذلك وكسب به عواطف وقلوب المسلمين، وحدد نطاق كل ما ذكره بعد ذلك في بقية القضايا السبع التي تطرق إليها، على نحو جعل المطالب الإسرائيلية في قلب الرؤية التي قدمها، ولو كان ذلك على حساب الحق والقيم النبيلة التي تحدث عنها في بداية خطابه. إن قوله بـ "علاقات غير قابلة للكسر" لا يعني سوى استمرار الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل على حساب الحقوق العربية والفلسطينية.

وأبلغ البراهين على ذلك هو ما قاله أوباما نفسه. قال بوجوب "وقف الاستيطان"، ولكنه لم يتطرق إلى وجوب إزالة المستوطنات كبادرة حسن نية من جانب الكيان الصهيوني على التزامه بالسلام وحل الدولتين، وإلا أين ستقام الدولة الفلسطينية ما لم يتم تفكيك ـ وليس وقف ـ المستوطنات في الضفة الغربية بالكامل؟. وتحدث عن "حل الدولتين"، ولكنه لم يشر إلى مرجعية إقامة الدولة الفلسطينية وهو ـ في رأينا ـ قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1947 لا غيره، لأنه هو الوثيقة الدولية الوحيدة التي تتحدث عن حل الدولتين بتفاصيل دقيقة تجعل هذا الحل قابلاً للحياة.

رسب أوباما كذلك عندما تحدث عن "القدس" بصيغة التدويل ـ وهي أفضل طبعاً مقارنة بأن تكون عاصمة أبدية لإسرائيل ـ ولكن الحق الفلسطيني الذي لا يماري فيه إلا ظالم معتد هو أن تكون القدس عاصمة دولتهم المستقلة.

وتحدث عن المقاومة وأدانها باعتبارها عنفاً ضد "أبرياء" وتباكى على "أطفال ونساء إسرائيل الآمنين الذين ترهبهم وتقتلهم صواريخ الفلسطينيين"، ولم يدن بكلمة واحدة المجازر الوحشية الإسرائيلية ضد أطفال ونساء وشيوخ فلسطين، فقط "عنف المقاومة" هو الذي ظهر أمامه!!.

وتذكر محرقة النازية لليهود، ونسي محارق الصهيونية للفلسطينيين والعرب في غزة وصبرا وشاتيلا وقانا ودير ياسين...إلخ. وتحدث أيضاً عن السلاح النووي الإيراني ـ كما لو كان حقيقة واقعة، وهذا غير مؤكد على الأقل حتى الآن ـ وكيف أن امتلاك دولة واحدة لهذا السلاح يهدد كل دول العالم، ولم يشر إلى حالة "إسرائيل"!!.. ودعك من أسلحة أمريكا نفسها وحلفائها الأوربيين النوويين.

لم يترك الرئيس أوباما مسألة واحدة يتجلى فيها التحيز الأمريكي الأعمى لإسرائيل إلا وذكرها وأعاد التأكيد على هذا التحيز بأوضح ما يكون، ولم يفوت طبعاً "المبادرة العربية للسلام" التي اعتبرها مجرد "بداية مهمة"، ولا ندري ما المطلوب من العرب أكثر منها؟ اللهم إلا ما تطالب به إسرائيل وهو التطبيع الاقتصادي والثقافي والسياسي أولاً وقبل أي شيء... ولئن حدث فلن يكون بعده أي شيء.

كذلك طالب أوباما حماس بالمطالب الإسرائيلية الثلاثة التي تبنتها اللجنة الرباعية وهي: الاعتراف بإسرائيل، وبالاتفاقيات التي وقعتها السلطة الفلسطينية، وبوقف العنف؛ باختصار أن تلغي نفسها بنفسها، وتحفر قبرها بيدها، وتتنكر لدماء الشهداء وتنضم إلى لاعنيه بإرادتها، وكل هذا دون أي ضمانة من أي جهة للحصول على حقوق الشعب الفلسطيني.
 
رغم محاولة أوباما إقامة تكافؤ نظري في خطابه بين الحقوق المتعارضة والموازين المختلة على أرض الواقع، أملاً في أن يؤدي هذا التكافؤ النظري إلى تكافؤ فعلي على طريقة اليسار وأنصار السلام الإسرائيليين في التسوية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي باعتبارهما يتصارعان على حق متساوٍ بينما الحقيقة غير ذلك، نقول رغم هذا أخفق في الاقتراب من مكمن الخطأ في العلاقات الأمريكية الإسلامية خاصة، والغربية الإسلامية عامة، وهو التحيز الأعمى للكيان الصهيوني. ولم ينجح أوباما في الوصول إلى عقول المسلمين بشيء يقنعهم بتغيير هذه السياسة المتحيزة ضدهم، وكل ما فعله هو أنه قدم لنا البضاعة الأمريكية القديمة في علبة جديدة.


أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية - مصر.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات